أدباء حدتو طلائع مغردة بالوطن - عن فؤاد حداد وصلاح جاهين


أحمد القصير
الحوار المتمدن - العدد: 4621 - 2014 / 11 / 1 - 11:06
المحور: الادب والفن     

أدباء حدتو طلائع مغردة بالوطن
فؤاد حداد و صلاح جاهين
صفحات من كتاب "حدتو ذاكرة وطن" تأليف: د.أحمدالقصير

ارتبط بمنظمة حدتو أبرز المبدعين في عدة مجالات شملت الشعر والقصة والرواية والفن التشكيلي والفن السينمائي. وغني عن القول بأن أدباء حدتو كانوا أبرز الذين تغنوا بالوطن، وغردوا بالوطنية وتراثنا الوطني، وغرسوا روح الانتماء للوطن. وفي مجال الشعر نجد من أبناء حدتو وكوادرها الذين نشطوا في الجبهة الثقافية التي شكلتها وقادتها شخصيات طليعية مثل فؤاد حداد، صلاح جاهين، عبدالرحمن الشرقاوي، عبدالرحمن الخميسي، وكمال عبدالحليم. وفي مجال القصة والرواية هناك عبدالرحمن الشرقاوي، صلاح حافظ، محمد صدقي، لطيفة الزيات، يوسف حلمي، ويوسف ادريس. وهو ما أوضحناه من قبل. وقد استعرضنا في الفصول السابقة من هذا الكتاب أدوار الذين ارتبطوا بحدتو في مجالات الصحافة والفنون التشكيلية والفنون السينمائية بما في ذلك إخراج الأفلام الروائية والأفلام التسجيلية. وقد أسهم كل هؤلاء في إبداع ثقافة عصر بأكمله. وشاركوا في تشكيل عقل ووجدان المصريين وتطلعاتهم. وليس غريبا أن يتعرض الإبداع في بلادنا كل حين إلى هجمة تحاول خنق دوره في مجال تشكيل عقل ووجدان الشعب ووعيه. وربما لا يعرف الجيل الحالي أن الأدب والفن أسهما بشكل فعال في تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي لشريحة أساسية وفاعلة من المصريين وفي صياغة توجهات أساسية لفترة الصعود القومي في مصر في أعقاب الحرب العالمية الثانية وفي العقد الأول من النصف الثاني للقرن العشرين. وتمثل الثقافة المصرية التي صاغ جانبها الرئيسي الذين انتموا عضويا إلى حدتو، منذ أربعينات القرن الماضي، حاجزا رئيسيا في مواجهة التحديات وسياجا يحمي الضمير الوطني. كما يمكن القول بأن الوعي الفني والاجتماعي لمعظم الرموز المبدعة الآن في مصر قد تأسس بتأثير المناخ الذي أوجدته تلك الثقافة.
احتفت حدتو دوما بتراثنا وتاريخنا ورموز الوطن. وتغنى كتابها وأدباؤها واحتفوا، على سبيل المثال، بأحمد عرابي، محمد عبيد، النديم، الشيخ محمد عبده، مصطفى كامل، محمد فريد، سعد زغلول، سيد درويش، مختار، مصطفى النحاس، هدى شعراوي، بيرم التونسي، يوسف الجندي، فتحي رضوان، نجيب محفوظ، عزيز فهمي، محمد مندور، صبري أبوعلم وجمال عبدالناصر. لقد تم الاحتفاء بكل ما هو مبدع ومشرق في تاريخنا. فقد كان الاحتفاء بتاريخنا الوطني ورموزه الوطنية والفنية من التقاليد التي تميزت بها حدتو على نحو خاص. وقد اشترك فؤاد حداد وصلاح جاهين في الاحتفاء بهذه الرموز وفي صياغة ثقافة جديدة. ومن الأمور المثيرة للانتباه والفخر أن الأدوار الإبداعية المؤثرة للطلائع المغردة من أبناء حدتو بالشعب والتاريخ الوطني والوطنية قد برزت بينما كانوا في العشرينات من العمر. وفي مقدمة هؤلاء يقف فؤاد حداد وصلاح جاهين.
