-المادية التاريخية- : فصل من كتاب -منهجية علم الاجتماع بين الماركسية والوظيفية والبنيوية- تأليف أحمد القصير


أحمد القصير
الحوار المتمدن - العدد: 4664 - 2014 / 12 / 17 - 22:13
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

"المادية التاريخية"

الفصل الثالث من كتاب:
" منهجية علم الاجتماع بين الماركسية والوظيفية والبنيوية"
تأليف د. أحمد القصير

تمهيـد :
ظلت أفكار ماركس ونظريته الاجتماعية، لفترة طويلة، في عزلة، من الناحية الرسمية، عن العلوم الاجتماعية في معظم جامعات العالم. واستمرت هذه العزلة بالرغم من أن النظرية الاجتماعية كانت تتطور من الناحية الفعلية ارتباطا بماركس، وان كان هذا الارتباط لا يتم بشكل مباشر. فان معظم الاتجاهات المؤثرة في علم الاجتماع المعاصر، وفي شكله الأكاديمي، قد تبلورت في صراع مع أفكار ماركس. وينطبق هذا الأمر على أميل دوركايم ثم ماكس فيبر وفالفريدو باريتو. وعن طريق هؤلاء أمتد هذا الصراع إلى أبرز شخصيات علم الاجتماع الأمريكي المعاصر، ونعني بذلك تالكوت بارسونز.
لذلك كان أسلوب التعرف على نظرية ماركس الاجتماعية في المجال الأكاديمي لا يتم عادة بشكل مباشر وإنما من خلال الصراع مع هذا الفكر. ومن هنا ظلت تلك النظرية غامضة في معظم جوانبها إلى جانب ما أضفاه عليها ذلك الصراع من معان غير صائبة.
غير أن عدم التعرف على نظرية ماركس الاجتماعية لا يرجع إلى ذلك الأمر وحده. بل أن هناك أسبابا أخرى تتمثل فيما يلي :
أولاً : أن الأعمال الكاملة لماركس وانجلز ظهرت على فترات متباعدة. وفضلا عن ذلك فان بعض تلك الأعمال لم ينشر إلا بعد كتابته بما يكاد يقرب من قرن كامل. فكتاب « الأيديولوجية الألمانية » (1845 – 1846) مثلا، لم ينشر إلا في ثلاثينات القرن العشرين، وذلك بالرغم مما يمثله ذلك الكتاب من أهمية حيث أنه كتب، حسبما قال ماركس وانجلز، بقصد تصفية الحسابات الفكرية مع هيجل والتطهر من تأثيره. كما أن مخطوطات ماركس لعام 1857 – 1858 لم تنشر إلا في عام 1939 باللغة الألمانية، ولم يتم ترجمتها إلى الإنجليزية والفرنسية إلا في ستينات هذا القرن، وذلك بالرغم من أن ماركس وصف ذلك العمل بأنه « ثمرة أبحاث خمسة عشر عاماً هي أفضل سنوات حياتي »، وذلك في رسالته إلى لاسال في 12 نوفمبر 1858.
وثانياً : يعود السبب الثاني إلى طبيعة النظرية الماركسية ذاتها. فهي متعددة الجوانب. ويصعب فهم أي جانب منها إذا أخذ على حدة. بل أن كتاب «رأس المال» بمجلداته الثلاثة رغم ما يمثله من أهمية بالنسبة للنظرية الاجتماعية يصعب الاعتماد عليه وحده في استيعاب نظريات ماركس. ودليل ذلك أن ماركس يحيل القارئ في إحدى المقدمات التي وضعها « لرأس المال » إلى عمل آخر نشره عام 1959 وهو « مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي » بوصفه يشمل أفكارا له عن المادية التاريخية.
وثالثاً : أن البعض قد يبحث عن منهج ماركس في عمل واحد من أعماله ولكن هذا الأمر قد يضلل الباحث. كما أن هناك بعض المبادئ المنهجية الهامة المعروضة في كتاب « رأس المال » ولكن معظمها تم طرحه بشكل غير مباشر، أي أن ماركس لم يضع صياغة مستقلة لبعض المبادئ المنهجية التي استخدمها. وإنما طبقها وهو يعالج ما تناوله من قضايا، وربما اكتفى بصياغاته لجانب من تلك المبادئ في مخطوطاته لعام 1857 – 1858. ولذلك لم يسرد معظمها في « رأس المال » بشكل مباشر.
رابعاً : يعود السبب الرابع الذي نراه وراء عدم توفر إمكانية التعرف الكامل على نظرية ماركس الاجتماعية إلى ارتباط فكره بحركة سياسية. ولذلك كانت الانتقادات الموجهة إلى فكره ترتبط وتتأثر، في معظم الأحيان، بمواقف سياسية مضادة. وهنا تظهر أيضا مسئولية الماركسيين في عدم وضوح فكر ماركس. فنتيجة لظروف سياسية معينة كانوا يمتنعون عن مناقشة بعض القضايا النظرية التي يثيرها خصومهم. وهنا تظهر أهمية ملاحظة جرامشي المفكر الإيطالي الذي يرى أن الجانب العلمي في الماركسية لم تتم متابعته وتطويره بالقدر الكافي(*).
غير أن هذه العزلة تضاءلت أخيراً إلى حد كبير. وأبدى كثير من علماء الاجتماع في الجامعات الغربية اهتماما كبيرا بالنظرية الاجتماعية عند ماركس. وأصبح البعض يرى أن أعمال ماركس كانت تهدف إلى إنشاء علم اجتماع صارم. وأنها أقرب إلى علم الاجتماع المعاصر من ذلك العلم الذي أراد كونت تأسيسه. وفي هذا الصدد يقول بوتومور وربل:
ولعل ما يبرر اتجاه ماركس الانتقادي تجاه موضوع علم الاجتماع كما فهمه أوجست كونت أن علم المجتمع عند ماركس يرتبط باهتمامات علم الاجتماع المعاصر أكثر من ارتباطه بتلك النظرية التي أطلقت عليه هذا الاسم( ).
وبعد هذه الملاحظات التمهيدية علينا أن نحدد القضايا التي سوف يتناولها هذا الفصل. وهي تتمثل فيما يلي:
أولاً : العلاقة بين المادية التاريخية وعلم الاجتماع. والهدف من ذلك توضيح ما إذا كانت المادية التاريخية بديلا لعلم الاجتماع أم أنها جزء من مكوناته.
ثانياً : تعريف المادية التاريخية.
وتحت هذا العنوان سوف تتناول القضايا التالية :
1ـ مفهوم التكوين الاجتماعي الاقتصادي.
2ـ نظرية مراحل تطور المجتمعات.
3ـ مفهوم الطبقة الاجتماعية والصراع الطبقي وأهمية هذا المفهوم لعلم الاجتماع وخاصة من الناحية المنهجية.
4ـ التناقض الجدلي واختلاف الجدل الماركسي عن الجدل الهيجلي.

أولاً ـ العلاقة بين المادية التاريخية وعلم الاجتماع :
تتناول الدراسات الاجتماعية الظواهر والعمليات التي تظهر وتحدث في الحياة الاجتماعية. بيد أن هذه الموضوعات تتعرض لها علوم اجتماعية عديدة: الاقتصاد السياسي والتاريخي إلى جانب علم الاجتماع. ومع ذلك فان المادية التاريخية لها مادتها النوعية التي تدرسها Specific Subject-matter. وان ما يميزها عن العلوم الاجتماعية الأخرى هو أن تلك العلوم تدرس مجالات منفصلة من الحياة الاجتماعية. على سبيل المثال: الدولة والاقتصاد والحياة الثقافية، وما إلى ذلك. ولكن حياة المجتمع في تكامل وترابط بين المظاهر المختلفة. لذلك فان تلك الدراسات لا تنفي الحاجة إلى دراسة عامة للمجتمع، دراسة للروابط والعلاقات بين الأوجه المختلفة للحياة الاجتماعية في استمرارها التاريخي. وفي هذه النقطة بالتحديد تتميز المادية التاريخية عن العلوم الاجتماعية الأخرى. فهي تتناول المجتمع في مجموعه وتكشف عن قوانينه العامة، وعن عملية التفاعل والروابط المتبادلة بين الأوجه المختلفة الاجتماعية.
وفي معرض توضيح أهمية المادية التاريخية في هذا الصدد يقول لينين: «ان علم الاجتماع فيما قبل ماركس وكذلك التدوين التاريخي يقدمان – في أحسن الأحوال- تراكما من الحقائق الأولية التي جمعت بطريقة عشوائية، ووصفا لبعض جوانب العمليات التاريخية. ولقد أوضحت الماركسية بفضل دراستها لمجموع الاتجاهات المتعارضة وإرجاعها – على وجه الدقة، إلى ظروف الحياة والإنتاج المحددة لطبقات المجتمع المختلفة وتنحيتها النزعة الذاتية والعشوائية عند انتقائها للأفكار «الموجهة» المختلفة أو في تفسيرها وكشفها عن أن كل الأفكار، كل الأفكار المختلفة دون استثناء لها جذورها في ظروف القوى المادية للإنتاج، وأوضحت بفضل كل ذلك الطريق إلى دراسة شاملة تستوعب عملية نشأة التكوينات الاجتماعية الاقتصادية وتطورها»( ).
يشير هذا الرأي إلى ما تقدمه المادية التاريخية إلى علم الاجتماع. وهو يركز على أن المادية التاريخية تقدم أفكارا جديدة لعلم الاجتماع والعلوم التاريخية عامة. ولم يقل انها علم الاجتماع – ومع ذلك تسود بين الأكاديميين الماركسيين أفكار مختلفة حول القضية. فالبعض منهم يعتبر أن المادية التاريخية هي علم الاجتماع ذاته. وبالتالي لا حاجة لذلك العلم الذي يحمل هذا الاسم. ومنهم من يرى ضرورة التوفيق بين المادية التاريخية وعلم الاجتماع. والبعض الآخر يرى أن المادية التاريخية تطرح نظرية ومنهجا لعلم الاجتماع وليست بديلا له.
