الاقتصاد التضامني والتعاوني طوق نجاة وأداة صمود فلسطينياً
سلامه ابو زعيتر
الحوار المتمدن
-
العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 18:23
المحور:
القضية الفلسطينية
يمر الاقتصاد الفلسطيني اليوم بمنعطف تاريخي هو الأكثر خطورة وتدميراً في تاريخه الحديث؛ فبين مطرقة التبعية الاقتصادية الهيكلية الممتدة لعقود، وسندان سياسات الاحتلال التي بلغت ذروتها التدميرية بعد السابع من أكتوبر من خلال الاستهداف الممنهج للبنية التحتية وشل المؤسسات، بات لزاماً علينا جميعاً أن نواجه الحقيقة العارية بأن الأنماط الاقتصادية التقليدية المعتمدة على الاستهلاك والتمويل الخارجي المشروط قد ثبت إفلاسها في حالتنا الفلسطينية. إن واجبنا يملي علينا إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتأسيس قواعد صلبة لبناء ركائز التحرر والانعتاق الاقتصادي الفلسطيني، مما يفرض علينا الانتقال نحو نموذج بديل ووطني خالص؛ وأعتقد أن نموذج الاقتصاد التضامني والتعاوني هو الأنسب جداً لواقعنا.
إن هذا الاقتصاد لا يمثل ترفاً فكرياً أو وصفة تنموية مستوردة، بل هو أداة صمود ومقاومة اقتصادية، تقوم على مبادئ الاعتماد على الذات، والديمقراطية التشاركية، وتوجيه رأس المال والجهد البشري نحو تلبية احتياجات المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، عبر بوابة التعاونيات والمبادرات الجماعية المنتجة ذات البعد الاقتصادي والاجتماعي.
إن القيمة الحقيقية للاقتصاد التضامني في الحالة الفلسطينية تكمن في قدرته على صياغة مفهوم جديد للمقاومة الاقتصادية، ويرتكز هذا التوجه على أربعة أسس تنموية متكاملة:
• الانعتاق من التبعية الاقتصادية: فقد يكسر هذا النموذج القيود الهيكلية والاتفاقيات المجحفة مثل بروتوكول باريس الاقتصادي، التي جعلت من السوق الفلسطيني تابعاً ومستهلكاً ذليلاً للاقتصاد الإسرائيلي.
• تحقيق الاكتفاء الذاتي: من خلال التركيز على القطاعات الحيوية والإنتاجية كالأمن الغذائي، والزراعة، والتصنيع المحلي، والطاقة المتجددة، مما يقلل الاعتماد على الاستيراد والمنتجات التي يسيطر عليها الاحتلال.
• الاعتماد على العمل والمساهمات الجماعية: بحيث يقوم النموذج على تجميع الموارد المادية والبشرية المبعثرة وتحويلها إلى قوى إنتاجية جماعية كبرى، حيث يصبح "العمل المشترك" هو رأس المال الحقيقي بدلاً من الاحتكارات الفردية.
• التحرر من قيود الاحتلال: فحين يمتلك المجتمع التعاوني أدوات إنتاجه وقراره الغذائي والصناعي، فإنه يتحرر تلقائياً من أدوات الابتزاز وسياسات العقاب الجماعي والإغلاقات التي يفرضها الاحتلال للتحكم في مقدرات الحياة اليومية للفلسطينيين.
ما هو المطلوب من الدور الحكومي في هذه المرحلة؟
لا يمكن للاقتصاد التضامني أن يضرب جذوره في الأرض دون إرادة سياسية حقيقية تترجمها الحكومة على أرض الواقع؛ لقد عانت التنمية في فلسطين طويلاً من ارتهان السياسات الحكومية لأجندات الممولين الدوليين، حيث تتبنى الحكومات برامج تفرضها الجهات المانحة، لتنتهي وتندثر بمجرد انتهاء التمويل. لذا، فإن الواجب الوطني والمسؤولية التاريخية يفرضان على الحكومة اليوم إدراج الاقتصاد التضامني كنموذج فلسطيني معتمد في خطط التنمية الوطنية، لتكون السياسات الحكومية حاضنة وميسرة له عبر أدوار محددة وحاسمة:
• تحسين وتطوير التشريعات الحاضة وتبدأ بتطوير القوانين والأنظمة المعطلة لتسهيل إجراءات ترخيص وإنشاء التعاونيات (الإنتاجية، الزراعية، الصناعية، والخدماتية) وإزالة المعوقات البيروقراطية أمام المبادرات الشبابية والمجتمعية وفق القانون، وتشجيع إنشاء تعاونيات إنتاجية للعمال في مختلف القطاعات المنتجة.
• تبني الاقتصاد التضامني في خطط التنمية الرسمية كخطوة لتوطين السياسات التنموية ومواجهة تدمير الموارد، ولتكون السياسات داعمة للإنتاج المحلي المستقل وليس للاقتصاد الريعي والاستهلاكي، وأمام سياسات الهدم وحصار الموارد والسيطرة على الأرض، يجب توجيه الدعم نحو "سلاسل التوريد المحلية القصيرة" والإنتاج اللامركزي الذي يصعب على الاحتلال شل حركته بالكامل.
