أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نادر قريط - آراء وإنطباعات حول نشأة المسيحية والإسلام ؟















المزيد.....

آراء وإنطباعات حول نشأة المسيحية والإسلام ؟


نادر قريط
الحوار المتمدن-العدد: 1923 - 2007 / 5 / 22 - 11:17
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


واحدة من الدراسات المذهلة، التي صدرت عام 1991م عن باحثين هما( Leigh & Beigent) خلُصَت إلى أن ذكر أو ورود إسم مدينة الناصرة في الإنجيل ينمّ عن سوء تفاهم كبير، فالمسوحات الآركيولوجية، تثبت أن المدينة أنشأت في زمن الحروب الصليبية، أي بعد عام1096م!!
بعد هذا الخبر المقلق لبعض الإخوة المؤمنين، وبعد ست مقالات عن التقويم الميلادي ، ونشأة المسيحية ، ولغز الإسلام المبكر، وجدت أن ألملم الموضوع، لذا أستميحكم عذرا لو توقفت قليلا أمام الأفكار الرئيسية ثانية، قبل أن يضيّع الخيط والعصفور. ماطرحته في مقالات سابقة، عبارة عن آراء لنخبة من الباحثين، الذين ينظرون إلى مدوّنات التاريخ الوسيط بعين الريبة والشك، فقد أتاح تطور علم (نفس وإنتربولوجيا) التاريخ، وعلوم المقارنة، لاكتشاف آليات عمل المخيال، وأساليب النقل الشفهي التي سادت إبان هيمنة الفكر الميثولوجي، فما نملكه من وثائق ومخطوطات، مجرد نسخ عن نسخ، تعرض أصلها إلى الضياع والتلاعب والنحل والإختلاق. فالتاريخ الذي صاغه كتّاب السيّر الإسلامية، وكتّاب المشينا والمدراشا اليهودية، وكل الجداول الزمنية لتاريخ الحقب والأمم والملوك، التي صممتها الكنيسة بواسطة سكاليغر وبيتو ( في القرن 16 و17 م ) ماهي إلا صدى بعيد وإنطباعات لأحداث وقعت وليست تاريخاً لأحداث فعلية. وللتذكير أدرج أهم النقاط التي تعرضت لها:

1 أطروحة الألماني هربرت إيليغ( عام1998م) عن وجود فجوة زمنية، في التقويم الميلادي تبلغ 297سنة، حددها بين 614م و911 م، ومنها استنتج أن الحقبة الشارلمانية ورمزها الأكبر، مؤسس المسيحية الأوروبية شارلمان (بحدود 800 م) فترة شبحية مختلقة وخالية من التاريخ.

2 أدلة توبر التي تؤكد أن الفجوة أكبر بكثير، فنشوء الدوغما المسيحية حدث قبيل القرن العاشر ميلادي ، بما فيها تثبيت الأناجيل الأربعة، وإختلاق كتابات الأنتيكا في الأديرة، وبالتالي فإن القرون الوسطى التي إمتدت بين القرن الخامس(القديس أوغسطين ) وإختراع الكتابة في القرن الخامس عشر( أشعار دانتي ) أشبه بحبال مطاطية أو فترة محشوة بالزمن الشبحي، وهي في الحقيقة أقصر من ذلك بكثير.

