التكرار والمضمون في قصيدة -طابور الخير والحب والحياة- عبد السلام عطاري


رائد الحواري
الحوار المتمدن - العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 15:39
المحور: الادب والفن     

" طابور الخُبز والحُب والحياة
***
والموتُ ينجو من موتِنا
الموتُ ينجو
أنا المُتعبُ من طابورٍ
لا يبدأُ، لا ينتهي
والجوعُ يعوي على الطّرقاتِ
يعوي ويعوي
وتمضي الأسئلةُ مهرولةً
تهربُ من أَلْسِنةِ السائلين
تهربُ من قبضةِ الخوفِ
وتحطُّ جوابَها
تراه في عيونِ المتعَبين
أنا وجعُ السّؤالِ، قُلت،
وجعُ السؤالِ الذي لا يُرى
ووجعُ الجوابِ الأعور
في عيونِ السائرين
العيونُ التي استعارها لاجئٌ
عنَ لاجئٍ، لا تختلفُ الرؤى
لا تختلفُ في عيونِ الناظرين
وأتحسسُ وجهي أتحسسه
ألمس نُدبةَ الحنين
أشدُّ بها، أشدُّها بأصبعي
أصبعي الذي أشرتُ به على الطّريق
الطّريقِ التي تأخذُنا إلى كلِّ حيٍّ وحياة
إلى خَرّوبةِ العُمرِ العَجوز
كلما رميتُ نُعاسي على كفيَّ
عبرتُ بأحلامي الطّرقاتِ
عَبرتها لأرى أنِّي وقفتُ أولَ الفَجْرِ
مبتدأ الطابورِ، طابورِ الفجرِ الطويل
والبردُ يقضمُ جسدي
ينهشُه، ينهشُ كلَّ شيء
كلُّ شيء صارَ له طابورُ انتظار
الخبزُ، الماءُ، الحبُّ والحياة
والنومُ المرهَقُ مِنَ النُّعاس
وأقفُ في زاويةِ العتمة
لأصطادَ الموتَ
لكنَّه الموتُ ينجو منّا
الموتُ ينجو من موتِنا
ينجو، من فخِّ الحياةِ
ينجو من كَفنِ الميتين".
بداية يستوقفنا عنوان القصيدة الذي جاء بأربع كلمات، منهما كلمتين حرف الحاء مكون أساسي فيها، وكلمة واحدة "الخير" يتبع حرف الخاء فيها حرف الحاء مباشرة، فتبدو لنا هذا الكلمات وكأنها طابور فيه انتظام وتشابه، وبما أننا أمام حروف مكررة ومتتابعة فيمكننا القول إن هناك ترتيب/ هناك طابور، لكن فيه اختلال في الحروف ـ حرف الخاء ـ رغم الخير/ البياض الكامن في معنى: "الخير، الحب، الحياة" وهذه الثلاثية انعكست على بقية ألفاظ القصيدة، فهناك تكرار لألفاظ: "لا تختلف، بأصبعي/ أصبعي، أشد/ أشدها، الطريق/ الطرقات (ثلاث مرات)، عبرت/ عبرتها، تهرب، أتحسس/ أتحسسه، حي/ حياة، كل شيء، ينشهه/ ينهش، الفجر، ينجو (أربع مرات)، الطابور (أربع مرات، الموت/ موتنا/ الميتين (ثمان مرات) ويعوي (ثلاث مرات)، الأسئلة/ السؤال/ السائلين (أربع مرات)، وجع (ثلاث مرات)، عيون/ العيون (أربع مرات)، فالتكرار له علاقة بمفصل/ مضمون القصيدة، فالموت الذي كان حاضرا بقوة (ثمان مرات) هو سيد الموقف، وهذا يشير إلى سوداوية القصيدة التي جاءت فاتحتها وخاتمها متعلقة بالموت.
والتكرار الثاني في الترتيب ألفاظ: "طابور، ينجو، الأسئلة/ والسؤال، عيون/ العيون" (أربع مرات) نتوقف عند الألفاظ المجردة وعلاقتها بمضمون القصيدة، فالطابور الذي نراه/ نشاهده بأعيننا يثير أسئلة فينا، أسئلة متعلقة بوجودنا، هل يمكننا أن نتحرر/ ننجو من الموت، ننجو من الاحتلال ونحن بهذه الطوابير؟
والطوابير لم تكن وليدة اليوم، بل هي جزء من حياة الفلسطيني، كرت المؤن، بمعنى أن لها جذور في مأساة الفلسطيني، وما نشاهده اليوم في غزة من طوابير أمام مراكز توزيع الطعام لا يخرج عن فكرة الطوابير.
أما المرتبة الثالثة فهي ألفاظ: "ويعوي، وجع، الطريق/ الطرقات" وهنا نتوقف قليلا عند تكرار ثلاثة وثمانية، فتكرار ثلاثة متعلق بفكرة الاستمرار والقدسية/ القدر الرباني، وهذا يقودنا إلى أن الموت (سيد الموقف) "ويحمل عرشك ربك فوقهم يومئذ ثمانية" يرتفع فوق رؤوسنا منذ ولادتنا وحتى نهايتنا، فطريقنا منذ الولادة وحتى النهاية فيها عواء وما يسببه من وجع وألم.
وهنا ننتقل إلى مسألة أخرى متعلقة بالأعداد المقدسة والدائمة: "العواء" وما يحدثه من أذى/ "وجع" للسامع، والموت وما يتبعه من صراخ على الفقيد، فالموت واثره متعلق بالأصوات المؤذية التي يسمعها الآخرون، فهل لهذا الأمر علاقة بالأذى الذي تسببه مشاهد وسماع أصوات الاقتتال والنزاع في الطابور/ الطوابير التي نشاهدها أمام محطات الوقود، وأمام مراكز توزيع المؤمن والطعام؟
أما التكرار الأخير فنجده في ألفاظ: "لا تختلف، بأصبعي/ أصبعي، عبرت/ عبرتها، تهرب، أتحسس/ أتحسسه، حي/ حياة، أشد/ أشدها، كل شيء، ينشهه/ ينهش، الفجر" وهي تفصيل متعلقة بالحدث المركزي، الموت، العواء، وجع طريق.
القصيدة منشورة على صفحة الشاعر.