أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - جهاد صالح - دولة القانون













المزيد.....


دولة القانون


جهاد صالح
الحوار المتمدن-العدد: 1856 - 2007 / 3 / 16 - 10:27
المحور: المجتمع المدني
    


( إن شرط الديمقراطية, حتى تسود,هو سقوط الأقنعة كلها,وليس فقط القناع الأبشع)

شهيد الصحافة سمير قصير.
حينما نتحدث نحن دعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط عن الحريات وحقوق الإنسان والانتخابات النزيهة, وسيادة القانون, والمجتمع المدني, وحرية الصحافة والكلمة, وكذلك استقلالية القضاء ونزاهته, ووجود دستور عصري وديمقراطي يكون الحامي للحقوق, يتبادر إلى أذهاننا قناعة جميلة هي أن كل ذلك يمكن أن نجده داخل ما يسمى ب(دولة القانون والمؤسسات).
إننا كشعوب نعايش الاستبداد بثقافاته السوداء منذ أزمان, نشعر بالألم حينما نشاهد ونرى الكم الهائل من الديمقراطيات والحريات وحقوق الإنسان في المجتمعات الأخرى, كما في أوربا وأمريكا ودول العالم الحر والمتحضّر, ونفتقدها نحن داخل المجتمعات النامية, ونعيش رهبة وحزنا وكأننا خارج كوكب الأرض.
في ظل مجتمعات نشأت بشكل غير طبيعي,وسلطات وأنظمة جثمت وما تزال على الحياة العامة ومرافق الدولة, في ولادات قيصرية, حصلت نتيجة الظروف الدولية والإقليمية وتلاقي المصالح في محراب السياسة, على حساب حرية وإرادة الشعوب ورغما عن أنفها, كل ذلك تحت نزعة من الهيمنة الأمنية والعسكرية والانقلابات البوليسية حيث قانون الغاب والبندقية وعصا السجّان.
ولتظل شعوبنا ودولنا الثكلى تعيش تحت رحمة ذهنية العسكر والأنظمة الديكتاتورية الشمولية التوتاليتارية ذات الفكر الأناني والفردي.ودون أي اكتراث بقيم وإرادة الأفراد والمواطنين الذين هم أساس المجتمع والدولة, ولتدفع شعوبنا سنوات طويلة من الحرمان والسجن والقتل والإرهاب في سبيل إعادة الاعتبار للدولة كشخصية اعتبارية حاضنة للكل من الأفراد والسلطات والحقوق من خلال القانون والدستور, ورغم هذا ظلت قناعاتنا ثابتة وجنوحنا نحو الأفكار الحرة ومجتمع الديمقراطية لأجل قانون الحرية والإنسان, وإنشاء دولة الحق والقانون والمجتمع الحر والديمقراطي, ووضع أسس الدولة المدنية والدستورية, يكون عمادها القانون والتشريع والقضاء العادل والكلمة الحرة, هذا ما نحلم به ونعمل لأجله, دولة القانون, دولة يعيش فيها جميع المواطنين سواسية تحت مظلة من الأحكام والقوانين التي تنظّم الحريات وإدارة شؤون الدولة, وتكون السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية مستقلة عن بعضها البعض, ويكون القانون هو الحاكم والمنظّم لأمور الحياة بموجب دستور شفاف وحضاري, من هنا كان لابد أن نكسر كل جليد الاستبداد والقهر ونعمل لأجل دولة القانون والمؤسسات, ولابد للجميع أن يعي ماذا تعني دولة القانون وهنا علينا أن نتطرّق لبدايات نشوئها وظهورها في سبيل نشر ثقافة دولة القانون والمؤسسات وحرية الإنسان داخل مجتمعاتنا البسيطة, ونزيل عن الأدمغة أفكار الاستبداد وحكم الفرد والولاء المطلق للسلطة الغير شرعية.
لقد كانت الكنيسة المسيحية تدعو لنظرية الحق الإلهي المباشر, حيث أنّ الله هو من خلق الإنسان ليعيش ضمن الجماعة, وخلق السلطة العامة التي تأمر الناس, وتدّخل الله في اختيار الحكام لأجل خير ومصلحة الرعايا, ومن ثم لتأتي عصور النهضة والتي روّجت لنظرية التفويض الإلهي, أي إنّ الله لا يتدخل مباشرة في شكل السلطة ولا في كيفية ممارستها, لأن السلطة تأتي منه والشعب هو الذي يختار ممثليها.
