الشيوعيون وانتفاضة تشرين


حسان عاكف
الحوار المتمدن - العدد: 6499 - 2020 / 2 / 25 - 08:48
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق     


ساهم الشيوعيون العراقيون بشكل مباشر وفعّال في التظاهرات والاعتصامات التي عمت مدن وسط وجنوبي العراق منذ تشرين الأول الماضي، مسجلين بذلك صفحة جديدة في سجل نضالاتهم المجيدة الى جانب شعبهم وفئاته الأشد فقراً وحرماناً بغض النظر عن طبيعة الأنظمة الحاكمة وتعقيدات الظروف التي مر بها العراق وصراعاته الداخلية والمخاطر الخارجية المحدقة به،

مؤكدين في هذه الانتفاضة، كما في كل مرة، أن مصالح الشعب والوطن هي البوصلة الاساسية، التي يسترشد بها حزبهم في رؤيته وتحليله للأوضاع ورسم سياساته العامة وتحديد أولوياتها والتحالفات السياسية القائمة على أساسها.

كما جاءت استقالة ممثلي الحزب من عضوية مجلس النواب احتجاجاً على استخدام السلطة للقوة المفرطة تجاه المنتفضين السلميين، والتي أسفرت عن استشهاد العشرات في الأيام الأولى للانتفاضة، لتؤكد التزام الحزب بمواقفه المنحازة دائماً للشعب ومصالحه، والتي دفع الشيوعييون ثمناً لها آلاف الشهداء وتضحيات جسام لأعضائه ومناصريه في سوح النضال من ساحات التظاهر الى زنانين السجون والمعتقلات وصولاً الى جبال كردستان.

شهدت الأشهر القليلة المنصرمة منذ بدء الانتفاضة تطوراً كبيراً للأحداث أفرزته ولادتها في ظروف غاية في الصعوبة والتعقيد، وبعد مخاض استثنائي مرّت به الانتفاضة وانتقلت خلاله من مرحلة التظاهر الى مرحلة الاعتصام، واتساع نطاق تأثيرها ومشاركة أوسع الفئات الاجتماعية فيها، وتحول أهدافها المطلبية المحدودة الى أهداف سياسية عامة، متجاوزة بذلك دعوات اصلاح النظام الى شعار التغيير الجذري والشامل في منظومة الحكم القائمة منذ عام 2003 ، لبناء دولة مواطنة مدنية وعدالة اجتماعية على أنقاض "دويلات" المحاصصة الطائفية والمحاصصة الحزبية الضيقة. وقد تحققت أولى الانتصارات على هذا الطريق باستقالة حكومة عادل عبد المهدي تحت ضغط الانتفاضة والدماء الطاهرة لشهدائها الأبرار.

لكن مسيرة الانتفاضة مازالت طويلة وشائكة حتى تحقق أهدافها البعيدة في التغيير الحقيقي المنشود، وهذا ما يتطلب من الشيوعيين تدقيق مسارهم وفقاً لذات البوصلة التي اعتمدوها دائماً، واضعين جانباً كافة الاعتبارات الأخرى في علاقاتهم وتحالفاتهم السياسية وبالذات في علاقتهم بتحالف "سائرون".

