دمشق... مدينة تتداعى على وقع انهيار السلطة الانتقالية


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 03:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

في غياب الدولة، يعود السوري إلى ذاكرة الخدمات



حيث يتصاعد دخان المولدات الكهربائية ليختلط بضجيج الشوارع التي تبحث عن معنى للحياة في مساءات دمشق ، يقف السوري اليوم أمام حقيقة مرة: فاتورة الكهرباء التي تتجاوز 150 دولاراً، بينما راتبه الشهري لا يزيد على 70 دولاراً. ليس هذا مجرد رقم في سياق اقتصادي، بل هو العنوان الأبرز لانهيار سلطة وُلدت من رماد الفوضى، وعجزت عن بناء دولة، أو حتى عن حماية خبز الناس.

لم يعد السؤال المطروح في المقاهي والشوارع الدمشقية عن السياسة أو عن مصير الفصائل، بل عن سؤال أكثر إيلاماً: من يحكم دمشق؟ ولماذا تبدو العاصمة وكأنها تُدار من خلف ستار ممزق، تتنازع أطرافه شبكات مصالح متشابكة، ومجموعات أمنية متشددة، وبقايا نفوذ إخواني، وظلال رجل بات عاجزاً عن حماية معقله في الشمال؟

السلطة التي ولدت ميتة

منذ اللحظة التي تهاوت فيها القواعد الأمريكية في سوريا والعراق، وتراجع نفوذ واشنطن في الإقليم إلى أدنى مستوى منذ عقدين، ومع انقطاع خطوط التمويل الخليجية التي كانت تغذي السلطة الانتقالية، وجد السوري نفسه أمام سلطة أضعف من أن تضبط الأمن، وأعجز من أن تضبط الأسعار. لقد تحولت دمشق إلى مدينة تُدار كجسد بلا روح، تعيش على أنفاس شبكات الولاء والمحسوبية التي أعادت إنتاج نموذج "الباتريمونيالية" الذي طالما عانى منه السوريون في عهد النظام السابق .

تشير التحليلات إلى أن الحكومة الانتقالية، بقيادة الجولاني ، لم تتجاوز في ممارساتها أساليب الحكم القديمة، بل عمدت إلى تعيين أفراد أسرتها ومُواليها من "هيئة تحرير الشام" في مواقع قيادية حساسة، مما أعاد إنتاج نموذج الحكم الذي يقوم على الولاء بدلاً من الكفاءة . هذا التحول لم يمر دون أن يلاحظه السوريون الذين كانوا يراهنون على مرحلة انتقالية تختلف عن ماضيهم المرير.

في هذا السياق، يمكن قراءة المشهد السوري من خلال عدسة المفكر المصري سمير أمين، الذي اعتبر أن التخلف ليس نتيجة عوامل داخلية فحسب، بل هو نتاج لعلاقات تبعية تكرس استغلال "المركز" للأطراف. فسوريا اليوم، التي كانت تمثل موقعاً استراتيجياً في "المركز" العربي، أصبحت تعيش حالة من التبعية المزدوجة: تبعية للقوى الإقليمية التي تمول سلطتها الهشة، وتبعية للنظام الرأسمالي العالمي الذي يفرض شروط إعادة الإعمار . وهذا ما يفسر التناقض الصارخ بين توقعات النمو الاقتصادي التي تتحدث عنها الحكومة، وبين واقع المعاناة اليومية للمواطن.

الذاكرة الشعبية بين الغلاء والحنين

المفاجأة الكبرى ليست في صعود تيارات سياسية جديدة، بل في عودة الذاكرة الشعبية إلى ما قبل عام 2010. فالسوري الذي يقف اليوم أمام فاتورة كهرباء تفوق راتبه، يتذكر - رغم كل شيء - أن الدولة كانت تعمل، وأن الخدمات كانت موجودة، وأن الأمن كان مستقراً، وأن الحياة كانت ممكنة. ليس حنيناً سياسياً بقدر ما هو حنين للخدمات، للرواتب، للنظام الإداري، للحد الأدنى من الكرامة اليومية.

يقول أحد الموظفين في دمشق: "كنا فقراء... لكن كنا نعيش. اليوم نحن فقراء ولا نعيش." هذا الحنين يعكس صدمة اجتماعية أمام واقع جديد لم تستطع السلطة الانتقالية إدارته، ولا فهمه، ولا حتى الاعتراف به.