أما على الصعيد الإسلامي فقد تناولت آراء غونتر لوليغ عن بناء الكعبة، ونظريتة حول أصلها المسيحي، واعتبار اللات والعزة ومناة مريمات عربيات، وبالتالي خروج الإسلام من عباءة مسيحية آريوسية، ورفضه فكرة التمدد العسكري السريع ( الفتوحات الإسلامية ) وبعدها تطرقت إلى آراء اللاهوتي الإسباني بلاثيو، وفيلسوف التاريخ الفرنسي أوليك، التي تدحض فكرة إحتلال العرب الأندلس عام 711م وتردها إلى أقاويل وقصص ضبابية، ساهم إختلاقها ، في تبرير حروب إستعادة الأندلس ( ريكونكويستا) التي شنتها الكنيسة.
وأخيراً تعرضت إلى آراء توبر، التي تؤكد أيضا نشوءً متأخرا للإسلام، إذا يقول بإختصار:
إن أوروبا لم تسمع بالإسلام، قبل نهاية القرن التاسع، حينها فقط بدأ اللاهوتيون يذكرونه في نصوصهم، وخير شاهد على ذلك أغنية رونالد التي ألفها الشاعر تورولد، إبان الدعوة للحروب الصليبية 1096م، والتي تقدم لنا إسلاماَ غير الذي نعرفه اليوم، فالأغنية تشير إلى ثلاثة آلهة للإسلام محمد، آبولين، ترفاجنت (آبولين رمز لآلهة شيطانية، ورد في رؤيا يوحنا )، أما أسلمة إيران فقد أصبحت نافذة بجدارة عام 1003م، وهو العام الذي نودي بمحمود الغزنوي، سلطانا على المؤمنين، إلى ذلك الحين كان السلطان يحتضن الشاعر الوثني الفيروزي صاحب الشاهنامة ( كتاب الملوك )، وهي أغنية البطولة العظيمة للوثنية الإيرانية، وكذلك فإن أقدم أثر كتابي عربي في إيران، بالخط الكوفي ، يرجع إلى عام 955م، وقد انتصب بجانب كتابة وثنية فارسية بالحروف الوسطى الساسانية، وكذلك الأمر فإن أولى وأقدم الشواهد الأركيولوجية والمخطوطات المقنعة، في الأندلس تعود لعصر عبدالرحمن الثالث الذي اعتلى عرش الخلافة القرطبية عام 911م، أما في مركز السيادة العربية، فهنالك دلائل غزيرة على نشوء متأخر للإسلام، وبهذا المقام نذكر القصور الأموية المبنية على طراز الأنتيكا المتأخرة، مع تزيينات ساسانية تقليدية، ولوحات لايمكن أن توصم بالإسلامية كما هو الحال مع قصر الماشطا، الذي يُظهر نقوش لنساء عاريات ومصارعين، وآلهة أسطورية وخلفاء يطوّق رؤوسهم، ضوء الإله أهورا أمازدا، أما في قصور سامراء فتوجد صلبان وأغصان كرمة ورموز مسيحية.
والخلاصة المهمة التي يصل إليها الباحث: حتى عام 930م لم يُعثر بعد على أثر يؤكد وجود منظومة إسلامية دوغمائية، كالتي تصفها لنا كتب التاريخ ومدوّناته.
ماذا يعني ذلك؟؟ هل يعني أننا أمام زمن شبحي إسلامي موازي للزمن الذي طرحه هربرت إيليغH. ILLIG ، ماذا يقفز إلى مخيّتلنا إذا سقط شارلمان من حبل التاريخ؟ هل تسقط ساعة هارون الرشيد التي أهداها إليه. أم أن هارون سيسقط هو الآخر؟ إذا أدرنا السؤال : هل يملك الإسلام تاريخا حقيقيا بين عام600م و900م ؟؟ أم أننا أمام حبال( قرون) مطاطية إسلامية علق عليها الطبري وكتّاب السير دواوينهم الشعرية( التاريخية )؟ هكذا!! أيمكننا ببساطة ترك بدايات الإسلام في مهب الريح؟؟ ماذا عن الفتوحات وموقعة الجمل وصفين؟؟ ماذا عن الدولة الأموية ونصف الدولة العباسية؟؟ إن الإجابة على هذا السؤال الخطير والمزلزل، أو مناقشة القرائن، عملية تدور في في إطار التكهنات والفرضيات، ومن الصعوبة أن نجد قولا فيصلا، لكن المعري قال لنا يوماً :
