أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إبراهيم محمد حمزة - الشعبية فى أدب إحسان















المزيد.....



الشعبية فى أدب إحسان


إبراهيم محمد حمزة

الحوار المتمدن-العدد: 1799 - 2007 / 1 / 18 - 11:10
المحور: الادب والفن
    



- فى واحدة من بديع عبارات عمنا الكبير يحيى حقى يقترح أن يقام معبد للحب وأن يكون إحسان عبد القدوس كاهنه الأكبر؛ وإليهم يصعد بريد القلوب "
بهذه العبارة الموحية أنهت الكاتبة زينب العسال مقالا ممتعا لها حول الحب فى أدب إحسان ؛ خاصة حين يتحول الحب إلى قضية ، مؤكدة أن معظم أعمال إحسان – إن لم يكن كلها – قد جعلت الحب محورها الأسا سى لكنه جاوز ذلك فجعل من الحب رسالة وقضية حياة " *

ولدى الجرأة هنا لأقر أن إحسان عبد القدوس من أكثر كتاب العالم استحقاقا للاحترام ؛ نقول ذلك بعد تأمل طويل عميق فى سيرته ككاتب ومفكر وإدارى ؛ لأنه لم يتنازل مطلقا عن قنا عاته طوال حياته ورغم أن كتابا كبارا قد ضحوا ودفعوا من أعمالهم وحرياتهم فى مقابل موقف يضمن لهم الاحترام للذات أمام أنفسهم ؛ فالقليل القليل من استطاع أن يحول قناعاته من الفكر إلى العمل ؛ من خلال رئاسته لتحرير أكبر المطبوعات العربية ( روزا/الأهرام/أخبار اليوم) ولم يتنازل مرة واحدة أمام رأى لرئيس دولة أو رجل أعمال ولم يقبل أن يؤذى أحدا حتى لو كان الثمن التضحية برئاسة تحرير الأهرام مثلا…….

ومن مقاله " هذا الرجل يجب يجب أن يرحل " الذى كتبه عام 1942م والذى طالب فيه بخروج اللورد كيلرن من مصر وهو المندوب السامى لأكبر دولة فى العالم وقتها وكان عمره ثلاثة وعشرون عاما ؛ منذ هذا الحين لم تتوقف مواقف الرجل ؛ ويأتى عام 1945م ويكتب سابقا بفكره ووعيه السياسى الكثيرين من المفكرين والسا سة بمقاله : يا عرب تضيع الآن فلسطين " ثم جاءت حرب 1948م ودخل معركته الكبرى فى كشف فضيحة الأسلحة ؛ ونال وساما حين تلقى خنجرا ملعونا أمام عمارة الإيموبيليا ردا على شجاعة مواقفه ؛ ثم تأنى الثورة ، ويؤيدها كافة المثقفين ،لكن إحسانا بعد فترة يدرك بحسه السياسى العبقرى ما تقدم عليه الثورة ، فكتب مقاله المشهور " الجمعية السرية التى تحكم مصر" وكالعادة يدفع الثمن ويسجن ….
أما أثناء عمله الصحفى فلم يعرف عنه التدخل فى كتابة الصحفيين بالحذف أو الإضافة ؛ إنما حول مجلته إلى معمل تفريخ للمواهب فى كل ؛ سواء كانوا مفكرين مثل أحمد بهاء الدين أوشعراء كصلاح عبد الصبور أو جاهين أو حجازى وكذلك فنانى الكاريكاتيركجورج وبهجت وغيرهم …
والمشرف فى مسيرة إحسان كثير ، جرأة فى الحق وتماسك فى أصعب الظروف ، ومبادىء لا تتجزأ حين يمس الموضوع ذاته أو أولاده ، تصو مثلا حين يقبض على ولده بسبب ميوله السياسية الدينية التى يختلف معها الأب ، لكنه يمنح ابنه حريته السياسية ويتحمل كأب أن يقتات ابنه فكرا سياسيا ليس من مائدة الأب .. الرجل بالفعل موقف .
ويمثل المنهج الذى اختطه إحسان لنفسه وحياته نموذجا صادقا لوضوح الهدف والسعى إلى تحقيقه ،حيث كان وضوح الهدف أمامه سبيلا لمسيرة طويلةمنظمة نحو الحرية ؛ وقد أعطى مثلا عليا فى حياته الشخصية كما رأينا .. وهو ما يشهد به حتى أعداؤه الذين لم يقدروا على ذكر ما يعيب ؛ سوى ما تعارف عليه النقد بشكل متوال على أن أدب إحسان عبد القدوس موصوف من العقاد أنه أدب فراش ….

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 المقال منشور بمجلة الثقافة الجديدة - العدد 177- صـ 36
ومع خالص تقديرنا للعقاد كقامة وقيمة متفردةفى حياتنا الإبداعية والفكرية بل والسياسية إلا أن للعقاد شعرا أظن أن كل كتابات إحسان لم تصل لجرأته :
ثناياهــــــا .. ثناياهــــا وهل ذقت ثناياها
وعيناها ويا لـــــــلويل كم تسبيه عيناها
وتلك القامة الهيفـــاء زانتها زواياهـــا
إذا ما جار ردفاهـــــا أقام الجور نهداها ( عن كتاب عامر العقاد )