لقد بدأ مفهوم دولة القانون ينتشر تدريجيا في أواخر القرون الوسطي, فمثلا عرفت بريطانيا العظمى عام 1215 مجموعة من القوانين والقواعد لحماية حقوق الأفراد من التعسف, كما أنه في ثورة عام 1689 ومن خلال وثيقة الحقوق التي أعتبرت أن وضع القوانين أو إلغائها أو تنفيذها من قبل السلطة الملكية يجب أن يقترن بموافقة البرلمان وغير ذلك يعتبر عملا غير مشروع.
أيضا نصّ إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية الصادر عام 1776 أنّ الحكومات يجب أن تكون في خدمة المحكومين ورضائهم, وأن لهؤلاء الحق في تغييرهم حين يتعسفون ويمارسون الاستبداد المطلق بحقهم. وأعلن أن الحرية هي حق لجميع الناس وأيضا المساواة وعلى الحكومات ضمان هذه الحقوق وحمايتها.
إلا إن الثورة الفرنسية هي أكثر ما جسّدت فكرة دولة القانون, حيث تأثّرت بأفكار جان جاك روسو ومنتسكيو, ورأت أنه لا توجد سلطة في فرنسا فوق القانون, والقانون هو الذي يحمي الفرد من الاستبداد.ووضعت السيادة في يد الشعب, وفصلت بين السيادة وشخوص الحكام, فهم ليسوا إلا مجرد عمال لصاحب السيادة, وطبقا للقانون يعملون ويمارسون اختصاصاتهم.
أما ألمانيا وفي القرن التاسع عشر فقد بدأ الألمان بأبحاثهم القانونية, وتعمّقت نظرتهم نحو دولة القانون, حيث أنها يجب أن تخضع للقواعد التي تضمن الحريات للمواطنين, وهنا يرى (تروبه) أنه إذا كانت كل دولة قانون ليست بالضرورة دولة ديمقراطية, فأن كل ديمقراطية يجب أن تكون دولة قانون.
إذا من هنا بدأت الدول والمجتمعات تسعى نحو بناء دولة القانون لأجل مصالح مواطنيها وضمان حقوقهم وحرياتهم, ولأجل الحفاظ على الإنسان ككائن مقدس من جميع الديانات السماوية والقوانين الوضعية, ولما له من دور فاعل في بناء الحضارة وأغنائها ولكونه كائن ميّزه الله عن الحيوان بالعقل ولابد من عدم المساس به.
هنا نستطيع القول أن تعبير دولة القانون هو مصطلح سياسي وقانوني, سياسي لأنه يعبّر في الأساس عن طموح جمعي أو جماعي المتمثل بالشعب أو المحكومين لمواجهة السلطة أي الحكم.إلا أن مصطلح دولة القانون كمفهوم وشعار سياسي أصبح يستخدم من قبل السلطة والحكم لإضفاء صفة الشرعية التي يمثلها في مواجهة الشعب المحكوم.
إذا مصطلح دولة القانون يمارسه سياسيا كل من الحاكم والمحكوم.
أما مفهوم دولة القانون القانوني, فهو عبارة عن نظرية دستورية تبيّن التحول في الحكم من المفهوم الذاتي والشخصي المتمثل بالحاكم ( ملكي –أميري) إلى مفهوم مجرد أساسه القاعدة القانونية والمؤسساتية. إذا نستطيع أن نقول إن دولة القانون هي التي تشكل توازنا بين ضرورات السلطة من جهة, وضمانات الحقوق والحريات العامة من جهة أخرى, لأن تغليب السلطة يؤدي إلى الاستبداد, وتغليب حقوق الأفراد والحريات العامة يؤدي إلى فوضى.