وقد لخص هذا الوضع اثنان من الأكاديميين السوفييت بقولهما : « تعتبر المادية التاريخية جزءا جوهريا لا ينفصل عن الفلسفة الماركسية. كما تعتبر في نفس الوقت دراسة علمية للمجتمع مما تعارفنا على تسميتها بعلم الاجتماع. ولا يوجد تناقض في أن تتضمن المادية التاريخية عناصر من كليهما، الفلسفة والعلم الاجتماعي. ومهما يكن من شيء فان أدبيات الماركسية، وخاصة تلك التي نشرت حديثا تفصح عن آراء مختلفة حول علاقة المادية التاريخية بالفلسفة وعلم الاجتماع. فقد ذهب بعض الدارسين إلى أن المادية التاريخية جزء من علم الاجتماع ووصلوا من ذلك إلى عدم جواز اعتبارها جزءا يندرج تحت الفلسفة الماركسية. وعلى النقيض من ذلك يؤكد آخرون أن المادية التاريخية ركن من أركان الفلسفة الماركسية. ويرفضون تناولها بوصفها فرعا من فروع علم الاجتماع باعتبارها في أحسن الأحوال أساسا منهجيا ونظريا ذا طابع عام لعلم الاجتماع. وهؤلاء يؤكدون أن هناك احتياجا إلى خلق علم جديد أو إذا استدعى الأمر – علوم اجتماع جديدة إلى جانب المادية التاريخية تتميز عنها وتعتمد عليها بشكل مباشر. وثمة آخرون يبحثون عن حل توفيقي ملحين على ضرورة إبراز التفرقة بين الجانبين، بين الجانب الذي ينتمي إلى الفلسفة والذي ينتمي إلى علم الاجتماع داخل المادية التاريخية ذاتهــا»( ).
غير أنهما بعد أن يستعرضا الاتجاهات الموجودة بين الماركسيين يحددان موقفها في أن المادية التاريخية تحقق المتطلبات التي يستوجبها علم الاجتماع، وإذا كان هناك جانب فلسفي في علم الاجتماع فان ذلك لا يرجع إلى عوامل ذاتية وإنما يرجع إلى الطبيعة الخاصة لمجال الدراسة، حيث أن دراسة المجتمع تحتاج حلا معرفيا لبعض القضايا وهذا ما توفره المادية التاريخية( ).
وتشير هذه الكلمات إلى موقف واضح يرى أن المادية التاريخية تقدم لعلم الاجتماع بعض الأسس الهامة. ومعنى ذلك أن صاحبي ذلك الرأي لا يعتبران المادية التاريخية هي علم الاجتماع.
ولكن إذا رجعنا إلى القاموس الفلسفي الذي أعده اثنان من الأكاديميين السوفييت أيضا نجده يقرر أن « المادية التاريخية هي علم اجتماع علمي يشكل الأساس النظري والمنهجي للبحوث الاجتماعية العينية ولكافة العلوم الاجتماعية»( ).
إن هذا الرأي يجمع بين اتجاهين لا يتسمان بالاتساق. فاعتبار أن المادية التاريخية تشكل أساسا نظريا هو اتجاه نرى أنه يتفق مع ما يقصده الذين صاغوا المادية التاريخية ذاتها، أما القول بأنها هي ذاتها علم اجتماع علمي فمسألة غير صائبة. وهناك أكثر من دليل على ذلك. الأول يمكن أن نراه في وصف انجلز للافتراض الأساسي للمادية التاريخية حينما يقول أن « الافتراض بأن عملية الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية هي جميعا مشروطة بنمط إنتاج الحياة المادية وان كافة العلاقات السياسية والاجتماعية والأنساق القانونية وكل التصورات النظرية التي تنشأ في مجرى التاريخ لا يمكن فهمها إلا في حالة فهم الظروف المادية للحياة خلال الفترة المعنية، وان الأولى تعود إلى هذه الظروف المادية، نقول ان هذا الافتراض إنما كان اكتشافا ثورا ليس لعلم الاقتصاد فحسب وإنما لكافة العلوم التاريخية – أي كافة فروع العلوم التي ليست علوما طبيعية وإنما تاريخية »( ).
إن انجلز يضع هنا افتراضات المادية التاريخية في مجال أوسع من ميدان علم بعينه، وينظر إليها على أساس أنها مبادئ نظرية ومنهجية للعلوم الاجتماعية.
أما السبب الثاني الذي ترى أنه يؤكد أن المادية التاريخية ليست هي علم الاجتماع وليست بديلا عنه وإنما تقدم أسسا نظرية ومنهجية لعلم الاجتماع. نقول أن المبرر لهذا الرأي نراه في الواقع العملي. فبغض النظر عن تلك المناقشات التي أشرنا إليها فاننا نجد أن هناك ما يسمى بالفعل علم الاجتماع الماركسي في مواجهة علم الاجتماع الغربي. ودلالة ذلك، بغض النظر عن الصفتين (ماركسي – وغربي)، أن المادية التاريخية لا تلغي علم الاجتماع. ولكن تبلور في علم الاجتماع المعاصر تصوران عن المجتمع يختلفان في منطلقاتهما، بغض النظر عن اتفاقهما حول بعض القضايا. وكل تصور له مقولاته وبنيته المنطقية. أحدهما علم الاجتماع على النحو الذي يسود به في الغرب. ويتسم أساسا بطابع إمبريقي. ويسمى الآخر علم الاجتماع الماركسي الذي يستند في نظريته عن المجتمع على المادية التاريخية.
وفضلا عن ذلك فان هناك دلائل تشير إلى أن علم الاجتماع عامة قد نبني خلال تطوره بعض جوانب الأفكار المنهجية التي طرحتها المادية التاريخية، وان كان ذلك قد تم بشكل تجزيئي، أي باقتطاع بعض التصورات وتغليفها في سياق آخر أحيانا أو استخدامها للخروج باستنتاجات مغايرة في أحيان أخرى. وفي بعض الحالات الأخرى كانت هذه التصورات التي يستمدها علماء الاجتماع والانثروبولوجيا من المادية التاريخية تضاف لتصبح من مكونات علم الاجتماع في شكله التقليدي. وكان ذلك يتم دون الإعلان عنه تارة أو يعلن عنه صراحة تارة أخرى. وسوف تتضح هذه القضية عند تناولنا للأسس المنهجية في دراسة البنية الاجتماعية في الفصل السادس.
ويمكننا أن نقول في نهاية تناولنا لقضية العلاقة بين علم الاجتماع والمادية التاريخية أن ما تقدمه المادية التاريخية هو تصور نظري ومبادئ منهجية تلائم علم الاجتماع لكنها لا تلغيه وليست بديلا عنه، وان كنا نرى أن علم الاجتماع لا يمكنه أن يستغنى عن هذه النظرية وتلك المبادئ.

تعريف المادية التاريخية :
تعرضت المادية التاريخية لتفسيرات عديدة. ويمكننا أن نشير على بعض التفسيرات التي انطلقت من اتجاهين متعارضين لكنهما يبعدان عن الصواب.
الأول : يرى أنها نظرة فلسفية تأملية وأنها تقوم على الجدل الهيجلي أو ما يسمى بالثلاثية الهيجلية. وهذا الموضوع سوف نتناوله من خلال العرض التفصيلي لمفهوم المادية التاريخية ومكوناتها، ومن خلال تحديد الاختلافات بين التناقض الجدلي عند ماركس والتناقض الجدلي عند هيجل.
والثاني : وهو الذي يرى أن المادية التاريخية لا ترتبط بنظرة مادية. وسوف نتناول هذا باختصار الآن. فجوزيف شومبيتر، على سبيل المثال يقول اننا « نستطيع أن ندافع عن ماركس من ناحية أخرى أسئ فهمه فيها. فلقد أطلق كثيرا على تفسيره الاقتصادي للتاريخ اسم « التفسير المادي للتاريخ ». ولقد أطلق ماركس نفسه هذا الاسم عليه أحيانا. ولا ريب أن هذه التسمية لنظريته قد أكسبتها كثيرين من الأنصار، ولكنها أكسبتها أيضا الكثيرين من الأعداء. ولكنني لا أرى أي معنى فيها. فلم تكن فلسفة ماركس أكثر مادية من فلسفة هيجل. ولم تكن نظريته عن التاريخ أكثر مادية من أي محاولة أخرى للبحث في العملية التاريخية بالوسائل التي يوفرها العلم الاختباري أو التجريبي »( ).
إن شومبيتر يصر على تسمية نظرية ماركس بالتفسير الاقتصادي للتاريخ بالرغم من أنه يقول أن ماركس أطلق على نظريته التفسير المادي وليس الاقتصادي والحق أن ماركس لم يقل مطلقا أنه مادي اقتصادي. وكتابات انجلز وخاصة «لودفيج فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية» و«الرد على دوهرنج» ترفض هذه التهمة وتلح على التمسك بالمصطلحات التي قال بها ماركس وعدم الخلط بينهما وبين مصطلحات ومعان أخرى. والحق أن شومبيتر يمجد ماركس بالرغم من محاولة رفض ماديته. فهو يقول « ولا ريب أن الثمرة التي وصلت إليها محاولته في صياغة هذا المنطق والمسماة بالتفسير الاقتصادي للتاريخ كانت من أعظم منجزات علم الاجتماع الفردية حتى يومنا هذا. وأمام هذه العظمة تتضاءل أهمية السؤال عما إذا كان هذا الإنجاز أصلا مبتكرا من جانبه كل الابتكار – أو أن بعض الفضل فيه الذي لم يحدد مداه يعود إلى أسلافه من ألمان وفرنسيين»( ).
إن شومبيتر يختلف اختلافا كبيرا في تقييمه لماركس عن تلك الاتجاهات القائلة بأن ما قدمه ماركس حتمية اقتصادية. فشومبيتر رغم إصراره على تسمية نظرية ماركس بالتفسير الاقتصادي لا يقول بأن ماركس يغفل العناصر الأخرى، ويؤكد أن ماركس لم يقل قط أن الديانات والغيبيات والمذاهب الفنية والأفكار الأخلاقية والإدارات السياسية، كلها إما عناصر لا أهمية لها، أو خاضعة للدوافع الاقتصادية( ).
لكننا بالرغم من ذلك نرى أهمية في التأكيد على أن نظرية ماركس الاجتماعية ترتبط بماديته. وفضلا عن ذلك ينبغي التنويه أيضا أن النظرية الفلسفية لماركس تختلف جذريا عن نظرة هيجل الفلسفية المثالية وليست المادية.
وفي مجال الآراء التي ترى أن نظرية ماركس الاجتماعية لا ترتبط بنظرة مادية يبرز أيضا الاتجاه الذي يعبر عنه بوتومور وروبل بقولهما:
« يسمى منهج ماركس عادة بالمادية التاريخية، وهذا فيه خداع إلى الحد الذي ينسب لماركس مقصدا فلسفيا لم يكن لديه. فان ماركس لم يكن مهتما لا بالمشكلة الانطولوجية للعلاقة بين الفكر والوجود ولا بقضايا نظرية المعرفة. فان فلسفة تأملية من هذا النوع كانت هي التي رفضها ماركس ليضع العلم مكان الميتافيزيقا في مجال جديد للمعرفة »( ).
