منزلة المحبة في حضارة اقرا وفي المرجعيات الفلسفية


زهير الخويلدي
الحوار المتمدن - العدد: 8619 - 2026 / 2 / 15 - 22:52
المحور: قضايا ثقافية     

في أعماق التاريخ الحضاري والفكري، تبرز منزلة المحبة كقوة جوهرية تشكل الأسس الروحية والأخلاقية للحضارات، وخاصة في حضارة "اقرأ" التي تمثل النهضة الإسلامية المبنية على أول أمر إلهي يدعو إلى القراءة والعلم كوسيلة للتقرب إلى الخالق والخلق. هذه الحضارة، التي انطلقت من كلمة "اقرأ" كرمز للمعرفة والتأمل، جعلت المحبة ليست مجرد عاطفة فردية بل مبدأ حضارياً يربط بين الإنسان والكون، ويمتد إلى المرجعيات الفلسفية التي استلهمتها أو أثرت فيها، سواء في التراث اليوناني أو الشرقي أو الغربي. تعميق فهم منزلة المحبة في هذين السياقين يكشف عن كيفية تحولها من مفهوم شخصي إلى قوة تحولية تعيد صياغة الوجود الإنساني، الأخلاقي، والاجتماعي، مما يجعلها محوراً للتوازن بين الروح والعقل. هذه الدراسة تستعرض هذه المنزلة بشكل متدفق، مستكشفة أبعادها في حضارة "اقرأ" كحضارة إسلامية متجذرة في القرآن والسنة، ثم في المرجعيات الفلسفية كتراث عالمي يتفاعل معها، لتكشف عن دورها كرابط حضاري وفكري.
تبدأ منزلة المحبة في حضارة "اقرأ" من أساسها الروحي، حيث تُعتبر المحبة الإلهية الجوهر الأعلى الذي يدفع الإنسان نحو الكمال. في هذه الحضارة، التي انبثقت من الوحي القرآني الذي يأمر بالقراءة كوسيلة لفهم الخالق، تُرى المحبة كمحور الإيمان، فهي ليست مجرد شعور بل عبادة تجمع بين التقوى والعمل. القرآن يصف المحبة الإلهية كعلاقة متبادلة، حيث يحب الله عباده المتقين والمحسنين، مما يجعلها أساساً للحضارة التي بنت مدن العلم والتسامح مثل بغداد والقاهرة وغرناطة. هذه المنزلة تتعمق في الصوفية، التي تمثل الجانب الروحي العميق لحضارة "اقرأ"، حيث يرى الصوفيون مثل جلال الدين الرومي وابن عربي أن المحبة هي الطريق إلى الاتحاد مع الإله، وأنها تحول القراءة من مجرد اكتساب معرفة إلى تجربة روحية تذيب الأنا في الكل. في هذا السياق، تصبح المحبة قوة اجتماعية تبني الجماعة، فالحضارة الإسلامية جعلتها أساساً للعدالة والإحسان، كما في مفهوم "المحبة في الله" الذي يربط بين الأفراد دون تمييز عرقي أو طبقي، مما ساهم في انتشار الحضارة من الأندلس إلى الهند. هذه المنزلة ليست ثابتة؛ إنها تتطور مع الزمن، حيث تحولت في العصور الوسطى إلى محرك للعلوم، فالمحبة للمعرفة دفع الفلاسفة المسلمين إلى ترجمة التراث اليوناني، جاعلين منها جسراً بين الإيمان والعقل، مما يعكس كيف أن حضارة "اقرأ" جعلت المحبة ليست عاطفة بل قيمة حضارية تعمق التوازن بين الروح والمادة.
تتعمق منزلة المحبة في حضارة "اقرأ" أكثر عند النظر إلى دورها في بناء القيم الأخلاقية والاجتماعية، حيث تُرى كأداة لمواجهة الصراعات الإنسانية. في السنة النبوية، تُبرز المحبة كأساس للأخلاق، فالرسول يُوصف بأنه رحمة للعالمين، مما يجعلها مبدأً يدفع نحو السلام والتعايش. هذه الحضارة، التي اعتمدت على القراءة كوسيلة لفهم النصوص المقدسة، جعلت المحبة قيمة عملية تتجلى في الزكاة والصدقة كتعبير عن محبة الآخر، وفي الجهاد الداخلي كمحبة للنفس من خلال التطهير. في العصور الذهبية، ساهمت هذه المنزلة في إنشاء مجتمعات متعددة الثقافات، حيث عاشت الأديان المختلفة في سلام تحت مظلة المحبة الإسلامية، كما في عهد الخلافة العباسية أو الدولة العثمانية. ومع ذلك، تواجه هذه المنزلة تحديات في العصور الحديثة، حيث يُعاد تفسيرها في مواجهة الاستعمار والعولمة، فتصبح المحبة أداة للمقاومة الثقافية، تدفع نحو إحياء حضارة "اقرأ" كحضارة تعتمد على المحبة للمعرفة كوسيلة للنهوض. هكذا، تظل المحبة في هذه الحضارة ليست مجرد مفهوم ديني، بل قوة حضارية تعمق الرابط بين الفرد والمجتمع، والإنسان والكون، مما يجعلها أساساً لاستمرارية الحضارة في وجه التحولات.