ولابد لنا من أن نفرّق بين دولة القانون والدولة البوليسية, وخاصة أنه كثر الحديث في العالم العربي حول تعبير - دولة القانون والمؤسسات-, وطبعا يستخدم كشعار سياسي لأجل لجم غضب الشعوب وإدخال الطمأنينة إلى قلوب دعاة الديمقراطية والتغيير, ومسايرة رياح الحريات والإصلاح في ظل سقوط الديكتاتوريات في العالم, وظهور تعبير سلطة الشعب على السطح السياسي والفكري.
لقد جاء مفهوم دولة القانون لأجل عقلنة الدولة والحكم الجيد والرشيد, وقد بدأ الفقهاء يميّزون بين مصطلحين متناقضين للتعبير عن مضمون دولة القانون, هذان المصطلحان هما: دولة البوليس ودولة القانون.
فدولة البوليس أو ما يسمّى بالدولة البوليسية هي دولة الضبط الإداري بالتحديد, وهي تتعارض بتاتا مع فكر دولة القانون, حيث أن دولة البوليس لها قواعد لتنظيم العلاقة بين المرؤوسين ورؤسائهم, وتقوم بإصدار أوامر وسلطات تراها ضرورية بحق المواطنين لأجل الحفاظ على غاياتها, ولمواجهة كل ما هو غير ملائم مع تطلّعاتها الفردية.فهي تملك سلطة وإدارة غير شرعية لمواجهة مختلف الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وتعمل بموجبها كلما دعت الحاجة, مما يعني أنها تشكّل تهديدا للحريات العامة والحقوق باعتبارها تغلب ضرورات السلطة على ضمانات حقوق الأفراد والحريات العامة.كما نجد داخل الدولة البوليسية أن جميع السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية تنصهر فيما بينها, دون أن يكون هناك فصل أو معيار يتم من خلاله التمييز بين عمل تلك السلطات. ومن هنا لاضمانات مع الدولة البوليسية للأفراد والحريات العامة, ودائما تكون القرارات تتجه نحو تحقيق أهداف السلطة والإدارة مهما كانت المبررات, وغالبا ما يمثلها شخص أو مجموعة لديهم الرغبة في الانفراد بالسلطة والقرار السياسي, وفرض كل ما يحبّذ ونه على المواطنين ولو بالإرهاب والقوة المسلّحة.
في حين نجد أنه في دولة القانون يتم تأمين الحقوق للمحكومين في مواجهة الحكام, وفي مواجهة الإدارة, ويخضع الجميع لنفس القواعد القانونية التي وضعتها دولة القانون بما هي نفسها, فهي الخادمة للحريات وحامية لها.
وتتعارض ثقافة دولة القانون مع الدولة الشمولية, حيث إن الدولة الشمولية لا تخضع أبدا لمفهوم القانون, فهي تعتبرنفسها فوق القانون وهي مصدر النظام القانوني, حيث هي السيّد والآمر والسلطان, والقانون هو أوامرها وأداة بيدها.وخير مثال على ذلك(ألمانيا النازية-ايطاليا الفاشية).حيث غلب الفكر القومي على كل شيء ودمج القانون تحت لوائها, وهنا ضاعت حقوق الأفراد الشخصية والذاتية, لأن الدولة الشمولية ترفض مبدأ الفصل بين العام والخاص.ولايوجد أدنى احترام لمبدأ فصل السلطات, ولا تقبل حقوقا معارضة لسلطتها, ولا تسمح بالتعددية والرأي الآخر, أو وجود أحزاب سياسية, أو جمعيات مجتمع مدني, أو حرية التعبير والصحافة الحرة.