ومع أن هذه المقالة لا تعنى بتقديم تقييم لتجربة الحزب في تحالف "سائرون" خلال العامين المنصرمين، لكن أصبح من الواضح أن هذا التحالف لم يكن قائماً على رؤية وتحليل دقيقين للأوضاع والاصطفافات الطبقية والاجتماعية والسياسية التي تعيشها بلادنا، بما يساعد من خلالها تحديد المشتركات، التي يمكن أن يُبنى عليها أي تحالف سياسي متوسط أو بعيد الأمد، كما وَصَف "سائرون" المنظرون له والمشرفون على تحقيقه. فتحالف "سائرون" بحكم طبيعة القوى المشاركة فيه وبالأخص التيار الصدري والحزب الشيوعي، والتباين الواسع في منابعهما الأيديولوجية وتوجهاتها الفكرية وأهدافها السياسية والافتراق في آليات عملها التنظيمية، وحجم تأثيرها في العملية السياسية وفي منظومة السلطة الحاكمة، بل وحتى في طبيعة قاعدتها الاجتماعية التي تبدو ظاهرياً وكأنها مشتركة طبقياً، رغم كل ذلك فالتحالف لا يمكنه في أقصى حد أن يتجاوز أهداف الائتلافات الانتخابية المؤقتة، ومكتوب له من الولادة أن يبقى تحالفاً فوقياً للقيادات المشاركة فيه، بعيداً عن قواعد الحزبين وجمهورهما. وهذا ما أثبتته مسيرة التحالف منذ إعلان نتائج الانتخابات وحتى يومنا هذا. حيث انفرد التيار الصدري، وبالأخص زعيم التيار، في رسم سياسة التحالف وتحديد مواقفه وائتلافاته لتشكيل كتلة برلمانية أكبر وتشكيل حكومة عبد المهدي، ولا حاجة هنا ولا مجال لاستعراض المواقف المعروفة التي اتخذها الصدريون و"بفضلها" أصبح تحالف "سائرون" يافطة لتمرير سياستهم في مجلس النواب، إزاء صمت مطبق أو نقد خجول لهم من قبل أطراف التحالف الأخرى. وقد تجلى ذلك بوضوح في التصويت داخل البرلمان، وخاصة فيما يتعلق بالقوانين التي تشكل صلب العملية السياسية، كقانون الانتخابات الذي فصل على مقاسات الصدريين وطبيعة تنظيماتهم وقواعدهم، وقبل ذلك تشكيل مفوضية الانتخابات التحاصصية غير المستقلة، أو في الموقف من الانتفاضة الراهنة ومحاولة فرض الهيمنة عليها في مختلف مراحل تطورها.

لوحظ في الآونة الاخيرة، وبشكل لافت للنظر، تركيز ممثلي التيار الصدري على الحديث باسم تحالف "سائرون" لمنح مواقفهم أمام الشعب غطاءً أوسع مما يوفره التيار الصدري لوحده، خاصة بعد تكليف السيد محمد توفيق علاوي بتشكيل الوزارة والدعم المعلن له من جانب زعيم التيار الصدري، وما تبعه من تذبذب واضح في مواقف الصدريين تجاه الانتفاضة وانحسار تأثيرهم السابق عليها. لذا فإن استقالة الشيوعيين من مجلس النواب لم تعد اليوم كافية بحد ذاتها لتبرِئة موقف الحزب أمام أنظار المنتفضين وعموم المواطنين مما يجري التصريح أو القيام به باسم تحالف "سائرون"، لاسيما وأن قيادات الحزب المعروفة كانت على مسار العامين المنصرمين تفضل الحديث في الإعلام باسم هذا التحالف أو باسم زعيم التيار الصدري أكثر بكثير مما كانت تتحدث باسم حزبنا الشيوعي، فضلاً عن الإعلان والترويج له منذ البداية كتحالف سياسي قائم على برنامج سياسي-اقتصادي- اجتماعي واسع ويمتلك قيادات ولجان عمل متخصصة، وليس كتحالف انتخابي برلماني مؤقت، تحالف نال اهتمام جامعات هامة وأحزاب يسارية وشيوعية أوروبية.. !!.

إن المرحلة الراهنة التي تمر بها الانتفاضة والمستجدات التي أفرزتها "التقلبات" الواضحة في مواقف التيار الصدري، وخروج أنصاره من ساحات التظاهر والاعتصام، وانتقاله عملياً الى مواقع الأحزاب الحاكمة الأخرى، وما إرتبط بذلك من أعمال عنف وقتل راح ضحيتها عشرات الشهداء ومئات المصابين في الناصرية والنجف وبغداد ومحافظات أخرى، واستمرار أعمال القتل والترهيب باستخدام السكاكين والهراوات وغيرها في مختلف ساحات التظاهر والاعتصام، كل ذلك يتطلب من الشيوعيين في أقل تقدير أن يبعدوا حزبهم عما يُعلنْ ويُنفذْ باسم "سائرون"، من خلال اتخاذ عدد من الخطوات الجريئة والواضحة، وأهمها:

إتخاذ قرار رسمي من جانب اللجنة المركزية بالانسحاب من تحالف سائرون ، كونها، أي اللجنة المركزية، الجهة التنظيمية الوحيدة المعنية بذلك، بشكل نهائي، وإعلانه عبر وسائل الإعلام.