إن بوتومور وربل يدفعان عن ماركس هنا تهمة طالما لاحقته. وهما محقان في تأكيدها أن ماركس رفض الفلسفة التأملية ذلك أن منطلقاته كانت سسيولوجية. لكن هذه المنطلقات السسيولوجية ذاتها توصلت إلى نتائج ليست مقصورة على علم الاجتماع وحده، وإنما أثرت على مقولات فلسفية معينة وعلى نظرية المعرفة. ففي الوقت الذي كان ماركس يسعى فيه إلى حل قضايا سسيولوجية وجد حلولا لقضايا معرفية مغايرة لتلك التي كانت سائدة في الفلسفة. وذلك هو المعنى الذي يؤكده هربرت ماركيوز بقوله أن مقولات ماركس الفلسفية هي في الأساس مقولات اجتماعية واقتصادية.
ولهذا فان تسمية نظرية ماركس بالمادية التاريخية ليست تسمية زائفة. والحق أن ماركس لم يطرح هذه التسمية حسبما يقول بوتومور. ولكنه قرأ مخطوطات كتاب « الرد على دوهرنج » لانجلز قبل أن ينشر. وفي ذلك الكتاب يحدد انجلز اكتشافات ماركس الرئيسية في قضيتين :
الأولى : « المفهوم المادي للتاريخ ».
الثانية : « نظرية فائض القيمة ».
ومن هنا فان قول بوتومور وربل بأن ماركس رفض الميتافيزيقا ليضع العلم في مكانة جديدة لا ينفي أن ماركس طرح صياغة لنظرية مادية في المعرفة. فافتراضاته النابعة من أوضاع واقعية، والتي تناولها بمنطلقات اجتماعية لم تصطدم لديه بنظرة مثالية قد تمنع المرء من قبول فكرة أن الحياة المادية هي أساس الوعي الاجتماعي. وبكلمات أخرى فان نظرته المادية لم تقف عقبة أمام قبول تلك الافتراضات الجديدة.
لهذا نؤكد أن المادية التاريخية ترتبط بصلة ما بالتصور المادي. غير أن فكرة عزلها عن هذا التصور المادي ليست جديدة وإنما تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر حيث عبر عن هذا الاتجاه برنشتاين بقوله أن المفهوم المادي للتاريخ لا يرتبط بالفلسفة المادية، وعن طريق برنشتاين انتشرت هذه الفكرة( ).
إن المادية التاريخية تدرك الوجود الاجتماعي مستقلا عن الوعي الاجتماعي. ومن هنا تأتي صلتها بالنظرة المادية. وبكلمات أخرى فان المادية التاريخية هي امتداد للنظرة المادية تجاه العالم ككل إلى ميدان الحياة الاجتماعية. ويعني هذا التصور الذي طرح حلا لقضية الفكر الاجتماعي شغلت العلماء والمفكرين طويلا أن المادية التاريخية لها مضمونها ومقولاتها الخاصة النابعة من الحياة الاجتماعية المتميزة عن المقولات الفلسفية. واستنادا إلى ذلك الفهم يطرح جلزرمان عالم الاجتماع السوفييتي التعريف التالي:
إن المادية التاريخية هي النظرة العامة للعملية التاريخية تم استخلاصها من دراسة التكوينات الاجتماعية الاقتصادية. وهي في نفس الوقت منهج لاكتساب المعرفة بالظواهر الاجتماعية.
يشير هذا التعريف إلى أن المادية التاريخية هي في الأساس منهج لدراسة الحياة الاجتماعية ونظرة عامة تجاه المجتمع، وانها لم تستمد من نسق فلسفي تأملي، وإنما جاءت نتيجة لدراسة واقعية لتكوين اجتماعي اقتصادي معين، هو التكوين الاجتماعي الرأسمالي بالذات. وعلى أساس هذه الدراسة تم استخلاص قوانين للتطور تحكم التكوينات الاجتماعية وعملية تحولها.

طريقة طرح ماركس لفرضياته :
وقبل أن نتناول مكونات المادية التاريخية ومقولاتها سنتعرض للكيفية التي طرح بها ماركس فرضياته، والتي استمر لفترة طويلة يعالج فيها هذه الفروض معالجة نظرية ومنهجية. وقد استمرت هذه الفترة منذ عام 1844 حتى عام 1859، أي طوال الخمسة عشر عاما التي قال عنها ماركس أنها أفضل سنوات حياته. وقد بدأ عمله الفكري في هذا المجال بعملية انتقاد لهيجل استمرت فترة من الزمن شاركه فيها فردريك انجلز. وكانت نقطة البداية في ابتعادهما عن أنصار هيجل تتمثل فيما نشراه في «الحوليات الألمانية الفرنسية لعام 1844».
وقد اشتمل هذا المجلد على مؤلفي ماركس « مساهمة في نقد فلسفة الحق لهيجل » و« حول المسألة اليهودية ». ومؤلفي انجلز « الوضع في انجلترا » و«مختصر لنقد الاقتصاد السياسي » الذي كتبه قبل أن يلتقي بماركس. وفي انتقاد ماركس لفلسفة الحق عند هيجل أعلن أن التحول الاجتماعي لا يمكن تفسيره بوعي الناس وإنما بتحليل العلاقات الاجتماعية. ثم أعلن في المخطوطات الاقتصادية – الفلسفية (1844) أن العمل، أي الإنتاج المادي، لعب دورا حاسما في ظهور وتطور البشرية. غير أن العمل في نفس الوقت الذي طور فيه الإنسان قام باستعباده. لكن الاصطلاحات التي استخدمت في هذا المؤلف كانت تبين تأثره بفيورباخ.
أما الصياغة والتحول الكامل في أفكار ماركس وانجلز فيظهران بشكل جزئي في « العائلة المقدسة » The Holy Family وبشكل متكامل في « الأيديولوجية الألمانية » (1845 – 1846 The German Ideology ويمثل كتاب الأيديولوجية الألمانية – حسب كلمات ماركس في مقدمة كتابه مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي (1859) – استقرار فكرهما، وصياغة للمفهوم المادي للتاريخ الذي استمرا يعمقانه في بقية المؤلفات. وقد حمل « البيان الشيوعي » عام 1848 بعض أفكار هذه المقدمة، فضلا عن الصياغات التي قدمها من قل في « بؤس الفلسفة » عام 1847. غير أنه تبين أخيرا أن جانبا هاما من تلك المعالجة النظرية والمنهجية لافتراضاته قد جاءت في مخطوطات 1857 – 1858 التي أشرنا إليها من قبل، والتي يرى البعض أنها تمثل الأسس النظرية التي جعلت ماركس يطرح تلك الصياغة المركزة التي جاءت في مقدمة 1859، أي أن هذه المقدمة تختزل العمل النظري الذي أنجزه في مخطوطات 1857 – 1858 إلى عدد قليل من الفرضيات.
كانت نقطة البدء عند ماركس هي البحث عن العلاقة الأولية التي تميز المجتمع الإنساني. أي تلك العلاقة التي تلتقي فيها كل الظواهر المتباينة في الحياة. فان المجتمع وكل شيء يتعلق بتاريخه هو نتاج جمع غفير من الأفراد رجالا ونساء، وتصرفات الأفراد متغايرة إلى أقصى حد، ولكن مهما كان التباين فانهم يعملون شيئا واحدا مشتركا هو الإنتاج الاجتماعي. ومن هنا فان ماركس اعتبر العمل الإنتاجي هو العلاقة الأولية بين الطبيعة والإنسان. وهذه السمة النوعية التي تميز الحياة الاجتماعية هي التي جعلته يرفض فكرة تفسير الحياة الاجتماعية سواء باستخدام «الفيزيقا الاجتماعية» أو « الفسيولوجيا الاجتماعية » كما أوضحنا من قبل. ولذلك قال أن تفسير الحياة والتطور يجب البحث عنه في الأساس المادي الإنتاجي للحياة الاجتماعية، وان تطور التكوينات الاقتصادية الاجتماعية هي عملية من عمليات التاريخ الطبيعي. وقد قام ماركس بعزل المجال الاقتصادي عن المجالات الأخرى للحياة الاجتماعية، أي عزل علاقات الإنتاج من بين كل العلاقات الاجتماعية واعتبرها العلاقة الأولية والأساسية التي تتحدد وفقا لها العلاقات الأخرى.
وفي مقدمة كتاب « مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي » يشرح ماركس كيف كان يفكر حول هذه القضية وما توصل إليه. وهذا الشرح يمثل المبادئ الجوهرية للمادية عند تطبيقها على المجتمع الإنساني.
« إن العمل الأول الذي قمت به لتبديد الشكوك التي كانت تراودني هو العرض الانتقادي لفلسفة الحق لهيجل ... وأدى بحثي هذا إلى أن العلاقات القانونية وكذلك أشكال الدولة لا يمكن فهمها من ذاتها ولا مما يسمى بالتطور العام للعقل البشري، وإنما على الأصح لها جذورها في الظروف المادية للحياة ... والنتيجة العامة التي توصلت إليها ... يمكن صياغتها باختصار كما يلي : يدخل الناس خلال قيامهم بعملية الإنتاج الاجتماعي في علاقات محددة لا يمكن الاستغناء عنها ومستقلة عن إرادتهم. وعلاقات الإنتاج Relations of production هذه تتوافق مع المرحلة المحددة لتطور القوى المادية للإنتاج material productive forces ويشكل المجموع الكلي لعلاقات الإنتاج هذه البنية الاقتصادية للمجتمع economic structure of society، وهو الأساس الذي تقوم عليه البنية الفوقية السياسية والقانونية والتي تتوافق معها أشكال محددة للوعي الاجتماعي. إن أسلوب mode إنتاج الحياة المادية هو الذي يحدد عمليات الحياة الاجتماعية والسياسية والعقلية بشكل عام. فليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم وإنما على العكس من ذلك فان وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم. وفي مرحلة معينة من مراحل تطور قوى الإنتاج المادية في المجتمع تتصادم هذه القوى مع علاقات الإنتاج القائمة ومع علاقات الملكية التي كانت تمارس نشاطها من قبل في إطارها. وعلاقات الملكية هذه ليست سوى التعبير القانوني عن علاقات الإنتاج. وخلال تطور قوى الإنتاج تتحول علاقات الملكية إلى قيود تحد من عملية التطور. وعندئذ تبدأ فترة من الثورة الاجتماعية. ومع تغير الأساس الاقتصادي تتغير أيضا كل البنية الفوقية superstructure الهائلة. ومع تفاوت في سرعة هذا التغير. وعندما ننظر إلى هذا التحول يجب علينا أن نميز بين تحول الظروف الاقتصادية للإنتاج التي يمكن أن تتحدد بنفس دقة العلوم الطبيعية وبين الأشكال القانونية والسياسية والدينية والفلسفية والفنية، أو باختصار الأشكال الأيديولوجية التي تنبه الناس إلى هذا التصادم فيقاومونه. وكما أن فكرتنا عن الفرد لا تبنى على أساس ما يعتقده هو عن نفسه فاننا لا يمكننا أن نحكم على مثل فترة التحول هذه على أساس ما يسود فيها من وعي، بل على العكس من ذلك فان هذا الوعي يجب أن يتم تفسيره من خلال تناقضات الحياة المادية، وعن طريق الصراع القائم بين القوى الاجتماعية للإنتاج وعلاقات الإنتاج. ولا يزول أي نظام اجتماعي social order أبدا قبل أن تنمو كافة القوى الإنتاجية التي تجد مجالا للنمو فيه، ولا تظهر علاقات إنتاج أعلى مرتبة عن سابقتها قبل أن تنضج في داخل المجتمع القديم الأحوال المادية اللازمة لوجود هذه العلاقات ... وهكذا فاننا نستطيع أن نحدد في خطوط عريضة أساليب الإنتاج الآسيوية والقديمة والإقطاعية والبرجوازية الحديثة كمراحل متقدمة في التكوين الاقتصادي للمجتمع »( ).