- إذن فالخطيئة التى يقع فيها النقد هى التقييم الأخلاقى للإبداع ؛ أو بتعبير الناقدة الأردنية عفاف البطاينة :
" إن الإعراض عن دراسة هذه الأعمال [ تعنى الأعمال العاطفية ] فى بعض الحالات ومهاجمتها فى أحيان كثيرة ووصفها بانعدام الأدبية لدليل على اتفاق خفى بين المؤسستين الاجتماعية والنقدية ، فتعلى من قيمة بعض الأعمال وتحط من قيمةأعمال أخرى ، حسب تأثير كل منها على القيم والأعراف المتوارثة " (1)
ومن عجيب الأمور أن هذه النظرة لم تكن موجودة حتى لدى المسلمين الأوائل ، بل أن النبى عليه الصلاة والسلام لم يغضب وهويستمع إلى كعب بن زهير ينشده
بانت سعاد فقلبى اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول
ثم يزيده فى وصف " سُعَاده " هذه بجمال الصدر والمؤخرة ؛ ولم يقل النبى ولا صحابته أن هذا الكلام فاحش بل منحه جائزة غالية ظلت تتناقل بين أيدى الولاة فيما بعد أى بردته الشريفة
بل" لقد اشتشهد العلماء لغريب القرآن بالبيت فيه الفحش وفيها ذكرالفعل القبيح ، ثم لم يعبهم ذلك " (2)
وكتب النقد لقديم لا تنتصر مطلقا لهذه النظرة التى تحصر الأدب فى هذه النظرة التعليمية الضيقة لكنهم يرونه عملا إبداعيا خلاقا ، حتى لو خالف الأعراف والتقاليد وبين أيدينا مئات من الأبيات بل والصفحات التى تعج بالدعوة لشرب الخمر والزنا وغيره وهو ما لم يمنعه الذوق الأدبى وإن منعه الحس الدينى ؛ ولسنا بالطبع ندعو لمثل هذا الأدب ولكن نرفض فقط ربط الإبداع بالأخلاق ، بل انظر لابن القيم يجمع ما قيل فى النساء فى كتابه " أخبار النساء وستجده يحدثك عن أبو نواس وهو يتحايل على امرأة لتكشف وجهها ، فرآه ثم
" رفعت ثيابها حتى جاوزت نحرها فإذا هى كقضيب فضة قد شبب بماء الذهب يهتز على مثل كثيب ولها صدر كالورد عليه رمانتان من عاج يملآن يد اللامس وخصر مطوى الاندماج يهتز فى كفل رجراج ،وسرة مستديرة تحت ذلك أرنب جاثم وجبهة أسد غادر ………" (3)
والنقد العربى والغربى الواعى يقف ضد هذه النظرة القاصرة للإبداع ، والدكتور عبد العزيز حمودة فى معرض تقديمه للنظرية الجمالية فى النقد لدى كروتشيه يقول :
" فالعمل الفنى يجب أن يقوم تقديره ونقده على أساس واحد ، وهو أنه عمل فنى ، عمل فنى فقط ، وليس شيئا آخر" (4)
وربما كان البعض من النقد القديم يحتفل بالنظرة الأخلاقية للإبداع ؛ ولكنه لم يمنع إبداعا (5)
ــــــــــــــــــــــــ
(1) عفاف البطاينة – الجنس والنوع فى الرواية العربية – مجلة فصول – العدد لثالث صـ 184
وانظر " الأخلاق فى النقدالعربى – غسان عبد الخالق – المؤسسة العربية للدراسات –بيروت عام 1999م وأيضا أحمد محمد الهوارى – نقد الرواية – دار المعارف – مصر 1983م ط2 صــ 41
(2) عبد القاهر الجرجانى – دلائل الإعجاز –باب الكلام فى الشعر –تحقيق شيخنا محمود شاكر – طبعة مكتبة الأسرة – عام 2000م – صـ 12
(3)ابن القيم – أخبار النساء – دار الفتح للإعلام العربى – 1999م صـ102
(4) د/ عبد العزيز حمودة – علم الجمال والنقد الأدبى – مكتبة الأسرة –1999م صـ89
(5) للدكتور جابر عصفور دراسة بديعة تنظر فى طبيعة النظرة النقدية للأخلاق فى كتابه "مفهوم الشعر "
إن الإبداع الذى يتسول القارىء بالجنس وغيره من المحرمات لا يقاس إبداعا ، لأنه مقصود إليه ولا يعبر عن وجهة نظر ولا موقف ؛ ولا يتعدى أكثر من مشهى للقارىء الذى سيضيق به بلا شك بعد فترة قصيرة … وهو ما حرص إحسان عن البعد عنه تماما .
ومما يدل على بطلان النقد الأخلاقى ما ينقله الكتور حمودة عن شوبنهور قائلا :
" إن الشاعر يستطيع أن يتغنى بالشهرة ، كما يتغنى بالتصوف ، وليس من حق إنسان أن يصف أو يحدد للشاعر ما يجب أن يكون عليه ، بل ليس لأحد الحق فى لومه ، لأنه ليس أخلاقيا أو نبيلا " (1)
وما ينطبق على الشاعر يستحق أن يتلبس الروائى والقاص لأنه ينقل فى إبداعه فكر غيره
فهل يشفع هذا لإحسان ؟ **
ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) السابق – صـ 80
**مختصر سيرة :
- ولد احسان عبد القدوس في 1 يناير 1929 .
- تخرج من مدرسة الحقوق في عام 1942 ،وعمل كمحامي تحت التمرين بمكتب احد كبار المحاميين وهو ادوارد قصيري وذلك بجانب عملة كصحفي بمجلة روز اليوسف،
- عام 1944 بدا احسان عبد القدوس كتابة نصوص افلام وقصص قصيرة وروايات.وبعد ذلك ترك مهنة المحاماة ووهب نفسة للصحافة والادب .
- بعد اقل من بضعة سنوات صحفي متميز ومشهور، وراوئى، وكاتب سياسي، وبعد ان العمل في روزاليوسف ،تهيات له كل الفرص والظروف للعمل في جريده الاخبار لمده‏8‏ سنوات ثم عمل بجريده الاهرام وعين رئيسا لتحريرها‏.‏
- كان لإحسان شخصية محافظة للغاية، لدرجة ان شخصيته تتناقض مع كتاباته، فالبيئة التي تربى فيها جعلت منه انسانا صعبا للغاية، فقد كان ملتزما بالمعنى الاجتماعي، فلم يكن يسمح لزوجته بان تخرج من البيت بمفردها، وعندما يكون مسافرا يطلب منها ألا تخرج، بل وترفض كل الدعوات التي توجه اليها مهما كانت، بل انه كان صعبا معها في موضوع الملابس، لدرجة انه كان يشترط عليها ان تكون ملابسها محتشمة لا تصف ولا تشف ان ادب احسان عبد القدوس يمثل نقله نوعيه متميزه في الروايه العربيه الي جانب ابناء جيله الكبار من امثال نجيب محفوظ ويوسف السباعي ومحمد عبد الحليم عبد الله‏,‏ لكن احسان تميز عنهم جميعا بامرين احدهما انه تربي في حضن الصحافه‏,‏ وتغذي منذ نعومه اظفاره علي قاعده البيانات الضخمه التي تتيحها الصحافه لاختراق طبقات المجتمع المختلفه وكانت الصحافه‏,‏ وصالون روزاليوسف والعلاقات المباشره بكبار الادباء والفنانين والسياسيين ونجوم المجتمع هي المنبع الذي اتاح لاحسان عبد القدوس ان يصور الجوانب الخفيه في الحياه المصريه ويتخطي بذلك كثيرا من الحواجز التي حالت بين زملائه وبين معرفه هذه البيانات‏، اما الميزه الثانيه لادب احسان فهي انه كان عميق الايمان بقضيه الحريه‏,‏ بمختلف مستوياتها السياسيه والاقتصاديه والاجتماعيه.وان ادب احسان قد نجح في الخروج من المحليه الي حيز العالميه‏,‏ وترجمت معظم رواياته الي لغات اجنبية كاالانجليزية، والفرنسية، والاوكرانية، والصينية، والالمانية ‏,‏ وقد منحه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وسام الاستحقاق من الدرجة الاولي له، كما منحه الرئيس محمد حسني مبارك وسام الجمهوريه‏,‏ وشارك باسهامات بارزه في المجلس الاعلي للصحافه ومؤسسه السينما ، وقد توفي احسان عبد القدوس فى 11 يناير 1990،ومازال اسمه يلمع عالميا باعماله وابداعاته المتميزه‏.‏من اهم اعماله:كان احسان عبد القدوس كاتب مثمر، فبجانب اشتراكة المتميز بالصحافة كتب مايلي:49 رواية تم تحويلهم جميعا نصوص للافلام.5 روايات تم تحويلهم الي نصوص مسرحية.9 روايات تم تحويلهم الي مسلسلات اذاعية.10 روايات تم تحويلهم الي مسلسلات تليفزيونية.56 كتابتم ترجمة العديد من روايات الكاتب والصحفي احسان عبد القدوس الي لغات اجنبية كاالانجليزية، والفرنسية، والاوكرانية، والصينية، والالمانية.جوائز حصل عليها الكاتب الكبير احسان عبد القدوس:وسام الاستحقاق من الدرجة الاولي منحة له الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.وسام الجمهورية من الدرجة الاولي منحة له الرئيس محمد حسني مبارك في عام 1990 نقلا عن موقع منتدى أزاهير http://www.azaheer.com




إحسان والرواية الشعبية :

" صاحب موهبة أدبية عميقة واعية ، وشوق متجدد للجرية بمستوياتها المتعددة ،كان إحسان رائد الرواية فى مصر ؛ بمعنى أنه صاحب الدور الأبرز لتحويل الرواية إلى عمل شعبى "
من تقديم الكاتب فؤاد قنديل
لندوة صالون إحسان يوم 15/1/2005م
هذه القضية ربما تعد أخطر القضايا الأدبية التى تشكل قيمة كاتب بقيمة وقامة إحسان عبد القدوس إذ أن الفن عمل شعبى بلا شك بمعنى أن الكاتب إنما يأخذ تأثيره من جمهوره فيصل إلى شهرة ما :
ينام ملء جفون عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصموا
ولا شك أن الشهرة لا تصلح معيارا نقديا ثابتا ؛ فهناك من الكتاب من يتمتع بشهرة مع ضعف إبداعى وهناك من هو مجهول بلنسبة للقارىء رغم جودة إبداعه ؛ولا يمنع ذلك أن الشهرة هدف فنى وإنسانى نبيل فى معظم الأحيان ومنذ " طبقات بن سلام" ونحن نجد ميلا للشهرة؛ بل انظر لتعبير ابن سلام فى اختياره لشعراء الطبقات :
" ذكرنا العرب وأشعارها والمشهورين المعروفين من شعرائها …………" (1)
والشعبية نتيجة مباشرة للشهرة والأدب الشعبى هنا مصطلح أعمق وأوسع من مفهومه التراثى الضيق ..
فالأدب الشعبى كما يراه أستاذنا الدكتور حسين نصار "
" هو الأدب الذى يصدره الشعب فيعبر عن وجدانه ويمثل فكره ويعكس اتجاهاته ومستوياته الحضارية " (2)
والأدب الشعبى هكذا لا يعتمد على الألاعيب البلاغية الطافحة فى النص إنما يميل بحكم تقاليده إلى لغة سلسة يسيرة ، مبسطة يستخرجها ، كمجرد أداة لتوصيل الفكرة وليستغرضا فى حد ذاتها ، مما يجعل الدكتورة عفاف البطاينة " تعتبر الرواية الشعبية جنسا روائيا " (3)
ولا شك أن السينما كانت صاحبة الأثر الأكبر فى شعبية إبداع إحسان إذ أنه أول كاتب مصرى فى قائمة الكتاب الذين تحولت أعمالهم للسينما والتلفاز فيما بعد ..
حوالى 43فيلما منها النظارة السوداء /أين عمرى / حتى لا يطير الدخان / الوسادة الخالية / فى بيتنا رجل / أنا حرة / لا تطفىء الشمس / أبى فوق الشجرة / شىء فى صدرى / امبراطورية ميم / الخيط الرفيع / لا تسألنى من أنا / الراقصة و الطبال / الراقصة والسياسى /إلخ ..
ولهذا فإحسان يقرر فى ذكاء وصدق شديد قائلا :
" الكتابة قضية عمرى ، بدونها لا أعرف كيف أعيش ، العالم بدونها يصبح بلا معنى وكتابة القصة تسعدنى عن الكتابة فى السياسة " (4)

