محمد سيد رصاص في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: التنمية والاحتلال, الاحزاب الشيوعية في العالم العربي


محمد سيد رصاص
الحوار المتمدن - العدد: 3192 - 2010 / 11 / 21 - 13:39
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

أجرى الحوار : فواز فرحان

من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا – 15 - سيكون مع مع الأستاذ محمد سيد رصاص حول:  التنمية والاحتلال, الاحزاب الشيوعية في العالم العربي.


1- كيف يمكننا تقييم حالة المجتمعات العربية في غياب نظرية واضحة تتفق وقيم هذه المجتمعات،فهي تنفر من الشيوعية ،ولاتستسيغ الليبرالية،وتعادي الأصولية الإسلامية؟..


 أعتقد أن هناك التباسات في السؤال:أولاً ليس هناك من نظرية تكون مفصَلة لكي تتفق وقيم هذا المجتمع أوذاك،بل تقاس كل نظرية بمدى قدرتها على ايجاد حامل اجتماعي في مجتمع محدد عبر تعبيراتها السياسية.ثانياً،إن توصيف السؤال بأن هناك نفوراً عربياً من الشيوعية،وعدم استساغة من الليبرالية،وعداءاً للأصولية الإسلامية،لايتفق مع الوقائع،ففي 1أيار1959استطاع الحزب الشيوعي العراقي أن ينزل مظاهرة ضمت مليون شخص في بغداد،وكان في لحظتها على احتكاك مع حاكم العراق اللواء عبدالكريم قاسم وفي حالة صدام مع القوى القومية العروبية،كماأن شعبية الأحزاب الليبرالية العربية،مثل"الوفد"المصري و"الشعب"السوري و"الإستقلال"المغربي،كانت ظاهرة عيانية تاريخياً،ومن الواضح في العقود الثلاثة الأخيرة أن الحركات الإسلامية الأصولية هي ذات الإمتداد الأقوى في الشارع العربي.
إذا أردنا الدخول في جواب السؤال فحالة المجتمعات العربية لاتقاس بغياب النظرية الواضحة،وإنما تحدد بطبيعة المرحلة،التي هي من الواضح أنها،عبر الأمثلة المصرية والسورية والجزائرية والعراقية المجهضة أميركياً عبر الإحتلال،هي مرحلة انتقال من (رأسمالية الدولة)نحو(اقتصاد السوق)،وذلك في أنماط من الأنظمة العسكرية بدأت عربياً مرحلتها في يوم23تموز1952بالقاهرة،وكانت قيامها تعبيراً عن قدم قدرة الأحزاب الليبرالية العربية على قيادة المجتمعات العربية نحو الطريق البرجوازي الأوروبي الغربي الكلاسيكي،بكل مايتضمنه من تصنيع واصلاح زراعي وتمدين الريف،لـتأتي أنظمة،عبَرت عن مصالح فئات بينية في الريف والمدينة،لتقود هذا التطور عبر السترة العسكرية.
إن أنظمة مابعد23تموز1952،وعبرنموذج(رأسمالية الدولة)،قد أنشأت خريطة طبقية جديدة،في بعض البلدان العربية،أومازالت في طور التبلور في بلدان أخرى،وكل الواقع السياسي الراهن في تلك البلدان هو محكوم بطريقة الترجمة السياسية والإقتصادية والثقافية والتشريعية لتبلور هذه الخريطة في هذا البلد (مصر،مثلاً)،أوبإتجاهها نحو استكمال التبلور في بلدان عربية أخرى.
إن وضعية القوى السياسية العربية،بمختلف تلاوينها،ستكون محدَدة وفقاً لموقعها الذي ستختاره أمام هذا التطور الذي تجتازه المجتمعات العربية المذكورة في مرحلة الإنتقال المذكورة.



2- هل ترى أن الإحتلال أخذ يستفيد من تجاربه السابقة ويغيِر أساليبه في العصر الحديث،كمايحدث في العراق وأفغانستان؟...