يشتمل هذا النص الهام الشديد التركيز العناصر والمكونات التي تتندرج تحت مفهوم المادية التاريخية :
فأولاً : يشير إلى مفهوم التكوين الاجتماعي ببنيته التحتية infrastructure والتي يسميها أحيانا البنية الاقتصادية أو بنية الأساس base، وذلك إلى جانب البنية الفوقية.
وثانياً : نظرية المراحل المتعاقبة من أنماط المجتمعات.
وثالثاً : التناقضات داخل الأسلوب الإنتاجي والمتمثلة في عدم توافق القوى الإنتاجية مع علاقات الإنتاج.
رابعاً : أما الصراع الطبقي فلم تتم الإشارة إليه بشكل مباشر في هذا النص.
وعندما يتحدث عن الصراع يقول أن ذلك يكمن في عدم توافق القوى الإنتاجية مع علاقات الإنتاج. وعلى سبيل المثال فان « العلاقات البرجوازية للإنتاج هي آخر شكل يتسم بطابع التعادي في العملية الاجتماعية للإنتاج – وليس التعادي هنا بمعنى تعاد بين أفراد، وإنما هو تعادي ينشأ عن الظروف الاجتماعية لحياة أولئك الأفراد. وفي نفس الوقت الذي تتطور فيه القوى الإنتاجية داخل المجتمع البرجوازي فان ذلك يخلق الظروف المادية لحل ذلك التعادي ».
لكن ماركس يشير بعد ذلك بسطور إلى الأعمال الأخرى التي تحمل جوانب مكملة لوجهة نظره. ومن تلك الأعمال التي أشار إليها « الأيديولوجية الألمانية » و«بؤس الفلسفة» (1847) و«البيان» (1848). وتوجد في تلك المؤلفات بالفعل خاصة «البيان» معالجة لموضوع الطبقات والصراع الطبقي.
إن تلك القضايا العامة للمادية التاريخية، ينظر إليها لينين، على سبيل المثال، على أنها أحد الفروض التي قام ماركس بتحقيقها فيما بعد. ففي مؤلفه « من هم أصدقاء الشعب » الذي يناقش فيه أفكار بعض علماء الاجتماع في روسيا نجد لينين يقول « ان فكرة المادية هذه في علم الاجتماع كانت في حد ذاتها ضربا من العبقرية. وبالطبع كانت لبعض الوقت مجرد فرض، لكنه فرض خلق إمكانية معالجة علمية ودقيقة للقضايا التاريخية والاجتماعية( ).
ثم يعرض لينين بعد ذلك عدة أسباب لتأييد هذا الرأي :
أولاً : كان علماء الاجتماع قبل ذلك لا يهتمون بمعرفة ما هي العلاقات الأولية. ومع ذلك نراهم يقومون ببحث ودراسة الأشكال السياسية والقانونية معتمدين على أنها نشأت عن أفكار بشرية معينة. ومثال ذلك، المفهوم الذي عبر عنه كتاب «العقد الاجتماعي». فالحقيقة انه لم يحدث أن أدرك أعضاء المجتمع العلاقات الاجتماعية التي يعيشونها كشيء محدد متكامل، بل انهم يكيفون أنفسهم مع هذه العلاقات. كما أن مفهومهم عنها – باعتبارها علاقات اجتماعية تاريخية ومؤقتة ليس سوى مفهوم بسيط غير متكامل. وقد أزالت المادية هذا الغموض والتناقض بالمضي في تحليل أعمق حول أصل أفكار الإنسان الاجتماعية ذاتها. وذلك على أساس أن سمة واتجاه نشاط الإنسان تحدده ظروف الحياة المادية. ولكن مع اعتبار أن هذه الظروف يغيرها الناس بأنفسهم. فهم يملكون وعيا وإرادة، أي مع اعتبار للسمة النوعية للحياة الاجتماعية في اختلافها عن الطبيعة. « فكل منتج على حدة يدرك بالطبع أنه يدخل هذا التعديل أو ذاك في تكنيك الإنتاج. وكل مالك يدرك بالطبع أنه يبادل منتجاته بمنتجات أخرى، ولكن هؤلاء المنتجين والملاك لا يدركون أنهم بهذا يغيرون الوجود الاجتماعي. ان سبعين شخصا من أمثال ماركس لا يستطيعون أن يستوعبوا كل هذه التغييرات في جميع فروع الاقتصاد العالمي، والأمر الجوهري هو أنه قد تم اكتشاف قوانين هذه التغييرات، وأن المنطق الموضوعي لهذه التغييرات أو تطورها التاريخي قد تم تبينه ... فحقيقة أنك تعيش وتقوم بأعمالك وتنجب أطفالك وتنتج وتبادل، تؤدي إلى نشأة سلسلة من الأحداث، سلسلة من التطورات الضرورية موضوعيا والمستقلة عن وعيك الاجتماعي، والتي لم يدركها الوعي بشكل كامل مطلقا، وان الواجب الأسمي للإنسانية هو أن ندرك هذا المنطق الموضوعي للتطور الاقتصادي، لتطور الحياة الاجتماعية – بقسماته العامة والأساسية »( ).
وثانياً : إن هذا الفرض كان أول شيء يصل « بعلم الاجتماع إلى مستوى العلم »( ). ويشير هذا القول إلى أن علماء الاجتماع كانوا غير قادرين على أن يميزوا بين ما هو هام وغير هام في الشبكة المعقدة للظواهر الاجتماعية. ومن ثم كانوا غير قادرين على إيجاد معيار موضوعي لعلمية التمييز. وقد قدم ماركس المعيار المطلوب عن طريق عزل علاقات الإنتاج على أنها تمثل هيكل المجتمع. وان تحليل هذه العلاقات يجعل من الممكن أن نلاحظ التكرار والانتظام في الظواهر الاجتماعية، وأن نقوم بتعميم أنظمة البلدان المختلفة في مفهوم أساسي هو التكوين الاجتماعي Social-formation. وكل تكوين اجتماعي يميزه نوع معين من علاقات الإنتاج، إلا أن ذلك لا يعني أن هذا التكوين لا يمثل إلا الأساس الاقتصادي. انه يتضمن أيضا – البنية الفوقية بكل مظاهرها.

كيف حقق ماركس الافتراض الذي توصل إليه ؟
بعد أن وضع ماركس صياغته لهذا الغرض في أربعينات القرن التاسع عشر مضى يدرس المعطيات الواقعية لأحد التكوينات الاقتصادية الاجتماعية، أي التكوين الرأسمالي، وظهرت هذه الدراسة في شكل المؤلف الضخم « رأس المال ». فأثناء تحليل ماركس للمجتمع الرأسمالي من زاوية علاقات الإنتاج قام بدراسة البنية الفوقية المتطابقة مع هذه العلاقات فأظهر التكوين الاجتماعي الذي يدرسه بكل جوانبه ومظاهره الاجتماعية والتناقضات الطبقية الكامنة في علاقات الإنتاج. وقد أسس ماركس هذه النتائج باستخدام مجموعة ضخمة من الحقائق والبيانات الواقعية التي جعلته قادرا على وضع تعميماته. وفي هذا الصدد نجد لينين يعقد مقارنة بين داروين وماركس ويقول :
« كما أن داروين وضع حدا للمفهوم الذي يرى أن أنواع الحيوان والنبات لا يرتبط بعضها ببعض وانها عرضية ولا تتغير، وكما أنه كان بذلك أول من وضع علم الحياة أساس علمي بشكل كامل حين أثبت تغير الأنواع وتسلسلها، كذلك نجد أن ماركس وضع هو الآخر حدا للمفهوم الذي كان يرى أن المجتمع تجمع آلي من أفراد يتعرض لكل أنواع التبدل وفقا لأهواء السلطات (أو وفقا لأهواء المجتمع والحكومة) وأن ذلك المجتمع يولد ويتغير وفقا للصدفة. وكان ماركس بذلك أول من وضع أساسا علميا لعلم الاجتماع حين أقام مفهوم التكوين الاقتصادي للمجتمع على أنه مجموعة من علاقات الإنتاج، وحين قرر أن تطور تلك التكوينات عملية تاريخية طبيعية ... والآن ومنذ ظهور « رأس المال » لم يعد المفهوم المادي للتاريخ مجرد فرض وإنما قضية تم برهنتها علميا »( ).
إن البعض قد يختلف مع النتائج التي توصل إليها ماركس، ولكن سيبتعد عن الصواب من يقول أن المنطق الذي استخدمه ماركس « ليس منطقا منهجيا يتخذ نقطة البداية من الظواهر ». والغريب ان لينين يدفع عن ماركس اتهاما يوجه إليه من الزاوية المقابلة تماما. فأثناء مناقشة لينين لكتابات ميخالوفسكي عن « ماركس » و« رأس المال » يقول : « فأن تبدأ بالسؤال عما هو المجتمع وما هو التقدم يعني أن تبدأ من النهاية. فمن أين ستحصل على مفهوم وعن المجتمع وعن التقدم عموما إذا لم تكن قد درست تشكيلا اجتماعيا واحدا على وجه الخصوص، وإذا لم تكن قادرا أيضاً على إقامة هذا المفهوم، إذا لم تكن قادرا أيضاً على القيام بمعالجة موضوعية جادة، أي تحليل موضوعي للعلاقات الاجتماعية من أي نوع كانت ؟ ان هذه علاقة واضحة على الميتافيزيقية التي تبدأ مع كل علم. وما دام الناس لا يعرفون كيف يشرعون في دراسة الحقائق فانهم يخترعون عادة نظريات عامة مسبقة، وعادة ما تكون هذه النظريات عقيمة»( ).