ـــــــــــــــــــــــــــ
(1)محمد بن سلام الجمحى – طبقات فحول الشعراء - تحقيق محمود شاكر - طبعة الذخائر-هيئة الكتاب -2001م - صـ 30 ج1
(2)الدكتور حسين نصار – الشعر الشعبى لعربى – دار الرائد العربى – لبنان –1982- صـ 12
(3)عفاف البطاينة – مرجع سابق
(4) نقلا عن جريدة الزمان – العدد 1711 فى 17/1/2004


آسف لم أعد أستطيع …. الرسالة :
تحتوى هذه المجموعة على سبع قصص قصيرة وتقع فى حوالى مائة وسبعين صفحة
والقصص هى : الراقصة والطبال / قبل الوصول إلى سن الانتحار / آسف لم أعد أستطيع / كان يعيش مع لسانه / الزجاجات الفارغة / قبل أن تخرج الحقيبة من الباب / شباك كلها ثقوب
أما لماذا القصة القصيرة ؛ فلأنها بتعبير الدكتور سيد حامد النساج
" مولود هذا القرن "(1) بالطبع المقصود القرن الماضى حين طبع الكتاب
فهى باتفاق فن حديث ، وحظها من النقد قليل ،بل ربما كان النقد وراء تأخر الاعتراف بها بسبب رأى الناس فى القصة بشكل عام ؛ حي كانوا يعدون القصة عامة والقصيرة بشكل خاص شيئا يتلهى به الإنسان فى أوقات الفراغ ؛"كما يعتبرون كاتب القصة متطفلا على موائد الأدب ،ولا يستحق أكثر من الإهمال والاحتقار " (2)
والقصة القصيرة مصطلح بالفعل مراوغ ؛ مشترك بين كتابات منها ما هو إباع ومنها ما هو عابر ، فحدودها ليست صارمة بل إنها تعود لما يمكن أن نسميه بالتقبل ..
وهنا ندرك أن الكثيرين يخلطون بين القصة القصيرة والحكاية والحدوتة والأسطورة ، غير أن القصة بمعناها الفنى قد تكون أكثر تحديدا ، رغم ما يستشرى الآن فى الفن من دعوة إلى تماهى الأنواع والخلط بين الأشكال الإبداعية مما يجعل الدكتور مدحت الجيار فى كتابه " علم النص .. دراسة جمالية "يرى أن النص الأدبى هو بنية مفتوحة قابلة للتشكل الدائم "
وهوما لا يعنى الخلط بين الأشكال الأدبية بقدر ما يعنى الاتصال بينها .
والحق أن العرب يعشقون فن القصة ، بل إن الشعر العربى فى بداياته التى تمتد لما قبل الأسلام قد أولع بالقصة ووردت فيه بكثرة ظاهرة فى أشعار إمرىء القيس وعنترة وغيرهما
ولما جاء الإسلام ذهب بعض المسلمين للنبى قائلين له : " يا رسول الله لو قصصت علينا "
فأنزل الله تعالى " ألر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تتقون نحن نقص عليك أحسن القصص " (3)
هذه إذن مظاهر عابرة لقيمة القصة فى الأدب العربى ، ولذلك كان الاختيار لعمل متداول وشهير لإحسان لأنه يعطى صورة عن القصة القصيرة وأسلوبها عند كاتبنا ويبين خصوصية أسلوب المبدع فى إبداعه …
والملاحظة الأولى التى تصافح عيوننا هى خصوصية استخدام العنوان بما تحمل من عبقرية ورشاقة وتميز ، فالعنوان وهو عتبة النص كما يسميه البنائيون يمنح القصة عمقا أو تسطيحا حسب قدرة القاص وقدرة العنوان ذاته على إثارة الذهن …
وتبدو االصحافة بآثارها الجلية على كاتبنا فى الأسلوب ورشاقة اللفظ وخاصة فى اختيار العناوين بما تحمله من تلميحات ورشاقة وغموض .
فتعامل إحسان هنا مع اللغة باعتبارها " شكل وليست جوهرا " بتعبير دى سوسير (4)
ـ
ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) دكتور سيد حامد النساج - تطور القصة القصيرة – مكتبة غريب - مصر -1990م صـ 35 [ الهامش ]
(2) السابق صـ 31 /32
(3) انظر أسباب النزول للنيسابورى – نقلا عن الدكتور مصطفى عبد الشافى الشورى – التراث القصصى عند العرب – سلسلة ذاكرة الكتابة – الهيئة العامة 1999م صـ 19
(4) كانت هذه العبارة هى الخلاصة التى توصل لها العالم اللغوى الأشهر دى سوسير والتى قامت على أساسها
دراسات بنيوية جادة لشتراوس ودريدا وجانلاكان وفوكو وغيرهم .. انظر كتاب "البنيوية وما بعدها "
تحرير جون ستروك - ترجمة الدكترو محمد عصفور – سلسلة عالم المعرفة – الكويت –
عدد 206 صادر فى فبراير 1996م صـ 19



