نحو ممارسة أخلاقية تحمي المهنة وتصون كرامة الأخصائي والمجتمع في غزة


سلامه ابو زعيتر
الحوار المتمدن - العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 15:01
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

تخوض المهن الاجتماعية والنفسية—من خدمة اجتماعية وعلم نفس وعلم اجتماع—في محافظات غزة اختباراً إنسانياً ومهنياً هو الأكثر تعقيداً واستثنائية على مستوى العالم؛ وذلك بفعل تتالي الأزمات والحروب والكوارث وتفاقم آثارها المركبة، وفي قلب هذه المواجهة الميدانية، يجد الأخصائي الاجتماعي والنفسي نفسه في خط الدعم الأول؛ يحمل أوجاع المجتمع، ويقود معركة التماسك وصنع التعافي، غير أن جسامة هذه المهمة تضعنا أمام حقيقة جليّة بإنّ التعاطف الإنساني والنوايا الحسنة—على أهميتهما—لا يكفيان وحدهما لإدارة التدخلات النفسية والاجتماعية في بيئة شديدة الحساسية والتعقيد؛ بل يغدو المؤطر الأخلاقي والمهني المُنظّم ضرورياً لحماية الخدمة، وضبط الممارسة، وإرساء مرجعية تضمن الأمان لجميع الأطراف، ومن هنا، لم يعد إيجاد ميثاق أخلاقي جامع خياراً تنظيمياً أو رفاهية مهنية، بل ضرورة إنسانية وحتمية واقعية فرضتها ظروف الميدان ومتطلبات الحماية.
مدونة نوفمبر 2024 من وثيقة مُطلقة إلى التزام ميداني واجب:
إنّ إطلاق مدونة السلوك المهني للأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين عن نقابة الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين في محافظات غزة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 لم يكن مجرد حدث عابر أو إجراء إداري، بل كان محطة تاريخية وإنجازاً نوعياً وُلِد من رحم الأزمة لحماية المهنة والمستفيدين والأخصائيين على حدٍّ سواء.
واليوم، يبرز المحك الحقيقي والفكرة المركزية التي نتطلع إليها جميعاً؛ إذ إن القيمة الحقيقية لهذه المدونة لا تكمن فقط في نصها، بل في التعاطي الجاد معها والالتزام الكامل بتطبيقها على أرض الواقع في قطاع غزة، وتتجلى أهمية هذا الالتزام الميداني بالمدونة في عدة نقاط جوهرية:
1. حماية المستفيد وصون كرامته بحيث يكون متلقي الخدمة النفسية أو الاجتماعية في ظروف الأزمات في أقصى درجات الانكشاف والهشاشة؛ لذا تُحدد مدونة (نوفمبر 2024) قواعد صارمة لحماية كرامة الفرد، وضمان السرية والأمان الرقمي (خاصة مع توسع تقديم الخدمات عبر الإنترنت)، وحظر أي شكل من أشكال الاستغلال أو التمييز، مع ترسيم حدود واضحة للموافقة المستنيرة والتعامل مع الهدايا والعلاقات المزدوجة.
2. ضبط الممارسة وحماية المهنة من الدخلاء في أوقات الطوارئ، تتسع ظاهرة التطفل المهني والعشوائية في تقديم الدعم النفسي والاجتماعي من جهات أو أفراد غير مؤهلين، وتأتي المدونة لتحدد بصورة قاطعة حدود الكفاءة والترخيص والمزاولة، وتضع المعايير الأخلاقية التي تحمي سمة المهنة، وتحدد مرجعية للرقابة والمساءلة والشفافية.
3. مأسسة حماية الأخصائي ومواجهة الإرهاق الوظيفي فلا يمكن لأخصائي مجهد أو محترق نفسياً أن يقدم خدمة آمنة للآخرين؛ لذا تشير المدونة بشكل واضح وجلي إلى أن حماية الأخصائي هي جزء لا يتجزأ من حماية المستفيد، وتلزم المؤسسات بتوفير آليات العمل الآمن، وتحديد أعباء الحالات، وجلسات التفريغ والإشراف الدوري لمواجهة الاحتراق المهني والصدمات الثانوية في البيئات الميدانية الصعبة.
4. التكيف مع التحولات الرقمية والاحتياجات الحديثة فلم تعد خدمات الدعم محصورة في العيادات أو المكاتب الميدانية، بل أصبحت الممارسات الرقمية والجلسات عبر الإنترنت واقعاً ملموساً. وتتناول المدونة ضوابط أخلاقية صارمة تنظم استخدام التكنولوجيا والأمن الرقمي وضمان سرية البيانات والمستندات الإلكترونية.
دور النقابة والمسؤولية الجماعية:
إن نقابة الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين الفلسطينيين في محافظات غزة لم تكن يوماً مجرد جسم إداري، بل كانت وما زالت المظلة الوطنية والمهنية التي تدافع عن حقوق هذا القطاع الجوهري والفعال بقوة، وتأتي هذه المدونة لتكون مرجعاً قانونياً وأخلاقياً للمؤسسات الحكومية والأهلية والدولية العاملة في القطاع.
وإن التزامنا في النقابة يمتد لبناء بيئة مهنية متكاملة تستند إلى لجنة الأخلاقيات والسلوك المهني، وتفعّل آليات الشكاوى والمراجعة، وتضمن متابعة التطوير والتأهيل المستمر لكوادرنا المهنية.
أخيراً: نحتاج الي التزام مسؤول وشراكة كاملة لحين التشريع، فإن إصدار هذه المدونة التاريخية في نوفمبر 2024 يضعنا جميعاً أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية لا تحتمل التردد، ومن هذا المنطلق، نوجّه نداءً حازماً وصادقاً إلى كافة المؤسسات الحكومية والأهلية، والمنظمات الدولية والشركاء، والزملاء الأخصائيين الميدانيين في محافظات غزة كافة بإن الالتزام بهذه المدونة والتعاطي مع أحكامها يمثل استحقاقاً مهنياً واجباً وخطوة أساسية لا غنى عنها لحين صدور قانون شامل وناظم للمهنة.
إننا ندعو الجميع ليس فقط للتعامل مع المدونة كوثيقة مرجعية، بل إلى جعلها ميثاق شرف وعهد عمل مشتَرَك يتجسد في الممارسات اليومية، وتتكامل فيه جهود المؤسسات والنقابة في إطار من الشراكة والتعاون والرقابة الذاتية، وإن تعافي مجتمعنا وحماية نسجه النفسي والاجتماعي يتطلبان ممارسة عادلة ونزيهة، تُعلي من قيمة الإنسان، وتضمن كرامة المستفيد، وتصون حقوق الأخصائي في كل موقع عمل.