صورة لهذا الوطن


عفراء الحريري
الحوار المتمدن - العدد: 2415 - 2008 / 9 / 25 - 10:07
المحور: المجتمع المدني     

نصنف نحن في الجنوب خونة، انفصاليون، متآمرون على الوحدة، نعمد على زعزعة الثوابت الوطنية ومسسنا باستقرار الأمن العام والسكينة، وفيما تعمم قوائم بأسماء المطلوبين للاعتقال في إعتصامات الجنوب المطالبة بالحقوق، لم يصدر في قوائم المطلوبين، نصف إسم للاعتقال من الشمال، "مع الاعتذار لأولئك اللذين واللواتي يشاركون ويشاركن الجنوب وأهله همومهم، ألمهم وأوجاعهم".
هذه المفارقات جزء صغير من الفوارق الكبيرة في إطار المواطنة غير السوية والعدالة الغائبة يجعلنا نتساءل بحسرة وحيرة: هل هذه الوحدة التي تعمدت بالدم؟ هل هذه الثوابت الوطنية؟ هل تبعث هذه الفوارق على الاستقرار العام؟ وهل يجدي أن نقف أمامها متأملين بصمت وخوف واستسلام لهذا الاستلاب الواقع علينا في ظل الزعم بأن قاعدة " الوطن للجميع "، والمفترض من خلاله أن نصبح فيه مواطنون متساوون في سلم المواطنة... ؟؟؟.
فعلى ماذا تستند المفارقات والوطن واحد للجميع؟ لماذا يتم التصنيف بيننا وبينهم ؟ فمن يرغب منا في تكدير استقرار أمننا وأماننا؟ ومن منا الانفصالي الخارج عن الثوابت الوطنية ؟! من ذا الذي يريد والتي تريد زعزعة الثوابت الوطنية حتى لاتكون الوطنية ثابتة في ظل مواطنة متساوية، عدالة حاضرة ووطن تصان فيه كرامة المواطن بلا استثناء لأنه وطن الجميع؟؟.
نحن نسعى لذلك جهارا في نضال سلمي لم نتجاوز حدود الشريعة والدستور والقانون ولا الأعراف أو الفضيلة، ومع ذلك نجد فوارق بين الشمال والجنوب والجنوب - الجنوب! والاسوء أن تلك المفارقات شملت حتى منظمات المجتمع المدني الخاصة بحقوق الإنسان تحديدا في إطار الوطن الواحد. وبذلك نخلص من هذا الملخص إلى أن لدينا بالفعل قضية في الجنوب أو قضية جنوبية وليس بالضرورة أن تكون هذه القضية خاصة بأهل الجنوب جميعا ، لأننا في الجنوب ضد بعضنا البعض بضراوة أكبر وأشد ( أخشى أن أفند التسمية فتحسب ضدي وضد ثوابتي الوطنية ووطنيتي وانتمائي له دون سواه).
نحن نأبى أن يكون هدفنا من تقديم هذا الملخص إثارة المزيد من البغض لنا أو الحقد علينا، ولكنا نريد لفت الانتباه إلى ما آلت إليه القيم والأخلاق في إطار الثوابت الوطنية؛ فلا فائدة من التصنيف ذاك خائن وهذا وطني!. لا فائدة من التفريق بين الجنوب والشمال والجنوب والجنوب، لا فائدة من الاعتقالات، الاختطافات، الاغتيالات وتلفيق التهم، لا فائدة من الترهيب والترغيب والرثاء والنحيب على أمجاد وأخلاق الماضي البعيد من فوق منابر الإعلام والمؤسسات الدينية عن الفضيلة. ويعرف الجميع مدى تهاوي مصداقيته لأننا لا نستطيع العودة إليها، أو استعادتها، في ظل ذلك الرعب، العنف والفساد؟، فالذي حدث ويحدث في اليمن هو من أخطر ما مر بها منذ عصور طويلة.
نحن لسنا مع الذين يزعمون أننا نعيش ثقافة العنف، الغدر، أو ثقافة البلطجة، وإن وجدت، إننا نعيش ثقافة الغش، الكذب، الكسل، الاتكاليه، اللامبالاة، ثقافة أنا ومن بعدي الطوفان، نعيش ثقافة الخوف من قول الحق والاستسلام للظلم، ثقافة البقاء للأقوى، الدسيسة والفتنة، ، ثقافة الفوارق، الطبقات، المناطقية والطائفية. ولأنها الثقافات الأكثر سلبية فيسهل انتشارها .
والخطر الحقيقي يكمن في هذا التدهور الأخلاقي الذي ستنتقل عدواه للأجيال القادمة. ويحدث ذلك حين لا تكون المواطنة متساوية، العدالة غائبة والثوابت الوطنية خاصة بالبعض وتستثني وتنفي الأخر، ودلالة أخرى أخطر من العنف والسلاح هي الاعتداء على الأمهات، عقوق الوالدين ، الاغتصاب والقتل ..وهلمجرا .
إن مصدر فساد القيم و انحلال الأخلاق هو من كان منوطا به إرساء القيم، والمتمثل هنا بمنظومة النظام والقانون، الذي فقد سيادته الى جانب ان القضاء فقد هيبته إلا على الضعفاء من الناس تعودوا على المدنية وليس لدى أهلها قبيلة، والحديث عن الفساد، الرشوة، استغلال النفوذ ونهب الثروات هو حديث عما آلت إليه الأخلاق أساسا .. وعندما يدخل الإنسان في الحديث، من باب الأخلاق، يجد نفسه في ملعب السياسة، الحضارة والمستقبل مجبرا مضطرا لا لأنه سياسي وإنما وطني! لهذا أصبح لدينا ملف (أنا وأقراني من نساء الجنوب ممن لا شأن لهم بالسياسة)؛ فهل يا ترى إزالة الفوارق بين الناس والمطالبة بالحقوق المشمولة بالمواطنة المتساوية، سيادة القانون، استقلالية القضاء، تأسيس المنظمات واللقاء في التجمعات، المنتديات والملتقيات لمناقشة مستقبل هذا الوطن والأجيال القادمة هي التي تضر بمصلحة الوطن؟
إذا فقدان وانعدام كل ذلك ماذا يسمى؟ ماذا يكون ؟ فهل الفساد، الرشوة استغلال النفوذ، سلب الحقوق، نهب الثروة والخيرات، عدم المساواة والإنصاف، غياب العدالة، وامتهان عزة الإنسان وكرامته، هي من الثوابت الوطنية؟ هل هذه المنظومة الأخلاقية للثوابت الوطنية، التي ستحافظ على الوطن وستجعلنا وحدويين؟.
نحن في حاجة، إذا، إلى تعريف جديد للأخلاق يناسب العصر دون التصنيف فيما بين الجنوب والشمال والجنوب والجنوب، التفرقة والتمييز فيما بيننا وبينهم وبينكم، دون الترغيب والترهيب والتهديد، الاعتقالات، دون الاتهامات في أحكام مسبقة ومغلفة؟ نحن بحاجة لمعرفة هذا الوطن؟ المعرفة هي صورة نحتاجها لهذا الوطن بقدر ما نتصور أنها لا تكفي وقد يساء استعمالها أيضا . ...