والعناوين هنا تأخذ القارىء من يده جاذبة إياه ، حيث تكون فى أغلبها مقتطعة من سياق

وهو ما يوحى باتصالها الأكيد بالنص ؛ وبمدى الكمون القصصى القابع فى ذات العنوان ؛ فإن تجاوزنا – مؤقتا عن الرسالة وولجنا إلى القصة الأولى "الراقصة والطبال" سنصطدم فىمدخل القصة بـ " عبده الطبال" هذا الفنان المعتزجدا بفنه وبذاته إلى حد الوله ، حيث يرفض أن تكون الطبلة تابعة للراقصة ، لأنها هادية لها ، فالراقصة هى التى تنتظر الطبلة لا العكس ، بل يعمل على أن يعزف منفردا ؛حتى يرى واحدة من راقصات الموالد " مباهج " ويسعى ليجعل منها فنانة محترمة يتحول من خلالها إلى عازف وليس طبالا وينجح بالفعل فى تحقيق أحلامه إلى أن تصبح " مباهج " نجمة وتبدأ فى التمردعليه ويبدأ صوت الجسد فى التصاعد أثناء رقصها حتى يتوارى الفن خجلا .. رغم أن عبده الطبال رفع الطبلة بين يديه وكأنه يهم أن يلقى بهاويحطمها فوق الأرض .. لكنه توقف واحتضن الطبلة وابتعد عن الراقصة .
هذه هى الخطوط الأساسية فى القصة ورغم أن تلخيص القصة القصيرة مثل الترجمة خيانة فكرية لصاحبها غير أن قصص إحسان تعتمد كثيرا على الحدوتة ولذلك تصلح من وجه ما للقص ، إن كانت هناك غاية دراسية ..
والقصة تتميز بلغة سهلة سلسة متدفقة لا تترك لقارئها فرصة لالتقاط الأنفاس ؛ وهى ميزة لها قيمتها ، إننا – بتعبير روبرت شولز – إذا ابتعدنا عن اللوحة الفنية لم نعد ندرك الخصائص الدقيقة فيها وكذلك القصة " (1)
وخصائص قصة إحسان واضحة جلية ؛ حيث يتميز أسلوبه بقدرة فذة على الإقناع بوجهة نظر بطل القصة ، وهو يلح فى إقناع القارىء بوجهة نظر بطله حتى لو تعارض ذلك مع السائد :"
" إن الطبال هو القائد الفعلى للفرقة الموسيقية ، إنه المايسترو ………. وبدل من أن يقود المايسترو الفرقة بعصاه فإن الطبال يقودهم بالفرقة " صـ 21
والبلاغة هنا هى البلاغة العابرة الخشنة ، التى يتلاقى طرفاها ببساطة
" وظيفة الأدب؛ فهو "مادة إنسانية الإنسان"،وهي وظيفة تجعل البلاغة لا تنحصر في دراسة الشكل، بل تستوعب التكوين الجمالي للعمل الأدبي في علاقته بالإنسان والحياة. فعندما تقوم البلاغة بالبحث في كيفية تعبير القول عن الإحساس بالجمال، فإنها تتولى ذلك من منطلق يرى النشاط الوجداني جزءا لا ينفصل عن مظاهر الشعور الأخرى."(2)
ولذلك تجد اللغة تقوم بدور بلاغى هادىء وليس مصطنعا ، تشابيه خشنة قريبة فى وجهيها
" إن الطبال فى نظر الناس هو مؤخرة الراقصة " صـ 21
والهدف الفنى الذى تحمله القصة هو ما يعطيها قيمتها ؛ إنها تطرح ببراعة قضية الأصيل والزائف فى الفن والحياة ، يطرح قيمة الروحانى فى مقابل الشهوانى ، وقد جاء الطرح شعبيا قريب المنال من قارئه .. وهذه الشعبية ظلت تطبع أعمال إحسان وتمنحها قبولا هائلا لدى جمهور تأكل الأمية نصف فؤاده ، ويأكل الفقر نصفه الآخر بتعبير شاعرنا الحبيب سيد حجاب
والشعبية هنا لا تعنى اللغة المبتذلة أو التناول المباشرالسطحى إنما الشعبية تعنى عدم التعالى على القارىء ، فالقضية رغم شفافيتها؛ فقدعبر عنها الكاتب بسلاسة وتدفق من خلال مسألة قريبة الفهم ،بحيث يأتى الرمز موحيا ، محققا ما أشار إليه الدكتور غنيمى هلال بأن الأصح أن نسمى المذهب الرمزى بالإيحائى فكل مظهر حسى إنما هو رمز لحقيقة أو إيحاء بحقيقة لا نراها ولا نحسها " (3)
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) روبرت شولز- عناصر القصة – ترجمة محمود الهاشمى - نت
(2) الرأى للعلامة أمين الخولى نقلا عن الكاتب المغربى والناقد محمد مشبال - موقع مجلة المحور على شبكة المعلومات .
(3) دكتور /عبد الرحمن القعود – الإبهام فى شعر الحداثة – سلسلة عالم المعرفة – عدد 279مارس
2002م صـ 101نقلا عن د/ غنيمى هلال " الأدب المقارن "
بين الذاتيـــــة والشعــبية :
نعود إذن لملامح الذاتية والشعبية فى مجموعتنا مع قصة تالية هى " قبل الوصول إلى سن الانتحار "وأجمل ما فى القصة هذه السذاجة المحببة فى شخصية بطل القصة الأستاذ شفيق عبد الغفور أستاذ اللغة العربية ، الذى ينتظر الإحالة إلى المعاش ،- سن الانتحار – وتدور القصة كلها زمنيا أثناء فترة عقد امتحان يراقب فيه الأستاذ شفيق وأثناء ذلك يراجع حياته بأكملها ، ويعترف فى عقله بأخطائه جميعا وكأنه يمارس مع نفسه نوعا من التطهير للذات من خلال ما يشبه التداعى بين واقعه وماضيه وبين واقع الطلاب وماضيه مقارنا بين أخطائهم وأخطائه ؛ بداية من حديثه لذاته عن عمله بالدروس الخصوصية وألاعيبه لنيلها ، ثم يبدأ الكاتب من ذهن بطله يصب أفكاره الخاصة حول الموضوع الذى يناقشه ،كأن الدروس الخصوصية سرقة ونصب ومهانة للمدرس على إطلاقها فالطلبة لا تحتاج المدرس الخصوصى ولا .." تضع بوزها فى بوزه ساعة أخرى بعد المدرسة " ثم الخدمات المتبادلة بين المدرس وتلميذه ، الطالب يقدم رشوة للمدرس فى شكل درس والمعلم يقدم رشوة للطالب هى مساعدته فى النجاح …… ثم يبدأ الكاتب فى استعراض نماذج الطلاب الذين يردونه إلى ذكرياته الأولى أولهم طالب متمسح بالقرآن الكريم لكى يغش من داخله ،ويذكره هذا الطالب بنفسه وهو يغش الكلمات الإنجليزية من المصحف يوما ما .. ويكمل جولته حتى يصل إلى الطالب حاتم المبالغ فى كل شىء ،
" إنه دائما فى أقصى درجات التطرف ،إنه دائما جدا "
ويعود لذاته ويتذكر شبابه ،وتطرفه فىأزياء الموضة أيامه وكيف لاقى اعتراض الأهل ، ويتذكر يوم التقى حاتم فى حديقة ، كان الولد مع فتاة والمدرس مع زوجته ، وقد أصيب بالحرج ، وتذكر يوم التقى أستاذا له فى بيت سىء السمعة وكيف تغيرت المعاملة بينهما من القسوة إلى الخشية المرتدية ثوب صداقة ..
ثم يأتى دور ابن الوزير الجالس فى اللجنة ثم يعود يذاكرته إلى فتاة كان يدرس لها ثم عشقها وكانت تسمح له بالقبلة واللمسة حتى نسى نفسه ؛ فذهب وراءها إلى الإسكندرية ليجدها فى أحضان شاب آخر من عمرها فى البحر…. وتنتهى القصة به وهو يصر على منع ابن الوزير من الغش وإلغاء انتدابه مع كامل شعوره بالسعادة حين صار على المعاش وهو راض عن نفسه أمام واقعة غش ابن الوزير ….
والقصة هنا تستعرض قصة حياة فرد يتعرى أمام ذاته رغم ما يُشعر به الآخرين من أنه مثال حى على الاستقامة ، غير أن إحسان هنا يكتب عما لا يعرف ، يكتب سماعا فالمعلم أيا كان لا يخرج إلى المعاش وهو معلم ، بل يرقى إلى مناصب أخرى ، فوق أن المراقب يكون معه آخر لم تلفت القصة النظر إليه مطلقا ،.. والقصة تظهر الطابع الذاتى لأدب إحسان ، وليس المقصود هنا أنه يتحدث عن ذاته ولكن يتحدث عن أفكاره تجاه موضوع ما ..
والذاتية هنا – كما يذكر أستاذنا الدكتور عبد الحميد إبراهيم – ليست فردية ولاا نغلاقا لكنها تعنى بالتحديد الخصوصية والتميز فى الرؤية " (1)
والذاتية تتضح هنا فى تحميل البطل بأفكار الكاتب نحو أمر معين ؛ بحيث لا يكون الراوى جاهلا بأى أمر من الأمور ، والأفكار لدى البطل تتناسب تماما مع المرحلة المقبل هو عليها إذ أن النزعةالسوداوية تغلفها وتشى بحاله ، وقد أحس أنه قد وصل إلى سن الانتحار .
ثم أن صورة هذا البطل [ اللا بطــل ] تذكرنا على نحو ما بجو روايةالكاتب الأسبانى العظيم " ميجيل دى سرفانتس " دون كيخوتا " كما يترجمها الدكتور عبد الرحمن بدوى ؛ حيث يرتكب المعلم كل الموبقات ،من زنا ورشوة وانحلال وغش ورغم ذلك يظهر راضيا عن نفسه كل الرضا ، هذه الرؤية العبقرية التى أطلعنا عليها إحسان تكشف قدرة على الفضح الهادىء فى أرقى صورة ، والحق أن كل لمحة فى القصة تصلح فى صياغتها كقصة مفردة .
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) د/ عبد الحميد إبراهيم – الرواية العربية والبحث عن الجذور - كتاب التأصيل - صـ 100 دون تاريخ

وقد خرج فيها إحسان من موضوعه الأثير [ المرأة ]،ليعيد تقييم رحلة كفاح إنسان …
وتبدوملامح الذاتية جلية ؛ إذ أنها أفكار متتالية لمؤلفها ؛ وملامح بطلها غائمة تماما ، ولذلك فالبطل هنا هو المؤلف لأنه يتحدث يعقله وفكره وأيضا هناك اتفاق ضمنى فى رأى المؤلف الذى طرحه فى رسالته لعبد الناصر لتى طرحها فى بداية الكتاب :
" إنى مؤمن بالله يا سيدى الرئيس ….
لست ملحدا ، ولعلك لا تستغرب أنى أصلى ،ولا أصلى تظاهرا ولا نفاقا ؛ فإن جميع مظاهر حياتى لا تدل على أنى أصلى ، ولكنى أصلى لأننى أشعر بارتياح نفسى عندماأصلى " صـ 13
- مسائل بنيوية فى سرد إحسان :
وفى " آسف لم أعد أستطيع "تبدأ ذات الكاتب من تنبيه يسبق به قصته:
" صدقونى .. هذه حكاية أخرى سمعتها وأنا أطوف العالم ، حكاية واقعية حدثت منذ سنوات طويلة ؛ وأنا أسمع من ناس مسئولين يكشفون أسرارا تصلح للنشر كأخبار
ولكن عادتى أعيش الواقع بخيالى ……………… "
هذه أول ملامح الذاتية فى القصة ، فالتنبيه هنا من إحسان ذاته بمعنى أن الكاتب لا يستتر وراء شخصية وهمية ،إنما يقول لنا " صدقونى " وكأنه يقول لك ثق فيما ستقرأه وتتعجب له لأن الذى سمعه ونقله لكم هو إحسان عبد القدوس …
هذه أعلى درجة من الذاتية فى عمل أدبى ، لأنه يخاطب القارىء مباشرة بدون أى حيلة فنية وكأنه كل سطر يقول للقارىء أنا معك أنا أكتب لك …..
وتبدو سمة عامة فى هذه المجموعة فى الاعتماد على الشخص الغائب ، بل كل قصص المجموعة ما عدا واحدة يرويها الشخص الثالث ، وتبدأ جميعا بفعل ماض :
- " جلس عبده الطبال بجانب خشبة المسرح " صـ 19
- "كان الأستاذ شفيق ………………………. " صـ 49
- " كان عصام رفعت ضابطا فى الحرس .. " صـ 87
- "كان ضعف مصطفى عبد القادر فى لسانه " صـ 121
- " جلس الأستاذ إبراهيم ……………… " صــــــــ 135
- " كانت سميحة جالسة عند المقعد …. " صـــــ 153
- " كان كل بلد أسافر إليه ………….... " صـــــ167
ورغم اختلاف النقد فى مسألة الراوى الحقيقية ، فإن قصص إحسان لا تنشغل بهذا الخلاف ، فالنقاد يقولون أنه الكاتب، وآخرون يقولون أن الراوى هو الخالق الذى يبدع كل شىء ؛ ويرى هنرى جيمس وسارتر أن الراوى هو المؤلف ذاته ولكن بعد قصر رؤيته على شخصيته ،بينما يفرق البنائيون – واللفظ لأستاذنا الجليل الدكتور صلاح فضل – بين الراوى والمؤلف ، مؤكدين رمز شخصى وآخر لا شخصى ، والقصة كلها تدور حول النوع الثانى ، فهى رمز لا شخصى حيث أنها عمل موضوعى بحت ؛ فإن كان المؤلف هو صاحب القلم ؛ فهو بالرغم من ذلك صورة هاربة سرعان ما تفلت من أيدينا " (1)
وللدكتور عبد الملك مرتاض رأى رائع ومباشر وأقرب للذوق العربى ، يقول :
"المؤلف ببساطة يكتب رواية مؤلفة من حكايات وشخصيات وهو الذى يضع كل مكوناتها السردية ؛ وهو الذى يعبر عنها بلغته الخاصة " (2)
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) د/ صلاح فضل - نظرية البنائية فى النقد الأدبى - مكتبة الأسرة -2003م صـ 289،290 والدكتور صلاح يرجح لفظ البنائية عن لفظ البنيوية السائد فى كتابات النقاد المغربيين وغيرهم لأسباب جيدة ذكرها فى مقدمة كتابه .
(2) د/ عبد الملك مرتاض – فى نظرية الرواية – سلسلة عالم المعرفة – الكويت عدد 240 ديسمبر 1998م- صـ 243


