من المخجل ان يكون الانسان ليبراليا


قاسم علي فنجان
الحوار المتمدن - العدد: 8617 - 2026 / 2 / 13 - 22:47
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات     

قراءة في كتاب "الليبرالية.. تاريخ مٌضاد"

(هل يمكن ان يكون المرء ليبراليا ومالكا للعبيد في نفس الوقت؟ أذن لم علينا اعتبار جون لوك أبا الليبرالية).

ما ان تكمل هذا الكتاب حتى تشعر بحزن وألم شديدين، كتاب ب 500 صفحة من القطع الكبير، لمؤلفه الإيطالي دومنيكيو لوسوردو، انه اشبه بسفر تكوين الليبرالية، أنه خلاصة ما قاله مفكريها او مارسوه او اعتقدوه او ناضلوا من اجله او تمنوا وجوده، بحث في فكرهم وتفكريهم، كشف عن حقيقتهم التي كانت تختفي بشعارات براقة، لم يجامل احداً منهم، او اخفى ما قاله هذا المفكر او ذاك، كان واسع الاطلاع بشكل ملفت، ومع هذه القراءة الواسعة فقد كان دقيقا وامينا في النقل من مصادره، سخر مع صموئيل جونسون بالقول "كيف لنا ان نفسر ان اعلى الصرخات المنادية بالحرية واشدها تألما هي التي نسمعها تتعالى من صيادي العبيد".

الكتاب أراد ان يثبت حقيقة واحدة وهي "الليبرالية ترافق العبودية"؛ او كما يسأله أحد الصحفيين الذين التقوا به " كيف تصف التناقض بين التحرر ونفي التحرر في الأيديولوجيا الليبرالية؟ من أين يأتي هذا المنطق؟"، ليجيب بالقول " المفتاح لفهم تاريخ الليبرالية هو ديالكتيك التحرر ونفي التحرر"؛ وهو يتتبع هذه الجدلية بشكل دقيق جدا في مؤلفات وخطب وممارسات الفلاسفة والمفكرين الأوروبيين الذين رفعوا الراية الليبرالية.

"جون لوك هو بطل العبودية"، لكنه وقف بشكل صلب ضد شكل الحكم المطلق في إنكلترا، هذه هي الجدلية، لوك مساهم في شركة "رويال افريكان" لصيد العبيد، لكنه أكثر المفكرين الذين دعوا لحرية الافراد، أي افراد واي شعوب؟ انها الشعوب الأوروبية والجنس الأبيض بشكل خاص "فالرق نبتة تترعرع في كل الاراضي عدا الأرض الإنكليزية"؛ ويذهب لوسوردو لتأكيد هذه الجدلية أكثر عندما يتطرق لاحد معاصري جون لوك، فقد كان اندرو فليتشر "بطلا للحرية" و "بطلا للعبودية" في الوقت ذاته؛ بطلا للحرية لأنه كان يصرخ بأنه "جمهوري من حيث المبدأ"، وبطلا للعبودية لأنه كان مدافعا بارزا للعبودية، كان أحد أشهر دعاة شرعنة الرق او المطالبة به.

الليبرالية والعبودية توأمان سياميان "ان صعود الليبرالية وانتشار العبودية السلعية فيها على أساس عرقي هما نتاج ولادة توأمية واحدة"، مجموع مفكري وفلاسفة الليبرالية اجمعوا على "بدهية العبودية"، بسبب ان "العبد يحتل مرتبة أدنى من مرتبة البشر" وان العبودية هي "عقاب ألهى"؛ "إذا كان عليّ أن ادعم الحق الذي اكتسبناه في استرقاق السود لقلت بأن الشعوب الأوروبية قد اضطرت الى استعباد الأفارقة ليستخدموهم في زراعة أراضيهم بعد ان أبادوا الشعوب الاصلية لأمريكا" مونتسكيو في "روح الشرائع.

"ينبغي ان لا نحار، أذا، من أن جبن شعوب الأقاليم الحارة قد حول افرادها الى عبيد دائما تقريبا، وان شجاعة شعوب الأقاليم الباردة ابقتها أحرارا، فهذه نتيجة نشأت عن علتها الطبيعة" مونتسكيو.. نفس المصدر.