• إنشاء صندوق وطني مستقل للتمكين التعاوني بآليات مبتكرة لدعم التعاونيات والمبادرات الجماعية ومساندتها في تخطي أزماتها ومواجهة مخاطر السوق، بعيداً عن شروط القروض البنكية التجارية أو المساعدات الخارجية المشروطة. وفي ظل استمرار أزمة المقاصة، يمكن تمويل الصندوق من مصادر محلية مبتكرة كتحويل جزء من أموال التكافل والزكاة والأوقاف من الإغاثة الاستهلاكية المؤقتة إلى مشاريع إنتاجية تضامنية تمنح الفئات الهشة أدوات الإنتاج والاعتماد على الذات.
• تقديم الإرشاد والمشورة الفنية المستمرة للمبادرات الناشئة وحاضنات الأعمال للعمل المرن، وتحديد القطاعات الأكثر إنتاجية وجدوى (كالزراعة، والتصنيع الغذائي، والطاقة البديلة)، بالتوازي مع تفعيل سياسة "الأفضلية الوطنية" التي تلزم المؤسسات الحكومية والمجتمع بالاستثمار في منتجات التعاونيات المحلية وإعطائها الأولوية المطلقة؛ وقد أثبتت التجارب السابقة أن تراجع بعض المؤسسات التعاونية يعود الي التراجع يالاولويات ولغياب الرقابة، وتأصيل الوعي، أو لتحولها لاحقاً إلى مشاريع ارتهنت لأجندات الممولين الدوليين، لتندثر بمجرد انتهاء التمويل أو تغير التوجهات الدولية.
إذا كانت الحكومة تمثل المظلة التشريعية والمادية، فإن المجتمع بمساهماته الجماعية هو الوقود الحقيقي لإنجاح هذا النموذج، وهنا يبرز الدور المحوري للمؤسسات الاجتماعية، والجمعيات الأهلية، والنقابات العمالية والمهنية؛ هذه الأجسام لا يجب أن تقتصر أدوارها على العمل المطلبي أو الإغاثي التقليدي، بل يجب أن تتحول إلى رافعة تنموية وقاطرة لتعزيز الوعي المجتمعي وتلبية احتياجات الأعضاء. وتتلخص مسؤوليتها الوطنية في:
• بناء الحاضنة الفكرية والشعبية عبر إطلاق حملات توعية واسعة لإحياء قيم "العونة" والتكافل التاريخية في الثقافة الفلسطينية، وتأصيل الفكر التعاوني كبديل تنموي يضمن كرامة العامل والمزارع، وينشر الوعي بجدوى الاقتصاد التضامني كأداة تحرر وتقليص للفجوات الاجتماعية والاقتصادية من خلال توفير فرص العمل للفئات الضعيفة والهشة والمهمشة.
• تنظيم القوى الإنتاجية الجماعية والابتكار الرقمي وتشجيع وحشد العمال، والنساء، والفئات المهمشة لتنظيم أنفسهم في تعاونيات إنتاجية مملوكة لهم ديمقراطياً ومستقلة في إدارتها؛ فالنقابات يمكنها قيادة تأسيس تعاونيات عمالية إنتاجية، استهلاكية أو خدمية لمنتسبيها، مما يقلل الكلفة ويقاوم الاحتكار. كما يجب ربط طاقات الشباب والنساء بـ"التعاونيات الرقمية والمعرفية" (برمجة، تصميم، عمل مرن عن بعد) لكسر جدران الحصار الجغرافي وتوليد دخل مستقل عن القيود المادية للاحتلال.
• توجيه مدخرات الأفراد والصناديق النقابية والمجتمعية والمبادرات الجماعية للاستثمار في مشاريع تعاونية إنتاجية بدلاً من تجميدها في البنوك، مما يخلق فرص عمل حقيقية ويمتص البطالة المتفشية، ويحول المجتمع من مجتمع متلقٍ للمساعدات إلى مجتمع مبادر ومنتج.
الخلاصة: إن العمل باتجاه الاقتصاد التضامني في فلسطين يتطلب جهداً تشاركياً تتكامل فيه الأدوار وصدق النوايا؛ فالحكومة مطالبة بسن التشريعات وتسخير البرامج لدعم هذا التوجه، والمجتمع بمؤسساته ونقاباته مطالب بالانخراط التام وتبني الفكرة والدفاع عنها كخيار بقاء وتحرر.
في ظل واقع الحرب والحصار المستمر وتداعياته الكارثية، يظل الاقتصاد التضامني المبني على المساهمة الجماعية، والابتكار في استخدام الموارد بشكل مسؤول، وتحقيق الاكتفاء الذاتي هو الدعامة الأساسية لإعادة بناء مجتمع فلسطيني أكثر توازناً، وعدالة، وازدهاراً؛ مجتمع يملك قراره لأنه يملك قوته، وقادر بفضل سواعد أبنائه المترابطة على الانعتاق من قيود الاحتلال والتبعية وتأسيس فجر الحرية والسيادة الوطنية.