فإن عدنا إلى " آسف لم أعد أستطيع " فنحن أمام قصة مخاتلة مخادعة ذكية فى بنائها ؛ حيث تبدأ بالحديث عن عصام رفعت ؛ ضابط الحرس الجمهورى ، مع عرض بانورامى أولى لطبائع الرجل وزوابعه ، ثم يدخل الكاتب إلى أعماق شخصيته مفسرا تصرفاته نفسيا ممتعا مقنعا ،فقشرة الغرور التى تغطيه ، ما هى إلا غطاء لانعزال داخل الذات ، وإعراضه عن النساء ما هو إلا عودة لأعماقه الفقيرة ، لكنه يلتقى بانة نائب رئيس جمهورية فى دولة آسيوية ، تلقى شباكها عليه وتشتهيه وتعرض عليه الزواج ويقبل ،ثم يكتشق طبيعة مرضها " شدة الشبق للجنس " ويعبر الكاتب عن ذلك ببراعة واضحة :
- " طبعا إنى حرة ، هات الأوراق وتعال لنوقعها ، ودعنا ننم " صـ 93
ويتم الزواج وتخيب كل آماله من مشروعه ، بل إنه يخسر عمله ويظل ظابطا بلا عمل هام ولا يفتح له صهره أبواب العمل والتجارة والعلاقات كما كان يتصور ، ويخسر يخسر حتى :
" أصبح يحس أنه أصبح سجينا سجين غرفة النوم ، أصبح محكوما عليه فوق الفراش الذى يجمعه بها " صـ96
ويظل بطلنا عرضة لاستنزاف "ميتا "ابنة نائب الرئيس حتى يطرق باب الصيدليات ويطلب منها ما يسد جوعها الدائم والمرضى للجنس ….حتى يقرر الطلاق ؛ فنكتشف طبيعة الخديعة فى العمل إذ أن البطل الحقيقى فى القصة " ميتا " وليس الضابط ، فقد مضت أيام حتى تعرفت فى ظروف سرقة حدثت فى بيتها على رشاد خلف الله " ضابط المباحث الذى جاء للتحقيق فى سرقة بسيطة لديها ، ورشاد خلف الله " كان يؤمن بالحلول السريعة بحيث يمكن أن تعتبرها مفتاحا لشخصيته ،ويبدأ الكاتب فى تحليل مواقفه تبعا لهذا المفتاح الذى افترضه وصولا بتطبيق الحل السريع فى علاقة الضابط بميتا التى يقرر أن يستقيل ويتزوجها ،نفس الآمال التى سبق وأن زارت عقل سابقه ؛ ولكن رشاد يزيد على ذلك ويسافر معها إلى بلادها ؛ فلا يجد استقبالا حارا ولا ترحيبا لا به ولا بها ؛ بل هى تغرق أسابيع فى فراشه تمتصه بلا أى رغبة منها فى إتمام الزيجة ؛ ولما يصر على طلبه بالزواج ومقابلة أبيها يكتشف أنها عائلة مشوهة " أب غير مسئول عن أى شىء ، وأخ شاذ جنسيا ؛ والعائلة تسمح بإقامة ابنتهم مع غريب فى جناحها بلا زواج ، فإذا تزوجها فلا مكان لا له ولا لها ، ويقرر صاحبنا العودة بعد كل هذه الخسائر ……
والقصة هنا كأنها ترسيخ عملى لنظرية تادروف عن بنائية القصة :
" الحد الأدنى لأى قصة يتمثل فى الانتقال من حالة توازن إلى حالة فقدان توازن مبدئى ، ثم تأتى قوة ثالثة لتعيد التوازن مرة أخرى ، ثم انعدام التوازن ، ثم عمللية إعادته ثم التوازن الجديد " (1)
إن لغة القصة تنحو دائما نحو السردية ، مع قليل جدا من اللغة الوصفية العابرة ؛ وقد يلجأ الكاتب إلى الاستطراد سعيا نحو؛ وتةوصيل وجهة نظره الشخصية إلى قارئه ، والتى كثيرل ما تتعارض مع رأى القارىء ؛لكنها وسيلة ناجحة فى وضوح ذات الكاتب وفكره الذى يملأ به قصصه ، وكذا المعلومات التى تنساب هادئة فى حنايا القصة ولا تصدم القارىء ؛ ولا تعطل التدفق الشعورى للعمل ، لأنها تأتى فى سياق رسم جوانب الشخصية وهو يفعل ذلك كله فى لغة لا تتعالى على القارىء مطلقا ربما تحقيقا لما يقوله بشر بن المعتمر :
"ينبغى للمتكلم أن يعرف أقدار المعانى ،ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين ،وبين أقدار الحاجات فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما ، ولكل حال م ذلك مكانا "(2)

ــــــــــــــــــــــــــ
(1) tadrov - literture signfication
نقلا عن الدكتور صلاح فضل - مرجع سابق - صـ270/271
(3) أورد ذلك الجاحظ فى البيان والتبيين – ج1 تحقيق حسن السندوبى – القاهرة – 1947م صـ153

- الرسم بالكلمات … وسمو أدب الفراش :
" أدب فراش " تعبير قاس صكه العقاد ليصف به إبداع إحسان ، فهل سيطر هذا الوصف بالفعل على كل إبداع إحسان ؟ !!!
** فى قصة" كان يعيش مع لسانه " يمنحنا الكاتب لحظات من المتعة الساخرة القاسية فى سخريتها من طبائع البشر ، كتابة تذكر – مع اختلاف المقام – بكتابات الجاحظ – لنجد ما يشبه الصورة الكاريكاتورية بالغة اللطف لشخصية مصطفى عبد القادر الموظف الناجح المتفوق ، والذى لا يعيبه سوى الرغبة الدائمة فى الكلام والثرثرة التى لا تتوقف ،وقد ورث هذا الطابع عن أمه التى كانت تسيطر على البيت من خلال ثرثرتها الدائمة :
" كانت تقف فى المطبخ وهى تحادث نفسها …. هل هذه كوسة .. النصاب ابن النصاب يبيعنى الكوسة كأنها قطع من الحجارة " صـ 121
وحين تزوج سعاد ؛ كانت هذه مشكلتها الكبرى ، إذ أن مصطفى كان :" يعتبر نفسه إنسانا طبيعيا " صـ122
وفى مشهد غاية فى الروعة والعمق فى تفسير للحظة الحرجة الكاشفة عن شخصية المرأة وطبيعة تمتعها النفسى " مشهد ليلة الدخلة
" وأنه لا يكف عن الكلام ؛ إنه يرفع يدها إلى شفتيه ويقبلها ثم يعود يتكلم .. ويخلع عنها ثوبها وهو يتكلم وأكثر .. إنهاأصبحت بين أحضانه وهو يتكلم " صـ123
وكان طبيعيا أن يتم الطلاق ، وتمر سنوات ويسافر بتكليف من الشركة إلى كوريا، ويزور بنات الكيسنج ،التى هى كصاحبات بيوت الجيشا فى اليابان ، ودخل البيت وجلس بجانب الفتاة الكورية " باولا تاو " يحادثها بالإنجليزية وهى لا ترد لأنها لا تتكلم الإنجليزية وهو سعيد بهذا الصمت والاستماع حتى لو لم تفهم ما يعنيه ؛ لكنها تصمت وتبتسم ، ولهذا السبب الوحيد يقرر الزواج بهذه الفتاة التى منحها الله الصبر على الاستماع ، وبعد أن وافق المسئولون عنها ، وخرجت معه من بيوت الكيسنج ؛ وفوجىء أنها تتحدث الإنجليزية ببراعة مطلقة ، وفسرت له الأمر بأنه من الممنوع على فتاة الكيسنج أن تتحدث سوى اللغة الوطنية ليشعر جليسها بأجواء كوريا القديمة ؛ والأخطر حين تخبرهأنها ستعوضه الأيام التى تركته وحده يتكلم ، وير