لقد تمتع صلاح جاهين بمواهب متعددة. وهو الذي ألف النشـيد القومي لمصر "والله زمان يا سـلاحي". وهو أيضا صاحب دواوين "كلمة سلام"، "موال عشان القنال"، "قصاقيص ورق" و"عن القمر والطين". كما أبدع "الليلة الكبيرة" و"الرباعيات" التي تتميز برؤية فريدة للحياة وطابع فلسفي عميق. وهناك ما هو مشترك بين فؤاد حداد وصلاح جاهين إضافة لما هو متفرد عند كل منهما. ومثلما عبر فؤاد حداد عن التراث الشعبي فإن صلاح جاهين عبر هو الآخر عن الوجدان الشعبي حسب تعبير فؤاد حداد. فقد قال في مقال له عن صلاح جاهين إن من يستمع إلى الليلة الكبيرة "ينعم بالمشاركة في الأصالة المصرية الأصيلة وفي الوجدان الشعبي الصميم".
شكل فؤاد حداد قفزة غير مسبوقة في الشعر العامي. وهو أيضا المناضل والراهب في حب مصر والقائل:
ليه قلبي مصري وعيني مصرية
وحياتي كلمة في خدمة الأوطان
سجنوني
قضى فؤاد حداد عدة سنوات في المعتقل أبدع خلالها الكثير من روائع شعره حتى دون أن يكون معه ورقة وقلم. وفي موال البرج يتحدث عن الاعتقال قائلا:
أربع سنين ودي خمسة الموت على مهلي
ولسه فاكر ومش ناكر علام أهلي
وساكن البرج والتهمة سياسية
مع النبي قلت كل الناس سواسية
ويعتبر ديوانه الأول "أحرار وراء القضبان" الصادر عام 1952 علامة في تاريخ شعر العامية. وكان الديوان صرخة للإفراج عن المسجونين السياسيين الذين قال على لسانهم:
إحنا الدموع إحنا العرق
إحنا الكتابة على الورق
إحنا اللي بنمشي الزمن
كما أن أعماله اللاحقة شكلت قفزات جديدة في مجال الشعر. ومن بين تلك الأعمال "الحمل الفلسطيني" الذي تضمن قصائد "لازم تعيش المقاومة"، "ازرع كل الأرض مقاومة"، "القدس"، "المسجد الأقصى"، و"الأرض بتتكلم عربي" التي تغنى بها سيد مكاوي. وللشاعر روائع عديدة تتمثل في دواوين أخرى من بينها "النقش باللاسلكي"، "من نور الخيال وصنع الأجيال فـي تاريخ القاهرة"، " بقوة الفلاحين وبقوة العمال"، "كلمة مصر"، "رقص ومغنى"، "موال البرج، و"المسحراتي". وقد أصدرت هيئة قصور الثقافة أخيرا، أي بعد وفاته بأكثر من عشرين عاما، سبعة مجلدات ضمت معظم شعره.
كان الوطن وحريته والكفاح من أجل الاستقلال والعدالة الاجتماعية والحرية والاحتفاء بالرموز الوطنية من القضايا الكامنة في شعر فؤاد على الدوام. واحتفى فؤاد حداد بنضال زملائه وتضحياتهم وبطولاتهم وإبداعهم وتعبيرهم عن أماني وطن. وقد وضع ديوانا كاملا في رثاء عدد من زملائه المناضلين عنوانه "أيام العجب والموت". كما عبر قبل ذلك عن الاحتفاء بنضال زملائه في الملحمة التي نظمها وهو في معتقل أبوزعبل في رثاء شهدي عطية بعد استشهاده نتيجة التعذيب "يوم15 من شهر يونيه سنة 1960ميلادية". وعلاوة على ذلك نظم ملحمة أخرى في أكتوبر 1985، أي قبل وفاته بأقل من شهرين، في رثاء الفنان حسن فؤاد احتفى فيها بنضال زملائه وما أبدعوه. وجاءت هذه الملحمة الأخيرة بعنوان "كل خطوة تسيب أثر.. كل البلاد تحني أشجارها". وقال فؤاد حداد فيها "أول الشعر كان إصرار أول رواية الأرض".
يقصد فؤاد حداد بذلك ديوان "إصرار" لكمال عبدالحليم ورواية "الأرض" لعبدالرحمن الشرقاوي. كما جعل "وصيفة" بطلة رواية "الأرض" تنطق بأبيات من قصيدة "إصرار" التي نظمها كمال عبدالحليم عام 1945. نطقت "وصيفة" بذلك عندما تطرق فؤاد حداد لدخول عدد من كوادر حدتو مدينة بورسعيد سرا للمشاركة في تنظيم المقاومة ضد قوات الاحتلال البريطاني الفرنسي عام 1956. وقد تم التسلل إلى المدينة عن طريق بحيرة المنزلة. قال فؤاد حداد في ملحمته:
والحارة الجوانية
فيها اجتماع خلية
ومظاهرة والا عيد
بكره لقمه هنية
والا النار والحديد
يا معدي المنزلة
وداخل بورسعيد
رافع راية المقاومة
ستة وخمسين نشيد
وصيفة بتغني– "نحن اليوم بركان".