أما اليقينُ فلا يقينَ وإنما أقصى إجتهاديّ أن أظن وأحدسا
لذا اسمحوا لي أن أظن وأحدس وأسجل الإنطباعات التالية :
ثمة سؤال يراودني منذ زمن: كيف لنا أن نتحقق من مدوّنات التاريخ؟ هذا ممكن لو كان المرء أمام، سندات ملكية عقارية أو شهادة ميلاد، فدائرة الطابو أو الأحوال الشخصية، تحتفظ بسجلات مناسبة للتحقق.. لكن ماذا نفعل إذا عثرنا على مدوّنة تاريخية تسرد صفحات طوال عن خلق الكون، وتجادل الأسلاف والأخلاف، إن كان الله خلق الأرض يوم الأحد أو يوم الخميس. هل نسمي هذا تاريخا؟ هل نستطيع أن نتيقن من أحاديث وروايات قوّلت الأصنام والجن وأنطقتهم شعرًا ونثراً، أو قصص نقلها الرواة من فم أبليس ( أدامه الله ذخرا لأمتنا )؟ هنالك من وصف العماليق (قوم من نسل الأنس والجن ورد ذكرهم بالتوراة) برجال أقدامهم على الأرض، وهاماتهم في السماء، يلتقطون سمك البحر ويطهونه على قرص الشمس. من يقرأ تاريخ الفتوحات المبكرة، ويسمع المعجزات، وكيف كانت الجيوش تطوي الأرض تحت أقدامها طياً بسرعة الضوء، يتذكر معجزات يهوى، وكيف أوقف الشمس في كبد السماء ليطيل نهار (الجنرال) يوشع أثناء اجتياحه لخط كنعان( نهر الأردن) ويتذكر كيف حلّ الروح القدس، بتلامذة المسيح ( الأميين)، فطفقوا يتكلمون بكل لغات الأرض بما يعجز عنه المترجم الآلي لجوجل. هل يندرج هذا في عداد التاريخ؟؟ في فجر الإسلام، يروي لنا الموروث عن معركة نشبت بين عليّ وعائشة قرب البصرة، سميّت بموقعة الجمل، خلال سويعات قليلة قّتل عشرة آلاف رجل( مايعادل ضحايا مصر في حرب أوكتوبر عام1973) !!، فهزمت أم المؤمنين، وتم تسليمها مكسورة الخاطر إلى أخيها الذي كان في معسكر عليّ، وبعد أن هبط غبار المعركة أقيمت الصلاة على أرواح القتلى وتم دفنهم؟( دفن هذا العدد في زمننا، عملية باهظة حتى على الصليب الأحمر الدولي ) وقبل أن تبرأ الجروح قرقع السلاح ثانية ودارت معركة صفين بين معاوية وعليّ، وتنازل الفرسان، وصالت الرجال. لكن القارئ العادي البسيط، يلاحظ أن مبارزة الفرسان لم تكن بالسيوف، بل كانت بالقصائد!! لأشهر طويلة وقفت الجيوش الجرارة عند الفرات تنشد قصائد المديح والفخر؟ والهجاء والذمّ، بيت ببيت وميمية تصارع نونية، وبحر طويل يسطّر ملاحمه أمام بحر وافر ، ثم انتهت تلك المعركة (المجازية)، بالتحكيم المعروف الذي قسّم الإسلام إلى شيعة وسنّة. ثم تبدأ معارك دامية أمام الخوارج؟؟ أناشدكم بأعز ماتملكون، ألا تأتوني من أرض تلك المعارك بقطعة سيف مكسور، أو بعضد رمح تالف، أو بلجام مهر أو حصان أو نبل قوس أو مكان قبر لضحية..هل يعقل أن تدور تلك المعارك ، ولا أثر لها على الأرض!! أجل حصلت في التاريخ البشري، نزاعات ما، في وقت ما، ومثيلها يحدث بين القبائل في كل مكان وزمان!! لكن ألا ترون أن المخيّلة والأسطرة، وحاجة النفس البشرية إلى كل غريب عجيب مدهش حوّلها إلى حروب تشيب لها الولدان.

