سيناريو بايدن يتكرر.. ترامب أكثر عداءً لروسيا وأوفى للوبي الحربي
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 19:05
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في المشهد السياسي الفرنسي، يلوح شبح تدخلات روسية مزعومة كذريعة يلوذ بها سياسيون باهتون يبحثون عن تفسير لفشلهم الذريع. فما إن يطلّ غابرييل "عتال" جديد على الساحة، حتى يرفع شعار "مكافحة التضليل الروسي"، مكرّراً سيناريو بايدن وترامب اللذين روجا لتهديدات موسكو بينما كانا في الواقع أداتين طيعتين بيد المجمع الصناعي العسكري الأمريكي.
فالحقيقة التي لا تُروّجها وسائل الإعلام الناعمة، أن الصراع الحقيقي ليس بين واشنطن وموسكو، بل بين رأس المال المسيطر على صناعة القرار في البيت الأبيض، وبين أي قوة تسعى للاستقلال عن إملاءاته. فالمجمع الصناعي العسكري، ذلك الكيان الخفي الذي يمتد نفوذه من أروقة البنتاغون إلى غرف مجالس إدارة شركات الأسلحة، هو من يصنع سياسات واشنطن الخارجية، ويوجه دفة الحروب الأمريكية الاستعمارية.
ترامب: عداء مفضوح لروسيا وولاء للوبي الحربي
واللافت أن دونالد ترامب، الذي روج البعض لعلاقاته الوثيقة بالكرملين، أثبت بعد وصوله للبيت الأبيض أنه الأكثر عداءً لروسيا، والأوفى لمتطلبات المجمع الصناعي العسكري. فإدارة ترامب لم تكتفِ بزيادة ميزانية البنتاغون، بل مضت قدماً في دعم الإبادة الجماعية في غزة، حيث كشفت دراسة أمريكية أن واشنطن دفعت أكثر من 31 مليار دولار كمساعدات عسكرية للكيان الإسرائيلي في عامين فقط ، وهو مبلغ ضخم لولا هذه الأموال لما كان "جيش الكيان الأكثر لا أخلاقية في العالم" قادراً على مواصلة حرب الإبادة .
بل إن ترامب تجاوز أسلافه عندما كشف عن مشروع "استيطاني" واضح، معلناً أن "الولايات المتحدة ستسيطر على قطاع غزة" ، وأنها ستمتلكها وتعمل على تطويرها كـ"فرصة استثمارية فريدة" . وهذا الكشف الفاضح جاء ليؤكد أن الحرب على غزة لم تكن سوى غطاء لمشروع إمبريالي يهدف إلى تهجير الفلسطينيين وسرقة أرضهم، في مشروع أسماه البعض "مشروع ريفييرا الشرق الأوسط" .
الشخصيات الباهتة .. ذريعة روسيا
في هذا السياق، تأتي الشخصيات الباهتة في المشهد السياسي الأوروبي، وخاصة الفرنسي، لتكرر ذات السيناريو. هؤلاء السياسيون، الذي يفتقدون أي برنامج نهضوي حقيقي لفرنسا، يلجأون إلى رفع شبح "التدخل الروسي" كغطاء لفشلهم في معالجة الأزمات البنيوية التي تعصف بالبلاد. فهم لا يختلفون عن اليمين المتطرف الذي يتبارى في تقديم برامج هلامية تخدم الأقلية المالية الأوليغارشية نفسها التي دمرت فرنسا وشعبها خلال العقود الماضية .
وهؤلاء السياسيون، الذين يقدمون أنفسهم كضحايا لشبكات روسية، إنما يمارسون خدعة سياسية مكشوفة، تهدف إلى صرف انتباه الرأي العام عن التحديات الحقيقية التي تواجهها فرنسا: من تفكيك الخدمات العامة، إلى تآكل الطبقة الوسطى، وصولاً إلى تهميش الأغلبية الشعبية التي تئن تحت وطأة سياسات تقشفية مدمرة.
لا بديل.. فرنسا الأبية وميلنشون
في مواجهة هذه السرديات الزائفة، تبرز ضرورة التغيير البنيوي الذي ينادي به حزب "فرنسا الأبية" بزعامة جان-لوك ميلنشون. ففرنسا اليوم بحاجة ماسة إلى تغيير النمط، إلى قطيعة جذرية مع السياسات النيوليبرالية التي حولت البلاد إلى سوق مفتوحة أمام رأس المال، وإلى إعادة توزيع الثروة لمصلحة أغلبية الشعب الفرنسي.
فميلنشون، ببرنامجه الواضح والمختلف، يمثل الأمل الأخير لفرنسا في استعادة سيادتها وقيمها الجمهورية، بعيداً عن تبعية السياسيين الباهتين للوبيات الأجنبية وصراعات الإمبريالية الأمريكية. إنها فرصة فرنسا الأخيرة لإنقاذ نفسها من براثن أوليغارشية مالية لا تعرف سوى لغة الربح والدمار، كما جرى في غزة وكما يجري في كل بقعة من بقاع العالم حيث تلوّح أمريكا بسلاحها وتروج لأكاذيبها.
……..
النسخة الساخرة :
عرض أزياء "الوطنيين" في باريس.. من يلحس مؤخرة الأوليغارشية بأسلوب أكثر أناقة؟
في حلقة جديدة من مسلسل "المهرجون يغزون الإليزيه"، يطل علينا غابرييل عتال، ذلك الشاب الذي يبدو وكأنه خرج لتوّه من صفحة مجلة أزياء أكثر مما خرج من مدرسة سياسية، ليخبرنا بكل جديّة أنه ضحية مؤامرات روسية! نعم، يا سادة، روسيا التي لا تكاد تجد فرنسا على الخريطة إلا باستخدام عدسة مكبرة، قرّرت فجأة أن تستهدف هذا الكوكايين السياسي الباهت!
