المقاومة الفلسفية ضد الهيمنة الصهيوامبريالية، مقاربة ما بعد كولونيالية


زهير الخويلدي
الحوار المتمدن - العدد: 8430 - 2025 / 8 / 10 - 14:46
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية     

مقدمة
تُشكل المقاومة الفلسفية مفهومًا جوهريًا يتقاطع مع قضايا الهوية، السلطة، والثقافة في الفكر المعاصر. في إطار ما بعد الكولونيالية، تظهر المقاومة كاستراتيجية لتفكيك الهيمنة الاستعمارية والثقافية التي فرضها الغرب، بما في ذلك ما يُشار إليه هنا بـ"الغرب الصهيوامبريالي". تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف المقاومة الفلسفية من خلال مقارنة بين السياق الغربي، حيث تُطوَّر نظريات المقاومة ضمن الأطر الرأسمالية والليبرالية، والسياق العربي-الإسلامي، حيث تُعتبر المقاومة ضرورة وجودية لمواجهة التحديات الاستعمارية والثقافية. باستخدام مقاربة ما بعد كولونيالية، نسعى لفهم كيف تشكّلت المقاومة كفعل فلسفي وثقافي، مع التركيز على التحديات التي تواجه العالم العربي-الإسلامي.
المقاومة في الغرب: المفهوم والنظريات
تعريف المقاومة الفلسفية
في الفكر الغربي، تُعرف المقاومة بأنها الفعل الواعي لتحدي الهياكل القمعية، سواء كانت سياسية، اجتماعية، أو اقتصادية. يمكن تتبع جذور هذا المفهوم إلى فلاسفة التنوير مثل جان جاك روسو، الذي ناقش مقاومة السلطة غير العادلة في إطار العقد الاجتماعي. في القرن العشرين، طوّر ميشيل فوكو مفهوم المقاومة في سياق العلاقة بين السلطة والمعرفة، مشيرًا إلى أن "حيث توجد السلطة، توجد المقاومة". هذا المفهوم يؤكد أن المقاومة ليست رد فعل سلبي، بل عملية إبداعية لإعادة تشكيل الهوية والخطاب.
النظريات الغربية للمقاومة
فوكو والسلطة/المقاومة: يرى فوكو أن المقاومة جزء لا يتجزأ من شبكات السلطة. في كتابه تاريخ الجنسانية، يوضح كيف تُنتج السلطة أشكالًا من المقاومة التي تتحدى الخطابات المهيمنة.
دولوز وغاتاري والمقاومة الريزومية: في كتاب ألف مسطح، يقترح دولوز وغاتاري نموذجًا "ريزوميًا" للمقاومة، يعتمد على اللامركزية والتشتت بدلاً من الهياكل الهرمية، مما يتيح مقاومة مرنة للسلطة.
ما بعد الحداثة والمقاومة: فلاسفة مثل غرامشي وجان فرانسوا ليوتار وجاك دريدا ركزوا على مقاومة السرديات الكبرى، مما يوفر أدوات نظرية لتحليل الهيمنة الثقافية الغربية.
المقاومة في سياق الصهيوامبريالية
يُستخدم مصطلح "الصهيوامبريالية" في هذا السياق للإشارة إلى التداخل بين المصالح الصهيونية والإمبريالية الغربية، خاصة في دعم السياسات الاستعمارية في فلسطين. يرى إدوارد سعيد أن الاستشراق كآلية ثقافية قد ساهم في تبرير الهيمنة الغربية على الشرق، بما في ذلك دعم المشروع الصهيوني. المقاومة في هذا السياق تتجلى في نقد الخطابات الاستعمارية، كما في أعمال جوديث بتلر التي تنتقد الصهيونية من منظور أخلاقي وفلسفي.
المقاومة عند العرب والمسلمين: الضرورة والتحديات
الضرورة الوجودية للمقاومة
في العالم العربي-الإسلامي، تُعتبر المقاومة ضرورة وجودية لمواجهة الاستعمار التاريخي والمعاصر. يرى المفكرون مثل مالك بن نبي أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، بل عملية ثقافية ونفسية أنتجت "القابلية للاستعمار". المقاومة الفلسفية هنا تتجاوز المقاومة المسلحة لتشمل إعادة بناء الهوية الثقافية والدينية. على سبيل المثال، يُبرز محمد عابد الجابري أهمية إعادة قراءة التراث العربي-الإسلامي لمواجهة التحديات المعاصرة.
