الفلسفة هي فن طرح الأسئلة الصحيحة، بدلاً من الحصول على إجابات جاهزة حسب كارل ياسبرز
زهير الخويلدي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8439 - 2025 / 8 / 19 - 00:47
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
مقدمة
" أن تتفلسف هو أن تكون في الطريق"
تُعتبر الفلسفة، كما وصفها الفيلسوف الألماني كارل ياسبرز (1883-1969)، "فن طرح الأسئلة الصحيحة"، تعبيرًا دقيقًا يُبرز جوهر الفلسفة كممارسة فكرية تهدف إلى استكشاف الحقيقة من خلال التساؤل العميق بدلاً من قبول الإجابات الجاهزة. تُشير هذه العبارة إلى أن الفلسفة ليست مجرد البحث عن إجابات نهائية، بل هي عملية مستمرة للتفكير النقدي، التأمل، وإعادة صياغة الأسئلة التي تُعيد تشكيل فهمنا للوجود، المعرفة، والقيم. في هذه الدراسة، سنستكشف دلالات هذا القول من خلال تحليل مفهوم الأسئلة في الفلسفة، دورها في تحفيز التفكير، وأهميتها في مواجهة التحديات المعاصرة، مع الإشارة إلى إسهامات ياسبرز الفلسفية وإطارها الوجودي.
كارل ياسبرز والفلسفة الوجودية
كارل ياسبرز، أحد أبرز فلاسفة الوجودية في القرن العشرين، ركز في أعماله على الوجود البشري، الحرية، والمعاناة. في كتاباته مثل الفلسفة وطريق إلى الحكمة، يؤكد ياسبرز أن الفلسفة ليست مجرد نظام معرفي جامد، بل هي عملية ديناميكية تتطلب التساؤل المستمر. يرى ياسبرز أن الأسئلة "الصحيحة" هي تلك التي تتجاوز السطحية وتغوص في أعماق الوجود الإنساني، مثل: ما معنى الحياة؟ ما حدود المعرفة؟ وكيف يمكننا أن نعيش حياة أصيلة؟ هذه الأسئلة، بحسب ياسبرز، لا تهدف إلى إجابات نهائية، بل إلى فتح آفاق جديدة للتفكير والتأمل. يُمكن فهم عبارة ياسبرز في سياق الوجودية، التي تؤكد على الفردية والحرية في مواجهة اللامعقولية والقلق الوجودي. فالأسئلة الصحيحة تُحفز الفرد على مواجهة هذه التحديات، مما يُعزز الوعي الذاتي والمسؤولية تجاه الوجود.
الفلسفة كفن طرح الأسئلة
1. الأسئلة كمحرك للتفكير الفلسفي
الفلسفة، منذ أيام سقراط، كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بفن التساؤل. استخدم سقراط أسلوب الحوار (الديالكتيك) لتحفيز تلاميذه على التفكير النقدي من خلال طرح أسئلة تكشف عن تناقضات المعتقدات السائدة. على سبيل المثال، في حوارات أفلاطون، يطرح سقراط أسئلة مثل: "ما هي العدالة؟" أو "ما هو الخير؟"، ليس بهدف تقديم تعريف نهائي، بل لدفع المتحاورين إلى التفكير بعمق وإعادة تقييم افتراضاتهم. في هذا السياق، يُمكن اعتبار الأسئلة الصحيحة بمثابة أدوات لتحطيم القوالب الفكرية الجامدة. على عكس العلوم التجريبية التي تسعى إلى إجابات محددة وقابلة للقياس، تُركز الفلسفة على الأسئلة التي تُحفز التفكير المفتوح وتُعيد صياغة المشكلات. فمثلاً، سؤال مثل "ما هو الوعي؟" قد لا يؤدي إلى إجابة نهائية، لكنه يفتح نقاشات حول طبيعة العقل، العلاقة بين الجسد والروح، وحدود العلم.
.2. الأسئلة الصحيحة مقابل الإجابات الجاهزة
يُحذر ياسبرز من الإجابات الجاهزة التي تُقدم حلولاً مبسطة لمشكلات معقدة. الإجابات الجاهزة، سواء كانت دينية، أيديولوجية، أو علمية دوغمائية، قد تُخمد الفضول الفكري وتُعيق التفكير النقدي. على سبيل المثال، في عصرنا الحالي، قد يُقدم الذكاء الاصطناعي إجابات سريعة لأسئلة معقدة، لكن هذه الإجابات قد تفتقر إلى العمق الفلسفي الذي يتطلب التأمل والتساؤل المستمر.الأسئلة الصحيحة، وفقًا لياسبرز، هي تلك التي تُحفز الفرد على مواجهة الغموض والشك. فمثلاً، بدلاً من السؤال: "هل يوجد إله؟"، قد يكون السؤال الأكثر فلسفية هو: "ما الذي يدفعنا للبحث عن معنى متعالٍ في حياتنا؟" هذا السؤال يفتح المجال لاستكشاف الدوافع البشرية، القلق الوجودي، والعلاقة بين الفرد والكون.