"من أسروا في حرب عادلة قد خسروا حياتهم ومعها حريتهم، فهؤلاء الاسرى قد أصبحوا عبيدا، ووفقا لقانون الطبيعة هم خاضعون للسيطرة المطلقة والسلطة غير المشروطة لأسيادهم" جون لوك.. مقالتان في الحكم المدني.

"للسيد الحق في عقاب خادمه بطريقة معتدلة، وان مات الخادم نتيجة لهذا العقاب فلا يٌعد موته قتلا" ادم سميث.. من احدى رسائله.

"ان من مصلحة الشعوب المتخلفة ان تصبح جزءا من الإمبراطورية الإنكليزية كي تتجنب كذلك ضمها من جانب دولة اجنبية" جون ستيوارت ميل.

"هناك قبائل متوحشة تنفر بشدة من القيام بنشاط انتاجي منظم، ويستحيل تقريبا هذا النشاط لديهم الا بغزوهم واستعبادهم" جون ستيوارت ميل.

"لقد تلقى العرق الأوروبي من السماء ونال بكده تفوقا لا شك فيه على كل الأعراق الأخرى التي تنتمي الى العائلة البشرية حتى ان الرجل الذي يحتل أدنى الدرجات الاجتماعية عندنا جراء رذائله وجهله يقع في اعلى مرتبة لدى الأمم الهمجية" اليكسس دو توكفيل.

"ان العبيد الصفر قد بدأوا يأخذون مكان العبيد السود الذين كانوا بدورهم قد حلوا محل العبيد الحمر الهنود" وايكفيلد.

"يقوم العرق الافريقي بعمله تحت قيادة العرق الأوروبي كما هو الحال عندنا" كالهون.

اما أبو التنوير ايمانويل كانط صاحب الفلسفة الأخلاقية فهو يقول:

" زنوج القارة الإفريقيّة بطبيعتهم لا يملكون إحساسا يدفعهم للارتقاء فوق التفاهة والوضاعة. السيد هيوم يتحدى أن يأتي أحد بمثالٍ واحد على زنجيٍ أظهر أدنى قدر من الموهبة، كما أنه يؤكد أن من بين مئات الألوف من السود الذين انتقلوا من مواطنهم (وبالرغم من أن الكثير منهم قد تحرر من العبودية) لم يبرز أيٌ منهم، ولو فردًا واحدًا، أو يطرح ما فيه منفعة للمجال العلمي أو الفني، أو متضمنًا لما يستحق الإشادة به. وبالرغم من أن الكثير من البيض كانوا من طبقاتٍ فقيرة، فإنه من خلال مواهبهم الفذة نالوا مكانةً محترمة في العالم".

وهكذا، يأخذنا لوسوردو في رحلة محزنة ومؤلمة يكشف فيها عن الوجه الحقيقي لليبرالية، عبر فلاسفتها ومفكريها وقادتها، ولهذا نقول انه لا يجب ان نتعجب ونندهش من ترامب وإبستين ونتنياهو، فهؤلاء التجلي الحقيقي لليبرالية.

يحسن ان نختم ببعض المناظر الجميلة لليبرالية في مزارع المطاط في الكونغو البلجيكية:

" كانت كل مدينة او حي مجبرة كل يوم أحد على جلب عدد من معين من الافراد الى المقر الرئيس للمفوض العام. كان أولئك الأشخاص يجلبون بالقوة، وكان الجنود يدفعون الناس صوب الغابة. كانوا يقتلون كل من يرفض، ثم كانوا يقطعون اياديهم اليسرى، ويقدمونها للمفوض كأنها جائزة تذكارية.. ثم كانوا يصفون ايادي الرجال والنساء والأطفال المبتورة تلك امام المفوض".

"في جامايكا الخاضعة للإمبراطورية البريطانية الليبرالية في منتصف القرن الثامن عشر تم تطبيق عقوبة فاضحة في حد ذاتها: كانوا يجبرون احد العبيد على التبرز في فم العبد المذنب ثم يخيطونه لأربع او خمس ساعات".

يختم لوسوردو كتابه بهذه الكلمات:

"ان كتابنا هذا يطرح نفسه فقط ك "تاريخ مضاد" لكل محاولات الطمس والتزييف التاريخية؛ إذ ان الرسو على بر التاريخ يقتضي في المقام الأول وداعا لكتب المناقب والكرامات".