وتتجسّد هذه الظاهرة الغريبة في هيكلية النظام السوري وثقافة حزب البعث الشمولي ذو النزعة الفردية وسياسة الحكم الواحد, ورفض التعددية والآخر المختلف من القوميات الأخرى كالكرد والكلدوآشور , فالنظام السوري تتوفر فيه صفتان قريبتان جدا منه هما الشمولية والبوليسية ذات الحكم العسكري, وقيامه بتعليق الدستور ووضعه على الرف, والعمل بمقتضى قوانين الأحكام العرفية وقانون الطوارىء وتسخير الدولة ومؤسساتها لخدمة غاياته وأنانيته واستفحال الفساد, وعدم وجود ضمانات تكفل الحريات وحقوق المواطن السوري, مما أدخل البلاد في حالة من الفقر و السبات السياسي والاجتماعي, وأيضا جمود للحراك السياسي والاستئثار بالسلطة تحت مبدأ الحكم بالقوة العسكرية من حيث أنه جاء بموجب انقلاب عسكري, ولابد للجميع الالتزام بالصمت والخنوع لحكمه الاستبدادي, وكل من يعارض سيكون مصيره الاعتقال والسجن والنفي والحرمان من الوظيفة وأحيانا التعذيب حتى الموت في السجون, فسوريا تشهد نوعا من الركود في فكر البعث الذي لا يحكم البلاد, بل من يحكم هم ثلة من الأجهزة الأمنية ,وعسكر يعملون لأجل مصالحهم الشخصية, مع تهميش للدولة وللدستور والقانون, وعدم الفصل بين السلطات. وفقدان لحرية التعبير وللصحافة الحرة.
فالقانون في سوريا هو قانون العسكر والمخابرات, والشعب والدولة والقضاء والدستور هم في خدمة النظام الأمني البوليسي, والنظام هو الآمر والسلطة والقانون الأعلى فوق كل شيء.
ومن هنا تصادر الحريات العامة وحقوق الأفراد, ويزّج بنشطاء الرأي ودعاة المجتمع المدني والمثقفين في السجون دون محاكمات ولسنوات طويلة, أو بموجب محاكمات أمام محكمة أمن الدولة الغير قانونية, حيث لا وجود لسلطة القضاء العادل, وتحت شعارات ثقافة العروبة و الخطر الخارجي, والأمن الوطني, وعدم القبول بالآخر المختلف, قتل الشعب الكردي بالعشرات في شوارع قامشلو وعفرين والحسكة,وتحت التعذيب داخل السجون حيث اعتقل وسجن أكثر من عشرة آلاف (انتفاضة 12 اذار2004). وتم تجريد نصف مليون كردي من الجنسية السورية, وصودرت منهم أراضيهم, وبناء مستوطنات لعرب الغمر مكانها, وتعريب الأسماء والأماكن الكردية, ونفي الآلاف منهم إلى خارج الوطن سوريا من خلال فتح باب الهجرة, وحرمانهم من حقوقهم الإنسانية والقومية, ومن ممارسة ثقافتهم ولغتهم الكردية, وأيضا إفقار المنطقة الكردية وتجويعها من خلال عدم القيام بأية مشاريع تنموية( 35,8 في المئة من الأفراد هم من الفقراء وهم السكان الكرد حسب تقرير الأمم المتحدة2005 ). هذه هي سوريا دولة القانون كما يدّعون.
إن دولة القانون تخضع للقواعد والقيود التي أنشئتها بنفسها( التقييد الذاتي).وهي التي في علاقاتها مع رعاياها, ولتضمن لهم أوضاعهم الفردية, تخضع نفسها بنفسها للنظام القانوني, والفقيه الفرنسي ( ريمون كاره دي) يشير إلى أن مفهوم دولة القانون هو أسطورة سياسية وقانونية, تضمّ قيما سياسية أساسية, مثل احترام الفرد من قبل الدولة, وتقييد تصرّفات السلطات العامة, وفائدة القانون كحماية أساسية.
وفي دولة القانون يمكن أن تحدث تجاوزات واعتداءات على المشروعيّة وتدرجيّة القواعد القانونية, أو الخروج من رقابة القضاء لدستورية القوانين, تحت ما يسمّى بدواعي المصلحة العليا, وهنا لا يمكننا أن نقول إن الدولة ليست بدولة قانون, وكثيرا ما تنطلق الدول الاستبدادية والشمولية من إثارة بعض النظريات الأسطورية حول عدم إمكانية الحديث عن دولة القانون بالمعنى العملي, مبررة لنفسها أنها في مواجهة دائمة لظروف غالبا هي خارجية, وتتطلب المصلحة العليا للدولة التصدي لها ومنعها.