.3. الفلسفة كفن للحياة
يصف ياسبرز الفلسفة بأنها "فن للحياة"، مما يُبرز البعد الإبداعي في طرح الأسئلة. مثلما يستخدم الفنان الخيال والإبداع لخلق أعمال فنية، يستخدم الفيلسوف الأسئلة لخلق مساحات فكرية جديدة. هذا الفن يتطلب مهارة في صياغة الأسئلة التي تكون ذات معنى، ذات صلة، وقادرة على تحفيز الحوار والتفكير. على سبيل المثال، سؤال كانط الشهير: "ما الذي يمكنني أن أعرفه؟" لم يكن مجرد سؤال، بل كان نقطة انطلاق لإعادة تعريف حدود المعرفة البشرية في فلسفته النقدية.
تطبيقات الفلسفة كفن طرح الأسئلة في العصر الحديث
1. في مواجهة التحديات الأخلاقية
في عصر التكنولوجيا المتسارعة، تُطرح قضايا أخلاقية معقدة، مثل استخدام الذكاء الاصطناعي، الهندسة الوراثية، والتغير المناخي. الأسئلة الصحيحة، مثل: "ما هي حدود المسؤولية الأخلاقية للإنسان تجاه التكنولوجيا؟" أو "كيف يمكننا تحقيق التوازن بين التقدم العلمي والحفاظ على القيم الإنسانية؟"، تُساعد في توجيه النقاشات نحو حلول مدروسة بدلاً من قبول الحلول التقنية الجاهزة
.2. في التعليم
يمكن أن تلعب الفلسفة دورًا حيويًا في التعليم من خلال تعليم الطلاب كيفية طرح الأسئلة بدلاً من حفظ الإجابات. على سبيل المثال، برامج مثل "الفلسفة للأطفال" تُركز على تعليم الأطفال مهارات التفكير النقدي من خلال مناقشة أسئلة مفتوحة مثل: "ما الذي يجعل شيئًا عادلًا؟" أو "هل يمكن أن نكون سعداء دائمًا؟"
.3. في نقد الحياة اليومية
على المستوى الفردي، يُساعد فن طرح الأسئلة الصحيحة الأفراد على مواجهة التحديات الشخصية والوجودية. على سبيل المثال، التساؤل حول "ما الذي يجعل حياتي ذات معنى؟" يمكن أن يقود إلى اكتشاف ذاتي واتخاذ قرارات أكثر وعيًا.
نقد وتحديات
على الرغم من أهمية الأسئلة في الفلسفة، إلا أن هناك تحديات تتعلق بتحديد ما يُعتبر "سؤالًا صحيحًا". فالأسئلة قد تكون غامضة أو غير محددة، مما يؤدي إلى نقاشات غير مثمرة. كما أن التركيز المفرط على التساؤل قد يُعيق التوصل إلى نتائج عملية في بعض السياقات، خاصة في المجالات التي تتطلب قرارات سريعة. علاوة على ذلك، قد يرى البعض أن رفض الإجابات الجاهزة يُعزز الشك المفرط، مما قد يؤدي إلى القلق أو الشلل الفكري. يرد ياسبرز على هذا النقد بتأكيده على أن الهدف من الأسئلة ليس إثارة الشك العقيم، بل تعزيز الوعي بالذات والعالم.
خاتمة
تُلخص عبارة كارل ياسبرز "الفلسفة هي فن طرح الأسئلة الصحيحة، بدلاً من الحصول على إجابات جاهزة" جوهر الفلسفة كممارسة ديناميكية وإبداعية. الأسئلة الصحيحة تُحفز التفكير النقدي، تُعيد تشكيل فهمنا للعالم، وتُساعدنا على مواجهة التحديات الوجودية والأخلاقية. في عالم يزداد تعقيدًا، تظل الفلسفة، كما وصفها ياسبرز، أداة لا غنى عنها لاستكشاف المعنى، تعزيز الحرية الفكرية، وبناء حياة أكثر وعيًا وأصالة. أليس التفلسف المنتج هو الدي يقدم كشوفات ملهمة ورؤى استراتيجية؟
كاتب فلسفي