حيرة الفلاسفة والعلماء أمام ضخامة وتنوع المعلومات في ثورة الذكاء الاصطناعي، مقاربة رقمية


زهير الخويلدي
الحوار المتمدن - العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 21:48
المحور: تقنية المعلمومات و الكومبيوتر     

مقدمة
في عصر الثورة الرقمية، أصبحت المعلومات متاحة بكميات هائلة وتنوع غير مسبوق، مما يثير حيرة عميقة بين الفلاسفة والعلماء. هذه الثورة، التي بدأت مع انتشار الإنترنت وتطور تقنيات البيانات الكبيرة، لم تقتصر على تسهيل الوصول إلى المعرفة، بل أدت إلى ظاهرة "الإفراط في المعلومات"، حيث يتجاوز حجم المعلومات المتاحة قدرة الإنسان على معالجتها واستيعابها. هذه الحيرة ليست جديدة تماماً؛ فقد تنبأ بها فلاسفة في القرن التاسع عشر مثل آرثر شوبنهاور، الذي حذر من انتشار المعلومات وتأثيرها على الضجيج الذهني. ومع ذلك، في العصر الرقمي، أصبحت هذه الظاهرة أكثر تعقيداً، حيث يواجه الفلاسفة أسئلة أنطولوجية حول طبيعة المعرفة، بينما يصطدم العلماء بتحديات منهجية في التعامل مع تنوع البيانات. في هذه الدراسة الأكاديمية، سنستعرض تاريخياً وتحليلياً هذه الحيرة، مستندين إلى منظورات فلسفية وعلمية، مع التركيز على كيفية تحول الثورة الرقمية من أداة للتقدم إلى مصدر للارتباك والقلق. لماذا يجد العلماء والفلاسفة حيرة أمام تدفق المعلومات؟ وكيف يمكنهم أن يتصرفوا للخروج من الحيرة؟
الخلفية التاريخية: جذور الإفراط في المعلومات
لم تكن فكرة الإفراط في المعلومات وليدة العصر الرقمي؛ فقد عبر عنها المفكرون منذ قرون. في القرن التاسع عشر، أعرب آرثر شوبنهاور عن قلقه من انتشار الكتب والمعلومات، معتبراً إياها مصدراً للضجيج الذهني الذي يعيق التفكير العميق. كما أن سورين كيركيغارد، في كتابه "نقاء القلب هو الإرادة الواحدة" عام 1840، حذر من تدفق المعلومات الذي يؤدي إلى فقدان التركيز.
هذه الشكاوى استمرت مع تطور الطباعة والإعلام، لكن الثورة الرقمية أعادت صياغتها بشكل جذري. منذ نهاية القرن العشرين، مع انتشار الإنترنت، أصبحت المعلومات متاحة بلا حدود، مما أدى إلى ما يُعرف بـ"الفيضان الرقمي". في عام 2010، أشارت أبحاث إلى أن البشر يواجهون كميات من المعلومات تفوق قدراتهم، مما يعيد إلى الأذهان شكاوى العصور السابقة لكن بمقياس أكبر.
في السياق الفلسفي، يُعتبر لوكيانو فلوريدي، مؤسس فلسفة المعلومات، أحد أبرز المفكرين الذين ربطوا الإفراط في المعلومات بالـ"الثورة الرابعة"، حيث يصبح الإنسان جزءاً من نظام معلوماتي يتجاوز قدراته البيولوجية.
أما علمياً، فإن مجالات مثل الفيزياء والأحياء تواجه تحديات في معالجة البيانات الكبيرة، حيث يطرح السؤال: ما هي البيانات الجيدة والخاطئة؟ هذه الخلفية التاريخية تكشف أن الحيرة الحالية ليست استثنائية، بل تطور طبيعي لمشكلة قديمة في عصر جديد.
المنظور الفلسفي: الحيرة الأنطولوجية والأبستمولوجية
يواجه الفلاسفة حيرة أساسية أمام ضخامة المعلومات: هل تحولت المعرفة إلى مجرد بيانات غير مترابطة؟ من منظور أنطولوجي، يغير الرقمي طبيعة الوجود؛ فالبيانات الكبيرة تحول العالم من كيان ثابت إلى ديناميكي، مما يكسر الثنائية بين الذات والموضوع. دانييل دينيت، الفيلسوف المعاصر، يرى أن المنصات الرقمية تستغل غرائزنا التطورية، مما يؤدي إلى إعادة تشكيل طريقة تفكيرنا.
هذا يثير أسئلة أبستمولوجية: كيف نحدد الحقيقة في بحر من المعلومات المتضاربة؟ يُشير بعض الفلاسفة إلى أن الإفراط يؤدي إلى اللامبالاة، حيث يصبح التمييز بين المعلومات ذات القيمة والمعلومات الزائفة أمراً شاقاً. في فلسفة المعلومات، يُناقش فلوريدي "الثورة الرابعة" كتحول يجعل الإنسان " كائناً معلوماتياً" يعيش في فضاء رقمي. هذا التحول يثير مخاوف أخلاقية، مثل فقدان الخصوصية والمساواة في الوصول إلى المعلومات. كما أن الفلاسفة مثل كارل بوبر، من خلال المنهج النقدي، يقترحون أن التعامل مع الرقمي يتطلب الشك والتجربة للتمييز بين المعلومات الصالحة والمعلومات الزائفة. هذه المنظورات تكشف عن حيرة فلسفية عميقة: الثورة الرقمية لا تقدم معرفة حقيقية، بل تثير أسئلة حول ماهية المعرفة نفسها.