ولأجل قيام دولة القانون لابد من أن تتواجد شروط وأسس في أي مجتمع من المجتمعات للقيام بعملية التحول إلى دولة القانون, في بدايتها لابد من توفر وعي جماعي بهذا المفهوم وبمشاركة من الحكام والمحكومين لأجل بناء الدولة الفاضلة إن جاز تسميتها, والقبول بالواقع الحياتي الجديد والقانوني الذي ستوفره دولة القانون بعيدا عن ثقافات الهيمنة والتسلط والفردية والشمولية, واحتكار الدولة والقوانين في خدمة الأنا والمصلحة السياسية الذاتية.
إن دولة القانون لها مرتكزات أساسية لا يمكن تجاوزها, ففيها يسود مبدأ التدرجية القانونية, ومثالها فرنسا, ففي القمة يأتي إعلان حقوق الإنسان الذي أصدرته الثورة الفرنسية, والذي يعترف للفرنسيين بحقوق طبيعية غير قابلة للتنازل عنها ومقدّسة, ثم يأتي الدستور وهو دستور عام 1958 للجمهورية الخامسة, ثم يليه القانون, وأخيرا قرارات الهيئة التنفيذية.
فالتدرجية تضمن أن السلطة تكون مقيّدة بقواعد الدستور, فالحاكم لا يمارس سلطته إلا طبقا لأحكام الدستور, وعليه احترام ما فوّض له من صلاحيات وعدم تجاوزها, والا أعتبرت أفعاله غير دستورية وباطلة لعدم خضوعها للقواعد الشرعية.
أيضا في دولة القانون هناك أولوية لضبط السلطة, ومنعها من الاعتداء على حرية المواطنين وحقوقهم, أو الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون. فمبدأ فصل السلطات وإيجاد آلية لعمل كل منها هو ضمانة لعدم الإخلال بالتعدي على حقوق الأفراد, وعدم تجاوز سلطة لأخرى, وهنا تكون السلطة مانعة لقيام سلطة أخرى بالنزوع نحو التسلّط وتجاوز صلاحياتها, فالسلطة توقف السلطة حسب تعبير منتسكيو في فصل السلطات.
وفي دولة القانون حيث مبدأ المساواة أمام القانون ينطلق من كون الإنسان مهما كان أصله أو دينه أو لونه أو رأيه السياسي والفكري أو أصوله الاجتماعية, قيمة في ذاته, ووجود السلطة هو لأجل حمايته وتوفير الحريات له.
كذلك توفر دولة القانون المساواة للجميع أمام سلطة القضاء أفرادا عاديين ومسؤولين, ولايوجد لأحد أية استثناءات أو امتيازات شخصية, وهنا لابد من توفير مبدأ المساعدات القضائية أو العون المادي للناس العاديين الذين لا يستطيعون التقاضي أمام القضاء لأسباب مادية, وهذا ما يسمى بالقضاء المجاني.
كما يمكن القول أن دولة القانون هي دولة مؤسسات, بحيث يكون نظامها القائم يهدف لأجل الحفاظ على مصلحة المواطنين بدون تفرقة وتمييز, والدفاع عنهم ضد كل تعسف للسلطة داخل الدولة, وتعمل على تطبيق القوانين التي تحمي الإنسان, وتوفير الوسائل اللازمة لتطبيق تلك القوانين والرقابة عليها إن لزم الأمر.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو هل يمكن تطبيق مفهوم دولة القانون في المجتمعات العربية, هذا المفهوم المثالي الفاضل والخيالي في نظر الكثيرين من المتشائمين, في ظل مجتمعات فاسدة واستبدادية, ولا تفقه شيئا من حقوق الإنسان والحريات, وتتمسك بالعروش منذ عقود طويلة, ولا تعمل حسابا لأجندات التغيير والديمقراطية وحقوق الإنسان المشروعة والتي بدأت تنخر في هيكل تلك العروش بانسياب متوازن وهادىء وجميل.
إن مجتمعاتنا هي بحاجة ماسة إلى مثل تلك الدولة (دولة القانون) وتأسيس نظام موضوعي وأخلاقي لأجل تجاوز العقبات, والتطرف الديني ونظريات التقوقع المستبدة والفردية, وهذا يحتاج إلى العمل بالديمقراطية وإشاعة ثقافاتها داخل المجتمع وبين الأفراد بصورة صحية ومتكاملة.
