التنشئة الحركية والتعبئة الفكرية كصمام أمان لاستعادة الذات


سلامه ابو زعيتر
الحوار المتمدن - العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 00:01
المحور: القضية الفلسطينية     

في محطات التاريخ الكبرى، تستدعي اللحظة الحرِجة من أبناء الحركة الصادقين وقفة مع الذات، وقفة لا تجامل ولا تداهن، بل تصدع بالحق وتضع الأصبع على الجرح؛ فلقد عاشت حركتنا العظيمة لعقود وهي تستمد قوتها وديمومتها من أثمن ما تملك: الأخوة الصادقة، والمحبة، والعطاء بلا حدود، والتضحية بلا مقابل، وكانت الحركة نموذجاً يتجسّد في القائد الذي يتقدم الصفوف، والرفيق الذي يسند ظهر أخيه، والانتماء الذي يسري في العروق سلوكاً وأخلاقاً قبل أن يكون مسميات أو ألقاباً.
غير أن المتغيرات التي تراكمت منذ مرحلة الانتقال إلى العمل السلطوي والوظيفي أحدثت تجويفاً خطيراً في البنية الأخلاقية للتنظيم، واختلطت الأدوار، وتسللت الشللية والجهوية والمصالح الضيقة" على حساب الكفاءة والعطاء، وتصدّر المشهد في كثير من المفاصل أشخاصٌ بنوا مجدهم الزائف على حساب التاريخ النضالي لأخوتهم، وأحياناً الإطاحة بهم بمؤامرات وتشويه واستهدافٍ منظّمٍ أكثر من الخصوم، لقد أدى هذا السلوك المشين إلى قتل النموذج والقدوة، ونشأت حالة تشويه قيادي تفقد المسؤول شرعيته قبل كل شيء داخل أسرته وبيته التنظيمي، فتجده في وادٍ وأسرته كلها من خصومه السياسيين، أين المفر؟ وكيف نُعيد للحركة اعتبارها؟
إن إعادة الاعتبار للحركة وأبنائها الشرفاء لا تتم عبر البكاء على الأطلال، ولا بالتمني، بل بالعمل الجاد والمبادرة الشجاعة، وإن الطريق واضح ويبدأ بخطوات ثابتة وشاخصة نحو الارتقاء بالحركة وكوادرها ومستقبلها وامتدادها داخل المجتمع، وذلك بالتالي:
1. إعادة بناء التنشئة الحركية والتعبئة الفكرية فالتنظيم ليس مجرد هيكل وظيفي، بل هو عقيدة وفكر وسلوك وانتماء حقيقي، لذا يجب إعادة تفعيل برامج التعبئة والتثقيف الفكري لترسيخ المفاهيم التي قامت عليها الحركة كعزة النفس، الإيثار، والوفاء للأخوة، ومتابعة الأعضاء ومدى التزامهم بها.
2. استعادة معايير الكفاءة والعطاء فلا مكان في الحركة القوية للصحبة والمحسوبية، المعيار الوحيد للمكانة والمسؤولية يجب أن يكون مدى التضحية، والكفاءة، وقوة الانتماء الصادق، والإخلاص للحركة وأبنائها وبناتها، وتشكيل نموذج وطني حاضر في المجتمع.
3. تشكيل قوة ضغط وإصلاح داخلية، فعلى الشرفاء والمخلصين ألا يقفوا موقف المتفرج، ويجب تشكيل حالة وعي وقوة ضغط داخل أطر الحركة لعزل وتعديل سلوك كل من خرج عن القيم التنظيمية، وإعادة تأهيل البيئة الداخلية وتنظيفها من مظاهر الفساد والشللية، وإعادة النموذج الجميل والصادق للحركة والمحبوب بين خلانه وإخوته وأخواته كما كانت الحركة.
4. تشجيع روح المبادأة والمبادرة، لطالما كانت الحركة قائمة على الفاعلية والسبق نحو العمل النضالي والوطني الجاد، وإن بعث هذه الروح يتطلب قادة ميدانيين يُحتذى بهم، يعيدون للقدوة اعتبارها بعيداً عن الاستكبار والانتفاع المادي، وانثروا الحب بين القواعد والجماهير وأعيدوا الركيزة للقائد والنموذج والقدوة المحبوب.
إن الحركة ليست ملكاً لمن اتخذها سلّماً للمصالح الشخصية، بل هي ملكٌ للدماء التي سالت، والجروح التي نُزفت، والسنوات التي أُهدرت في زنازين الاحتلال، وإن سكوت العقول والضمائر الحية هو ما أفسح المجال لـفاقدي الشرعية والأهلية ليسابقوا ويتسلقوا على أكتاف المخلصين، بمؤامراتهم وبطانة السوء والتحريض وشيطنة إخوتهم لدى القيادة العاجزة.
حان الوقت لأن ننفض عن حركتنا غبار المصلحية والزيف، وأن نرفع صوت الحق بالعمل والالتزام، لنُعيد للحركة بريقها وسابق قيمها، فالأوطان لا تُبنى، والحركات لا تنتصر، إلا بأبناءٍ يُعلوْن قيم الأخوة والمحبة والعطاء على كل منفعة فردية، فهكذا كانت وستبقى حركتنا الرائدة.

#التنشئة_الحركية #تصحيح_المسار #التعبئة_الفكرية #الوفاء_للأخوة #القدوة_التنظيمية #الكفاءة_قبل_المحسوبية #استعادة_الروح_الحركية #الدكتور_سلامه_أبو_زعيتر