غنت "وصيفة" هنا شطرة من بيت في قصيدة "إصرار" يقول:
إذا كنا شرارات فنحن اليوم بركان
يلاحظ أن فؤاد حداد جعل "وصيفة" تنطق أكثر من مرة بأبيات من قصيدة "إصرار". ومثال قوله في نفس ملحمته:
وصيفة بتغني– "ما للعبد اوطان"
لقد جمع فؤاد حداد في هذا البيت بين بطلة رواية "الأرض" لعبدالرحمن الشرقاوي وشطرة من بيت في قصيدة "إصرار" لكمال عبدالحليم يقول:
لقد ضاقت بنا الأوطان ما للعبد أوطان
أسهم شعر فؤاد حداد بدور أساسي في إرساء ثقافة وطنية، ثقافة تمجد تراثنا الوطني، ثقافة الاستقلال والعدل والحرية وخلاص الإنسان من الشقاء. وقد صور ذلك الشعر أشكالا عديدة من الاستغلال الذي يتعرض له الإنسان. ومثال ذلك الأبيات التالية، وهى من قصيدة عن إضراب عمالي عام 1953.
المطرقه ناحت على السندان
اتقسمت كتل الحديد قضبان
الرأسمالي بيملك الآله
الرأسمالي بيسجن الإنسان
الرأسمالي بيملك الآله
أغلال على استغلال على بطاله
يجعل حياتك يا فقير عاله
ويموّتك ويبيع لك الأكفان
وضع فؤاد حداد الشعر في مكانة جديدة وشاركه في هذا الإنجاز صلاح جاهين. وهو إنجاز أٍسهم في تطوير الشعر العامي وشارك في صياغة ثقافة عصر. وقد تحدث عن دورهما المميزين السياسي الشاعر كمال عبد الحليم منذ أكثر من خمسين عاما، أي في السنوات الأولى من مشوارهما الإبداعي. وكان ذلك في المقدمة التي كتبها لديوان صلاح جاهين الأول "كلمة سلام" الصادر عام 1955 عن "دار الفكر" التابعة لحدتو. فقد تحدث كمال عبد الحليم في تلك المقدمة عن السمات المميزة لشعر صلاح جاهين ومن بينها دوره في تطوير العامية. وقال في هذا السياق عن صلاح جاهين: "وهو إن كان ينبع من أشعار بيرم - التي كانت خطوة طيبة في تطوير العامية وفي البناء الفني الشعبي - وينبع من كثيرين من أصحاب التراث الذي نعتز به .. وإن كان يسير مع فؤاد حداد ساعدا في ساعد، وصرخة مع صرخة، ويتأثر به ويسير مع كثيرين من أصحاب الموقف الجديد من الشعب ومن الشعر.. إلا أنه يتفاعل معهم ويؤثر بدوره فيهم". وينبغي أن نوضح أننا وضعنا النص الكامل لهذا التقديم ضمن ملاحق هذا الفصل والتي تشمل أيضا مقالا لفؤاد حداد عن صلاح جاهين.