التحديات الفلسفية والعملية
التحديات الداخلية: يواجه العالم العربي-الإسلامي تحديات داخلية مثل الانقسامات السياسية والطائفية، التي تُضعف قدرته على صياغة مقاومة فلسفية موحدة. يشير طه عبد الرحمن إلى أن غياب "الأصالة" في الفكر العربي المعاصر يعيق بناء خطاب مقاومة قوي.
التحديات الخارجية: الهيمنة الثقافية الغربية، بما في ذلك تأثير العولمة والإعلام، تُشكل تحديًا كبيرًا. كما أن الدعم الغربي للمشروع الصهيوني يُعقّد المقاومة الفلسطينية، كما أدى الى تبني الكيان المحتل مشروع التطهير العرقي في فلسطين.
المقاومة الثقافية: يُشدد حسن حنفي على ضرورة مقاومة الاستلاب الثقافي من خلال إحياء الفكر العربي الإسلامي التقدمي، الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
أشكال المقاومة في العالم العربي-الإسلامي
تشمل المقاومة أشكالًا متنوعة، من المقاومة الفكرية (مثل أعمال الجابري وحنفي) إلى المقاومة السياسية والمسلحة (مثل المقاومة الفلسطينية). تُعتبر المقاومة الفلسطينية نموذجًا بارزًا، حيث تجمع بين البعد الوجودي والثقافي، كما يظهر في أعمال محمود درويش الشعرية التي تُجسد المقاومة من خلال اللغة والهوية.
مقاربة ما بعد كولونيالية:
إطار ما بعد الكولونيالية
تقدم مقاربة ما بعد الكولونيالية أدوات لتحليل العلاقة بين الغرب والعالم العربي-الإسلامي. يرى هومي بابا أن المقاومة تتجلى في "الهجنة"، حيث يُنتج اللقاء بين الثقافتين أشكالًا جديدة من الخطاب المقاوم. في السياق العربي-الإسلامي، تُعتبر المقاومة ردًا على محاولات طمس الهوية الثقافية والدينية للمسلمين.
مقارنة بين السياقين
الغرب: تركز المقاومة على نقد الهياكل الداخلية للسلطة (كما عند فوكو ودولوز)، مع وجود نقد محدود للصهيوامبريالية من قبل مفكرين مثل بتلر ولابيكا.
العالم العربي-الإسلامي: تركز المقاومة على استعادة الهوية ومواجهة الهيمنة الخارجية، مع تحديات داخلية تتعلق بالوحدة والأصالة.
التداخل: تُظهر مقاربة ما بعد الكولونيالية أن المقاومة في كلا السياقين تتطلب تفكيك الخطابات المهيمنة، لكن السياق العربي-الإسلامي يواجه تحديات إضافية بسبب الاستعمار المباشر والمستمر.
خاتمة
تُظهر هذه الدراسة أن المقاومة الفلسفية مفهوم متعدد الأبعاد يتشكل وفقًا للسياقات الثقافية والتاريخية. في الغرب، تم تطوير المقاومة ضمن أطر نظرية تهدف إلى نقد السلطة الداخلية، بينما في العالم العربي-الإسلامي، تُعتبر المقاومة ضرورة وجودية لمواجهة الهيمنة الاستعمارية. من خلال مقاربة ما بعد كولونيالية، يمكن فهم التوترات بين الغرب الصهيوامبريالي والعالم العربي-الإسلامي، مع التركيز على أهمية بناء خطاب مقاومة يجمع بين الأصالة والمعاصرة. تُبرز الدراسة ضرورة استمرار الحوار الفكري لتطوير استراتيجيات مقاومة فعّالة في مواجهة التحديات المعاصرة. فكيف تتحول المقاومة الى مركز الثقل في العالم العربي الاسلامي والعالم النامي في سبيل الخلاص من الظلم والغبن والانعتاق؟
كاتب فلسفي