إن لينين يقرر بذلك أن الخطوة الجبارة التي قام بها ماركس تكمن بالتحديد في أنه استبعد المجادلات حول المجتمع وحول التقدم وأنجز تحليلا عمليا لمجتمع معين. « غير أن ميخالوفسكي يلوم ماركس لأنه بدأ البداية الصحيحة ولم يبدأ من النهاية، ولأنه بدأ بتحليل الحقائق وليس بالاستنتاجات النهائية، بدأ بدراسة علاقات اجتماعية معينة تحددت تاريخيا، ولم يبدأ بنظريات عامة عن مكونات هذه العلاقات الاجتماعية »( ).
إن الطريقة التي قام بها ماركس بتحقيق الفرض الذي وضعه هي التي جعلت جلزرمان يقول في تعريفه للمادية التاريخية أنها قد استخلصت من دراسة التكوينات الاجتماعية. ونعتقد أن هذا القول لم ينسب إلى ماركس شيئا لم يكن يقصده. فقد حدد بنفسه الهدف من كتاب رأس المال في مقدمة الكتاب بقوله: « ان الهدف الأساسي لهذا العمل هو كشف القانون الاقتصادي لتطور المجتمع الحديث ». والقيمة الأساسية هنا هي قيمة منهجية. والشيء الهام في هذا المنهج هو المعالجة الموضوعية للقانون الذي يحكم الظواهر موضوع البحث وإظهار قانون التغير، أي تطور الظواهر وتحولها من شكل إلى آخر. وان المنهج الذي استخدمه في ذلك هو الذي أوضح قصور المناهج التي استخدمها السابقون عليه. ومن هنا فهو يرفض فكرة أن قوانين الحياة الاقتصادية تعتبر واحدة بالنسبة للماضي والحاضر: وأن ما كتبه ماركس في مقدمة « مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي » يؤكد ذلك. فكل نسق من علاقات الإنتاج يعتبر بنية اجتماعية لها صفات نوعية إلى جانب تلك السمات المشتركة بين كافة التكوينات. وتطبيق منهج ماركس ليس سوى معيار يرى أنه المعيار الموضوعي الذي يمكن أن نفهم به ما هو أساسي في الشبكة المعقدة للحياة الاجتماعية. ومن هنا تظهر أهمية أن يمتد هذا المنهج إلى دراسة التكوينات الاجتماعية الأخرى. فالنظرية المادية « لا تدعى تفسير كل شيء وإنما تشير فقط إلى « المنهج العلمي » في مجال دراسة المجتمع.
ذلك أن طرح القضايا الاجتماعية بأسلوب جديد هو الذي جعل من الممكن أن ينتقل علماء الاجتماع من مجرد وصف الظواهر الاجتماعية وتطورها من وجهة نظر مثالية أو من مجرد جمع المواد الخام إلى التحليل العلمي الدقيق، الذي يعزل، ونقول على سبيل المثال ما يميز بلدا رأسماليا عن آخر ويبحث ما هو عام أو مشترك بينهما. فكل تطور هو مزيد بين ما هو فريد ولا يقبل التكرار وبين ما هو عام مشترك وقابل للتكرار، أي اتحاد ما بين الفردي والعام. فجميع المجتمعات الإقطاعية على سبيل المثال، يحكمها قوانين أساسية مشتركة، ولكن كل بلد على حدة له ما يميزه ويؤثر أيضاً على ما هو عام.
ومن هنا فان هذا المفهوم يقر بوجود قوانين عامة وقوانين نوعية في كل التكوينات.
إن مفهوم التكوين الاجتماعي يتعارض مع تلك الدراسات وأساليب البحث المنتشرة عند بعض علماء الاجتماع المعاصرين الذين لا ينظرون إلى المجتمع ككيان في مجموعه، بل يمضون في بحث جوانب الحياة في معزل عن بعضها.
كما أن هذا الفرض خلق إمكانية وجود « علم اجتماعي علمي ». فان اختزال العلاقات الاجتماعية إلى علاقات الإنتاج واختزال الأخيرة إلى مستوى القوى الإنتاجية قد قدم أساسا راسخا لمفهوم أن تطور المجتمع عملية تاريخية طبيعية. وبدون تلك النظرية لا يمكن أن يوجد علم اجتماعي. فمثلا على الرغم من أن الذاتيين يعترفون بأن الظواهر التاريخية تمتثل إلى قانون، فانهم غير قادرين على اعتبار تطور تلك الظواهر كعملية تاريخية طبيعية، ذلك لأنهم على وجه التحديد يرتبكون أمام الأفكار الاجتماعية للإنسان وأهدافه وغير قادرين على إرجاعها إلى العلاقات الاجتماعية المادية.
عناصر التكوين الاجتماعي الاقتصادي :
بعد أن حدد ماركس أن أسلوب الإنتاج هو الذي يرجع إليه تحديد جميع الظواهر الاجتماعية الأخرى، وأن علاقات الإنتاج الاجتماعي تتشكل منها البنية الاقتصادية للمجتمع وأن هذه البنية تنشأ معها بنية فوقية متوافقة معها بما فيها من أشكال سياسية وقانونية وأشكال من الوعي الاجتماعي، بعد أن حدد ديك طرح مفهوم التكوين الاجتماعي الاقتصادي الذي يجمع في داخله بنية الأساس (البنية الاقتصادية) والبنية الفوقية. أي أن مفهوم التكوين الاجتماعي مدخل لدراسة النسق الاجتماعي بكافة مظاهره. كما يرى ماركس أيضا أن تاريخ المجتمعات هو عبارة عن تكوينات اجتماعية متعاقبة.
وقبل تحديد عناصر كل تكوين اجتماعي معين علينا أن نشير إلى التفرقة بين مفهومين: مفهوم أسلوب الإنتاج ومفهوم التكوين الاجتماعي. ذلك أن هناك نوعا من التشابك بينهما قد يؤدي إلى الخلط الذي ينبع من أن كل تكوين اجتماعي هو تعبير عن أسلوب إنتاجي محدد.
إن مفهوم أسلوب الإنتاج يبرز ما هو أساسي وعام في عدد من المجتمعات البشرية القائمة. وهو لا يرتبط ولا يتطابق مع أي مجتمع من المجتمعات. فتحليل ماركس لأسلوب الإنتاج الرأسمالي لا يرتبط بوصف مجتمع معين أو محدد. ولا يرتبط بالمجتمع الإنجليزي الذي استمد منه أمثلة لدراسته عن أسلوب الإنتاج الرأسمالي. وحينما كان ماركس يلجأ إلى شواهد في مجتمعات بعينها إنما كان ذلك لإقامة البراهين على صحة النموذج المجرد الذي قام باستخلاصه، أي نموذج أسلوب الإنتاج. وتعبير أسلوب الإنتاج هو تجريد علمي، أي عملية استخلاص وتكثيف جوانب رئيسية في الإنتاج الاجتماعي. وهي جوانب لا تظهر في حيز الوجود في شكل نقي وصاف.
أما مفهوم التكوين الاجتماعي الاقتصادي فيرتبط بالتاريخ الواقعي، بمجتمعات معينة ويمكن القول انه حالة واقعية لنموذج أسلوب الإنتاج. حالة تتضمن خصائص اجتماعية واقتصادية وفكرية ترتبط بهذا التكوين المحدد أو ذاك.
ان كل أسلوب إنتاجي هو الذي يعين نوعية بنية الأساس وهي البنية التي ينهض عليها الجانب المكمل للتكوين الاجتماعي أي البنية الفوقية. فان الناس، حسب تصور ماركس، إذ ينتجون الخيرات المادية إنما ينتجون بالتالي ويعيدون إنتاج أسلوب حياتهم. فان نوعية كل تكوين اجتماعي تتعين بأسلوب إنتاج الحياة الاجتماعية الملازمة لها.

عناصر بنية الأساس :
تتشكل البنية التحتية من عنصرين، أو بالأحرى بنيتين أخريين: القوى الإنتاجية وعلاقات الإنتاج الاجتماعية المتوافقة معها. وسوف نتناول مكونات كل عنصر على حدة ثم نتعرض للعلاقة بين العنصرين، أي بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج.
( أ ) القوى الإنتاجية : وتتشكل من العاملين وما يستحوذون من خبرة في العمل بالإضافة إلى وسائل الإنتاج التي تتشكل بدورها من مادة العمل + وسائل العمل. فبدون هذه العناصر لا يتحقق العمل ولا تنشأ علاقات اجتماعية. ولكل عنصر من تلك العناصر تأثير مختلف. فمادة العمل هي المادة الخام، وتتمثل في كل ما يتعرض في عملية الإنتاج لهذا التعديل أو ذاك، لهذه التغيرات أو تلك، ليتحول إلى ناتج ضروري للإنسان بواسطة وسائل العمل، فهي مجموعة متنوعة تشمل الإنشاءات بما فيها من قوى محركة ومبان ووسائل نقل وما إلى ذلك. غير أن ماركس يضع أهمية لأدوات الإنتاج( )، أي أدوات العمل بين مكونات وسائل العمل هذه. فأدوات العمل هي مقياس الحكم على مستوى قوى الإنتاج، كما أن لها تاريخا خاصا بها. وهي التي تحدد مدى تأثير الإنسان في الطبيعة. وحسب كلمات ماركس فان «الأدوات التي تصنع بها المنتجات والأسلوب الذي تتم به صناعتها هي التي تمكننا من التمييز بين المراحل الاقتصادية المختلفة وليست تلك المنتجات ذاتها. فأدوات العمل لا تبين لنا مستوى درجة التطور التي بلغها العمل البشري فحسب، وإنما هي أيضا مؤشرات للظروف الاجتماعية التي يجرى في ظلها العمل»( ).
ويعتبر ماركس أن القوى الإنتاجية هي العنصر الحاسم في أسلوب الإنتاج. فمن جانب هي أكثر العناصر حركة وتغيرا، كما تتولد عنها علاقة ملكية وسائل الإنتاج. ويمكن تلخيص تلك المكونات في المعادلات المبسطة التالية :
مادة العمل + وسائل العمل = وسائل الإنتاج
وسائل الإنتاج + المنتجين = القوى الإنتاجية


علاقات الإنتاج :
تتشكل في كل مجتمع عيني، أي ملموس، علاقات اجتماعية للإنتاج تتضمن علاقات الناس في العملية المباشرة للإنتاج علاوة على مختلف أشكال التقسيم الاجتماعي للعمل والتبادل الاجتماعي للنشاط، كما تتضمن شكلا معينا لتوزيع الخيرات بين الناس. وتتحدد تلك العلاقات الاجتماعية في مجموعها وفقا لعلاقات الناس بوسائل الإنتاج. فلكي نحدد نوعية علاقات الإنتاج الاجتماعية لابد أن نعرف من الذي يمتلك وسائل الإنتاج (مادة العمل + وسائل العمل). فعلاقات الإنتاج الاجتماعية هي علاقات الملكية أولا وقبل كل شيء. ويعني ذلك أن تنوع هذه العلاقات هو انعكاس لشكل للملكية محدد تاريخيا. فإذا كانت وسائل الإنتاج في يد المجتمع بأسره فان أعضاء هذا المجتمع يصبحون متساوين في علاقاتهم بوسائل الإنتاج. أما إذا كانت وسائل الإنتاج ملكا لفئة معينة في المجتمع فحسب، فان الملكية ينبثق عنها علاقات السيطرة.