التعبير بوضوح عن عدم مسؤولية الحزب عما صدر باسم سائرون منذ تقديم استقالة نوابه من مجلس النواب، بما في ذلك تأييد ودعم ترشيح السيد محمد علاوي لرئاسة الوزراء خلافاً لمطالب المتظاهرين.

مواصلة التأكيد على الموقف المبدئي والثابت للحزب في انحيازه الى جانب الانتفاضة ودعمها، وإدانة استخدام القوة المفرطة وأعمال القتل والاغتيال والاختطاف والاعتداء والترهيب التي طالت مئات المتظاهرين.

مواصلة العمل على توظيف طاقات رفاق الحزب وانصاره ومؤيديه واستخدام قدراته التنظيمية والسياسية والإعلامية في دعم الانتفاضة، واستثمار رصيده التاريخي وزخمه المعنوي الكبير في هذا الاتجاه، واعتبار ذلك المهمة الأولى والرئيسة أمام الشيوعيين العراقيين في هذه المرحلة.

التحرك على المنظمات المهنية ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الاجتماعية والثقافية والدينية المؤيدة للانتفاضة لتشكيل مجالس إسناد للانتفاضة وتقديم مختلف أشكال الدعم المادي والمعنوي لها.

عمل رفاق الحزب، وشبابه على وجه التحديد، مع المنتفضين عبر مختلف الصيغ المتوفرة باتجاه تنظيم صفوفهم بالشكل والطريقة التي يرتؤونها مناسبة لتشكيل أطر تنظيمية تمثلهم وتتحدث باسمهم، وتقوم بالتنسيق بين المحافظات لتوحيد مواقف المتظاهرين واتخاذ قرارات مشتركة تجاه أبرز القضايا الملحة، تمهيدا للمشاركة في الانتخابات البرلمانية المبكرة.

لقد غدت الانتفاضة وهي تمر اليوم بمرحلة حرجة من مراحل تطورها في أمس الحاجة الى التعجيل باتخاذ مثل هذه الخطوات الهامة لدعم ديمومتها وتطورها، وقبل فوات الآوان ولا ينبغي التهاون واضاعة الفرص لضخ نبض جديد في جسد الانتفاضة، مستلهمين في ذلك تجارب رفاقنا وجماهيرنا في اربعينيات وخمسينيات القرن الماضي عندما كانوا في مقدمة الصفوف المنتفضة وفي قلب التظاهرات منظمين وموجهين وملهمين على المواصلة وتحقيق الانتصارات رغم قلة عددهم وجور الأنظمة الحاكمة واستبدادها وبطشها بهم.

إن الدور الفعال الذي يمكن للشيوعيين وكل حلفائهم الموضوعيين من القوى المدنية والديمقراطية هو أهم ما تحتاجه الانتفاضة في هذه المرحلة الحساسة من تطورها، كي لا تفقد قدرتها على الاستمرار حتى تحقيق أهدافها في التغيير الجذري للمنظومة السياسية القائمة، وكي لا يفقد الشيوعيون وحلفاؤهم هذا الدور الخلاق المميز لنضالهم على مدى عقود طويلة، وكي لا يقتصر الدور على ترقب الأحداث وتوصيف التطورات الحاصلة وردود أفعال المنتفضين والقوى السياسية تجاهها ومن ثم تحديد موقفهم بناءً على ذلك، بل لابد من استباق الأحداث وصياغة السياسة واعتماد المواقف القادرة على التأثير المباشر فيها بما ينسجم مع الأهداف المعلنة للحزب وقرارات مؤتمراته وحاجات الحراك السياسي القائم.

دعونا نسحب مقولة كارل ماركس الشهيرة حول الفلسفة الى الميدان السياسي كي نرى كيف أن دور الشيوعيين الحقيقيين يجب أن لا يقتصر على رصد التطورات وتفسير الواقع فحسب، بل والأهم من ذلك العمل على تغييره أيضاً.