أهم تطور في تجربة الإحتلالات المعاصرة،التي نراها الآن في العراق وأفغانستان،هو سعي المحتل ،قبل وأثناء عملية الإحتلال ومباشرة بعدها،إلى تأمين غطاء محلي للإحتلال(سواء كان رقيقاً أوسميكاً،لافرق عند المحتل مادامت الدبابة ستتكفل عملياً بكل شيء)وقد رأينا هذا أولاً عبر"تحالف الشمال"الأفغاني بعام2001،ثم في بغداد2003حيث أعطت خريطة"مجلس الحكم"،الذي أنشأه بول بريمر بعد ثلاثة أشهر من سقوط العراق بيد الأميركي،صورة عن حجم"الظهير المحلي" للإحتلال الأميركي.هذا دون أن نتحدث عن مدى استقطاب واشنطن،والدوائر الغربية التي لاتشمل فقط الحكومات وإنما أيضاً المنظمات"اللاحكومية،لكثير من المثقفين والكتاب العراقيين في مرحلة1991-2003،والذي قال سعدي يوسف في احدى مقالاته بأن تلك الدوائر الغربية قد تفاجأت برخص أسعارهم فيماكانت هي مخصصة لإستقطابهم ميزانيات أعلى.
التطور الثاني المهم،هو محاولة الإحتلال تأمين بيئة اقليمية مساعدة للإحتلال:حصل هذا من قبل باكستان والهند وايران في احتلال أفغانستان2001،وفي 2003عبر تعاون ايران والسعودية والكويت وقطر والأردن ومصر مع المحتل الأميركي لبلاد الرافدين.


3- هل تعتقد أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001قد أسهمت في تجاهل الدور الإسرائيلي في المنطقة،أم ساهمت في بسط نفوذه بشكل أكبر؟..

كان مجيء الولايات المتحدة بقواتها مباشرةإلى المنطقة مؤدياً إلى تهميش دوراسرائيل ،التي كانت أدوارها أساسية بالوكالة عن واشنطن في حربي1967و1981وفي ضرب المفاعل النووي العراقي عام1981. نلاحظ،هنا،أن دور الوكيل الإسرائيلي قد عاد للإنتعاش مع بداية استعصاء المشروع الأميركي ،خلال عامي2005و2006،وهو الأمر الذي دفع وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليسا رايس للقول في الأسبوع الأول من حرب تمور2006"بأن هذه الحرب هي آلام مخاض ضرورية من أجل ولادة الشرق الأوسط الجديد"،وهو بالتأكيد ماكان اخفاق إسرائيل في مهمتها تلك بحرب2006سبباً مضافاً لعودة الوكيل الإسرائيلي لمزيد من التهميش ،أوتناقص الأهمية الإستراتيجية،وهو مابدأ منذ نهاية الحرب الباردة ثم ازداد مع الحضور العسكري الأميركي المباشر للمنطقة. ربما،في هذا المجال،كان الحماس الإسرائيلي الظاهر من أجل ضرب ايران ، الآن، هو من أجل الإثبات لواشنطن بأن وظيفة تل أبيب،كمخفر أمامي في المنطقة للغرب الأوروبي حتى1956ثم واشنطن منذ عام1964، هي أساسية ولايستطيع الغرب الإستغناء عنها.
 

4- لماذا اختفى وهج الثورات الاجتماعية في عالمنا العربي،لاسيما بعد انهيار المشروع اللينيني؟...

لاأعتقد بأن الموضوع متعلق بالتجربة السوفياتية،بل بتطورات داخلية في المجتمعات العربية،تتعلق بمدى تبلور وتموضع الطبقات والفئات الاجتماعية في عملية الإنتقال من (رأسمالية الدولة)إلى(اقتصاد السوق)،وبرؤية طبقات وفئات لتضررمصالحها من مجرى هذه العملية.


5- ماالذي تغيَر في نهج الأحزاب الشيوعية في العصر الحديث بعد انهيار التجربة السوفياتية؟...

لم تجر مراجعة جدية حتى الآن لتجربة مابعد أوكتوبر1917عند أي حزب شيوعي،وإنما الجميع مازال،ولعقدين مضيا من الزمن،في حالة صدمة معنوية،وهو مايترجم في شكل انتظاري مهدوي(= "سيعودون"كماقال المرحوم خالد بكداش في عام1992،وهو مايعني أن التجربة خالية من الأخطاء،وأنها سقطت بحكم مؤامرة أميركية- صهيونية كان أدواتها قياديون في الحزب الشيوعي السوفياتي بمرحلة البيريسترويكا)،أوفي منطق تبريري(= النظرية "الماركسية اللينينية"صحيحة،ولكن حصلت أخطاء في التطبيق نتيجة"ديكتاتورية الحزب الواحد أوالقائد الفرد"وغياب الديمقراطية).
لم يوجد حتى الآن،في الأحزاب الشيوعية، أي خروج من هذه الثنائية المغلقة ،يؤدي إلى فتح المجال نحو تجديد في الرؤية الماركسية السياسية،كمافعل لينين بين عامي1914و1917تجاه تجربة "إفلاس الأممية الثانية"،حيث يواجه الماركسيون- الشيوعيون افلاساً للتجربة اللينينية السوفياتية منذ عام1991وذلك بعد انهيار تجربة 74عاماً.