أخيرا تمت الوقفة التضامنية


قاسم علي فنجان
الحوار المتمدن - العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 16:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

رأي شخصي جدا

(ان معدنا قوية ونحن ماركسيين، كالصخر في صلابتنا، وسنهضم هؤلاء الناس غير المتماسكين) لينين.

أخيرا اتممنا الوقفة التضامنية في ساحة التحرير، صحيح ان الاعداد كانت قليلة، لكنها حملت رمزية عالية، فما جرى ويجري في شمال شرق سوريا هو عملية إبادة مكتملة الأركان والصور، خصوصا على الجماهير الناطقة باللغة الكٌردية، فمدينة كوباني هي النموذج الواضح للمجازر والحصار والتجويع والتهجير، ما يقارب النصف مليون انسان يفرض عليهم حصار خانق، منعت عصابات الجولاني الإسلامية الإرهابية عن هذه المدينة كل شيء، لا غذاء او دواء او وقود.

الأحزاب الشيوعية في العراق أصدرت بياناتها، منددة وشاجبة لتلك الاعمال الاجرامية التي تقوم بها عصابات الجولاني، وهذا شيء طبيعي، فأي مدينة او منطقة في كل بقاع الأرض تتعرض لهجمة كهذه يجب الوقوف بالضد من اعمال الإبادة وإعلان التضامن معها، فهذا بند أساس من بنود الأممية العالمية.

لكن القضية لم تكن بهذه السهولة، ولم تمر مرور الكرام، فقد تصاعدت الاحاسيس القومية، خصوصا من بعض الافراد اليساريين والشيوعيين، فقد غصت مواقع التواصل الاجتماعي بنقل التظاهرات المنددة بالأعمال الإرهابية، وبالأخص في مدينة السليمانية، التي خرجت بتظاهرة مليونية إذا صح التقدير؛ هذا النقل للتظاهرات زاد من الحماس القومي لدى البعض، بل ان بعض التعليقات كانت متشنجة وقسم منها غاضبة لأي مفردة ترفض او ترسل إشارة عن هذه التظاهرات.

لم يقتصر الامر على مواقع التواصل الاجتماعي، لقد انسحبت النقاشات والجدالات الى التنظيمات الشيوعية ذاتها، فعند اصدار البيانات كانت هناك مراقبة شديدة لكل كلمة وحرف، واكيد كانت هناك معاقبة.

لماذا تقولون كذا وتصرون على كذا؟
لماذا اخترتم هذه المفردة؟
كيف تهمشون تسمية معينة؟
اين ممارستكم العملية؟
كيف لكم التنديد بكذا؟

طرح القضية اتسم بالحذر الشديد، اتخذت قرارا شخصيا بعدم الكتابة عنها، بسبب المراقبة من جهة وخوفا من الاتهام بالقومية، ومن جهة أخرى الحفاظ قدر الإمكان على تماسك التنظيم، لكن ذلك لم يمنع الإشارات الضمنية التي ترسل من هنا ومن هناك؛ فكرت-داخل نفسي- بشكل حقيقي وفعلي بالاستقالة من التنظيم، بسبب هذا التوتر والتشنج، لكن قلت "فكرة اللاحزبية فكرة بورجوازية... اللاحزبية في مجتمع بورجوازي-طبقي- رياء وتعبير مستتر وسلبي" ثم ان اللامبالاة هي "تأييد صامت للقوي، للمسيطر" كما يقول لينين في احدى مقالاته، وقد رأينا ما حل بالكثيرين ممن تركوا تنظيماتهم، فقد طواهم النسيان وباتوا "نكرة" بالمعنى السياسي.

كان على التنظيم -البديل الشيوعي- ان يقوم بممارسة سياسية لدرء الهجمات من اليسار القومي، فبعد اصدار البيان، والذي كان متوازنا بشكل ممتاز، فقد شاركه بعض الافراد من خارج التنظيم على مواقعهم الشخصية؛ لكن البيان لم يكفي، فكان لازما ان تكون هناك ممارسة عملية، فجاء اقتراح من أحد أعضاء التنظيم من مدينة السليمانية بأن تكون في بغداد وقفة تضامنية مع تتعرض له الجماهير في شمال شرق سوريا، وبالفعل تم انجاز الوقفة في ساحة التحرير.

الوقفة لم تكن بتلك السهولة المتخيلة، رغم ان الاعداد قليلة جدا، لكنها كانت رسالة واضحة، فالشعارات كانت حصرا لمنظمة البديل الشيوعي، والخطاب الذي ألقي باللغتين الكٌردية والعربية أيضا التنظيم من كتبه؛ لقد اشرفنا بشكل مباشر على هذه الوقفة، وقد اوصينا بعدم رفع أي لافتة او علم او صورة تشير لهذه القومية او تلك، خوفا من أي تشنج او توتر يحصل.

ذكرى

في عام 2004 خرجنا بتظاهرة نظمها الحزب الشيوعي العمالي، منددين بالاحتلال الأمريكي، انطلقت التظاهرة من ساحة التحرير نحو المنطقة الخضراء، كان احد الشباب من المنتمين الجدد للتنظيم يرفع "العلم العراقي"، هو لا يعرف ما يعنيه هذا العلم وما يحمله من تاريخ مغطى بالدم، وكانت التوصيات واضحة من الحزب برفع فقط العلم الأحمر، رمزا للشيوعية، كان يسير معي احد قادة الحزب من الرفاق الناطقين باللغة الكٌردية، وقد رأى هذا الرفيق ما يحمله ذلك الشاب، فذهب اليه واخذ منه العلم والقاه في الشارع، حينها قلت له حسناً فعلت، في الحقيقة حسدت جرأته وشجاعته.
ذلك الرفيق يعيش اليوم في احدى البلدان الاوروبية، تفاعل بشكل لافت وحماسي مع تظاهرات مدينة السليمانية، رغم حسها القومي، فقد رفعت فيها اعلام الإقليم، وهنا تساءلت مع نفسي ترى لماذا لم يستنكر رفع اعلام سلطة الإقليم؟

ملاحظة:

هذا المقال هو رأي شخصي خالص، لا يمثل تنظيم البديل الشيوعي، المنتمي له، لا من قريب ولا من بعيد، هو مجرد تعبير لما حصل، وبالتأكيد هو ليس كل الصورة، لكن فقط ما يسمح به للعلن... نتمنى الزوال التام لكل الهويات القومية والدينية والعرقية والطائفية والعشائرية والمناطقية، وهذا لا يتم الا عبر النضال الشيوعي الخالص.