والغريب أن عتال ليس الوحيد في هذا العرض الكوميدي، فهناك مارين لوبان التي تضرب بقبضتها على الطاولة وتصرخ "لا للهجرة!"، بينما تهرول في الخفاء لتقبيل أقدام البنوك التي تمول حملاتها الانتخابية. تنافسٌ شرسٌ على لقب "أكثر المطبلين للأوليغارشية"، وكأن فرنسا أصبحت ساحة مصارعة بين من يلحس مؤخرة رأس المال بأسلوب أكثر أناقة!
سيناريو مكرر: بايدن وترامب في قالب فرنسي
إنه سيناريو بايدن وترامب يعاد إنتاجه مع نكهة جبن روكفور! ففي أمريكا، كان كلاهما يتنافسان في التظاهر بمعاداة روسيا، بينما كانا في الحقيقة يرضّعان المجمع الصناعي العسكري بأموال دافعي الضرائب. بايدن يصرخ "بوتين شرير!"، وترامب يزمجر "سأضرب موسكو!"، والنتيجة؟ حربان مدمّران في أوكرانيا وغزة، وشركات الأسلحة تضحك حتى كبدها من كثرة الأرباح.
والآن يأتي عتال ليقول لنا: "أنا أيضاً أرى أشباحاً روسية!"، وكأنما يقول: "انظروني، أنا مهم! هناك من يتآمر ضدي!" والحقيقة أن أكثر ما يهدد عتال ليس الروس، بل فشله الذريع في تقديم أي حل لأزمة الضواحي، أو البطالة، أو تآكل النظام الصحي الذي أصبح أشبه بمتحف آثار.
برامج هلامية .. ومن يفوز يخسر!
المشهد الأطرف أن اليمين واليمين المتطرف في فرنسا يتنافسان كالأطفال على قطعة حلوى، يقدمان برامج لا تختلف عن بعضها إلا في شعارات الاستفزاز العاطفي. كلاهما يريد تقليص الميزانيات الاجتماعية وزيادة الضرائب على الفقراء وتقديم الهدايا للأغنياء، وكأنهما في سباق محموم نحو الهاوية.
والعجيب أن حروبهم الانتخابية تذكّرنا بمعارك الديوك في الريف الفرنسي، حيث الضجيج أعلى من الأثر، والنهاية دائماً تكون لمصلحة مزارع الدجاج الذي يبيع الديوك لمن يرغب. والنتيجة؟ يخسر الشعب الفرنسي دائماً، في حين تبتسم الأوليغارشية المالية التي تمول كل الأطراف، مثلما يبتسم القط عندما يلعب بالفئران قبل أن يأكلها.
جبهة واحدة ضد البديل الحقيقي
لكن المفارقة الأعجب أن هؤلاء "الوطنيين" المزيفين، الذين يتنافسون على خدمة الأقلية المالية، يجتمعون فجأة في جبهة موحدة كلما تعلق الأمر بجان-لوك ميلنشون وحزب فرنسا الأبية! فجأة ينسون خلافاتهم، ويتحدون كما تتحد الذئاب عند رائحة الخروف، ليصرخوا بأعلى صوت: "الخطر اليساري!"، "ميلنشون المتطرف!"، كأن تقديم برنامج ينقذ الأغلبية الشعبية أصبح جريمة في حق الديمقراطية!
فرنسا الأبية.. الحلم الذي يزعج الأوليغارشية
في هذا الكوميديا السوداء، يبقى حزب فرنسا الأبية كالصخرة في وجه الأمواج العاتية. ميلنشون يأتي ببرنامج واضح كالشمس: إعادة توزيع الثروة، كسر احتكار الأوليغارشية للسلطة، استعادة السيادة الوطنية، ورفع الغطاء عن الفساد المستشري الذي حوّل فرنسا إلى متجر خصومات للأغنياء.
ولهذا يخافه هؤلاء المهرجون، لأن ميلنشون لا يبيع الأوهام، ولا يعد بأساطير عن أعداء روسيين، ولا يغازل لوبي الأسلحة الذي يضحّي بدماء الأطفال في غزة من أجل أرباحه. ميلنشون يعد بما هو أبسط من ذلك: دولة تخدم شعبها، لا دولة يخدم شعبها الأوليغارشية!
الخلاصة.. الكرة في ملعب الشعب الفرنسي
إنها حقاً فرصة فرنسا الأخيرة، أو كما يقول أهل باريس في الأسواق: فرصة أخيرة قبل أن تغلق الدكان وتتحول كلها إلى متحف للسياح الأغنياء. إما أن يستيقظ الفرنسيون على دقات الساعة، ويمنحوا أصواتهم لمن يريد حقاً إنقاذهم، وإما أن يستمروا في التصفيق للمهرجين الذين يتنافسون في لحس مؤخرة الأوليغارشية، حتى تختفي فرنسا تماماً من قائمة الدول القوية، وتصبح مجرد حلقة في برنامج تلفزيوني اسمه "الدول التي كانت يوماً..."!
فأي العرضين ستختار؟ عرض الأزياء السياسي البائس، أم التغيير الجذري الحقيقي؟ القرار يعود لك أيها الفرنسي، لكن تذكّر: المهرجون يضحكون على من يدفع الثمن، والنهاية ليست دائماً سعيدة لأولئك الذين يصدقون الأقنعة!