سرقة الجوالات في مخيمات النزوح.. جريمة فوق الاحتمال


سلامه ابو زعيتر
الحوار المتمدن - العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 21:56
المحور: المجتمع المدني     

في غزة الموجوعة، التي تنزف طهراً وصبراً منذ سنوات، حيث يتقاسم الناس لقمة العيش المغمسة بالدم، ويقتسمون شربة الماء الشحيحة في مراكز النزوح، يطلّ علينا سلوك هجين ومقزز يضرب خاصرة صمودنا؛ ظاهرة سرقة جوالات الناس، وخاصة النازحين، وفي الأسواق؛ إنها جريمة لا يمكن تصنيفها تحت بند السرقة العادية، بل هي خنجر مسموم يُغرس في الجبهة الداخلية، وفعل دنيء يتجاوز سرقة المادة إلى سرقة الأمان، والذاكرة، وشريان الحياة، وهي جريمة صرنا نلمسها في الأسواق وفي المخيمات وفي كل مكان بغزة، حتى غدت ظاهرة واضحة لا يمكن التغاضي عنها.
الجوال ليس ترفاً.. إنه ذهب النازح، وعينه على أهله في سياق النزوح الحالي؛ فلم يعد الهاتف المحمول أداة للترفيه أو التواصل الثانوي، بل يمثل في قطاع غزة المدمر ممتلكات ثمينة تُصنّف في قيمتها وأهميتها كالذهب تماماً، بل قد يفوقه أحياناً، فهو شريان الحياة الذي يربط الأم بابنها تحت القصف، والأب بعائلته المشتتة بين الشمال والجنوب، وهو صندوق الأسرار والذكريات؛ بما يحتويه من صور عائلية وفيديوهات للحظات الجميلة، وصور من ارتقوا من الشهداء، وملامح البيوت قبل دمارها وبعده؛ فهو الأرشيف العاطفي الأخير للإنسان الغزي، وكذلك وسيلة البقاء الاقتصادية للبيع والشراء والمعاملات البنكية، وعبره تصله رسائل الإغاثة، والفتات المتبقي في المحافظ الإلكترونية والمساعدات المالية التي تقي الأطفال غائلة الجوع؛ لذا، فإن سرقة هذا الجهاز هي حكم بالإعدام النفسي والاجتماعي على النازح، وإدخاله في دوامة من القهر والهلع والوساوس التي لن تفارقه حتى لو حصل على جوال جديد.
أمام هذا التغول، لم يعد الصمت خياراً، لذا نتوجه بنداء للرأي العام، والوجهاء والمخاتير بوقفة حازمة لا هوادة فيها؛ ويجب رفع الغطاء العشائري والعائلي فوراً عن كل من يتورط في هذه السرقات، فلا كرامة للص يعتاش على عذابات المهجرين، ولا يجوز لأي عائلة أو حمولة أن تحمي ابنها إذا مد يده إلى خيمة نازح مكلوم، إن الواجب الأخلاقي والوطني يدعونا اليوم إلى فضح هؤلاء اللصوص بالأسماء، وملاحقتهم بكل الطرق المتاحة، ونبذهم اجتماعياً؛ فلا يُجالسون، ولا يُحترمون، ويُعاملون كخونة للمسؤولية الأخلاقية والوطنية، ويجب أن تشهد مخيمات الإيواء إيقاع أقصى العقوبات الميدانية والجزائية بحقهم ليكونوا عبرة لغيرهم.
ولأن التشخيص وحده لا يكفي في زمن المعاناة، ولضبط هذه الظاهرة والقضاء عليها؛ يجب أن يتعاون الجميع، وخاصة تجار وفنيي الجوالات؛ فهم يمثلون خط الدفاع الأول عن الجبهة الداخلية؛ فاللصوص يتوجهون إليهم للبيع، أو لتغيير معالم الجوال، أو تفكيكه وبيعه كقطع غيار، هنا يأتي الدور المحوري والمفصلي لأصحاب المحلات، وتجار الهواتف، وخاصة الفنيين ومندوبي الصيانة؛ فأنتم اليوم حراس ثغور في معركة تحصين الجبهة الداخلية، ويُفترض شرعاً وعُرفاً وأخلاقاً أن تُعامل عمليات بيع وشراء وصيانة الجوالات بذات الإجراءات الصارمة التي تُعامل بها تجارة الذهب والمجوهرات.