عندما أقرأ للدكتور القمني، أشعر ببهجة وغبطة ومتعة، فالرجل من خيرة الباحثين السجاليين، الضالعين في نقد الموروث، وربما تكون لغته الساخرة الساخطة والرشيقة، حافزًا إضافياً لقرائته. في كتابه المتأخر: أهل الدين والديمقراطية، شعرت أن مناكفاته مع الإسلاميين، بدأت تنحو بعيدا عن المنطق، وبدت آراؤه مشحونة بالعصبية والتوتر، والسطحية. رأيته يستنجد بنفس الموروث والقصص الأسطورية، التي يستخدمها خصومه السلفين ، وينبش نفس الحكايا التي تزكم الأنوف. على بعض صفحات من كتابه المذكور يعيد علينا تفاصيل، قصة من قصص الفتوحات المبكرة للعراق، التي كان خالد ابن الوليد بطلها والتي تروي قتله لآلاف من نصارى العراق؟ وملخص الحكاية، أن النصارى نكثوا بوعدهم الذي قطعوه لخالد ، فأقسم أن يسيل دمهم أنهارا، ولكي لايحنث بقسمه( الشعري المجازي) جمعهم وأخذ يقطع رقابهم، لكن دماءهم لم تكن تجري بسبب تخثرها على الأرض، وهكذا استمر الذبح حتى هبّ أحد بالمشورة، فنصحه أن يفتح ماء النهر، فتجري بدمائهم، وبهذا يكون خالد ابن الوليد قد برّ بوعده وقسمه، وبلاغته الشعرية. والسؤال: هل تقصّى القمني مثل هذه الروايات البدائية عن ذلك الزمن ، أليس من واجبه كباحث تمحيص الروايات قبل أن يتخذها حجة بوجه خصومه؟ ألم يتساءل من أين لهذا الأعرابي، الذي قطع الفيافي، بمعدة خاوية من أين له القوة لبتر رقاب الآلاف، وأية سيوف مرهفة تلك التي صنعتها تكنولوجيا قريش لتقوم بالمهمة؟ سبعون ألف قتيل يا للهول؟ إنه رقم يفوق ضحايا القنبلة النووية على ناكازاكي، ويقترب من عدد قتلى معركة العالمين بين رومل ومونتغمري، هل كانت تلك الآلاف المؤلفة من نصارىالعراق خرافاً تساق للذبح مطأطأة الرؤوس؟ كيف حدث ذلك، ونحن نرى بأم أعيينا اليوم، بضعة آلاف من قبائل العراق، وهم يدوّخون أمريكا وترسانتها الحربية؟ فإذا كان الإسلام المبكر بهذه الوحشية والدموية، لماذا بقيّ النصارى حتى عام 1860م يشكلون نصف سكان دمشق القديمة( مركز الخلافة الأموية ) والموارنة أكثر من نصف لبنان؟ ولماذا كان اليونان والأرمن الأرثودوكس واليهود، حتى بُعيد الإنقلاب الكمالي، يساوون نصف سكان استانبول عاصمة الخلافة العثمانية ( المتعصبة)؟أما كان على باحث كالقمني أن يترفع عن هذا الإسفاف، فما الفرق بينه وبين أبي حمزة المصري، إذا كان كل منهما يُخرج بعضا من زبالة التاريخ ويرميها بوجه الناس!!
تربيت في طفولتي في خربة ( نسبت إلى القائد الروماني إيب من القرن الخامس ) عشش بها أجدادي بعد نزوحهم من جبل حوران في القرن الثامن عشر. كل ما أحاط بنا من أسوار وأحجار كان رومانيّا، أينما مشينا في سوريا كنا نتعثر بتيجان الأعمدة الكورنثية وأطلال العصر الروماني المتأخر. لم أتساءل قط عما تركه أجدادنا. فكلمة عرب تشتبك في ذهني بشكل فصامي، وكما يقول الكاتب العراقي سليم مطر في ( الذات الجريحة ) كلمة العرب تختلط بين مفهوم بدوي،
وأخر حضاري راقي للهوية، بين أهل وبر وعرب تركوا قصر الحمراء في الأندلس؟
من يتمشى في دمشق( عاصمة الخلافة) لابد يكتشف أن كل الآثار الإسلامية تعود إلى عصر الزنكي والأيوبي والعثماني( بين القرن 12و19م) وباستثاء الجامع الأموي، فلاشيئ يدلّ على الإسلام المبكر، حتى هذا الجامع فإن القصص المنسوجة حوله، وإقتسامه مع النصارى بادئ الأمر، ثم قصة البلطجة المنسوبة للوليد بن عبد الملك، الذي أمر قيصر بيزنطة بإرسال الأموال والحرفين لبنائه،( وإلا سيكسر القسطنطينية على رأسه ) وبرغم كل الحشو القصصي الأسطوري، فإن أسس هذا الجامع وجدرانه تثبت إستمرارا للأنتيكا الرومانية (معبد جوبيتير).
عندما كنت أمشي في بغداد خلف جامع الحيدرخانة ووسط شارع الرشيد، كنت أتساءل عن قصور البرامكة وأين أقام المأمون حفل زفافه الشهير على رباب، وأين سلكت المراكب المحملة بالحطب، لإحراقها تحت قدور ولائم العرس؟ وأين نكح هارون والمعتصم آلاف الجواري؟؟ لاشيئ سوى مكان يسمى بالمدرسة المستنصرية ( من القرن 12م ) وأماكن قليلة أخرى. أين العصر الذهبي، وأين آلاف الحمامات والمساجد التي شقت مآذنها السماء؟ لاشيئ( حتى ابن جبير في رحلته المشهورة إبان العصر الأيوبي حوالي 1170م، يصف بغداد بمدينة كبيرة متهالكة أكلها الزمن وفقدت بريقها) ربما كان حل اللغز بإلقاء اللوم على المغول، وتدميرهولاكو للمدينة عام 1258م؟ لكني لست مقتنعا تماما فالمغول الذين ألقوا المكتبات في النهر، وذبحوا الرجال، وسبوا النساء. لم يأكلوا جدران المباني وقرميد السطوح!! لابد أن نعثر على شيئ يدل على بريق هذه المدينة وعصرها الذهبي، هل يُعقل أن يذوب أكثر من قرنين( بين750م 968م) كالصابونة، لمدينة كانت الأكبر في العالم؟ نظرية أخرى، تجزم بأن العرب لم يكونوا قط أهل عمران، خصوصا وأن ابن خلدون( كثر الله من أمثاله ) يصفهم بالوحشية، فهم مستعدون حسب رأيه أن يهدموا قصرا، إذا لزمهم حجرا، يضعونه تحت القدر!! البعض الأخر يعزوها إلى البناء الطيني ( الآجرّ)، الذي لايقاوم قساوة الأزمنة؟؟ لكننا نعلم أن تدمير سنحاريب وكورش لمدينة بابل لم يزلها من الوجود؟ ولم تلغي آثارا أكثر قدماً ، ومبنية من الطين، كسومر ولكش وإيبلا وماري. لماذا بقيت آثار كسرى في المدائن( طيسفون عاصمة الساسانيين ) القريبة من بغداد، وبقي طوقه الطيني شامخا، يغالب الزمن؟؟ في مصر أيضا لانرى من الإسلام المبكر شيئاً ، جلّ مافيها يعود للعصرالفاطمي ( ابتداءا من القرن العاشر م )، ثم المملوكي. حتى الجامع المنسوب إلى عمر بن العاص( حبيب الشيعة والأقباط) فلا أعرف عن تاريخيته غير الحكايا والأقاويل الجاثمة في المدوّنات، فقط الجدار الخارجي يعكس ( طابعا قديما) أما الأعمدة الداخلية فهي جديدة، وتعود للعصر المملوكي أوعصرالوالي ( بورتلاند سمنت).

