الواقعية وإشارات أخرى في رواية -لذة القهر- للكاتب أنس أبو سعدة


رائد الحواري
الحوار المتمدن - العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 01:58
المحور: الادب والفن     

رواية تتحدث عن النظام البطريركي/ الأبوي في أسرة فلسطينية، فهناك هيمنة مطلقة للذكور على الإناث، فكل نساء الرواية خاضعات إذا ما استنينا سلمى التي هربت مع خطيبها تاركة العائلة ونهجها خلف ظهرها، فنجد الجدة، الأم، البنت/ الحفيدة، كلهن يخضعن للذكور المهيمنين عليهن هيمنة مطلقة، وهذا ما يجعل الرواية تأخذ منحيين؛ منحى ما ملكت أيمانكم/ الجواري/ الإناث، ومنحى الأسياد/ الذكور الذين يستطيعون فعل أي شيء دون حساب أو عقاب، حتى لو تم بيع الفتيات الصغيرات لذكور أكبر سنا من والدهن، فالجد/ البطريرك يفعل/ يتصرف/ يتعامل مع إناث أسرته كما لو أنهن مجرد مجموعة من الماعز، وما عليهن إلا أن يخضهن للحلب/ للبيع، للذبح بطواعية، دون إبداء أي امتعاض/ ممانعة.
أسرة الحاج محمد محمود أبو عابد تتشكل من مجموعة أفراد "سلطان، سليم، أحمد، سوسن، مريم، فاطمة، سلمى، محمد الصغير" ولكل منهم نهجه في الحياة، النساء بمجملهن خاضعات/ مطيعات/ مستسلمات، وإما الذكور فهناك فروقات هائلة بينهم، "سلطان" المقلد لنهج الجد محمد، حتى أنه تفوق عليه في غيّه وشراسته، بينما نجد "سليم" تابعاً مجروراً ليس له أية شخصية سوى أن ينفذ ويؤكد ما يقوله ويفعله "سلطان"، أما "أحمد" فكان يمثل شخصية المتعلم/ المثقف/ النقي/ المعطاء/ الإنساني الذي يقف مع المظلومين/ المظلومات، لهذا كان يعد سندا لنساء العائلة، أما "محمد الصغير" فقد قرر أن ينتهج نهجا ثوريا بعد أن استشهد أعز صديق له على يد المستوطنين؛ ما جعله يقدم على "عملية فدائية في شوارع القدس الغربية وإصابة العديد من الجنود والمركبات" ص32، هذا التناقض في شخصيات ذكور العائلة يقودنا إلى أن هناك (مجتمعاً) يتباين فيه الأفراد، منهم يحمل الخير ومنهم يحمل الشر، منهم الظالم ومنهم من يرفع الظلم، منهم العميل ومنهم الثائر، بمعنى أننا أمام مجتمع حقيقي وليس مجتمعا مثالياً، فلا يجوز/ يصح القول عن دار/ عائلة (زيد) جيدة، وعائلة (عبيد) سيئة، وهذا ما يحسب للسارد الذي أراد بهذا التنوع والاختلاف والتناقض تحريرنا/ تخليصنا من الرؤية الأحادية، النظرة الشاملة لموضوع متعدد/ متنوع/ مختلف، فهناك تفاصيل يجب التوقف عندها والحكم على الشخص/ الأحداث/ الموضوع حسب طبيعته وتكوينه والمسار الذي يجري فيه.
النساء
قلنا: إن نساء الرواية كن أقرب إلى جواري يتصرف بهن السيد/ الذكر كيفما شاء، "فسوسن" البنت التي لم تبلغ الخمسة عشر عاما يتم تزوير شهادة ميلادها لتصبح في الثامنة عشرة، ويتم تزويجها من "أبي النمر" الذي يكبرها بثلاثين عاما، وسبب هذا الزواج مصلحة "الجد محمد" الذي سيحصل على خمسة وعشرين في المئة من قيمة البئر، إذن نحن أمام صفقة تجارية وليس أمام زواج (عادي/ طبيعي).
