الذاكرة الخصبة في كتاب -أسماء في الذكارة- محمود شقير


رائد الحواري
الحوار المتمدن - العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 16:40
المحور: الادب والفن     

الخصب عقيدة فلسطينية/ سورية ترجع إلى فجر التاريخ "البعل تموزي" فعندما يتم تذكيرنا بقامات وطنية وأدبية وتربوية وثقافية فهذا ينشط الذاكرة ويمنحنا نشاطا/ طاقة نحن بأمس الحاجة لها في زمن الموت/ القهر/ التخاذل/ الانهزام/ الخيانة، فكما كانت عودة البعل/ تموزي تفرح أجدادنا، ها هو "محمود شقير" يفرحنا باستعادة هؤلاء الذي أعطوا وقدموا لنا الكثير.
أهمية الكتاب تكمن في تذكيرنا بشخصيات نذرت نفسها لفلسطين ولشعبها، فالكاتب يستخدم هذه الفقرة أكثر من عشرة مرات: "وأمضى في سجن الجفر الصحراوي ثماني سنوات، افرج عنه وعن بقية المعتقلين عام 1965" طبعا هذا الاستخدام متعلق بالشخصية التي توقف عندها الكاتب، فالاعتقال يكاد يعم كل الشيوعيين الذي تناولهم، فهناك من تعرض للاعتقال من ثلاث جهات، الإنجليز قبل ال48، والأردن بعد وحدة الضفتين، ودولة الاحتلال بعد حرب حزيران 67، ومنهم تعرض لاعتقال من الأردن ودولة الاحتلال، ومنهم من تعرض للاعتقال والنفي/ الإبعاد من دول الاحتلال، إذن نحن أمام شخصيات دفعت ضريبة الوطن، من السجن واعتقال ونفي، فرغم حجم المعاناة والقسوة التي تعرضت لها، استمرت محافظة على الفكرة/ العقيدة التي حملوها الشيوعيون، فلم يتزحزحوا قيد أنملة عن إيمانهم، هذه ميزة الشيوعيين الذي كانوا مثلا في العطاء والتضحية والصمود والبسالة ونكران الذات، فكم نحن بحاجة الآن إلى مثل هؤلاء الذي أنكروا أنفسهم في سبيل قضية أمنوا بها، ولم يطلبوا مناصب ولا مراكز ولا وظيفة ولا مال نظير سجن على (سرقة دجاجة)!!!
تكمن أهمية الكتاب أنه يضم شخصيات من كافة المدن الفلسطينية، ولم يفرق بين الضفة وغزة والقدس وفلسطين ال48، بمعنى أن الكاتب أعادة الوحدة التاريخية لفلسطين: "فائق وراد" من رام الله، معين بسيسو من غزة، وليد مصطفى" من بيت لحم، "خليل أبو جيش" من نابلس، "عصام مخول" البقيعة/ الكرمل، "فاروق السلفيتي" من سلفيت، "محمد أو شمعة" من طولكرم، "عبد الله الرشماوي" من بيت ساحور، كم توقف عند شخصيات الحزب من شرق الأردن "يعقوب زيادين، عيسى مدينات، منير حمارنة، غالب هلسة" وتوقف عند شخصيتي إسرائيليان "ماير فلنر، فيليتسا لانغر" كما توقف عند بعض الشخصيات تنتمي لحزب البعث العربي الاشتراكي: "محمد جوهر، داود عبده" وحركة فتح: "ماجد أبو شرار، عثمان أبو غربية" إضافة إلى شخصيات أدبية وتربوية وفنية" فاروق وادي، عدي مدينات، فخري قعوار، محمد البكري، خليل السكاكيني" كما توقف عند شقيقته "أمينة" التي خصها بعشرين صفحة، وهذا أطول وقفة في الكتاب.