بعد هذه الإستطرادات والإنطباعات، يظل السؤال مفتوحا للباحثين والدارسين ، فكاتب السطور ليس مؤهلا، إلا لأبداء ظنونه، وشكوكه، فالقرون الثلاثة بين 600م و900م موجودة قطعا في المدوّنات بإسهاب وتخمة قصصية، لكني لست متأكدا من الأرض فقد تقول كلاماً آخراً؟؟ وكما يقال الماء تكذب الغطاس. لهذا تسعى نخبة من تيار الباحثين والمؤرخين الجدد، برسم ملامح تلك العصور البعيدة، وكشف زواريبها المعتمة. فقصص أخبرنا فلان عن أبيه عن جده عن أصمّ ابن الأبكم أنه سمع قال: لم تعد مقنعة كثيرا. مانفريد تسيلر(M. Zeller) وتوبرTopper كانا من السبّاقين في استطلاع المنطقة البيزنطية العربية الفارسية، واستطاعا لفت النظر إلى وجود زمن شبحي في الكرونولوجيا الإسلامية، كما في المسيحية الأوروبية. وكذلك كان شأن الباحث أولريخ نيميتسUlrich Nemiez في كتابه بيزنطيات وزمن شبحي ( إصدار 1994) فهو يقدم صورة عن ثقب أسود، ويصل إلى قناعة بحثية مفادها أن النشاط الكتابي والعمراني قد توقف في بيزنطة بين 600و900ميلادي، وقد تم ردم هذه الفجوة بالتخمينات والمضاربات!! في كتابيه: الخلافة الأموية(إصدار 1993) ، وإيران في الزمن الإسلامي المبكر(إصدار 1993) يؤشر تسيلر إلى وجود نفس الزمن الشبحي مع بعض الإختلاف، فخلال العصر الأموي بين 661م و750م هنالك صورة غير إسلامية في القصور والعمارة الأموية حيث تظهر صور الملك الفارسي خسرو الثاني مرسومة على الجدران وهو يقدم الهدايا للأمويين( علما أن خسرو مات قبل ذلك الوقت بمائة عام) ، ثم تظهر صور خسرو الثاني على العملات العربية ، التي يفترض أن عبدالملك بن مروان بدأ بسكها عام 695م. عليه فإن تسيلر يعتقد بوجود حقبتين شبحيتين في الكرونولوجيا الإسلامية إحداها صغيرة نسبيا ( 78 سنة ) تقع بين عامي 583م و661م والأخرى هي الأطول( 218سنة ) وتمتد بين عامي 750م و 968م لهذا تعتقد أنجيلكا مولر A. Mullerفي كتابها المعنون: شارلمان وهارون الرشيد، تبادل ثقافي بين ملكين عظيمين( إصدار 1992) أن هارون الرشيد وسلالته إختلاق قصصي، عليه فإن هؤلاء الباحثين على قناعة بأن الإسلام لم يبدأ فعلياً قبل القرن العاشر الميلادي!!!!! أخيرا أود لفت نظر (من يهمه الأمر)، إلى الروح الكتابية لعصر الكلاسيكيات العربية من ابن المقفع والجاحظ إلى التوحيدي والأصفهاني وغيرهم، فهي تعكس في تراكيبها اللغوية، وبنائها السيمانتي، إعجابا شديدا بالتراث الوثني الفارسي وإنبهارا بالثقافة والحكمة والبذخ الأسطوري لملوك فارس، وتمجيدا( مكبوتا ) بالروح المجوسية، وإغفالا تاما للمسيحين، حيث تظهرهم كأفراد معزولين، يخدمون دواووين (الترجمة والطب ) وليس كجماعات دينية كبيرة، وهذا يؤكد (رأي الشخصي) نشوءً متزامناً لمؤسستي الدوغما، وبالتالي فإن الحروب الصليبية كانت تتويجا لنضوج التشكّل العقائدي، الذي وجد تعبيراته في إنقسام Schisma نشأ على أساسه عالما المسيحية والإسلام.
في الختام، وبعد أن أثقلت على الأخوة المؤمنين وأغلظت عليهم، أرجو منهم المعذرة وأتمنى لهم من أعماقي جنّة سعيدة، أنهارها جارية وقطوفها دانية.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- لغز الإسلام المبكر 2
- الخديعة ( نشأة المسيحية )2
- الخديعة ( نشأة المسيحية )
- التقويم الميلادي مرة ثانية
- لغز الإسلام المبكر
- قناة السفنكيرة
- أكذوبة التقويم الميلادي
- حوار أديان أم شخير نيام
- مؤتمر ( الزفت ) في زيورخ
- رثاء وطن - بمناسبة الذكرى الرابعة لسقوط الأقنعة
- أنا والحمار والقمة العربية
- حكاية مع الماغوط
- كلمة نادر قريط في مؤتمر الأغلبيات في الشرق الأوسط !!
- حول تطبيق الشريعة الإسلامية في ألمانيا
- من قتل رفيق الحريري؟
- لمن لا يهمه الأمر
- ياصابرين ...للصبر حدود
- ظاهرة اللسان الداشر
- ( أمة إقرأ ) عليها السلام
- العراق وكوميديا اللغة


