بارادوكس مأساوي لدى اليسار التاريخي


نقولا الزهر
الحوار المتمدن - العدد: 3319 - 2011 / 3 / 28 - 07:42
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

بارادوكس لدى اليسار التقليدي التاريخي
المفارقة تكمن في أن الشيوعيين واليساريين التقليديين والتاريخيين بشكل عام من أكثر الناس الذين تكلموا ويتكلمون عن قوانين الديالكتيك وعلميتها وموضوعيتها،ومن اكثر الناس الذين يتكلمون عن خطر وسوء عبادة الفرد هذا على المستوى النظري؛ لكن على المستوى التطبيقي والعملي كان هؤلاء من أكثر الناس الجاحدين بموضوعية قوانين الديالكتيك وخاصة قانون التراكم الكمي يؤدي إلى تغير كيفي،وكذلك قانون نفي النفي، وأما فيما يتعلق بعبادة الفرد فحدث ولا حرج فهم من أكثر الذين روجوا لعبادة الشخصية ومارسوها على المستوى العملي. ولماذا نذهب بعيداً فستالين كرس عملية التحنيط وعاد إلى عهد الفراعنة وفي الواقع قائد الثورة لينين كان قد أوصى أن يدفن بعد موته إلى جانب والدته في مقبرة العائلة. ومن ثم قلد الرفاق البلغار الرفاق السوفييت وحنطوا القائد المعادي للفاشية جورجي ديمتروف في الساحة الرئيسة في صوفيا وإذا انتقلنا إلى الصين، فكلنا يتذكر قضية الكتاب الأحمر الذي وصل الأمر لان يستخدم في أواخر أيام ماوتسي تونغ في الاستطباب ومن يلمسه يشفى من الأمراض المستعصية.وأما في كورية الشمالية فمصير قوانين الديالكتك ونفي النفي وقانون التراكم الكمي يؤدي إلى تغير كيفي ومسألة عبادة الشخصية فهو منقطع النظير، وبدأنا نسمع بألقاب جديدة للرئيس كيم ايل سونغ وابنه من بعده كيم جونغ ايل من نمط النجم الساطع والقمر المنير والشمس المشرقة. وإذا انتقلنا إلى أميركا اللاتينية لنرى قائداً بحجم كاسترو وقيمته التاريخية فهو لم يتوان عن البقاء في الحكم نصف قرن بالكمال والتمام وقد تملكته ذهنية غريبة بأن الشعب الكوبي لا يمكن أن ينتج قائداً نظيراً له وهذا ينطبق على شافيز فهو يريد تعديل الدستور ليبقى رئيساً لمرة ثالثة ورابعة. ولكن هذا المشهد اليساري وجدناه بالمواصفات ذاتها في كل الأنظمة العربية(الثورية واليسارية)،في كل من مصر وسورية والعراق واليمنين الجنوبي والشمالي والسودان وليبيا وتونس والجزائر.وقد توصل الأمر بالقذافي لأن يقول :أنا المجد أن الثورة أنا ليبيا.ولذلك علينا ألا نستغرب فاليسار التاريخي في العالم العربي والأحزاب الشيوعية التقليدية وكذلك على المستوى العالمي،يتحسر الآن على انهيار الأنظمة العربية الشمولية المتسلطة ويتباكى على القذافي وكتابه الأخضر، ويرتعش من الثورات العربية الشعبية الراهنة من أجل الحرية وكل هذا باسم التصدي للأمبريالية الأميركية، في الوقت الذي كثير من زعماء هذه الأنظمة تربطهم بالولايات المتحدة علاقات وتحالفات قوية وحميمة.والغريب في هذا النمط من اليسار أنه لم يفكر مرة واحدة في أن تراكم الاستبداد والفساد والقمع وتقديس الفرد يؤدي إلى تفجر هذه الأنظمة ولايعتقد على الإطلاق بموضوعية قانون نفي النفي وانتهاء الصلاحية.ولكن في النهاية لا يمكننا إلا أن نحيي بعض القادة الاستثنائيين من هؤلاء الثوريين التاريخيين مثل نيلسون مانديلا ولولا في البرازيل ففي التجربة العملية تبين أن هذين الزعيمين العظيمين يؤمنون بالحرية والديموقراطية بشكل عميق.