طريقة تقديم الكتاب
جاء الحديث عن غالبية الشخصيات من خلال صفحة واحدة وبين الثلاث صفحات، لكنه تجاوز هذا العدد عندما تحدث عن "خليل السكاكيني" حيث تحدث عنه بإحدى عشرة صفحة، متوقفا عند أهمية ما قدمه "السكاكيني" في مجال التربية والتعليم: "تأسست مدرسة السكاكيني على احترام التلاميذ، ومنعت استخدام الضرب والعقاب البدني الذي يهدر كرامتهم، ويضعف شخصياتهم، ويمتهن عقولهم، وألغت تفقد الحضور والغياب كل صباح، تعبيرا عن ثقته بالتلاميذ وترغيبهم في المدرسة وتعزيز الأجواء الأسرية فيها.
وألغت الاعتماد على نظام العلامات الذي لا يعطي تقديرا دقيقا لقدرات التلاميذ ورفضت المناهج التلقينية البتي تبلد الذهن وترهقه، واعتمدت أسلوب البحث الحر والتساؤل والتدقيق والشك والتمحيص واستنتاج المعارف، وشجعت على المطالعة الحرة وقراءة الكتب والتزود بشيء من الأفكار من دون قمع أو تغيب أو إقصاء" ص64، فالكاتب يعي أهمية ودور ما قدمة السكاكيني من أفكار متعلقة بالعملية التعليمة التي طالت حتى المعلم نفسه: "المعلم ليس معلما للتلاميذ وحسب، بل هو معلم للمجتمع كذلك" ص65، فرغم مرور أكثر من سبعين سنة على رحيل السكاكيني، إلا أن أفكاره وما قدمه كان يمكن أن يغير المنطقة العربية برمتها لو أخذت وزارات التربية والتعليم بأفكاره وتعاليمه، لكن الجهل والتخلف سمة تكاد أن تكون عامة في هذه الأمة التي لا تحسن أن ترتقي، ولا تحسن التعامل مع الأفكار التي تخلصها/ تحرر ها مما هي فيه.
أما حديثه عن "أمينة" التي توقفت وهي صغيرة إحدى وعشرين سنة، حيث كانت تتعرض لمعاملة قاسية من زوجها، وهذا ما جعل الكاتب يشعر بالذنب تجاه شقيقته التي عُوملت بقسوة من زوجها، فرغم تعلميه العالي وما يحمله من أفكار تقدمية، إلا أنه لم ينقذها من الموت، ولم يستطع أن يغير المجتمع الذي يرى مرأة كائن دون الرجل: "تعليم البنت ترف زائد ونوع من الكماليات التي لا لزوم لها" ص192، من هنا حاول (التكفير) عن تقاعسه من خلال خصها بأكبر عدد من الصفحات.
حيادية انحياز الكاتب
الانفتاح على (الآخرين) من غير الشيوعيين يحسب للكاتب الذي أكد (ديمقراطيته) وحيادته عندما يكتب، لكن هناك ملاحظة على عدم توقفه عند بعض الشخصيات مثل "عربي عواد" الذي تم نفيه عام 1973، أعتقد هذا الموقف يحسب عليه، خاصة أن "عربي عواد" يعد من القيادات البارزة في الحزب.
وبما أن الكاتب توقف عند مشهد يعد ذروة الإخلاص والانصياع لقرارات الحزب، موقف "فاروق السلفيتي" عندما ذهب للوقوف لتقبل التعزية بشقيقه "فهمي السلفيتي" ـ حيث كان هناك قرار حزبي بعدم المشاركة أي عضو في الحزب بأية فاعلية/ مناسبة تتعلق بالكادر اللينيني ـ إلا أن الموقف (موت شقيق) دفع "فاروق" ليقف في بيت العزاء ليستقبل المعزين، بعد انتهاء بين العزاء قدم "فاروق" اعتذار للحزب على هذا التصرف ـ المخالف لقرارات (حضور بيت عزاء شقيقه) أعتقد كان على "محمود شقير" أن يكون "كفاروق السلفيتي" يتجاوز القرارات الحزبية ـ هذا إن كان هناك قرار بعدم التعامل/ الحديث عن عربي عواد ـ خاصة ان الرجل فقد ابنه "فهد" شهيدا في لبنان، وهو غادر الحياة منفيا عن وطنه فلسطين، وعن المكان الذي عاش فيه "دمشق"
الكتاب من منشورات دار التنوير، القدس، الطبعة الأولى 2026.