فرغم علم/ معرفة نساء العائلية يحجم الظلم الواقع على "سوسن" إلا أنهن لا يقدرن/ لا يستطعن فعل أي شيء، "مريم" الجدة وقفت تحاول تخفيف حجم الصدمة على الطفلة: "جلست إلى جانبها، بدأت تلعب مع دميتها، محاولة أن تهدئ قلبها وتستعد لنقل الخبر الصاعق" ص41، هنا نجد صورة واضحة لحالة قمع النساء، الجدات، الزوجات/ الأمهات، البنات، فلا واحدة منهن تستطيع قول (لا) أو مخالفة سطوة البطريك الأكبر "محمد" فرغم كل التمهيد الناعم الذي فعلته النساء، إلا أن سوسن "سقطت على الأرض... قولي لي... قولي إن ما سمعته مزحة، قولي إنه كابوس... بس قولي أي شيء. مريم صامتة، الدمعة محبوسة في عينيها، أثقل من الكلام... سوسن وأمها تبكيان بلا صوت تقريبا... فكرت بالهرب... فمنعتها الفضيحة وأمها" ص46- 48، اللافت في هذا المقطع تكراره وامتداده وتواصله، يبدأ من الجدة، إلى الزوجة، ليصل إلى الحفيدة، فكلهن خاضعات، لا يستطعن الفعل ولا يقدر عليه، فكان قدرهن القهر والتعايش معه على أنه قدر مكتوب لا يمكن الخلاص منه.
الجد محمد وسلطان
"الجد وسلطان يمثلان النظام البطريركي بكل مكوناته، السلطة المادية والسلطة الروحية، فلا يجوز/ يحق قول لا لهما، لأنهما يمثلان السلطة الدينية والسلطة المدنية التي يستمدانها من الاحتلال ومن أهل "قرية المهاجر" فالاحتلال أمدهما بنفوذ يستطيعان به (اختراق) كل الموانع والمحظورات، وأهل القرية (خضعوا) لسلطة وجودوا آباءهم مستسلمين لها، فجعلوهم بمرتبة الحكام/ الأسياد الذين يجب إطاعتهم واحترامهم.
قسوة سلطان والجد نجدها في أكثر من موضع، منها موقف سلطان عندما قرر الجد تزويجها من "أبي نمر": "عليها تنفيذ قرارك ورجلها فوق رقبتها" ص41، ولم يقتصر قبح وقسوة "سلطان"
على معاملة النساء فقط، بل طالت أيضا تعاونه من الاحتلال كعميل ومخبر، فقد جاء مع جنود الاحتلال إلى شقة أخيه "أحمد" أثناء دراسته في الجامعة حيث تم اعتقاله مع زملائه في السكن: "رأى أخاه سلطان، ملثما، واقفا بينهم، يعرف المكان والأسماء والوجوه، الصدمة شلت جسده، كأن الحقيقة أثقل من أن تواجه، في تلك اللحظة، لم يكن الألم في الاعتقال، بل في المعرفة، اعتقل الجميع، وأغلق الباب خلفهم" ص27، وإذا ما توقفنا عند دور المختار "الجد محمد" في اقتحام البيوت، حيث كان يحضر مع جنود الاحتلال (لحماية الممتلكات)! نصل إلى تكامل وتطوير عمله من خلال "سلطان" الذي أخذ دورا جديدا (المُعرف والمخبر) لجنود الاحتلال.
ونجد قذارة سلطان عندما تدخل لدى الاحتلال ليمنع زواج أخيه "أحمد" من "زهراء" بنت خاله في مجد الكروم، فلسطين الـ 48، من خلال توصيته بعدم إعطائه تصريح زيارة، مما حول ذلك الحب إلى قطيعة، إلى واقع لا يمكن تغييره، فتزوجت "زهراء" من قريب لعائلتها، بعد أن فقدت الأمل بالزواج من "أحمد" ممن أحبت، فكان الواقع يفرض سطوته عليها وعلى "أحمد".