إن الأنظمة العربية تعيش في أزمة سياسية واجتماعية وفكرية, وتفتقر إلى ثقة الشعب وتزكيته, ولا مصداقية لتلك الأنظمة فهي تستند بالأساس إلى العنف والقهر ودوامة الاستبداد.
ولهذا نجد المواطن في العالم العربي يشعر بالقهر والغربة حينما يلمس ذلك التباعد الشاسع الذي يعيشه بين واقعه الأسود حيث القهر والظلم, وبين ما يمنحه القانون من مكانة مرموقة وقيم للإنسان, ومن هنا نجد إن الحكام العرب يتهرّبون من عملية التغيير الشامل ويضعون العراقيل أمامها, خوفا من فقدان جاه السلطة, ولو أردنا أن نبحث عن مثال لأجل ترسيخ مفهوم دولة القانون, نجد أن لبنان هو الوطن الأول الذي هو بحاجة لتحويله من دولة صراعات داخلية وإقليمية ودولية, إلى دولة قانون ومؤسسات, وخصوصا أنه كان قد دخل في مرحلة بدايات وضع أسس تلك الدولة الديمقراطية, حيث وجود المناخ الملائم لذلك. لبنان كان من أوائل الدول العربية التي أنشئت تجربة ديمقراطية أقلقت الكثير من الأنظمة الاستبدادية في المنطقة ومنها(النظام السوري). فتجربة لبنان في الانتخابات الأخيرة وتشكيل برلمانه بعد الانسحاب السوري منها, ورغم كوارث الحروب والهجرة وانتشار ثقافة المذهبية والطائفية, وتعشش فكر حزب البعث لثلاثة عقود من الهيمنة والاستبداد وكتم الحريات, وزرع الشقاق بين شعب لبنان, إلا أن لبنان استطاع أن يحافظ على تلك الروح والثقافة السامية نحو الحرية والديمقراطية وبناء دولة القانون والمؤسسات وتكلل تلك التجربة بالنجاح, إلا أنه مع الأسف طغت عليها موجة من الاغتيالات هدد معها كيان الدولة, ومحاولات الموالاة من حزب الله وأمل وغيرهم لأجل تقويض سلطة الدولة والقضاء على لبنان الدولة, وتحويله لدولة توافقات طائفية ومذهبية لخدمة قوى إقليمية وفي مقدمتها سوريا وإيران, وذلك من خلال تمسك المولاة بالثلث المعطل أي اغتيال النظام البرلماني ومصداقية الانتخابات وحكم الأكثرية النيابية التي جاءت عبر انتخابات شرعية وبمشاركة منهم أيضا, فحزب الله ومن خلال امتلاكه للسلاح وتحت حجج المقاومة يمارس سلطات كمؤسسة عسكرية تهيمن على طائفة بأكملها يرفض أن يكون تحت سلطة الدولة, حيث هو دولة ضمن دولة, ليملي شروطه التعجيزية ويشعل حروبا فردية يحرق معها لبنان بأجمعه وذلك لحماية مصلحة النظام السوري ونظام الملالي في إيران, ويهدد بحرب أهلية ويخشى من أن يصل لبنان إلى مرحلة الدولة, دولة القانون والمؤسسات, حينها يفقد كل أوراقه ومملكته التي بنيت وقويت بدعم معنوي ومادي من نظام دمشق وطهران على حساب سيادة لبنان وسلطته وحرية شعبه.
إذا لبنان بحاجة ماسة وضرورية لأجل معالجة أمراضه المذهبية والطائفية وإخراج نفسه من مستنقع الصراعات والوصول بالمجتمع إلى شاطىء لبنان الحر والمستقل, والسير في مشروع لبنان دولة القانون والمؤسسات, ويكون ذلك بنزع سلاح جميع الميلشيات الموجودة على أرضها, ويكون الجيش اللبناني هو الحامي للبنان والدولة وشعبها, وإجراء انتخابات ديمقراطية لاختيار رئيس الجمهورية وبرلمانيه على قاعدة الانتخاب الحر والمباشر تحت سقف القانون والدستور, والعمل بمبدأ الفصل بين السلطات وحرية التعبير والصحافة والاقتصاد الحر والمنافسة الشريفة والشرعية, وهنا يكون الدستور والقانون ضامنا لحقوق الجميع دون تمييز, والقانون هو فوق الجميع, لأجل أن يكون لبنان دولة القانون لأجل شعب لبنان وفي خدمته, ولأجل كل ما ذكرناه دفع رفيق الحريري وجبران تويني وجورج حاوي وسمير قصير وكمال جنبلاط والشيخ حسن خالد ورينيه معوض وبيار الجمّيل حياتهم, وأصبحوا شهداء في سبيل الحرية ولبنان الواحد دولة القانون والمؤسسات.