المزيد.....




- خامنئي: على الدول المسلمة أن تتحد ضد أمريكا
- مشروع قرار يهودية إسرائيل أمام البوندستاغ الألماني
- مستشار شيخ الأزهر لـ (الزمان): نحذر من دين جديد يروج للإلحا ...
- فعاليات? ?وهيئات? ?الموصل? ?تشيد? ?بمكرمة? ?الإمارات? ?في? ? ...
- الجوقة البلهاء تردد أن لليهود حقا في قدسنا
- كوريا الجنوبية ترفع أعلام إعادة التوحيد الوطني -تحفيزا- لنجا ...
- الجيش النيجيري يريد تحويل معقل -بوكو حرام- إلى موقع سياحي
- لمَ يُقتل رجال الدين المسيحيون في المكسيك؟
- لمَ يُقتل رجال الدين المسيحيون في المكسيك؟
- بيع خطاب يكشف عن معاداة الموسيقار الألماني فاغنر لليهود


المزيد.....

- كتاب(ما هو الدين؟ / حيدر حسين سويري
- علم نفس إنجيلي جديد / ماجد هاشم كيلاني
- مراد وهبة كاهن أم فيلسوف؟ / سامح عسكر
- الضحك على الذقون باسم البدعة في الدين / مولود مدي
- فصول من تاريخ الكذب على الرسول / مولود مدي
- تفكيك شيفرة حزب الله / محمد علي مقلد
- اماطة اللثام عن البدايات المبكرة للاسلام / شريف عبد الرزاق
- المتأسلمون بين نظرية المؤامرة والشوفينية / ياسين المصري
- سوسيولوجية الأماكن الدينية بين البنية المزدوجة والوظيفة الضا ... / وديع جعواني
- وجة نظر في البحث عن ثقافة التنوير والحداثة / ياسين المصري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نادر قريط - آراء وإنطباعات حول نشأة المسيحية والإسلام ؟