التجديد في قصيدة -المرأة العجوز والزيتونة- علي البتيري


رائد الحواري
الحوار المتمدن - العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 18:55
المحور: الادب والفن     

"في قريةٍ هادئةٍ من
وطني الجميل
وقربَ عين الماء
قامت فتاةٌ رائعة
و في يديها غرسةٌ منَ الزيتون
والشمسُ في الصباح طالعة
راحت بقلبِ الأرض تحفرُ التراب..
وفي حماسةِ المزارعِِ النشيطِ يا أحباب..
تهيَّأت لتغرسَ الزيتونةَ الصغيرة
وثمَّ راحت بعدَها ترشُّها بالماء
في منتهى الإخلاصِ والوفاء
ومع مرور الوقتِ عاماً
بعدَ عام
نمت وأفرعت زيتونةُ الفتاة
وأثمرت وأصبحت
في قريتي الخضراءِ رمزا ً للحياة
وامتدّت الأعوامُ حتى أصبحت فتاتُنا كبيرةً في السن..
وقالت: إنني عجوز
ولكن..
سوفَ أحرسُ الزيتونةَ الصديقة
ولن أغيبَ عن خدمتِها
حتى ولو دقيقة
********
وجاءَ للزيتونةِ الخضراء..
مستوطنٌ منَ الأعداء
وهمَّ مع عمّالِهِ يقطعِها
فراحت العجوز..
تقاومُ العمّالَ باليدين والصياح
تصيحُ هذا لا يجوز..!
وراحت العجوزُ تحضنُ الزيتونة
تضمُّ ساقَها لصدرِها
تصيحُ من أعماقِها
يا أهلَ قريتي.. تنبًهوا
و استيقظوا يا نائمون
عدوُّكم في أرضكم
ببلطةٍ قد جاءَ يقطعُ الزيتون
فهبَّ أهلُ القرية الشجعان
وفي دمائهم تغلي محبَّةُ الأوطان
راحوا يدافعونَ عن زيتونِهم
وعن زيتونةِ العجوز الغالية
بهمَّةٍ كبيرةٍ وعالية.
هنا تفرّقَ المستوطنونََ
واختفى المحتل..
وأزهرَ الأمل
وسُرَّتِ العجوزُ
بانتصارِ جبهةِ المقاومة
وظلَّتِ الزيتونةُ الخضراءُ سالمة..".
الشعراء الأجداد يعرفون كيف يخاطبون أحفادهم، فهم يقدمون فكرة/ مضمون وطني بسلاسة وبلغة ممتعة وسهلة، كما أن الجمع بين جنسين من الأدب: القصيدة والقصة يمثل إثراء لذائقة المتلقي الأدبية، ونلاحظ أن القصة/ القصيدة جاء مختزلة ومكثفة، وهذا يشير إلى قدرة الشاعر على مواكب العصر وما يحتاجه من سرعة وتكثيف واختزال، فالقصيدة "الجدة العجوز والزيتونة" تقودنا إلى أكثر من مسألة.
منها أنها تكاد أن تكون تفسيرا/ شرحا لصورة المرأة الفلسطينية التي تحتضن شجرة زيتون وبالقرب منها مجموعة من جنود الاحتلال، وهذه يجعل الصورة والقصيدة ترسخ في ذهن الطفل وعقله، بحيث لا تنمحي منه فكرة الشر الذي يحمله جنود الاحتلال، وصورة الحرص الذي تتمتع به المرأة/ الجدة الفلسطينية، وإصرارها على المواجهة والمحافظة على ما هو لنا.
وإذا ما توقفنا عند الألفاظ التي استخدمها الشاعر في بداية القصيدة سنجدها بمجملها ألفاظ بيضاء، ناعمة، رقيقة، تنمي السلام والمحبة في المتلقي: "قرية، هادئة، وطني، الجميل، وقرت، عين، الماء، فتاة (مكررة)، رائعة، غرسة، الزيتون/ الزيتونة/ زيتونهم (مكررة تسع مرات) الشمس، الصباح، طالعة، الأرض، حماسة، المزارع، النشيط، أحباب، لتغرس، الصغيرة، ترشها، بالماء، نمت، أفرعت، أثمرت، قريتي، الخضراء، للحياة، وامتلأت، الصديقة" وإذا عرفنا أن القسم الأول من القصيدة يحمل فكرة الزراعة والنمو والثمر وعلاقة الإنسان به، وبطنها الفكرة/ المضمون مع هذه الألفاظ سنصل إلى أن الفكرة ترسخت في الطفل من خلال المضمون/ المعنى/ الفكرة التي تحملها القصيدة، ومن خلال الألفاظ المجردة.
فالشاعر حريص على إيصال الفكرة، كما هو حريص على الطريقة والشكل واللغة التي تحمل الفكرة، المضمون، فهو يخاطب عقول لينة تتأثر بأي شيء، لهذا تجنب استخدام أي لفظ شاذ أو قاسي في حديثه عن جمال وطبية وخيرية الأرض والفتاة/ الجدة.
لكن بعد أن جاء "المستوطن" أخذت فكرة القصيدة تأخذ منحى القسوة والشدة، من هنا نجد ألفاظ قاسية: "المستوطن/ المستوطنون ،أعداء/ عدوكم، بقطعها/ يقطع، الصياح/ تصيح، ببلطة، دمائهم/ المحتل" نلاحظ أن الشاعر يقدم المستوطن بصورته الحقيقة، ويعمل على تأكيد الشر العالق به من خلال تكراره للفظ القاسي الذي جاء بصيغتين: "المستوطن/ المستوطنون ،أعداء/ عدوكم، بقطعها/ يقطع، الصياح/ تصيح"
وبما أن الشاعر يريد ترسخ فكرة نبيلة في الطفل المتلقي، فكرة المقاومة ودورها في استعادة الحياة السوية والطبيعية، فقد تعمد في نهاية القسم الثاني إلى استعادة استخدام الألفاظ البيضاء: "وأزهر، الأمل، وسرت، بانتصار، المقاومة، وظلت، الزيتونة، الخضراء، سالمة"
وإذا ما توقفنا عند البداية الخضراء والنهاية، سنصل إلى فكرة أن المحتل، المستوطن، الأعداء ما هو إلا عابرون ولفترة محدودة/ قصيرة إذا ما واجهناهم كما واجهتم المرأة العجوز.
أما على صعيد رفع الذائقة الأدبية والفنية في المتلقي، فالقصيدة جاءت على شكل قصة، وهذا ينمي ويطور اهتمام الطفل الأدبي، فقد قرأ قصيدة وقصة معا، كما أنه شاهدة الصورة القصة/ القصيدة أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة، وهذا ما يجعله متذوقا ومهتما بالأجناس الأدبية وبالفن معا.
القصيدة منشورة على صفحة الشاعر