إننا جميعا كنشطاء حقوق إنسان ودعاة للتغيير والديمقراطية علينا أن نعمل لأجل تكريس ثقافة الحريات وحقوق الإنسان والمجتمع المدني, وهذا ما يتوافر في دولة القانون, وان نؤمن بقدرتنا على إنشاء دولة القانون والدفاع في سبيلها. ففي أجوائها يمكن أن نعيد العلاقة الصحية بين الدولة والمجتمع, وإعادة الثقة بين الشعوب ودولهم وحكوماتهم بموجب الدستور والقانون الشرعي, وهنا تتحول الدولة إلى دولة لأجل الشعب, والشعب يكون شعبا في خدمة الدولة, وهذا يمكن أن نتلمّسه في دولة القانون, ونكون بذلك استطعنا أن نعيد الاعتبار والقيمة الأخلاقية والموضوعية للدولة وللشعوب معا, وأن نجعل حياة الإنسان الشرقي في سلام وأمن ورخاء اقتصادي ككائن مقدس, وإنهاء معاناة طويلة, وقرون في ظل من الانتهاكات والاستبداد والظلم بحقه, وبحق قيمنا وأفكارنا البيضاء, وأن نجعل من القانون مقدّسا وفوق كل شيء حتى ننعم بالعدالة والمساواة والحرية عملا بقول أفلاطون( القانون فوق





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,005,426,978
- فدوى الكيلاني...قصائد تعشق عبق النرجس الكردي
- الشاعرة اللبنانية: سامية السّلوم.. تتحرر من صمت الذاكرة إلى ...
- حينما أشعل إبراهيم يوسف قناديل الروح في كتاب الادّكارات
- الطورانية التركية بين الأصولية والفاشية
- في اليوم العالمي للطفولة: أطفال سوريا .. ضياع واحتراق ومصير ...
- الحرية لرجال يصنعن الأوطان
- جمانة حداد ليليت المتمردة على قوانين الوجود والحياة
- مشاركة المراة في العملية السياسية ودورها في صناعة القرار
- حوار مع الشاعر إبراهيم اليوسف
- إبراهيم اليوسف رسول الكلمة الحرة ......الجريئة


المزيد.....




- الرئيس المكسيكي المنتخب يعد بمنح تأشيرات عمل للمهاجرين فور ت ...
- الأمم المتحدة: مساعدات إنسانية للسوريين في مخيم الركبان
- غوانتانامو.. من معتقل سيء -السمعة- إلى سجن مترف!
- الجامعة العربية ترحب بتصويت الأمم المتحدة لتوسيع صلاحيات دول ...
- معتقل غوانتانامو سيبقى مفتوحا 25 سنة أخرى
- أسرة رونيا.. قصة كفاح لاجئين سوريين ضد الثلاسيميا
- -سلمان للإغاثة- يساعد المتضررين من إعصار -لبان- في اليمن
- إبراهيم الجعفري: اختفاء خاشقجي مرفوض ويمس حقوق الإنسان
- في يومه العالمي... الأمم المتحدة: القضاء على الفقر عدالة ولي ...
- موفد الأمم المتحدة إلى سوريا ستافان دي ميستورا يعلن التخلي ع ...


المزيد.....

- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي
- مقالاتي_الجزء الثاني / ماهر رزوق
- هنا الضاحية / عصام سحمراني
- عودة إلى الديمقراطية والمجتمع المدني / كامل شياع
- معوقات نمو الأبنية المدنية في الأردن / صالح أبو طويلة
- العمل الخيري: بين تسعير حياة الإنسان ومحاولة إنقاذه / ماثيو سنو
- يعني إيه كلمة وطن ؟ / محمد دوير


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - جهاد صالح - دولة القانون