غاص شعر فؤاد حداد في التراث الشعبي، وقام بتطوير الشعر العامي على نحو غير مسبوق. وقد احتل هذا الشعر بفضله مكانة جديدة مع أن الذين سبقوه في هذا المجال كانوا عباقرة أيضا مثل بيرم. ويتغني شعره دوما بمصر وأهاليها العاديين وأعلامها ورموزها الوطنية والثقافية. وتناول شعره كل ذلك بغزارة وتدفق ناشرا روح الانتماء للوطن. ويكفي أن نشير إلي البيت الأخير من قصيدته عن البطل محمد عبيد الذي استشهد في معركة التل الكبير عام 1882 ضد الانجليز:
إيماني بالنصر قوة مصر بالإنسان

كما يقول في مطلع قصيدة عنوانها "مذهب أغاني النديم":
مصر يا مصر أنا داير
أزرع تاني الأرض بشاير
أزرع تاني الأرض أغاني
قد ما باشقي وقد ما اعاني
القى شجر ونظر ومعاني
شغل الحق ما فيهش خساير
مصر يا مصر
أظهرت أعمال عديدة لفؤاد حداد أنه غاص في التراث الشعبي. ومن بين تلك الأعمال "المسحراتي" التي لحنها وغناها سيد مكاوي في شهر رمضان على امتـداد سنوات عديدة. ويمثل شعره نظرة فريدة للتراث امتزجت بمكونات ورؤية عصرية لنهضة مصر وتحررها سعيا إلى العدل وكرامة الإنسان. وهو القائل:
يا صبر ناقصك إيه لقمة عيش والا دقيقة ظلم
الشومة حكومة
واجه فؤاد حداد مصاعب كثيرة من بينها التعرض للاعتقال والصمت تجاه عمله الإبداعي. وكان يتألم لعـدم نشر الجزء الأكبر من شعره. كما كان يؤرقه تجاهل التطوير الذي أحدثه في شعر العامية. وأشار بنفسه إلى ذلك التجاهل. وقد أهدى بعض القصائد التي كتبها عام 1982 إلى بعض الأصدقاء قائلا: "إلى خيري شلبي ومحمد كشيك وكل من يريد أن أنصف حيا". كما قال لي أكثر من مرة: "لن تعرفوا قيمة شعري إلا بعد وفاتي". ولا أعتقد أنني الوحيد بين أصدقائه الذي سمع منه ذلك.
عرف فؤاد حداد قيمة شعره وأنه شديد التفرد. وكان ينبه الجميع إلى أن شعره باق وخالد. وعند صدور ديوانه "الحمل الفلسطيني" أهداني في 23 فبراير 1985 نسخة وكتب في الصفحة الأولى كلمات تقول: [إلى أحمد القصير.. أخي دائما أبدا.. لا أزال أقرأ "وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت" شعري أنفاسها تحت التراب ويوم القيامة].
كان الجميع يدرك القيمة الفنية الكبيرة وغير العادية لفؤاد حداد وأنه أحدث طفرة في شعر العامية. لكن النقد الأدبي التزم الصمت تجاه ما حدث. ومن اللافت للانتباه أن أحمد بهاء الدين قال في رثائه لفؤاد حداد بجريدة الأهرام "إنه من الذين سيصبح حجمهم الفني أضخم مائة مرة بعد وفاتـه وأنه من الذين كتبت الأقدار أن لا يشهدوا تمجيد إنتاجـهم ودراسته والتغني به وتخليد صاحبه".
إن ذكرياتي كثيرة عن فؤاد حداد على امتداد سنوات طويلة كان بعضها في معتقلات أبوزعبل والواحات لكنها نادرة عن صلاح جاهين. وبالرغم من ذلك فهي شديدة الوقع على نفسي. كما أن بعضها يرتبط بفؤاد حداد أيضا. ويمكن أن أشير إلى واقعتين: الأولى في ديسمبر 1985 أي قبل وفاة صلاح جاهين بما يزيد قليلا على أربعة شهور. وترتبط الواقعة الثانية بمقابلة الفنانة سعاد حسني في 1992 التي تحدثت عن هذا الفنان العظيم بكلمات تحمل دلالات إنسانية عميقة. شاهدت صلاح جاهين لآخر مرة في منزل فؤاد حداد في ديسمبر 1985 في ذكرى مرور أربعين يوما على وفاته. وقد تجمع مساء ذلك اليوم عدد من الأصدقاء مع أفـراد أسرتي فؤاد حداد وصلاح جاهين. وفي التاسعة والنصف ليلا تقريبا غادر صلاح جاهين المنزل بمفرده. وعندما غادرت منزل فؤاد حداد في الحادية عشرة والنصف فوجئت بوجود صلاح جاهين يتمشى في أحد الشوارع المجاورة. وسرت معه بعض الوقت وسألته عن بقائه في الشارع طوال تلك المدة. وأجاب بكلمة "دنيا". ولم يزد على ذلك. ونطق تلك الكلمة وكأنه يكلم نفسه. وبقيت معه دقائق معدودة وتركته في خلوته في أحد الشوارع الهادئة. وكانت تلك هي المرة الأخيرة التي شاهدت فيها هذا الإنسان العبقري الذي جسد الكثير من أحلام أكثر من جيل والذي رددت مصر نشيده "والله زمان يا سلاحي". فقد توفي بعد ذلك بعدة شهور.