والقصة – على بساطتها – تمتلىء بلمحات كاشفة عن فكر إحسان الذى يسعى لفضح زيف الطبقات العليا الكاذبة ….
" كيف يتزوج من بنات الكيسنج .. لا يهم ؛ إن مصر لا تعرف شيئا عن بنات الكيسنج، ثم إن مصر مليئة ببنات يستقبلن الضيوف العرب ويرقصن لهم ، ويقيمن لهم الحفلات ولا يسمين أنفسهن كيسنج ؛ ولكن يسمين أنفسهن بنات عائلات " صـ 130
هذه هى الخبرة الشخصية فى القصة التى تعبر عن ذات الكاتب بجلاء وفهم عميق ؛ وتصديق للذوق العربى القديم ، منذ قال ابن خلدون من أن علم الأدب المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته ، وهى الإجادة فى فنى المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم " (1)
إن معالجة قضية الجنس فى القصة جاء راقيا شديد الرقى ؛ حيث احتوت قماشة القصة على منحنيات ونسيج يصلح للمعالجة الإيروسية ، ولكن إحسان تناولها تناولا عابرا نظيفا ، وقد رأى الدكتور غالى شكرى رأيا عجيبا فى الوصف الجنسى فى قصص إحسان ؛ حيث يقول :
" إننى أرى أن اللحظة الميكانيكية فى الجنس كما يبدأ فى تصويرها إحسان وينشط خيال القارىء فى تكملتها ؛ ويرجع ذلك إلى المنهج القاصر فى التعبير " (2)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) المقدمة - باب علم الأدب - دار ابن خلدون ومطبوعة فى مجلد واحد صـ 408
(2) د/ غالى شكرى – أزمة الجنس فى القصة العربية – دار الآفاق العربية – بيروت صـ 188


ولماذا لا نسمى الأشياء بأسمائها ؛ لنقول بأن إحسان يوظف الجنس فى سبيله لإظهار البعد النفسى لشخوصه ؛ بحيث يأتى تحريك أبطاله بعنفوان وحراك نشط فى النص ، ملتقيا بنجاح العمل القصصى مع سائر أدوات الكشف فى عوامل القصة الأخرى كمونولوج داخلى ، والزمان والمكان وما يحمل من إسقاطات شعورية وأدوات العبور من كينونة النفس حتى انسكابه على النص فى لغة مقتدرة " (1)
وعمل إحسان هنا يشبه الحدوتة أو النكتة القائمة على المفارقة ،- كوميديا الموقف ؛ بين جلال لحظة الزفاف ، ولحظة احتضان الزوج لحبيبته لأول مرة باطمئنان ، وبين رغبة الزوج فى الكلام . ومن هنا يكشف الكاتب قدرة ظلت مهملة فى اصطياد مواقف إنسانية تصلح للسخرية العميقة اللطيفة ، وتبقى ذات إحسان فى خبرته الشخصية فى النص ،وفى سيطرته على أبطاله حيث يحركهم بيسر وسلاسة من قمة النجاح إلى قمة الفشل أو العكس ، من قمة الحب إلى الكراهية ، من الرأى إلى الرأى المضاد فى لحظات فسقوط البطل ونهوضه يتم فى عمل فنى قصير ، وهو قادر على إقناعك بشكل وقتى بسلامة مبرراته حتى لحظة تتخلص من أسره وتنهى القراءة تعود لك قناعاتك مرة أخرى ..
فمن منا يعتقد أن الثرثرة قد تفيد ؟
ولكن ها هو أسلوب إحسان المميز :
" وقد تأثر [ بطل القصة ]بشخصية أمه أكثر مما تأثر بشخصية أبيه لأن أمه كانت فى البيت هى الشخصية الأقوى ،الثرثرة قوة ..وبلغ من تأثره بأمه أنهما كانا هما الاثنان يثرثران فى وقت واحد ….. " صـ 122
- الزجاجات الفارغة .. والإفساد بالسياسة :
" الزجاجات الفارغة " من أقصر قصص المجموعة ومن أضعفها فنيا ، قل هى قصة أفسدتها السياسة ؛ وذلك رغم صعوبة الموضوع المطروح من خلال القصة ، فالسياسة فى القصةحسب تعبير " الروائى ستندال " مثل طلقة مسدس فى حفل ، عالية وسوقية إلى حد ما ، ولكنها شىء غير ممكن رفضه لجذب الانتباه " (2)
لكن القصة هنا لم تتحول من محاورة سياسية إلى عمل إبداعى ؛ بل قل إنها محاورة سياسية ذكية وعميقة ألبسها صاحبها ثوبا قصصيا .. فالقصة تدور بين سيدين صديقين ، قطعت السنوات بينهما ودا قديما وزمالة من أيام ؛ إبراهيم أبو طالب ووطلعت مهران وهما صديقان تفرقت بهما السبل وإن بقى الود متصلا بين القلوب ، ثم عاد الصاحب لصاحبه ليدعوه إلى إنشاء حزب سياسى كانا ذات يوم أعضاء به ، ثم يستهلك الكاتب صفحات فى إظهار أسباب رفض أحدهما للفكرة وحماس الآخر لها ، ثم يذهب إلى ملف جديد يفتحه حين يأتى الابن ليناقش أباه فى مسألة انضمامه لأحد الأحزاب ، ويرد الأب على ولده بأنه صاحب الاختيار ، بشرط ألا يخبره بما ينوى فعله ، حتى يتحمل الابن نتيجة اختياره ، فيعلن الابن بأنه سينضم لحزب دينى ، وهنا يصرخ الأب ويرفض ؛ فيخبره الابن أنه سيهاجر حتى يرى نتيجة التجربة الديمقراطية المصرية ، فيقول الأب حزينا : " هذا أسوأ وأخطر ما تعلمتموه منا .
وقال الابن ساخرا : " ماذا علمتمونا أيضا ؟
قال الأب وهو يحنى رأسه فى ياس : الهروب ".
هذه أحداث قصة دارت فى خمس عشرة صفحة ، لا تحمل روحا قصصية لكنها تعالج قضية غاية فى الأهمية هى الديمقراطية المصرية التى حاول السادات أن يضغط على زر فيوجدها ؛
ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر مقال سعاد جبر – ثنائية وعى الذات / الرمز فى الأدب القصصى – موقع التجديد العربى – الإنترنت .
(2) نقلا عن دكتور طه وادى – دراسات فى نقد الرواية العربية – دار المعارف – مصر _ ط2 – 1993م فى ترجمة لمقال إيرفنج هاو حول الرواية السياسية .

ولكن القصة تكشف أسباب فشلها مقدما قصته فى فكر غاية فى البراعة ؛ ولم يكن ينقصه سوى تبلور التجربة ، ونموها واكتمالها ؛ فالقصة تتناول قضية القضايا : الديمقراطية .
لتكشف سوءات الديمقراطية التى تمنحها الدولة من أجل تجميل وجهها ؛ وذلك حين يعرض عليه تشكيل حزب فيسأله صاحبه : " هل استأذنت الدولة " صـ 138
ويبدأ الكاتب السياسى " إحسان عبد القدوس فى السيطرة على عقل القاص إحسان ليضع أفكاره السياسية المباشرة :
"إن الدولة لا تزال هى ثورة 23يوليو ؛ وقد ألغت الثورة الأحزاب "
" إن الضباط الأحرار لم يخلقوا الثورة ولكنهم كانوا القوة التنفيذية للثورة التى
قررتها أحزاب وهيئات مدنية أى قررها الشعب "

" الدولة لا تشرع الأحزاب لكنها تنفذ إرادة شعبية ، بإقامة الأحزاب " صـ139
" الدولة إذا سمحت بتعدد الأحزاب ؛ فليس معنى هذا أنها تسمح بتعدد القوى "
" لن يكون هناك أبدا إلا قوة واحدة " صـ 140
*********************