النهايات والإشارات
ينتهي "الجد محمد" بإطلاق النار عليه وهو في السيارة التي كانت تقله إلى طولكرم، أما سلطان، فيثور أهل البلدة عليه ما جعله يفر هاربا من البلدة، وأثناء هروبه يرسل الاحتلال أحد أصدقاء سلطان ليصدمه بسيارته ويقضي عليه: "لكن الاحتلال وكما تعود، التخلص من عملائه بعد أن ينهي حاجته منه" ص81، فهنا نسأل: هل يمكن أخذ هذه النهايات إلى الواقع العربي والتغييرات التي جرت في المنطقة؟
مفتاح الرواية "سليم"
كان يمكن اعتبار الرواية رواية (اجتماعية/ واقعية/ عادية) تتحدث عن عائلة كبيرة، بيت كبير، لكن وجود "سليم" والطريقة التي قدم بها، جعلها رواية تحمل إشارات/ رموزاً تقودنا إلى الواقع الفلسطيني وحتى العربي، فهناك ترابط بين السلطة/ القيادة المتمثلة بالجد محمد والأخ الأكبر سلطان، وبين "سليم" المنفذ، فهو بمثابة الجندي الذي نفذ كل ما صدر له من تعليمات وأوامر إن كان راضيا أم غير راضٍ، فهو في النهاية كان ينفذ ما يطلب منه، بمعنى أن الأذى كان يطال الآخرين على يده هو، واستمرار سلطة الجد وسلطان كانت بسببه، فبعد انهيار سلطة الجد محمد وسلطان انهار "سليم": "أصيب بمرض أقعده على كرسي متحرك بلا حول ولا قوة
بمجرد سماعه بمقتل سلطان وقبلها هروبه من البلدة، وهو الذي كان سنده الأول والأخير وقدرته التي كان يتصورها جبلا لا يميل فوجده ذلك الشخص الجبان الذي لم يستطع مقاومة البشر ولا نهايته بتلك الطريقة" ص84.
"سليم" شخصية تابعة لسطلة "الجد محمد" والأخ الأكبر "سلطان" فكان ينفذ (وضميره مرتاح) فهو يمثل الجندي المخلص لأوامر وقرارات القيادة، فلم يخالف لها أمرا، واستمر يؤيد قراراتهما وكأنه آلة/ ماكنة ليس لها إلا تنفيذ ما يطلب منها "فهو مجرد أداة في يد سلطان الذي لا يعرف للرحمة مكانا" ص74، فقد وجد في إطاعة "سلطان" شيء من الراحة: "لم يكن يرى نفسه طاغية، كان يرى نفسه ضرورة، القبضة التي تمنع الفوضى، الصوت الذي ينهي الجدل، الرجل الذي يتخذ القرار حين يتردد الجميع، كان يعرف أسراراً كثيرة، ومن يعرف الأسرار يمتلك الناس" ص78 و79، إذا ما توقفنا عند هذا المقطع سنجد فيه إشارات تقودنا إلى صورة الجيوش العربية والأجهزة الأمنية التي تنفذ القرارات دون أن تفكر، وإذا ما فكرت ووجدت أن هناك خطأ في القرارات فهي عاجزة عن رفض ما أومرت به وصدر لها، لأنها بطبيعتها/ بتركيبتها/ بمضمونها وشكلها وجدت للتنفيذ فقط، وليس لإبداء رأي، أو الاعتراض/ أو الرفض.
من هنا، تتابع انهيار سلسة القمع/ الظلم/ الاضطهاد/ الخيانة/ العمالة "الجد محمد، سلطان، سليم" وعودة الخير "أحمد" وأهل البلدة إلى الواجهة يمثل الحالة الجديدة/ نهج جديد بأشخاص وقيادات جديدة، وما خاتمة الرواية التي جاءت بهذا الشكل: في لحظة رمزية، وقف الجميع أمام شجرة الزيتون القديمة في ساحة البلدة رمز الصمود والسلام والعدالة، كانت البلدة تزدهر، والطبيعة تعود إلى جمالها، وأصبح الماضي درسا لكل من يحلم بالقوة على حساب الآخرين" ص86، إلا تأكيد أن الرواية ممتدة/ تتسع للواقع العربي متجاوزة (واقعتها) الفلسطينية.
ونلاحظ اختلاف تسمية المكان في بداية الرواية "قرية المهاجر" وما أطلقه السارد في خاتمتها "البلدة" وهذا يقودنا إلى أن مفهوم القرية قرآنيا/ دينيا يمثل الظلم/ الكفر/ الفساد، بينما البلدة/ المدينة تمثل الخير والنماء والتعدد، فهذه إشارة إضافية إلى أن الرواية تتجاوز المكان/ فلسطين لتمد إلى منطقة أوسع وأكبر.
الرواية من منشورات الرعاة للدراسات والنشر، رام الله، فلسطين، جسور للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى 2026.