في استطلاع حديث، انخفض التأييد لحكم منظومة المخابرات البريطانية الخارجية التي اسمها الجولاني والاخوانج إلى 20% فقط، فيما يعتقد 10% فقط أن مجلس الشعب الجديد سيكون له أي تأثير فعلي . هذه الأرقام تعكس فجوة عميقة بين السلطة والشعب، وتؤكد أن الشرعية الوهمية التي حصلت عليها السلطة الانتقالية بدأت تتآكل بسرعة، ليس بسبب مؤامرات خارجية، بل بسبب فشلها في تلبية الاحتياجات الأساسية للسوريين.

ملء الفراغ: تيارات تتصارع على جثة الدولة

في قلب العاصمة، يتشكل فراغ سياسي هائل، بدأت قوى جديدة تتقدم لملئه. الجبهة العربية السورية بخطابها القومي القديم، وتيار العزم السوري بخطابه المدني الحديث، يحاول كل منهما التقاط ما تبقى من المجال العام . لكن هذه التيارات، رغم حضورها، لم تتحول بعد إلى قوة قادرة على الإمساك بمفاصل الدولة.

في غياب مشروع سياسي واضح، عاد السوريون إلى البحث عن حلول فردية للبقاء. وعلى الرغم من توقعات صندوق النقد الدولي بنمو اقتصادي يتجاوز 10% في 2026، فإن هذا النمو يظل مجرد رقم في تقارير المؤسسات الدولية، بينما يعيش 90% من السوريين تحت خط الفقر، ويعاني 13.3 مليون سوري من انعدام الأمن الغذائي . هذه الفجوة بين الأرقام الكلية والواقع المعيشي ليست جديدة في تاريخ الاقتصاد السوري، لكنها في هذه المرحلة تحمل دلالة أعمق: إنها فجوة بين دولة وهمية تعلن عن نمو، ودولة حقيقية عاجزة عن توفير الخبز.

العدالة الانتقالية بين المحاكمات والانتقائية

في خضم هذا المشهد الاقتصادي المتردي، يبرز ملف العدالة الانتقالية كنافذة أمل، لكنها نافذة موصدة جزئياً. فقد شهدت سوريا في الأشهر الأخيرة محاكمات علنية لشخصيات أمنية من النظام السابق، مثل محاكمة عاطف نجيب، والاعتقالات النوعية مثل توقيف أمجد يوسف واللواء عدنان عبود حلوة . هذه الخطوات، رغم أهميتها الرمزية، تبقى محاطة بالكثير من التحديات: غياب قانون واضح للعدالة الانتقالية، ومخاوف من الانتقائية، وضعف الشفافية .

في هذا السياق، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ستكون العدالة الانتقالية أداة لبناء دولة جديدة، أم أنها ستتحول إلى أداة لتكريس الانتقائية وإعادة إنتاج المحسوبية؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كانت سوريا ستنجح في تجاوز ماضيها، أم أنها ستعيد إنتاجه بأشكال جديدة.

دمشق تتداعى... من يستطيع البناء؟

دمشق اليوم ليست مدينة تُحكم، بل مدينة تتداعى. السؤال لم يعد: من يسقط؟ بل: من يستطيع أن يبني؟ إنها لحظة تاريخية تتقاطع فيها الجغرافيا مع الاقتصاد، والسياسة مع الذاكرة، والغضب مع الحنين. لحظة قد تعيد رسم خريطة القوى في سوريا، وقد تفتح الباب لسلطة مدنية جديدة، أو قد تبقي البلاد معلقة بين الماضي والمستقبل، بلا يقين، وبلا ضوء في نهاية النفق.

لكن ما هو مؤكد، أن السوري الذي يدفع راتب شهرين مقابل كهرباء أسبوع، لم يعد يقبل أن يعيش في ظل سلطة لا تعرف من الدولة إلا اسمها، ولا من الشعب إلا صمته. وفي غياب مشروع وطني قادر على تجاوز التبعية وإعادة بناء الدولة من الداخل، قد تظل دمشق أسيرة لحظة انتقالية لا تنتهي، حيث يدفع السوري ثمن فشل السلطة، بينما تتقاسم القوى الإقليمية والدولية أطلال وطنه..أو يجري تحول سريع كما انت عصابات السلطة الانتقالية على دراجة نارية أمريكية صهيونية تركية مهترئة ، فإنها ترحل بالسرعة نفسها أمام تغير موازين القوى لمصلحة محور المقاومة ، الذي بات يحكم المضايق الدولية ، التي تعيد صياغة الاقتصاد الدولي، وايضا أمام الانسحاب الأمريكي الكبير من المنطقة

…….