للقضاء على هذه الظاهرة واجتثاثها من جذورها، يتطلب الأمر إرساء استراتيجية وطنية ومجتمعية شاملة تقوم على تكامل الأدوار وتضييق الخناق على هؤلاء العابثين، لتصبح المسؤولية ملقاة على عاتق الجميع عبر المحاور والخطوات العملية التالية:
أولاً: المحور الفني والتقني وخنق السوق السوداء والتثبت التام بحيث يلتزم أصحاب المحلات والفنيون بعدم فك شفرة أي جهاز، أو تخطي قفله، أو شراء جهاز مستعمل، دون التحقق الصارم من هوية صاحبه، وطلب أوراق إثبات الملكية أو العلبة/الكرتونة، والامتناع الفوري عن قبول أي جهاز تدور حوله الشبهات والتنسيق مع اللجان المجتمعية لكشف السارق، بالتوازي مع إنشاء شبكة تواصل رقمية موحدة (عبر التليجرام أو الواتساب) تجمع فنيي الصيانة والتجار واللجان، يُعمم من خلالها فوراً الرقم التسلسلي ومواصفات أي جهاز مسروق، مما يحول دون قدرة السارق على التصرف فيه في أي بقعة من القطاع.
ثانياً: المحور العشائري والمجتمعي ونزع الشرعية والحماية وتبدأ المكافحة بإعلان الوجهاء والمخاتير في كافة المخيمات ومراكز الإيواء عن وثيقة شرف تُسقط وتفرغ أي غطاء عائلي أو عشائري عن كل سارق، والاتفاق على فضح المتورطين بالأسماء ونشر صورهم في المجموعات المحلية ونبذهم مجتمعياً؛ فلا يُجالسون ولا يُحترمون، لتتحول السرقة إلى وصمة عار تلاحق صاحبها.
ثالثاً: المحور الميداني والأمني لحماية الممتلكات بتفعيل اللجان الشعبية ودوريات الحراسة الليلية التطوعية من شباب المخيم لحفظ أمن المربعات السكنية ومحيط الخيام، وخاصة حول نقاط الشحن العامة التكايا ومحلات الطاقة الشمسية، مع إيقاع أقصى العقوبات الجزائية والميدانية الرادعة بحق كل من يُضبط متلبساً.
رابعاً: المحور التوعوي والإرشادي للنازحين وتكثيف حملات التوعية لحث الأهالي على أخذ الحيطة، وتفعيل ميزات التتبع الرقمية، والاحتفاظ ببيانات أجهزتهم، مع توجيه المنابر والمصليات لتعزيز الوعي بحرمة هذه الجريمة وخطرها على الجبهة الداخلية.
إنها استراتيجية تكامل الحصار على الجريمة؛ فالمجتمع ينبذ، والعشيرة ترفع الغطاء، والفني يرفض الصيانة والشراء، واللجان تلاحق حينها فقط، سيعلم السارق أن ثمن سرقة الجوال هو خسارة نفسه ومكانته بالكامل.
الخلاصة: إن غزة التي واجهت وتواجه أعتى آلات الدمار، لن تسمح لشراذم من اللصوص والانتهازيين أن يعبثوا بأمن خيامها وسكينة مهجريها. إن حماية مصالح الناس في هذه الأوقات العصيبة هي مسؤولية جماعية تبدأ من خيمة الجار، وتمر بمحل الفني، وتنتهي بوعي المجتمع الذي يرفض الخيانة ويرفض القهر، دعونا نطلقها صرخة مدوية لا أمان للص، ولا غطاء لمتواطئ، وجوال النازح خط أحمر.