أميركا تتغيّر... والكيان يتصدّع: كيف يعيد الرأي العام الأميركي رسم مستقبل -إسرائيل-؟


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 16:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

منذ عقود، كان الكيان الصهيوني يبني وجوده على يقينٍ راسخٍ بأن الولايات المتحدة، بكل أذرعها السياسية والعسكرية والشعبية، هي الضامن الأخير لبقائه ومشروعيته في منطقةٍ تعتبره دخيلاً عليها. لكن هذا اليقين الذي استمر لأكثر من سبعين عاماً، لم يعد اليوم سوى ذكرى من الماضي، إذ يشهد الرأي العام الأميركي تحولاً تاريخياً غير مسبوق، بدأ كتململٍ في الجامعات والشارع، وتضاعف ليصبح نزيفاً في شرعية الكيان داخل أروقة الكونغرس نفسه. ما يجري في أميركا ليس مجرد "تراجع دعم" عابر، بل انهيار سرديةٍ كاملةٍ كانت تشكل العمود الفقري للتحالف الغربي مع "إسرائيل".

المشهد المتغير: أرقامٌ لا تحتمل التأويل

لم يعد المشهد الأميركي ذلك الفضاء الودود الذي يستقبل فيه السياسيون أي "إسرائيلي" بترحاب. وفقاً لأحدث استطلاعات مركز "بيو" للأبحاث في يوليو/تموز 2026، أعرب 42% من البالغين الأميركيين عن رأيٍ غيرِ مؤاتٍ تجاه تجمعات الكيان "الإسرائيلي" نفسه، بينما وصلت النظرة السلبية للحكومة "الإسرائيلية" إلى 62% . هذه الأرقام التي كانت تُعتبر "خيانة" قبل عقد من الزمن، أصبحت اليوم واقعاً ملموساً يتخطى الحواجز الحزبية. فالانقسام لم يعد يقتصر على الديمقراطيين الذين هبطت نسبة النظرة الإيجابية لديهم للحكومة "الإسرائيلية" إلى 16% فقط، بل تعداه ليشرب من نفس الكأس ما يسمى بـ"الجمهوريين الشباب"، حيث كشف استطلاع "بيو" أن 57% من الجمهوريين بين 18 و49 عاماً يحملون نظرة سلبية تجاه "إسرائيل" . هذا يُمثّل زلزالاً في معادلات السياسة الأميركية، خاصةً وأن حزبَي الديمقراطي والجمهوري كانا يتسابقان في إثبات ولائهما للكيان.

أجيالٌ جديدة ترى بعيونٍ مختلفة

يكمن جوهر التحول في تغيرٍ جيليٍ عميق. الأجيال الأميركية الجديدة التي لم تعش سرديات الحرب الباردة، لم تعد ترى في "إسرائيل" ذلك الكيان الصغير المحاط بالجيوش، بل تراها من خلال صور غزة، وأرقام الضحايا التي تجاوزت الـ 72 ألف شهيد، والانهيار البنيوي الإنساني، والتغطيات المستقلة عبر شبكات التواصل الاجتماعي . هذا الجيل الذي كبر مع انتشار مقاطع الفيديو من غزة، لا يجد صعوبة في وضع "إسرائيل" في موقع المتهم، بل بات يرى فيها "عبئاً سياسياً وأخلاقياً"، كما يصف بعض المحللين . وللمرة الأولى في تاريخ استطلاعات الرأي منذ 2001، أظهر استطلاع "غالوب" في فبراير/شباط 2026 أن 41% من الأميركيين يتعاطفون مع الفلسطينيين مقابل 36% مع "الإسرائيليين"، وهي قفزة نوعية بقيادة جيل الشباب .

من "المال السياسي" إلى "كسر التابوهات"

لم يعد تأثير هذا التحول محصوراً في صناديق الاقتراع العامة، بل اخترق جدران الكونغرس الذي طالما كان حصناً منيعاً للوبي الصهيوني. في مشهدٍ يعكس عمق الأزمة، صوت 40 من أصل 47 سيناتوراً ديمقراطياً ضد صفقة أسلحة ضخمة مع "إسرائيل"، بعد أن كان عدد الأصوات المعارضة لا يتجاوز 11 في محاولات سابقة . هذا التطور الذي وصفه السيناتور بيرني ساندرز بـ"التحول الجذري"، يؤكد أن دعم "إسرائيل" لم يعد ورقة رابحة، بل أصبح يشكل عبئاً على المرشحين خاصةً في التيار التقدمي. وزاد الطين بلةً، تصريحات نائب الرئيس جيه دي فانس الذي اتهم علناً وزراء في الحكومة "الإسرائيلية" بتنظيم حملات تشويه وتأثير ممنهجة ضد الدبلوماسية الأميركية، ليصل الأمر إلى حد اتهام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بـ"الجنون" بتوريط أميركا في حربٍ غير محسوبة مع إيران . هذه التصريحات التي كانت ستُعتبر "انتحاراً سياسياً"، أصبحت اليوم جزءاً من الخطاب السائد.

تراجع الدعم أم انهيار المشروع؟

الكيان الصهيوني لم يكن يوماً مشروعاً مستقلاً، بل كان رافعةً وظيفيةً للهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط. ومع تراجع هذه الهيمنة عالمياً، وتآكل الدعم الشعبي والرسمي داخلياً، يدخل الكيان في مرحلة انكشاف خطيرة. فالتراجع لا يقتصر على الدعم السياسي، بل يمتد إلى قدرة الردع العسكري التي تآكلت بفعل تعدد جبهات المقاومة من غزة إلى لبنان إلى اليمن الذي أغلق البحر الأحمر، وصولاً إلى إيران التي نجحت في الصمود . هذا التآكل البنيوي يضع "إسرائيل" أمام معادلة صعبة: إما الاستمرار في سياسة الاستنزاف التي ترهق جيشها واقتصادها، أو القبول بحلول سياسية تعيد تعريف هويتها ومكانتها في المنطقة بإلغاء شروط إقامتها الاستعمارية . ومع أن الحديث عن "نهاية فورية" قد يكون مبالغاً فيه، إلا أن المؤشرات كلها تؤكد أن الكيان الذي عرفناه، ذلك الكيان المدعوم بلا شروط والمنيع بدرع أميركي، لم يعد موجوداً. أميركا تغيرت، وغرب آسيا يرسم ملامحه الجديدة، و"إسرائيل" تجد نفسها بلا مظلة في عاصفة التحولات التاريخية.