أما في المرجعيات الفلسفية، فتأخذ منزلة المحبة أبعاداً أكثر تنوعاً وتعمقاً، حيث تتحول من عاطفة إلى مفهوم ميتافيزيقي وأخلاقي يشكل أساس الفكر البشري. في التراث اليوناني، الذي يُعد مرجعاً أساسياً للفلسفة، يرى أفلاطون المحبة كإيروس، قوة دافعة نحو الجمال والحقيقة، مما يجعل منزلته كطريق للارتقاء من العالم الحسي إلى العالم المثالي، وهو ما يعمق دورها كمحرك للمعرفة. أرسطو، بدوره، يميز بين أنواع المحبة مثل الفيليا (الصداقة) والأغابي (المحبة غير المشروطة)، جاعلاً منها أساساً للأخلاق والسياسة، حيث تصبح قيمة تجمع بين الأفراد في المدينة الفاضلة. هذه المرجعيات تتعمق في الفلسفة المسيحية، حيث يرى القديس أوغسطينوس المحبة كجوهر الإيمان، تحولها إلى قوة إلهية تربط بين الإنسان والله، مما يجعل منزلته أعلى من العقل نفسه في البحث عن الحقيقة. في العصور الوسطى، يلتقي هذا التراث مع الفلسفة الإسلامية، حيث يعمق الفلاسفة مثل ابن سينا والفارابي دور المحبة كرابط بين العقل والروح، مستلهمين من "اقرأ" ليجعلوها جسراً بين الفلسفة والدين.يتعمق هذا الدور في المرجعيات الفلسفية الحديثة، حيث تصبح المحبة أداة لمواجهة الاغتراب الإنساني. في فلسفة هيغل، تُرى كديالكتيك يجمع بين الأضداد نحو الوحدة، مما يعمق منزلته كقوة تاريخية تشكل التطور الحضاري. الوجوديون مثل سارتر وكامو يرونها كوسيلة لإعطاء معنى للوجود في وجه العبث، بينما يعمق كيركغارد دورها كقفزة إيمانية تجاوز العقل. في الفلسفة الشرقية، التي تتفاعل مع المرجعيات الغربية، يرى بوذا المحبة ككارونا (الرحمة) أساساً للتنوير، مما يجعل منزلته قيمة عالمية تربط بين الثقافات. هذه المرجعيات لا تتوقف عند النظرية؛ إنها تؤثر في الحياة العملية، حيث تعمق الفلسفة دور المحبة في مواجهة الأزمات المعاصرة مثل اللامساواة، جاعلة منها مبدأً للأخلاق البيئية والاجتماعية. وهكذا، تظل منزلة المحبة في المرجعيات الفلسفية كقوة متجددة تعمق الفهم الإنساني للوجود، مستلهمة من حضارات مثل "اقرأ" لتكون جسراً بين الشرق والغرب.
في تداخل حضارة "اقرأ" مع المرجعيات الفلسفية، يبرز تعميق منزلة المحبة كتحول مشترك، حيث تجمع بين الروحي والعقلي في رؤية متكاملة. في تداخل حضارة "اقرأ" مع المرجعيات الفلسفية، يبرز تعميق منزلة المحبة كتحول مشترك، حيث تجمع بين الروحي والعقلي في رؤية متكاملة. الفلاسفة المسلمون مثل الغزالي يعمقون هذا التداخل بجعل المحبة جسراً بين التصوف والفلسفة، مما يجعلها قوة تحولية تجاوز التناقضات. هذا التفاعل يدعو إلى فهم المحبة كمنزلة حضارية وفلسفية تعيد بناء العالم نحو الوحدة.
في الختام، تظل منزلة المحبة في حضارة "اقرأ" وفي المرجعيات الفلسفية كقوة أبدية تعمق الإنسانية، مما يجعلها مفتاحاً لليقظة المعرفية والتطور المجتمعي والتقدم التاريخي. هذا التعميق ليس نهاية، بل دعوة لاستمرار البحث عن معنى الحياة من خلال المحبة كرابط حضاري وفكري.
كاتب فلسفي