العلاقات بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج :
إن تركيب القوى الإنتاجية تنشأ عنه علاقة الإنتاج أي العلاقة بملكية وسائل الإنتاج. وهي علاقة تؤثر في ترتيب الناس داخل إطار العلاقات الاجتماعية. ومن ثم فان علاقة الملكية، علاقة المنتجين بوسائل الإنتاج وبملكيتها، هي العامل الحاسم في الشكل الذي تتخذه العلاقات الاجتماعية الإنتاجية. وإن تاريخ القوى الإنتاجية وعلاقات الإنتاج في كافة البلدان يوضح أن هناك سمة أساسية مشتركة بينها جميعا. وتتمثل هذه السمة في أن مستوى معينا من القوى الإنتاجية يتطلب مستوى يتفق معه من علاقات الإنتاج. وعندما ينظر إليهما معا يكشفان عن الطريقة التي تنتج بها الشعوب وسائل معيشتها في مرحلة معينة من التاريخ.
وإذا كانت القوى الإنتاجية هي العنصر الحاسم في أسلوب الإنتاج فان ذلك يرجع إلى أنها أكثر العناصر حركة وتغيرا. ويرجع ذلك إلى أن الناس في عملية الإنتاج يكتسبون معرفة وخبرة باطراد، ويساعدهم ذلك في تحسين أدوات الإنتاج، وبذلك تواصل قوى الإنتاج تطورها. ويختلف الأمر بالنسبة للعلاقات الاجتماعية. فأشكال الملكية لا تتغير كل يوم، وهي مستقرة نسبيا، كما أن تغيرها خاضع للتغير في تركيب القوى الإنتاجية ذاتها. ولكن ينبغي ملاحظة أن علاقة الإنتاج تكون في مراحل معينة دافعا لتطور القوى الإنتاجية ومثال ذلك ما حدث في المراحل الأولى للنظام الرأسمالي، حيث تمكن من تطوير القوى الإنتاجية بدرجة لم يسبق لها مثيل من قبل.
لكن عندما تتطور القوى الإنتاجية لدرجة معينة تزول حالة التجانس بينها وبين علاقات الإنتاج. فيبدأ صدام بينهما لأن علاقات الإنتاج تعوق تطور القوى الإنتاجية وينتهي ذلك بأن تحل علاقات إنتاجية جديدة تتوافق مع القوى الإنتاجية التي نمت وتطورت. وعلى سبيل المثال، « فان وسائل الإنتاج والتبادل التي قامت البرجوازية على أساسها، بزغت داخل المجتمع الإقطاعي، وحينما بلغت مرحلة معينة من التطور لم تعد الظروف التي كان المجتمع الإقطاعي ينتج ويتبادل في ظلها، لم يعد التنظيم الإقطاعي للزراعة وصناعة الورش، وفي كلمة واحدة لم يعد النظام الإقطاعي للملكية يتفق مع القوى الإنتاجية التي تطورت بالفعل بل تحول إلى قيود تعرقلها. وأصبح من الواجب تحطيم هذه القيود. وقد تحطمت بالفعل. وظهرت مكانها المنافسة الحرة ونظام اجتماعي وسياسي يتوافق معها وكذلك السيطرة الاقتصادية والسياسية لطبقة البرجوازية »( ).

البنية الفوقية :
وتتشكل هذه البنية من الأشكال السياسية والقانونية وأشكال الوعي الاجتماعي أو الأيديولوجية. وتتضمن الأيديولوجية مجمل الأفكار السياسية والفلسفية والمذاهب الأخلاقية والتصورات والنظريات الجمالية السائدة. ولكن ينبغي ملاحظة أنه يوجد إلى جانب هذه الأشكال التي لها السيادة في كل تكوين اجتماعي أفكار وأشكال وعي أخرى تعكس أيضا مواقع الفئات المضطهدة في المجتمعات الطبقية وتعمل الأيديولوجية السائدة على كبتها والحد من تأثيرها. ومعنى ذلك أن البنية الفوقية ليست بنية عزلاء خامدة بل يدور داخلها صراع يؤثر أيضاً على بنية الأساس. فبينما تعمل الأشكال الأيديولوجية التي لها السيادة على تدعيم بنية الأساس، فان أشكال الوعي الأخرى المرتبطة بالطبقات المقهورة تعمل هي الأخرى في اتجاه مضاد. ومحصلة هذا الصراع تؤثر بدورها على بنية الأساس ذاتها.
كما ينبغي الإشارة إلى أن عملية التطور التي تحدث في بنية الأساس لا تجرى بشكل ميكانيكي. ونجد أن كلمات ماركس في مقدمة « مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي » تؤكد هذا المعنى. فإذا كان التغير في القوى الإنتاجية يحدث بطريقة يمكن ملاحظتها بوضوح ودقة فان تغير البنية المصاحبة لها يمر بتعرجات ويسير في خط حلزوني قد يصادف فيه لحظات انتكاس.
وحسب رأي لابريولا Labriola أستاذ الاجتماع الإيطالي فان الدور الحاسم للهيكل الاقتصادي( ) ليس عملية ميكانيكية تنبثق عنها البنية الفوقية من مؤسسات وقوانين وأيديولوجية. فهناك عملية معقدة، بل وقد تتسم أحيانا بالتعرجات التي لا تدرك بسهولة، وعندما يعرف لابريولا علم الاجتماع بأنه علم الوظائف والتغيرات الاجتماعية فانه يضع مساهمة ماركس في هذا المجال الجديد للمعرفة كسلسلة من الاكتشافات التي ستمكن الإنسان من أن يصبح سيد مصيره.
إن فكرة البنية الفوقية القائمة على أسلوب إنتاجي معين قد أبعدت فكرة أن الأنظمة الاجتماعية خالدة وأبدية. فكل أسلوب للإنتاج – وهو يقوم على شكل معين من أشكال الملكية – لا يمكن أن يكون سوى مرحلة تاريخية. والأنظمة الاجتماعية المصاحبة لذلك الأسلوب ليست إلا أنظمة تاريخية ومؤقتة.
وبهذا المعنى يوجه ماركس وانجلز حديثهما إلى البرجوازيين قائلين:
« إن مفهوماتكم المغرضة تدفعكم إلى اعتبار العلاقات الاجتماعية المتولدة عن أسلوبكم في الإنتاج وعلاقات الملكية، هذه العلاقات التاريخية التي يمحوها سير الإنتاج ذاته، قوانين طبيعية وعقلية. انكم لم تنفردوا بهذه المفهومات فقد تمسكـت بها من قبل كل الطبقات التي حكمت من قبلكم، ان ما تقرونه بوضـوح فيمـا يتعلق بالملكية الإقطاعية ليس في استطاعتكم أن تقبلوه بالنسبة للملكية البرجوازية»( ).
لقد كانت الأفكار التي وضعتها الماركسية حول هذه القضية تطويرا لأفكار المفكرين الاجتماعيين السابقين عليهما. وقد أكد لينين هذه القضية في مطلع كتابه «مصادر الماركسية». وكما اتضح لنا من قبل فان تيري ومينيه وجيزو –المؤرخين الفرنسيين- أشاروا إلى علاقات الملكية كأساس لأي نظام اجتماعي ثم جاء سان سيمون وألقى الضوء لأول مرة على تاريخ هذه العلاقات في أوروبا الحديثة( ).
كان لأفكار ماركس في هذا الصدد تأثير هام على الفكر الاجتماعي، خاصة من زاوية منهج الدراسة في علم الاجتماع. ونجد البعض يقدر أهميته بقوله:
« ان الميزة العظيمة لماركس تتمثل في أنه وضع تمييزا في مجال الظواهر الاجتماعية، بين أساس فعال وبنية فوقية يتذبذب بين رمزية ووعي واضح بنفس المعنى – وماركس يقول هذا صراحة – حيث يضطر علم النفس أن يضع تمييزا بين السلوك الفعلي والوعي. وعلاقة البنية الفوقية بأساسها المادي هي نفس علاقة وعي الفرد وسلوكه»( ). غير أنه ينبغي التأكيد أن نقطة التشديد الرئيسية عند ماركس تكمن في البدء بتحليل أسلوب الإنتاج وما ينتج عنه من علاقات اجتماعية وذلك لكي نصل إلى فهم النسق الاجتماعي بكل ما يحويه من عناصر مختلفة. وحسب كلماته فان «العلاقات المباشرة لملاك شروط الإنتاج بالمنتجين المباشريـن – وهي علاقة تتوافق بشكل طبيعي دائما مع مرحلة محددة في تطور أساليب العمل، ومن ثم انتاجيته الاجتماعية- هي دائما التي تكشف أخفى الأسرار، أي الأساس الخفي للبنية الاجتماعية بأسرها The entire Social Structure»( ).
يوجد بين علماء الاجتماع من يقرر أن الماركسية تضع أهمية للدور الفعال للأفكار في التطور، لكنهم يستخدمون هذه الحقيقة في توجيه النقد إلى المادية التاريخية فكارل مواس Muhs عالم الاجتماع الألماني، على سبيل المثال، يقول ان إقرار الدور الفعال للأفكار في التطور يتعارض مع المقالة الأساسية للمادية التاريخية التي تقول ان الأفكار تعتمد على الوجود الاجتماعي. ثم يستخلص من ذلك أن إقرار التفاعل بين الوعي الاجتماعي والوجود الاجتماعي يجعل الماركسية في الواقع توأما للمثالية خصمها اللدود، مع بقاء مجرد « ظل بسيط » من الاختلاف يتمثل في أن الماركسية ترجع العوامل الفكرية لأسباب اقتصادية( ).
ويعلق جلزرمان على ذلك الرأي قائلا أنه يرد على نفسه بنفسه. فهذا « الظل البسيط » هو الشيء الجوهري.