كان صلاح جاهين يحمل تقديرا خاصا لفؤاد حداد ويدرك القيمة غير العادية لشعره. وعبر عن ذلك احتفاؤه بطريقة فريدة بخروج فؤاد حداد من المعتقـل في الشهور الأولى من عام 1964. فبعد الإفراج عن فؤاد حداد من المعتقل قام صلاح جاهين بتقديمه لقراء جريدة الأهرام على نحو نادر المثال. فقد ترك صلاح جاهين في أحد الأيام المساحة التي ينشر فيها يوميا أشعاره ورسومه الكاريكاتيرية لفؤاد حداد قائلا إنه يتنازل عن تلك المساحة اليوم إلى أستاذه رابع شعراء العامية في مصر ابن عروس والنديم وبيرم وفؤاد حداد. وترتبط الواقعة الثانية الخاصة بذكرياتي عن صلاح جاهين بلقاء الفنانة سعاد حسني في عام 1992 عند على الشوباشي في باريس. وجرى في ذلك اللقاء حديث تناول بعض الذكريات عن صلاح جاهين. وحكيت في ذلك اليوم عن آخر مرة شاهدت فيها صلاح جاهين في ذكري الأربعين لوفاة فؤاد حداد. وكان تعليق سعاد حسني بالغ الدلالة حيث قالت "كان صلاح جاهين يتألم ويعاني في صمت ولم ينتبه المحيطون به، بل كنا دائما نحط عليه كل همومنا وكأنه جبل". إن من يتتبع شعر صلاح جاهين سيدرك معنى كلمات سعاد حسني هذه. كما أن بعض قصائده مثل "غنوة برمهات" تعبر بصدق شديد عن شخصية صلاح جاهين ومعاناته النابعة من أوضاع وهموم عامة. وقال في تلك القصيدة لزملائه "في البيت اللي بلا لبلاب ولا ياسمين"، أي الذين كانوا في المعتقل:
ملعون في كل كتاب يا داء السكوت
ملعون في كل كتاب يا داء الخرس
الصمت قضبان منسوجين عنكبوت
يتشندلوا الخيالة فيه بالفرس
يتشندلوا الخيالة واشحال بقي
عصافير غناوي ملونة رقيقة
حياتها في الزقزقة
وأنا قلبي طير خير إن ما غناش يموت
آه يا حلاوتك يا نسيم شهر توت
القفل ساح في الصيف خلاص وانهرس
رفرف يا طير قلبي على بيوت بيوت
قول للي في البيت اللي بلا لبلاب ولا ياسمين
يا أم العيون اللي كلامهم رزين
والشفتين اللي ابتسامهم حزين
يا صاحبة الحيرانين
صاحبك يحبك من سنين من سنين
وحياة ليالي الحنين
والفجر والسهرانين
والصبح والعشمانين
والضهر والعرقانين
والعصر والتعبانين
والمغرب المرعب وما فيه من عذاب مجانين
ما ودعك صاحبك ولا خان هوى
ولا من هلاك الحب قال يا نجا
مهما انضنا وابتلا
ولا عمره قال يا أنا
تشهد عليه الأرض قبل السما
إنه أمين
وجه صلاح جاهين "غنوة برمهات" إلى أصدقائه وزملائه المعتقلين آنذاك بسجن الواحات الخارجة وكان بينهم فؤاد حداد أيضا. وقد حرص أيضا أن يقول لهم:
يا قلبي يا مليان
قول للي في البيت الصفيح، افتحوا
صاحبكم الغايب رجع، صحصحوا
صاحبكم اتلطم كتير، اصفحوا
يا ساكنين الصفيح
استبشروا، وافرحوا
أنا مانيش المسيح
عشان أقول لكم
طوبى لكم غلبكم
لكني باحلف لكم
باحلف بكم .. وباقول
الدنيا كدب ف كدب، وأنتوا بصحيح

كان غياب زملاء صلاح جاهين وراء أسوار المعتقل يؤرقه. وتغني بهم في شعره. ومن الغريب أن يقول البعض كلاما يتجاهل هذه الحقيقة. ونعني بذلك زعم صنع الله ابراهيم في كتابه "يوميات الواحات" أن خروج صلاح حافظ من المعتقل عام 1963 حرك بعض المواجع وأثار كثيرا من القلق عند يوسف إدريس وصلاح جاهين. فقد كان صنع الله يتحدث عن يوسف إدريس وقال في صفحة 250 من كتابه:
"ولعل خروج صلاح قد حرك بعض المواجع وأثار كثيرا من القلق. وقد تعرض صلاح جاهين الذي كان علي علاقة وثيقة بحدتو قبل حملة الاعتقالات لأزمة مماثلة". لقد أخطأ صنع الله في هذا الرأي. فإن الإفراج عن صلاح حافظ بعد فترة طويلة قضاها في السجن لم يصب لا يوسف إدريس ولا صلاح جاهين بالقلق، ولم يحرك لديهما المواجع. فمن جانب نجد أن صلاح حافظ ينتمي إلى نفس جيل يوسف إدريس وناضلا معا في حدتو. وحقق كل منهما مكانة بارزة في الحياة الأدبية والثقافية وطريقا مميزا خاصا به. ومن جانب آخر فإن صلاح جاهين تألم لوجود أصدقائه ورفاقه في المعتقل وتغني بهم حسبما أوضحنا آنفا. كما تغني في إحدى قصائده بالزميل صلاح حافظ شخصيا بوصفه أحد الرموز السياسية والثقافية بين الشيوعيين المسجونين والمعتقلين في الواحات قائلا:
يا ساكنين الواح صباحكو رباح
صحبة صلاح حافظ يا عقل صلاح
كان صلاح جاهين يرى أن هؤلاء الزملاء يمثلون مصر وضميرها. مصر التي كانت عنده "أحب وأجمل الأشياء" حسبما جاء في ملحمته "على اسم مصر" والتي قال فيها:
مصر.. الثلاث أحرف الساكنة إللي شاحنة ضجيج
زوم الهوا وطقش موج البحر لما يهيج
إن دور نشر حدتو هى التي نشرت أيضا الديوان الثاني لصلاح جاهين "موال عشان القنال". كما أن صحافتها العلنية هي التي نشرت أول قصيدة له بالعامية. ونعني بذلك قصيدة "القمح" التي نشرتها "الكاتب" عام 1951، كما تم نشرها فيما بعد في ديوان "كلمة سلام". وقد كتبها صلاح جاهين في شهر سبتمبر من ذلك العام بمناسبة الكفاح المسلح آنذاك ضد القوات البريطانية بمنطقة قناة السويس. وكان مطلعها:
القمح زي الدهب بينادي شرشرتك
وزرعة القطن مستنية منقرتك
وقد تغنى صلاح جاهين في تلك القصيدة بالفلاح قائلا:
يابو العيال العيال ع الفرن نعسانين
حاضنين لعبهم جمال باركة وعرايس طين
والصبح يابو العيال حا يقوموا فرحانين
لو كنت منتاش هنا لا قدر الله يوم
كان مين حا يفرح قلبهم بالمحبة مين
كما تضمنت القصيدة أكثر من مقطع عن الاحتلال وأفعال جنوده التي تقوم بتقليع الزرع وخطف اللقمة من أولادنا وذبح الناس:
وكل ما يفوتوا تحصل معركة حامية
ونصبح الصبح والشهداء فايتينا
دعا أيضا صلاح جاهين الفلاحين إلى المقاومة المسلحة بأبيات تقول:
لو كنت عايز تعيش في سلام وحرية
لو كنت عايز تعيش للزرع والميه
لو كنت عايز تعيش وتربي ذرية
ق‍‍‍وم طهر البر بالخنجر والمدفع
من جنس انجليزي دوده في أرض مصرية
كان لذلك الشعر أكثر من وظيفة من بينها الاحتفاء بالتاريخ ورموزه، والدفاع عن مبدأ المواطنة، وبث روح التنوير، والدفاع عن كرامة الإنسان في وجه التخلف والقهر والاستغلال، والدعوة للمقاومة دفاعا عن الوطن وأهاليه. والتغني بروح الانتماء الوطني. وعلى هذا النحو كان الإسهام في وضع وصياغة ثقافة مرحلة جديدة من تاريح مصر. ثقافة الاستقلال الوطني والمساواة وإلغاء الاستغلال وبناء حياة جديدة. وما تزال هذه الثقافة تقوم بدور الحماية في وجه عمليات وأد تطلعات مصر وتفكيك كيانها ونسيجها الاجتماعي الثقافي. وقد كانت كل التوجهات الثقافية الفكرية التي أشرنا إليها آنفا كامنة دوما فيما أبدعه الأدباء والفنانون من أبناء حدتو. وكان في طليعتهم صلاح جاهين وفؤاد حداد. وإن الإبداع المتفرد لكل منهما جعلهما طلائع مغردة بالوطنية وحرية الإنسان.
د.أحمد القصير