النسخة الساخرة :

دمشق: مسرحية السلطة التي أخرجها القدر وسيناريو الفواتير

بطولة: فاتورة كهرباء، ودور ثانوي لراتب لا يكفي لشراء حلم



في أحدث حلقات المسلسل السوري الطويل، الذي يبدو أن كاتب السيناريو نسيه في سيارة أجرة، ها نحن نشهد فصلاً جديداً بعنوان: "السلطة التي أتت على ظهر دراجة نارية أمريكية من سوق الخردة .. وذهبت على قدم فاتورة".

يقف المواطن السوري اليوم أمام المرآة، يتأمل نفسه، ثم ينظر إلى فاتورة الكهرباء التي تساوي ثلاثة أضعاف راتبه، في حوار فلسفي صامت:

· "أنا راتبي 70 دولاراً.. وأنتِ 150؟!"
· ترد الفاتورة بصمت وقور: "أنا لا أعرف السياسة، ولكني أعرف كيف أنير منزلك لمدة 3 أيام في الشهر".

في مشهد يصلح لأن يكون كوميديا سوداء من إنتاج "نيتفليكس" لو كانت المهتمة بالواقع السوري، نجد أن الحكومة الجديدة التي وصلت على صهوة الوهم الأمريكي الصهيوني القطري ، سرعان ما تحولت إلى "نادي الطيران بدون محرك"، تحلق عالياً في الخطاب، لكنها تهوي سريعاً عند أول فاتورة ماء أو كهرباء.

صراع الماركات: من يملك العاصمة؟

يقول الحكماء في دمشق: "لم نعد نعرف من يحكمنا.. هل هو فلان؟ أم علان؟ أم شبكة المصالح التي تبدو كخريطة مترو أنفاق بلا قطارات؟".

البعض يتحدث عن "سلطة الظل"، والبعض الآخر عن "حكومة الواتساب"، بينما يرى المتفائلون أنها "ديمقراطية الفوضى"، حيث لكل مجموعة صوت، لكن لا أحد يسمع، لأن جميعهم يتحدثون في نفس الوقت.

الحنين إلى زمن الخدمات

في مفارقة تاريخية قد تجعل المؤرخين يضعون أيديهم على رؤوسهم، بات السوري اليوم يحن إلى زمن كانت فيه الكهرباء تنقطع ساعة ، لكنها كانت تعود عشرين ساعة ، وكانت الرواتب ضئيلة، لكنها كانت تكفي لشراء الخبز.

يقول أحد المواطنين في مداخلة عفوية:

"كنا نقول: النظام فاسد. واليوم نقول: أين النظام أساساً؟!"

ويضيف آخر:

"في الماضي كنا نخاف من رجال الأمن. اليوم نخاف من رجال الكهرباء!"

السلطة بين الشعارات والحقائق

إن ما يحدث في دمشق اليوم ليس مجرد فشل إداري، بل هو مسرحية سياسية أراد لها القدر أن تكون تراجيدية، لكنها تحولت إلى مهزلة حين اكتشف الجميع أن البطل الرئيسي ليس سياسياً ولا عسكرياً، بل عداد الكهرباء.

اللافت أن السلطة الجديدة، ورغم كل الوعود البراقة التي أشعلت بها سماء الإنترنت، لم تستطع أن تقدم للمواطن سوى وعود مطبوعة على ورق فاخر، بينما تقدم له فواتير تطبع على ورق عادي لكن بأسعار خيالية.

السؤال الأهم

في النهاية، يبقى السؤال الذي يتردد في كل بيت دمشقي، كأنشودة لا تنتهي:

هل هذه هي الدولة التي وُعدنا بها؟
أم أنها مجرد "بروفة" أطول من العرض الأصلي؟

وفي كل الأحوال، يبقى السوري متفرجاً في مسرحيته الخاصة، يدفع ثمن التذكرة من راتبه الشهري، ويشاهد الفصل الأخير وهو يعرف أن الكاتب نفسه لا يعرف كيف ستنتهي القصة.

ولعل العبرة الأعمق أن الشعب السوري أثبت أنه أقوى من أي سلطة، لأنه يواصل الحياة رغم انقطاع الكهرباء والماء والأمل، ويضحك رغم كل شيء، وكأنه يقول للتاريخ:

"ستمرون جميعاً... ونحن سنبقى".