نظرية المراحل وتعاقب التكوينات الاجتماعية :
نجد في الفقرة المطولة التي نقلناها من قبل عن مقدمة « مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي » صياغة ماركس الشديدة الاختصار والتركيز حول مراحل التقدم البشري على شكل تكوينات اجتماعية. فهو يذكر أنه بامكاننا أن نحدد في خطوط عريضة أساليب الإنتاج الآسيوية والقديمة والإقطاعية والبرجوازية الحديثة بوصفها مراحل مختلفة في تقدم التكوين الاقتصادي للمجتمع. ولم يناقش ماركس في تلك المقدمة التحليل الذي أفضى إلى وجهة النظر هذه. ولكن يمكن ملاحظة وجود فقرات متعددة في « نقد الاقتصاد السياسي » وفي كتاب « رأس المال » وبالذات المجلد الثالث تتضمن جزء من هذا التحليل الذي يلقي الضوء على صياغته المختصرة التي جاءت في مقدمة 1859 المشهورة.
وفضلا عن ذلك فقد اتضح بعد نشر مخطوطاته لعام 1857 – 1858. وذلك لأول مرة في عام 1939. أنه عالج هذه القضية معالجة تفصيلية وخاصة في الجزء الذي جرى نشره بشكل مستقل تحت عنوان « التكوينات الاقتصادية السابقة على الرأسمالية( ). Pre-Capitalist Economic Formations.
وإذا كانت هذه المخطوطات تلقي بالفعل الضوء على أفكار ماركس حول المراحل التي تمر بها التكوينات الاجتماعية فانها لا تلغي المجادلات والتفسيرات حول نظرية المراحل ذاتها. وهي النظرية التي لقيت دون أفكار ماركس الأخرى الانتقادات المختلفة وأيضاً التأويلات المختلفة حتى أثناء حياته. ومن هنا فقد رأينا ماركس يرد بنفسه على الانتقادات والتفسيرات والتأويلات التي رأى أنها خاطئة.
فمن جانب كانت الانتقادات مؤداها أن هذه النظرية تنتمي على فلسفة التاريخ ومن جانب آخر تعرضت لتفسيرات وتأويلات خاطئة تجعل منها فلسفة للتاريخ وتصور أن ماركس يضع التاريخ في مراحل خمس الزامية وهي الشيوعية البدائية، والعبودية، والإقطاعية، والرأسمالية، والشيوعية.
وهو الأمر الذي رفضه ماركس بشدة مع الرأي الآخر الذي يجعل من نظريته حتمية اقتصادية ترى أن تطور القوى الإنتاجية يؤدي بشكل ميكانيكي إلى تحول المجتمع وأن البنية الفوقية بالتالي لا تأثير لها. ولكن ينبغي معرفة أن ماركس عندما سلط الضوء على المراحل الكبرى في تطور المجتمع البشري، وهي المراحل التي أفضت إلى ظهور الرأسمالية، إنما كان يشير إلى خط تطور التاريخ، وبالتالي يقدم وسيلة مفيدة منهجيا للبحوث العينية. ولم يزعم ماركس مطلقا أنه يحدد مقدما نتيجة هذه الدراسات. بل حذر من الوقوع في هذا الخطأ. حيث كان يرى أن تجريداته لا قيمة لها إذا أخذت ف يحد ذاتها وجرى فصلها عن التاريخ الواقعـي( ).
كما أن ماركس أعلن صراحة أنه يرفض تحويل نظريته إلى فلسفة تأملية أو إطار تعسفي يتم إدخال التاريخ قسرا في نطاقه: فعندما رأى محاولة من هذا النوع قام بها عالم الاجتماع الروسي ميخالوفسكي كتب في عام 1877 خطابا إلى هيئة تحرير المجلة الروسية التي نشرت آراء ميخالوفسكي قال فيه ميخالوفسكي « يرى أنه ملزم بأن يحول تخطيطي التاريخي الأولي لتكوين الرأسمالية في أوروبا الغربية إلى نظرية تاريخية – فلسفية للمجرى العام الذي يفرضه القدر على كل شعب دون أي اعتبار لنوعية الظروف التاريخية التي يتواجد فيها هذا الشعب أو ذاك ولكن ينبغي أن اعترض. فقد أضفى على الكثير من الشرف، ولكنه في نفس الوقت احتقرني بتصويره هذا»( ) وبعد أن يسوق أمثلة تاريخية على أن حوادث متشابهة تفضي إلى نتائج متباينة بسبب وجودها في محتوى تاريخي مختلف، يؤكد ثانية «اننا لن نتمكن من فهم أي شيء إذا اعتمدنا بشكل كامل على نظرية فلسفية تاريخية تتمثل صفتها الرئيسية في أنها أصبحت فوق التاريخ»( ).
ولم تكن تلك المناسبة الوحيدة التي أعلن فيها ماركس مثل ذلك الرأي. فان مسودات خطابه إلى فيرا زاسوليتش في 8 مارس 1881 تؤكد نفس هذا الموقف. كما أنها تشير إلى أنه بالرغم من وجود اتجاهات عامة للتطور فان تلك الاتجاهات مفعمة بالاحتمالات فقد أرسلت إليه فيرا زاسوليتش تسأله عن رأيه حول المصير المحتمل للمشاعات الريفية في أوروبا وحول النظرية القائلة بأن جميع شعوب العالم لابد أن تمر بحكم الضرورة التاريخية بجميع مراحل الإنتاج الجماعي.
وحول النقطة الأولى جاء رد ماركس مستعرضا أوضاع تلك المشاعية الريفية في أوروبا وآسيا وأوضح بأنه «بالنسبة للطور الأخير» من التكوين البدائي للمجتمع فان الجماعية الزراعية هي في نفس الوقت مرحلة انتقالية للتكوين الثانوي، أي الانتقال من تجميع قائم على ملكية مشتركة إلى مجتمع قائم على ملكية خاصة. كما ينبغي أن ندرك بأن التكوين الثانوي يشتمل على سلسلة من المجتمعات قائمة على العبودية والقنانة»( )، ثم يستطرد بعد ذلك مبينا أنه ليست هناك حتمية لشكل الانتال بقوله:
« ولكن هل يعني هذا أن المهمة التاريخية للجماعية الزراعية لابد وأن تفضي حتما إلى هذه النتيجة ؟ لا، بكل تأكيد، فالازدواجية التي في داخلها تسمح ببديل آخر: فاما أن يتغلب عنصر الملكية فيها على عنصر الجماعية، واما أن يحدث العكس. فكل شيء يعتمد على الظروف التاريخية التي يجرى فيها ذلك»( ).
وفي موضع آخر في نفس خطابه يؤكد ما جاء في رأس المال( ) ومخطوطاته 1857 – 1858. فقد قال في خطابه المشار إليه أيضا أنه :
« بالنسبة لتحليل تكوين الإنتاج الرأسمالي أقول أن النظام الرأسمالي يقوم في جوهره على انفصال المنتج انفصالا جذريا عن وسائل الإنتاج ... ومصادرة ملكية المزارعين هي أساس هذا التطور. ولم يتم ذلك الانفصال بشكل جذري سوى في إنجلترا، ولكن جميع بلدان أوروبا الغربية تجتاز المسيرة ذاتها. ولذا فان حتمية هذه «المسيرة التاريخية» مقصورة دون أي لبس على بلدان أوروبا الغربية».
ونلاحظ ان كلمات هذا الخطاب تستخدم بعض مصطلحات «الأيديولوجية الألمانية» التي كتبها قبل تاريخ الخطاب بثلاثين عاما. ومثال ذلك تعبير «نظرية تاريخية – فلسفية عامة». كما أن هذا الموقف الذي يرفض الفلسفة التاريخية التأملية يتفق مع انتقادات ماركس العنيفة التي وجهها إلى «برودون» متهما أياه بأنه فيلسوف تاريخ.
ان ماركس يصور مراحل التطور الكلاسيكية (أسلوب الإنتاج الآسيوي، والقديم، والإقطاعي، والرأسمالي) على أنها نماذج تطور أساسية لعلاقات الإنتاج المعروفة في التاريخ. وتصوره هذا لا يعني أنه يضع جدولا يستوعب بشكل كامل كافة أنواع علاقات الإنتاج وأساليب الإنتاج، فالشيء الجوهري في نظرية ماركس هو أنه حدد خط التطور الأساس الذي أفضى إلى ظهور الرأسمالية، وخلق إمكانية ظهور الاشتراكية وكما يقول جان سوريه – كانال فانه لا ينبغي أن نضفي على هذا التعاقب معنى مشتطا ومتعسفا. فهو يعبر عن الاستمرار التاريخي (لا الجغرافي) الذي يقودنا من الشرق القديم إلى العالم الإغريقي – الروماني (الوسيط)، ثم إلى إقطاع أوروبا الغربية لينتهي بنا إلى الرأسمالية. وطريق التطور هذا له، بهذا المعنى، وبهذا المعنى فقط له قيمة شمولية. ومن الضلال والعسف أن نريد العثور عليه أينما كان. وعلى سبيل المثال، يبدو أن المرحلة الرقية كانت خاصة بالعالم الإغريقي الروماني، وان اليابان انتقلت إلى المرحلة الإقطاعية من دون أن تمر بذلك الطريق»( ).
وفضلا عن ذلك فان لتصور ماركس حول المراحل قيمة منهجية أخرى بالنسبة لدراسة بلدان الشرق. ويتمثل ذلك في طرحه لنموذج أسلوب الإنتاج الآسيوي بشكل متميز عن أساليب الإنتاج والذي وجد في آسيا وبلدان الشرق الأوسط وفي بعض مناطق أفريقيا. ولكن هذا الموضوع لم يحظ بالاهتمام أو الدراسة إلا بدءا من منتصف هذا القرن. ويرجع ذلك إلى عوامل :
فأولا : بالرغم من أن الصيغة المشهورة لماركس عن التكوينات الاجتماعية المختلفة تضمنت الشكل الآسيوي كنموذج رئيسي، إلا أن كتابات ماركس التي كانت معروفة لم يكن بها سوى إشارات قليلة حول ذلك الأسلوب الإنتاجي. وقد جاءت بعض تلك الإشارات في «رأس المال». ولكن بعد نشر مخطوطات 1857-1858 المعروفة باسم Grundrisse في عام 1939 اتضح أن هذا الموضوع شغل حيزا رئيسيا في ذلك العمل. ومن ثم بدأ الاهتمام بأسلوب الإنتاج الآسيوي انطلاقا من ذلك.
وثانيا : قامت مجموعة من الأكاديميين السوفييت بتنظيم مناقشة حول أسلوب الإنتاج الآسيوي بين عامي 1929-1931 في مدينتي تفليس وليننجراد. ولكن الحصيلة العامة للمناقشة أدت إلى اعتبار المجتمعات التي كان يسميها ماركس آسيوية ما بين مجتمعات عبودية أو إقطاعية. وتلك المجتمعات هي الشرق القديم والهند والمجتمعات المماثلة (إمبراطوريتنا الازتيك والاتكاني بأمريكا الجنوبية) والممالك الإفريقية التي كانت موجودة في المنطقة الاستوائية، ومجتمعات عديدة في الشرق الأقصى). وقد أثر وضع الثورة في الصين على تلك المناقشات خوفا من أن يفضي اعتبار أن الصين كانت في نطاق نظام الإنتاج الآسيوي إلى التشكيك في إمكانية انتقال الصين إلى الاشتراكية.