- إن القصة هنا تظهر ذات إحسان بشكل عنيف ؛ أكثر من قدرة الفن على تحمله ، فالقصة كما يشير " فورستر " تقص حكاية " وفى معرض مناقشة فورستر لهذا الرأى يقول على لسان شخص وهمى يسأله : " إنى أحب الحكاية ؛ خذ فنك ، خذ أدبك ، خذ موسيقاك ، واترك لى حكاية جيدة "(1)
- والفكر فى القصة غاية فى العمق ولكنه لم يتح له السبيل ؛ ليعانق الفن فى القصة ؛ فجاءت الأفكار عارية مجردة ؛ وكان فى مقدور هذه القصة أن تترك قليلا لتنضج ؛ وتتحول إلى قص فنى ؛ وربما كانت هذه القصة قد تحققت فى قضية غاية فى الإنسانية وهى :
- قبل أن تخرج الحقيبة من الباب:
وهى تصوير لحظى لموقف انفصال بين سميحة ومحمود ورغم الظلال النفسية المسيطرة على الموقف إلا أن هناك حدث ، فالزوجة غاضبة تماما فى السطور الأولى بل " كأنها تقاوم أن تقفز إليه وتعضه فى عنقه حتى تشرب من دمه " صـ 153
وعكسها تماما " محمود الزوج الهادىء الرزين الذى أخذ يجمع حاجياته ليهجر البيت ، وتبدأ الزوجة فى محاولات لإثنائه عن قراره :
" هل تذكر يوم اشتريت لك هذا القميص ؟
ثم تذكره بالحفل المقام وهما فى طريقهما إلى هناك وقد اشترت له القميص حتى :
" أتعايق بك أمام خديجة فى سهرتها "
وتظل تطارده بأوهامها وظنونها وشكوكها ثم تذكره بما تيسر لها من أنباء غزواته النسائية فى شقة صديقه عثمان وكيف كانت تتجاوز عن ذلك لأنه فى النهاية سيعود لها ، وربما التقى على سرير عثمان هذا بكل صديقاتها ما عدا خديجة بالطبع ..
ويبدأ الزوج فى شرح السبب وهو يدور حول الزهق والملل إلخ ….
وهنا تتوقف الأحداث ؛ لتبدأ الأفكار فى التدفق حول المجتمعات المتقدمة ونظرتها الحديثة للزواج ؛ ودور الأم ودور الأب ….. ثم تعود الأحداث لتنهى القصة حين تصر على سؤاله حول آخر امرأة جربها ؛ فيلتفت إليها ساخرا ويقول : إنى أستطيع أن أقول لك من أول امرأة جربتها .
قالت مستسلمة للغيظ : من ؟
قال وابتسامته الساخرة تتسع : صديقتك خديجة . صـ 163
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)أ. م. فورستر - أركان القصة - ترجمة كمال عياد جاد - مراجعة حسن محمود - الهيئة المصرية العامة للكتاب -
مكتبة الأسرة 2001-مصر - صـ 45


والقصة هكذا تبدو كسابقتها تنحو منحى خطير نحو القصة الأحجية أو النكتة التى أشرنا أنها تعتمد على المفارقة البينة بين المقدمة والنتائج ، وخطورة هذا النوع من القصص فى اعتمادها على حبكة تقوم على مفاجأة القارىء ؛ فإن توقع القارىء النهاية ضاعت قيمة القصة ؛ كذلك لا تصلح القصة للقراءة سوى مرة واحدة لأن الجانب الإنسانى فيها غائب غائم ، ولا مبرر لهذه النهاية التى اعتمدها الكاتب سوى فضح الطبقة العليا من المجتمع وهو ما يردنا إلى الرسالة التى صدر بها الكاتب مجموعته والتى يدافع فيها عن نفسه ضد من اتهموه بتهمتى : الجنس والإلحاد " ويقصد بالجنس بالطبع الكتابةالجنسية أى التى يلعب فيها الجنس دور المحرك للأحداث ، وقراءة الرسالة تعطينا صورة للوعى الحاد لدى إحسان بمشروعه الفكرى ؛ فهو لا يكتب للتسلية العابرة إنما يصطنع مشروعا فكريا ضخما له ملامحه المميزة والتى أهمها على الإطلاق الحرية المطلقة المسئولة …..

فمن أين بدأ إحسان عمله القصصى ؟
يقول : " تفكيرى فى القصة يبدأ دائما بالتفكير فى عيوب المجتمع ؛ وفى العقد النفسية التى يعانيها الناس ؛وعندما أنتهى من دراسة زوايا المجتمع أسجل دراستى فى قصة " صـ 10
إنها شهادة هامة جدا لصاحبها .. وتحل إشكالية نقدية مطروحة فى أدب إحسان وهى احتمال طغيان الفكرى على الفنى فى بعض الأعمال …. وهو احتمال قائم نتيجة سيطرة المشروع الفكرى
إنها شهادة تحل إشكالية ضخمة فى فن إحسان ؛
وبتعبير " فورستر "
: حيث إن الروائى نفسه إنسان ؛ فهنالك تقارب بينه وبين موضوعه ، ينعدم فى كثير من أشكال الفن الأخرى . (1)
إن المبدع يخلق شخوصه بتعبير فورستر ؛ ولذلك لا يعتمد التطور السردى على فى القصة على القدرية أو منطق المصادفة ؛ فهى أمر نادر فى إبداع إحسان ؛ بل تسيطر ذات المؤلف على منطق العمل الفنى الذى يحمل دائما رؤى تتوافق مع مبدعه وتحمل وجهة نظره .
ولذلك يسجل إحسان هدفه من إبراز هذه العيوب ألا وهو أن يحس الناس أن أخطاءهم ليست فردية ؛ بل هى أخطاء مجتمع كامل ؛ أخطاء لها أسبابها وظروفها داخل المجتمع ؛ ونشر هذه العيوب سيجعلهم يسخطون وسيؤدى بهم السخط إلى الاقتناع بضرورة التعاون على وضع تقاليد جديدة لمجتمعنا " صـ 10/11 من المجموعة


***********








ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فورستر – سابق - صـ 67

شباكـــــــه وثقـــــوبها :

وهنا تبرز ذات كاتبنا جلية واضحة بلا مواربة مع بداية القصة ؛ بل إنه يستأمن القارىء على سره
[ هذه ليست قصة .. إنه حادث كان يمكن أرويه كما أتصوره وهكذا أنا دائما لا أستطيع أن أهرب من خيالى ويضيع منى الصحفى داخل الأديب] صـ 167
هكذا يضع تقديما قصيرا لقصته داخل مستطيل فى بداية القصة حيث تظهر ذات الكاتب هذه المرة تصارع إبداعه ؛ فالقصة هنا بالفعل تصلح خبرا صحفيا ؛ بل انظر لتعبير إحسان " يضيع منى الصحفى داخل الأديب " ثم بعد كلمة واحدة تبدأ القصة وأيضا بشكلها الذاتى الحقيقى :
" كان كل بلد أسافر إليه أسمع قصة ؛ وفى رحلتى الأخيرة سمعت قصة حافظ حمدى"
لماذا كل هذا الحضور الطاغى للذات ؟

إن إحسان يشعر أن هذا الحضور يمنح القصة مصداقيتها المأخوذة من مصداقيته لدى قارىء يحبه ويثق به ؛ ثم إن المجموعة – وغيرها من أعماله – تفوح منها عطور المعرفة ؛ والمعلومة التى تفيض بها قصصه لابد لها من معرفة ؛ وللعلم أن هذا كلام الصحفى إحسان عبد القدوس يعطى للمعلومة صحتها ؛ وللقصة تأثيرها :
" المسلمون هناك فى تايلاند قوة لهم خمس ولايات من ولايات تايلاند يمثلون بها الأغلبية المقهورة الضعيفة أمام سيطرة البوذية " صـ 168
الكاتب هنا يكتب عن قرب ومعرفة وإدراك ؛ والقصة تدور حول حافظ حمدى ،والأسماء لدى إحسان لا تشير لشىء سوى الديانة أو الجنسية أو المستوى الاجتماعى ولا يحاول أن يستنطقها ويحملها صفات شخصية كما يحاول البعض أن يفعل ذلك
لأن الاسم لا يدل مطلقا على طبائع شخصية
حافظ حمدى هذا نجم مجتمع بانجوك ، عاصمة تايلاند تقدمه القصة باعتباره تاجر مصرى مسلم ناجح له تأثير شديد فى المجتمع وتأثير خاص بين المسلمين الذين يجلسون أمامه وهو يشرح لهم القرآن والسنة ؛ ورغم ذلك فعلاقته بالبوذيين طيبة ومهمة ؛ بل إنه يؤدى المناسك البوذية أمام تمثال بوذا ، حتى إن خادمته فى الفيلا " أوكشيه " بوذية رقيقة جميلة ….
وفجأة يموت حمدى ويذهب المسلمون لاستلام جثته وتشييعها ويفاجأ الجميع باختفاء الجثة ويلاحجظون أيضا اختفاء الخادمة " أوكشيه " وحين يعثرون عليها فى المعبد نجدها تصلى أمام جثة حافظ حمدى ؛ والكهنة مصرون على أنه بوذى ،ة وتشتعل الحرب حتى تتدخل السلطات لتسليم الجثة للسفارة ، ويسير المسلمون بها كأكبر جنازة إسلامية ، حتى تحدث مفاجأة ثقيلة ………………..
وهى وصول برقية إلى السفارة المصرية تؤكد أن حافظ حمدى يهودى وزوجته يهودية ، وصاحب الرسالة يهودى ؛ وبالفعل يتضح أنه يهودى هاجر من مصر عام 1955م ثم هاجر لفرنسا ثم إسرائيل ثم تايلاند ؛ ثم يعلق الكاتب :
" إنها حكايةاليهودى الذى يلعب بشبكة الأديان ويصطاد بها المسلمين والبوذيين ، ولو احتاج لاصطاد بها المسيحى … إنها شبكة عريضة تسع العالم .. وكلها ثقوب "
والقصة بهذه الوضعية انتقلت من زروة درامية إلى ختام هادىء لتصحيح الوضع لدى القارىء
حيث بطل القصة الذى يمثل بطولة وهمية ويخفى حقيقة بشعة وينكر وضعا معينا من أجل خداع الجميع …. حتى يكتشف القارىء فى النهاية أن فساد اليهود أمر واقع فى النهاية .