التحديات العلمية: التعامل مع البيانات الكبيرة والمتنوعة
بالنسبة للعلماء، تكمن الحيرة في التحديات المنهجية والأخلاقية للبيانات الكبيرة. في مجال العلوم، أدت الثورة الرقمية إلى إنتاج بيانات هائلة، مما يطرح أسئلة حول كيفية استخلاص المعرفة منها. على سبيل المثال، في علم الأحياء، يواجه الباحثون صعوبة في تحديد "البيانات الجيدة" وسط التنوع الهائل، مما يغير فلسفة العلم التقليدية. كما أن البيانات الكبيرة تثير قضايا أخلاقية، مثل احترام خصوصية المرضى وضمان العدالة في البحث.
في العلوم الاجتماعية، يُناقش كيف أن البيانات الكبيرة ليست محايدة، بل محدودة فيما يمكنها التقاطه، مما يؤدي إلى تحيزات. بعض العلماء يرون أن هذا العصر يعلن "موت العلوم التقليدية"، حيث يحل الذكاء الاصطناعي محل المنهج البشري. ومع ذلك، يؤكد آخرون على الحاجة إلى منظورات متعددة لتجنب الإفراط، مشددين على دور المهن المعلوماتية في التعامل مع الأبعاد الاجتماعية والأخلاقية. هذه التحديات تحول العلم من بحث عن الحقيقة إلى إدارة للفيضان المعلوماتي.
دور الذكاء الاصطناعي: مضاعف الحيرة أم حل محتمل؟
يُمثل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز عوامل تفاقم حيرة الفلاسفة والعلماء أمام ضخامة وتنوع المعلومات، لكنه في الوقت نفسه يُقدم نفسه كحل محتمل لهذه المشكلة، مما يخلق تناقضاً عميقاً. من جهة، يعمل الذكاء الاصطناعي – خاصة نماذج التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي التوليدي مثل أنظمة التعلم العميق – على تضخيم حجم المعلومات بشكل أساسي، حيث يولد محتوى جديداً بسرعة تفوق القدرة البشرية، سواء نصوصاً أو صوراً أو فيديوهات. هذا التوليد السريع يزيد من ظاهرة "الإفراط في المعلومات"، ويثير مخاوف حول انتشار المعلومات المضللة والمعلومات المزيفة بعمق، مما يجعل التمييز بين الحقيقي والمصطنع أكثر صعوبة.
فلسفياً، يثير الذكاء الاصطناعي أسئلة وجودية جديدة: هل يمكن للآلة أن تنتج معرفة حقيقية، أم أنها مجرد إعادة تركيب إحصائي للبيانات الموجودة؟ يناقش فلاسفة مثل نيك بوستروم وتيموثي موتون مخاوف "الانفجار الاستخباراتي"، حيث يتجاوز الذكاء الاصطناعي القدرة البشرية على الفهم، مما يؤدي إلى فقدان السيطرة على المعرفة. كما يرى جان بودريار في مفهوم "الواقعية الفائقة" أن الذكاء الاصطناعي يخلق واقعاً افتراضياً يحل محل الواقع الحقيقي، مما يعمق الحيرة الأنطولوجية حول ما هو "أصيل".
علمياً، يساهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز التحيزات الموجودة في البيانات التدريبية، مما يؤدي إلى نتائج منحازة أو غير موثوقة، كما حدث في حالات عديدة مع نماذج التعرف على الوجوه أو التوصيات الخوارزمية. ومع ذلك، يُقدم الذكاء الاصطناعي أدوات لمواجهة الإفراط، مثل خوارزميات التصفية، التلخيص التلقائي، واكتشاف الأنماط في البيانات الكبيرة، مما يسمح للعلماء باستخلاص رؤى من كميات هائلة كانت مستحيلة سابقاً. هذا الدور المزدوج يجعل الذكاء الاصطناعي مصدراً للحيرة الأكبر: هل هو أداة تحريرية تمنحنا السيطرة على الفيضان المعلوماتي، أم أنه يسرع من غرقنا فيه؟ يتطلب هذا التناقض إطاراً أخلاقياً جديداً لتطوير الذكاء الاصطناعي، يركز على الشفافية والمساءلة لتجنب تفاقم الحيرة.
التأثيرات والحلول المقترحة
تؤدي هذه الحيرة إلى آثار نفسية واجتماعية، مثل القلق والإرهاق الذهني. كما أنها تهدد الديمقراطية من خلال انتشار المعلومات المضللة. لمواجهتها، يقترح الفلاسفة تعزيز التفكير النقدي والأخلاق الرقمية. علمياً، يُنصح بتطوير أدوات لتصفية البيانات وتعزيز التعاون متعدد التخصصات. كما يُشدد على بناء "مناعة ذهنية" لمواجهة الإفراط.
خاتمة
الحيرة أمام ضخامة وتنوع المعلومات في الثورة الرقمية تمثل تحدياً فلسفياً وعلمياً يتطلب إعادة التفكير في طبيعة المعرفة. من شوبنهاور إلى فلوريدي، تكشف هذه الظاهرة عن تحول جذري في علاقة الإنسان بالمعلومات. يجب على المجتمع الدولي تعزيز التعليم النقدي والأخلاقي لتحويل هذا الفيضان إلى مصدر للإبداع، لا الارتباك. في النهاية، الثورة الرقمية ليست نهاية المعرفة، بل بداية لفهم أعمق لأنفسنا في عالم متصل. فماهي الطرق الذكية في ترشيد التوظيفات الايتيقية والمستدامة للذكاء الاصطناعي؟
كاتب فلسفي