غير أن معظم المتخصصين السوفييت يرون الآن خطأ تلك النتيجة. بل أن بعض الذين شاركوا في تلك المناقشات ظلوا يدافعون خلال المناقشة وبعدها عن تميز ذلك الأسلوب الإنتاجي عن المجتمعات العبودية والإقطاعية. ومن أولئك يوجين فارجا. بل وظهرت كتابات عديدة تتناول هذا الموضوع.
وثالثاً : كان من عوامل تجدد الاهتمام بأسلوب الإنتاج الآسيوي ذلك التقدم في المعارف بشأن تاريخ المجتمعات القديمة في العالم غير الأوروبي. وعلاوة على ذلك ظهرت مشاركة عدد من الباحثين من البلاد التي يقال أنها تنتمي للإنتاج الآسيوي في الدراسات حول هذا الموضوع( ).
وتكمن أهمية ذلك النموذج لعدد كبير من البلدان النامية في أنه يتيح الانطلاق لفهم خصائص تطور تلك البلدان.

القسمات الرئيسية لأسلوب الإنتاج الآسيوي :
قام ماركس في مخطوطات 1857-1858، أي في «الجروندرسه، بتحليل سمات ذلك الأسلوب الإنتاجي بالتفصيل، خاصة في الجزء الذي يعرف باسم «التكوينات السابقة على الرأسمالية». وجاء هذا التحليل استنادا إلى دراسة الوضع في الهند بشكل خاص. وأوضح أن الإنتاج في تلك التكوينات ينظم في إطار المشاعات الزراعية أو القروية التي تكفي نفسها ذاتيا إلى درجة ما.
كما أن تلك التكوينات لا تعرف الملكية الخاصة للأرض. ذلك أن ملكية الأرض «ملكية جماعية يعاد توزيعها بين الأسر الموسعة والرعوية، تبعا لحاجاتها. حيث أن الناس يعتبرون أنفسهم ملاك الأرض المشتركين، كأعضاء في جماعة تنتج وتعيد إنتاج نفسها بالعمل الحي. ولا يعتبر الفرد نفسه مالكا أو متملكا (حائزا) إلا إذا كان عضوا في مثل هذه الجماعة بالمعنى الحرفي والمجازي للكلمة»( ).
غير أن الملكية الجماعية للأرض لا تعني أن ذلك التكوين الآسيوي لم يكن طبقيا. فقد ظهر جهاز أكبر فوق تلك المشاعات القروية، وهو جهاز تقليدي الشكل – بيت ملكي أو جماعي رعوية ضخمة بهذا القدر أو ذاك. ويتسم هذا الجهاز بالخصائص التالية :
أولاً : يظهر هذا الجهاز كشكل للدولة. وهو الذي يقوم بالاستغلال أساسا.
وثانياً: يظهر كرمز للمشاعة العليا التي تضم تحت جناحيها المشاعات الملحقة بها.
وثالثاً: يتسم هذا الجهاز العلوي بدوره المباشر في العملية الإنتاجية. ومن أمثلة ذلك دور الدولة في تنظيم الري. في بعض مناطق آسيا وأفريقيا، على نطاق أوسع من المشاعات القروية المحلية، وقد أفضى الاحتياج إلى عملية تنظيم الري إلى سهولة تركيز السلطة في أيدي مستبد يمثل التجسيد الأول للدولة. وكان هذا المستبد يبدو للأنظار وكأنه المالك الأعلى للأراضي(*).
وصف ماركس تلك الخصائص المميزة للبنية الفوقية انطلاقا من حديثه عن شكل علاقة الملكية الجماعية للأرض، «فحيثما كانت العلاقة الأساسية على ذلك النحو، فان ذلك الشكل يمكن أن يتحقق بأساليب متنوعة. وعلى سبيل المثال، فكما هو الحال في معظم الأشكال الآسيوية الرئيسية فان هذا الشكل يتوافق تماما مع حقيقة أن الوحدة الشاملة للكل التي تقف فوق كل تلك الجماعات المشتركة الصغيرة يمكن أن تبدو في مظهر المالك الأعلى أو الأوحد، بينما تكون الجماعات الواقعية متملكة بالوراثة فحسب. وطالما أن الوحدة هي المالك الحقيقي، فضلا عن أنها الشرط المسبق للملكية المشاعية، فانه من الممكن تماما أن تبدو وكأنها شيء منفصل وسام فوق الجماعات الفعلية الجزئية المتعددة. ان الفرد في هذه الحالة، هو في الحقيقة مجرد من الملكية وليس مالكا – أي أن علاقة الفرد بالظروف الطبيعية للعمل وإعادة الإنتاج، بالطبيعة غير العضوية التي يجدها ويجعلها ملكا له، الشكل الموضوعي لذاتيته – هذه العلاقة تبدو للفرد وكأنها لا تأتيه إلا عن طريق منحة من الوحدة الكلية. والوسيط في توصيل المنحة هو المشاعة المعنية. ويظهر الحاكم المستبد هنا وكأنه أب لكافة الجماعات، وبهذا يحقق وحدتها المشتركة»( ). ثم يواصل ماركس مشيرا إلى شكل الاستغلال بقوله: «ويستتبع ذلك أن فائض الإنتاج (الذي يتحدد، بالمناسبة، قانونيا على أساس التملك الفعلي عن طريق العمل) يعود إلى هذه الوحدة العليا. ومن ثم يبدو أن الاستبداد الشرقي يفضي إلى غياب قانوني للملكية. وعلى أية حال فان الحقيقة هي أن أساسها هو الملكية القبلية أو المشاعية التي يتم خلقها، في معظم الحالات بذلك الجمع بين الصناعة اليدوية والزراعة داخل المشاعة الصغيرة مما يجعلها مكتفية بذاتها كلية ومتضمنة كافة شروط الإنتاج وفائض الإنتاج.
« إن جزء من فائض عمل الجماعات يعود إلى الجماعة العليا، التي تظهر في نهاية الأمر كشخص »( ).
أما الشكل المميز للاستغلال فانه « يتم بتقديم فائض العمل في شكل إتاوة أو جزية tribute وفي شكل عمل مشترك من أجل مجد الوحدة العليا، وبالتالي مجد الحاكم المستبد ومجد الكلية القبلية المتخيلة للاله »( ).
كانت للعنصر الحي في عملية الإنتاج، أي الإنسان، أهمية كبرى في أسلوب الإنتاج الآسيوي. فهو الذي يتحقق به ذلك النمط من الملكية المشتركة. وهذا النمط يمكن أن يظهر في مظهرين: « فالمشاعات الصغيرة تعيش جنبا إلى جنب في استقلال، حيث يعمل الفرد داخل كل منها بصورة مستقلة مع عائلته على الأرض المخصصة له. ويكون هناك أيضا قدر من العمـل يخصص للمخزن المشــترك – كتأمين إذا جاز القول، ولتغطية نفقات الجماعة بصفتها جماعة، أي من أجل الحروب والعبادات الدينية، وما إلى ذلك. ولا تبرز سيطرة الأسياد بمعناها الأصيل تماما، إلا عند هذه النقطة. مثلما هو الحال بالنسبة للمشاعات السلافية والرومانية- نسبة إلى رومانيا (هنا يكمن التحول إلى العبودية). وثانيا، يمكن للوحدة العليا أن تتضمن تنظيما مشتركا للعمل ذاته، والذي يمكن بدوره أن يشكل نظاما حقيقيا veritable مثلما هو الحال بالنسبة للمكسيك وبشكل خاص بيرو وبين السيلتيين(*) القدماء Celts وبعض قبائل الهند»( ).
وأهم ما يمكن إبرازه من ذلك النص هو أن أسلوب الإنتاج الآسيوي يعني عند ماركس تكوينا متميزا يختلف عن العبودية. ويمكننا استنادا إلى ما سبق أن نحدد الخصائص الأساسية لذلك الأسلوب المسمى بالآسيوي فيما يلي :
1ـ عدم وجود الملكية الخاصة للأرض.
2ـ إن الإنتاج موجه أساسا للمعيشة، أي أنه يعبر عن اقتصاد معيشي يستند أساسا إلى الاكتفاء الذاتي، وعدم الانفصال بين الزراعة والصناعة. ويرى ماركس في ذلك الاكتفاء الذاتي (إنتاجا واستهلاكا في حدود القرية) سر ركود المجتمعات المسماة بالآسيوية.
3ـ ضعف مستوى تقسيم العمل.
4ـ لم يكن ذلك الأسلوب الإنتاجي قائما على العبودية. وكان الاستغلال يحدث في شكل ضريبة عينية. وأساسا بتقديم جانب من العمـل الإضافي سواء للمشاعة المحلية أو الدولة، وان كان ماركس قد وصف ذلك الاستغلال الذي يحمل طابعا شاملا وليس فرديا بأنه عبودية عمومية.
5ـ الانفصال لم يكن كاملا بين بنية الأساس والبنية الفوقية حيث كانت الدولة أو التنظيم الأعلى يساهم بدور مباشر في العملية الإنتاجية. والدولة أو من يمثلها هو المستغل الأول والقائد للمشاعات المحلية والمالك الرسمي الأوحد.
6ـ إذا كانت ظروف ومقتضيات تنظيم الري قد سهلت من تقوية السلطة المركزية فلا يعني ذلك أن ظهور ذلك الأسلوب المسمى بالآسيوي يتوقف على ظروف جغرافية. فليست تلك المجتمعات مجتمعات هيدروليكية على النحو الذي يقول به فيتفوجل. فأسلوب الإنتاج الآسيوي حسبما يقول جان شينو هو « مولة ينبغي تحديدها بالنسبة إلى الإنتاج ذاته، وينبغي أن تعبر عن العلاقات الاجتماعية المخلوقة تلبية لحاجات الإنتاج «وقانونه الأساسي» لا يمكن أن يظهر لا على مستوى تقنيات الإنتاج، على مستوى المقتضيات الجغرافية (الري، جفاف المناخ)، ولا على أشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي (الأرستقراطية القبلية، والبيروقراطية)، وإنما على مستوى الإنتاج عينه»( ).
لهذا يمكن القول انه ينبغي النظر إلى ذلك الأسلوب الإنتاجي كشكل نوعي متميز، كشكل من أشكال استغلال الطبيعة والإنسان معا.