شهادة من الميدان.. عندما يُنصف القلمُ شرفَ العطاء


سلامه ابو زعيتر
الحوار المتمدن - العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 20:42
المحور: المجتمع المدني     

حين تصمت الحقيقة، يتطاول الزيف؛ وحين يتوارى الفاعلون خجلاً أو زهداً، يتصدر المشهد من لم يطأ الميدان يوماً بنعلِه! من هنا، ومن قلب عقود طويلة من العرق والدم والنضال النقابي والوطني، أفتح اليوم كتاب الذاكرة، ليس نبشاً في الماضي لمجرد الاسترجاع، بل إطلاقاً لشهادة حية، وواجبٍ أخلاقي ونضالي لا يحتمِل التأجيل؛ لرد الاعتبار لمن بذلوا بعيداً عن أضواء الاستعراض، ولتعرية من جثوا على صدر العمل الوطني والمؤسساتي وتاريخه بلا حق ولا شرف!
أكثر من ستة وثلاثين عاماً مرت كأنها شريط خاطف، لكنها حفرت في أعمق طبقات الروح ملامح مسيرة نضالية تجذرت في الثلاثين من أيار/مايو عام 1990، منذ لحظة الاعتقال وما قبلها؛ فكانت رحلة ممتدة عبر العمل التنظيمي، المؤسساتي، الاجتماعي، والإنساني، أخذت زهرتها الكبرى وسنيّ العمر في أروقة وأزقة النقابات والمؤسسات، وفي قلعة الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين منذ عام 1993 وحتى يومنا هذا.
طوال هذه العقود العجاف، لم أكن يوماً متزلفاً على أبواب أحد، ولا متصيداً لفرصة على حساب شرف الكلمة والواجب النضالي؛ فكان الرهان دوماً على الميدان، وعلى العطاء المستبسل الذي يتجاوز النفسيات المريضة والعوائق المفتعلة، مسنوداً بضمير حي ومحبة صادقة من أناس يدركون معنى أن تكون خادماً لأعدل القضايا وأشدها قسوة؛ قضية عمالنا وبسطائنا، وشعبنا العظيم بكل فئاته نساءً ورجالاً.
إن ما يدفعني اليوم لتدوين محطات من هذه المسيرة هو المشهد السريالي المؤلم الذي نعيشه؛ حيث يطل علينا من كانوا في أواخر الصفوف، ممن لم يكتبوا حرفاً في سجل العطاء ولم يتركوا قطرة عرق واحدة، ليجتروا بطولات زائفة ويصنعوا لأنفسهم تاريخاً من وهم! لقد أثقلت صدورنا تلك الأجساد التي جثت على قلوب العمل المؤسساتي، بينما يتوارى الأبطال الحقيقيون في الظلال، ومن هنا، يصبح القلم أمانة تاريخية لا تترك مجالاً للمتسلقين.
في كل محطة سأكتبها، لن أكتفي برصد المشهد، بل سأحرص على إعادة الاعتبار لأولئك الذين كانوا وقود الميدان الحقيقي؛ جنود مجهولون عملوا بصمت وصدق وصانوا الأمانة بحكمة وانتماء مطلق، دون أن يحظوا حتى بمنصب أو موقع، أو حتى براتب بسيط يحفظ كرامة عيشهم، ورغم ذلك، لم يثنِهم الإجحاف ولم يعجزهم الضيق عن أداء واجباتهم العظام.
وفي المقابل، رأينا من تفرغوا لحملات العلاقات العامة، والشكوى والأنين على أطلال الماضي، متنقلين بين الأحضان ليبحثوا عن قيمة زائفة لأنفسهم لدى أعداء النجاح وخصوم العمل الوطني، أناس استمرأوا دور الإساءة لإخوتهم، ووجدوا من المضلِلين من يشجعهم ويستثمر في ضعفهم، ليصبحوا مجرد أدوات رخيصة تُستخدم للتدمير والإطاحة بالشرفاء والأمناء.
تستحضرني هنا رمزيّة تلك المأساة التاريخية؛ حين تنقلب المفاهيم في مجتمعات غاب عنها الضمير، فيُعاقَب الشريف الصامد لأن صلابته وطهارته تكشف خنوع الآخرين وعوراتهم! إن القافلة إذا استمرت في الارتهان للمصالح الضيقة والأحقاد المريضة، فإن الأمل سيُغتال على أيدي المتسلقين الذين خانوا الأمانة بسلبيتهم وصمتهم، وبدعمهم لمن فقدوا مروءتهم وأصبحوا أدوات مُسخّرة للهدم.
إن الإنسان والمناضل الصادق هو من يصدّقه العمل وتشهد له الإنجازات في حماية حقوق شعبنا والفئات التي يمثلها والرقي بها، لذلك، ستكون هذه السلسلة من الكتابات بمثابة رسائل مبطنة وتوجيهات معلنة لكل من ينتمي للعمل الإنساني والاجتماعي والنقابي والوطني والمؤسساتي بحق، ورغم أنني لا أستهدف أحداً بعينه، إلا أنني على يقين تام بأن من يحمل في داخله هشاشة الزيف وانحطاط السلوك سيتحسس رأسه، وستدفعه هذه السطور إلى الامتعاض وتكشير أنيابه بالتوسل والتزلف مجدداً.
وأنا هنا أتحدث بصراحة ووضوح لأترك لهؤلاء الفاشلين في كل ميادين العمل التي مررت وما زلت أسير فيها الفرصة كاملة ليعودوا إلى مربعهم الأول.. مربع الشكوى والرثاء والاستجداء، أو تعديل السلوك والصدق بالعمل والخروج من عقلية الخيانة والمؤامرة والكذب.
إنها الحرب المعنوية لاسترداد الذاكرة من أيدي المتزلفين، والوفاء الشامل لكل من حمل الهم الإنساني والاجتماعي والوطني بصدق، فمن هنا نعلنها صريحة، لن نترك التاريخ يُكتب بأيدي من هربوا من الميدان، ولن نسمح للزيف أن يعلو على جراح وعرق المخلصين.
هذه ليست سوى ضربة الفأس الأولى في جدار الصمت.. فانتظروا المحطات القادمة، حيث سيتحدث الميدان، وتُنصف الأسماء تباعا في كل الميادين وبصدق وبالاستعانة بالصادقين للتوثيق والله شاهدا، وستُعرّى الحقائق كما هي دون رتوش!