عالم الكتابة في -قراءات نقدية في نصوص وروايات فلسطينية، إطلالة على أدب الحرية- الجزء الثاني- للناقد مصطفى عبد الفتاح.


رائد الحواري
الحوار المتمدن - العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 23:52
المحور: أوراق كتبت في وعن السجن     

عالم الكتابة في "قراءات نقدية في نصوص وروايات فلسطينية، إطلالة على أدب الحرية" الجزء الثاني" للناقد مصطفى عبد الفتاح.
بعد قراءات عديدة وجدت أن الكاتب الجيد يستطيع الكتابة في أكثر من جنس أدبي، ويقدم ما هو ممتع، مفيد، جديد، فرغم كثرة ما كتب عن أدب الحرية في فلسطين، إلا أن هذا المؤلف له نكهة خاصة، وذلك لأنه يبين أهمية الكتابة ودورها كعنصر تخفيف، كأداة حياة، ففكرة الكتابة ودورها في تحرير عقل ووجدان الأسير من السجن تكاد تعم كافة أجزاء الكتاب، يستشهد الكاتب بما قالته "مي الغصين": "أنهضي وانطلقي كجواد مجنح، وأكتبي فوق جدار الروح، بمداد القلب، استعيري ألوان الطيف وبليها بالمطر وأرسمي بابا لا يصله مفتاح السجانة، نحو دروب الحياة يفتح" ص26، نلاحظ أن الكتابة تتجاوز كونها وسيلة نضال ومقاومة، ليمتد إلى كونها وسيلة حياة، وسيلة تأكيد إنسانية الفلسطيني وشغفه في الحياة، وفي هذا السياق يقول الروائي والشاعر والناقد "كميل أبو حنيش": "الكتابة بأنها هجرة إلى الحرية عبر اللغة" ص32، نلاحظ دقة التعبير، فاللغة الأدبية شرط للكتاب الإبداعية، ولا يمكن أن يكون هناك أدب دون لغة تناسب الموضوع/ الفكرة/ الجنس الأدبي.
وينقل ما قاله الأسير الشهيد "وليد دقة" عن الكتابة: "إننا نكتب عن السجن لننفيه" ص69، معادلة جدلية تبين حجم المعرفة/ الثقافة التي يتمتع بها الأسير، فهو يحارب الشيء بذكره، بالتوقف عنده، لا بتجاوزه والهروب منه.
من هنا تأتي محاربة العدو للكتابة ووسائلها، القلم والورقة، يقول "عمر نزال" في كتابة "كباسيل" حول هذا المنع والحظر: "القلم كان العدو الأول لإدارة السجون فهي تخشى أن يترجم ما في عقول الأسرى إلى كلام مكتوب، ويعمم لبقية الأسرى، أو يهرب إلى الخارج، فمنذ بداية الاعتقالات كانت تفرض إجراءات صارمة كي لا يصل القلم إلى يد الأسرى" ص29، وهذا ما جعل الناقد يخرج بهذا الاستنتاج: "أن الكلمة هُربت كما يهرب السلاح ولا تقل قيمتها ومكانتها في الفعل النضال عن ذلك" ص50، نلاحظ تكامل وتواصل فكرة الكتابة، رغم أن أقسامه مختلفة، فالكتابة ودورها وطبيعتها هي المركز الذي تدور حوله أقسام الكتاب.
وعن طبيعة الكتابة في الأسر وظروفها يقول الناقد: "أن الكتابة ممكن أن تنطلق من المستحيل إذا كان هدفها رفع شأن الإنسانية وإزالة الظلم والطغيان عن كاهل الإنسان" ص51، فالناقد هنا يؤكد أن الأسرى يقومون بدورهم الإنساني الذي يتجاوز جغرافية فلسطين وحتى المنطقة العربية، فهم من خلال الكتابة يقومون بدور الأنبياء/ الرسل الذي يريدون إيصال فكرهم/ نهجهم/ رسالتهم إلى كافة شعوب الأرض، من هنا تم تكرار لفظ "الإنسان/ الإنسانية" ثلاثة مرات، فالعقل الباطن للناقد يقوده إلى التعامل بقدسية مع كتابات الأسرى، وعدم المرور عليها مرور الكرام.
من هنا نجده يتوقف عند بعض كتابات الأسرى ويقتبس مما كاتبوا وأصدروه في كتبهم، فعندما تناول رواية "قناع بلون السماء" لباسم خندقجي، أشار إلى صراع الهوية في الرواية: "أيها المغفل، أنا أنتظر عمرا بأكمله من أجل الخلاص من هذه الهوية، وأما أنت، فقد خسرت عمرك كله لترتدي هذا القناع" ص84، كما يتوقف عند ديوان "أنا سيد المعنى" لناصر أبو شاويش، مقتبسا هذه المقطع من الديوان:
"ماذا وراء الباب يا حريتي؟
شمسي التي اغتيلت وراء الأفق
أم فرحي الذي لفوه في كفن الظلام
وطوقوه بكل أشكال العذاب؟
أم ترى عشقي لعينيك الذي
يمتد من رحم التراب إلى النهايات البنفسج" ص98.
يؤكد الناقد تأثره بما يقرأ من أدب الحرية، من هنا نجده يكتب قصة من وحي "أنا سيد المعنى" سماها "خمس دقائق هزت كياني" وبهذا يكون "مصطفي عبد الفتاح" أكده أنه لا يكتب لمجرد الكتابة، بل هو يكتب كتابع/ كمؤمن بأن كتابات الأسرى هي رسالة إنسانية/ سماوية، يجب نشرها إلى كل الناس/ الأمم، من هنا نجده يذكر الآخرين الذي ساهموا في نشر أدب الحرية لنا وللعالم: "المحامي حسن عبادي، سعيد نفاع، فراس حج محمد، اتحاد كتاب الفلسطينيين، الكرمل.
الكتاب من منشورات دار الحديث للإعلام والطباعة والنشر، عسفيا، الكرمل، الطبعة الأولى 2026.