- هـــــل إحســــــــان صـــاحب أسلوب :

لا تذكر كلمة الأسلوب أدبيا إلا وعبارة الكونت دى بيفون تتلألأ بحروفها القليلة المتألقة :
" الأسلوب هو الرجل " (1)
ورغم عمق الكلمات فإن النقاد العرب كانوا أصحاب إسهام يتكأ أحيانا على الإسهام الغربى ؛ ويستقل عنه فى أحيان أخرى قليلة ..
الدكتور شكرى عياد يرى أن الأسلوب هو " الاستعمال الأدبى الخاص للغة " (2)
ولم يضف الدكتور زكى نجيب محمود كثيرا وهو يصف الأسلوب بأنه هو الكاتب نفسه فكرا وخلقا وشخصية وجوهرا وكيانا " (3)
وربما كان ا لنقد التقليدى له اسهاماته المقبولة كتعريف أحمد حسن الزيات للأسلوب بأنه :
" طريقة الكاتب والشاعر الخاصة فى اختيار الألفاظ وتأليف الكلم " (4)
ومن هنا وهناك نرى أن عناصر الاختيار عند النقاد هى :
- الألفاظ
- طرق تأليف الكلام
- الأفكار
- الصور
ويبدو أن تبسيطا شديدا هذا الذى قدمنا به معنى الأسلوب ؛ ولكن يتضح فى أحيان كثيرة أن التعقيد بالفعل يخفى وراءه فراغا كبيرا أو جهلا مستترا … وقد طالعت أثناء البحث كتبا مترجمة لها قيمتها ، فوجدت بعضا منها نموذجا حيا للبساطة الأخاذة العميقة ، وربما من أهمها كتابات فورستر وجون كوين وريتشارد ونقود إليوت …. إلخ
ثم صادفت ما يشبه الاعتراف الساخر للأستاذ الجليل دكتور عبد العزيز حمودة فى مقدمة " المرايا المحدبة "
" ولكن ذلك الانبهار بالدراسات البنيوية العربية خالطه شعور عميق - لم أفصح عنه حتى اليوم – بالعجز. العجز عن التعامل مع هذه المصطلحات النقدية التى أغرقونا فيها لسنوات " (5)
وعلى هذا ندخل للرد على سؤالنا : هل إحسان صاحب أسلوب ؟
ونتساءل أولا : ما الذى يجمع كتابات إحسان ؟ ونقول بداية : يجمع كتابات إحسان كفكر : الدعوة الدائمة إلى الحرية المسئولة ،وإلى منح المرأة وضعية تتعامل معها كبشر وليس مجرد أنثى تطفىء الشهوات .. ثم تتدرج وتتعمق الدعوة فى كتابا ت إحسان للحريةإلى الحرية السياسية بمعناها الأوسع والأرحب وهى حرية الوطن من محتليه وحاكميه على السواء ..
وقد لاحظناها جلية فى قصة "ا لزجاجات الفارغة " والتى تتهم الثورة بوأد الديمقراطية ؛ حين استجابت للجموع الشعبية ، فقام الجيش بالثورة ؛ ثم لم يعد إلى ثكناته من يومها .
من جانب المضمون ( الفكر ) تسيطر فكرة الحب بشكل كامل على إبداع إحسان وهو ليس بالضرورة الحب العاطفى الناقص .. إنه الحب العام الذى يصفه هو قائلا :
" الحب هو الله وهو الوطن وهو الإنسان ، بمعنى أن الإنسان يحب ربه ويحب بلده والناس من حوله .. هذا هو الحب " (6)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جورج بيفون - مقال فى الأسلوب - ترجمة الدكتور أحمد درويش مجلة فصول " الأدب والأييولوجيا " ج1مج 5 عدد ابريل 1985م صـ 203 خذا لمن أراد العودة للمقال كاملا
(2) د/ شكرى عياد – مدخل إلى علم الأسلوب – الرياض – 1982- صـ 13
(3) د/ زكى نجيب محمود –فى فلسفة النقد – دار الشروق – مصر – 1979م صـ 91
(4) أحمد حسن الزيات – دفاع عن البلاغة – مطبعة الرسالة –1945م صـ 56
(5) دكتور عبد العزيز حمودة – المرايا المحدبة – سلسلة عالم المعرفة – عدد 232- إبريل 98م صـ 13
(6) نقلا عن مجلة الثقافة الجديدة – عدد 177-صـ 40
من ناحية الفكر أيضا نجد إبداع إحسان يسعى بوعى تام لفضح طبقات المجتمع التى تتوهم أنها العليا ؛ أيا كان هذا المجتمع [ مجتمع الساسة أوالفن أو رجال الأعمال إلخ ]
حين يلجأ إحسان إلى كشف القناع الزائف الذى يغطى عورة هذه المجتمعات … وفى هذه المجموعة نجد هذه القضية صارخة تماما فى قصة " قبل أن تخرج الحقيبة من الباب "تعبر عن واقع مجتمع فاسد أشد الفساد….
الزوجة التى يهملها زوجها بعد أن ملها ؛ فسمحت له أن ينطلق إلى حيث يشبع أقصى رغباته مع صديقاتها وهى تعلم وتصمت ما دام فى النهاية سيعود إليها ؛ ومغامراته جميعا تنتهى فى الفراش … ( ومن يدرى لعلك جربت كل صديقاتى ) صـ 152
وتعبير " جربت " هذا الذى تستخدمه الزوجة تعبير قاس للغاية ؛ ومهين لهذه الطبقة كلها
والخطورة هنا فى المبدأ الذى تقرره الزوجة وتمارسه وترتاح له :
" لهذا أترك لك حرية التجربة ما دامت تجربة وتنتهى دائما وتبقى لى " صـ 156
هذه الرؤية المخيفة لهذا المجتمع المنحل ، بل بالغ الانحلال ، يقصد بها إحسان إحداث هزة عميقة فى العقول ، لتفيق وتسعى إلى تصحيحها أوضاعها ..
ولأدب إحسان خصوصية فنية متميزة ،وأبرز ملامح هذه الخصوصية يظهر فى استخدام اللغة التى هى دائما لاهثة سريعة عجلى مختصرة ، لا تتوقف لتصف تجربة باطنية ولا تسعى للزخرفة البالغة ، ولا تجنح إلى التعقيد وهى سمة الكتابة الشعبية ، ولعل البساطة البديعة العميقة فى اللغة تكون أكثر طرق التأثير والشعبية ..
منذ وصف مالك أخاه سعدا قائلا :
يظل يوم ورودها مزعـــــفرا
وهى خناطيل تجوس الخضرا
وذلك حين يصف أخاه حين تزوج وأهمل سقاية إبله ، فظلت خناطيل (أى جماعات ) متفرقة بين سعف النخيل عطشى ؛ ولكن زوجته النوار تصيغ نفس المعنى الذى قاله مالك زوجها بلغة أكثر رقيا وحضارة وسهولة قائلة :
أوردها سعد وسعد مشتمل
ما هكذا يا سعد تورد الإبل (1)
بل نجد النقد القديم يحفل بهذه النظرة وسترى الآمدى يصف جودة شعر البحترى قائلا :
" لأن البحترى إعرابى الشعر مطبوع وعلى مذهب الأوائل ، وما فارق عمود الشعر المعروف وكان يتجنب التعقيد ومستكره الألفاظ ووحشى الكلام " (2)
إذن فيسر التعبير اللغوى وقصر استخدام اللغة على كونهاوسيلة تعبير وليست غاية جمالية فى حد ذاتها .. هذا اليسر يطبع أعمال إحسان جميعا ويمنحها شعبية يقربها للقارىء
وربما تأمل القارىء أسلوب كاتب ما ؛ فلا يملك لروعة أسلوبه ردا ؛ مع التسليم بصعوبة هذا الأسلوب حتى يقترب من الضبابية .. وها هى رواية ممتعة من أرقى إبداعات جمال الغيطانى نطالع فى سطورها الأولى قول الكاتب "
" تعم الأراجيف
تهتز الثوابت
يذوى ما ظنه البعض أبديا
لا يتبدل .. لا يتغير

ـــــــــــــــ
(1)انظر طبقات ابن سلام – تحقيق شيخنا محمود شاكر – سلسلة الذخائر – هيئة قصور الثقافة – مصر –جزءان – 2001م صـ 30
(2) عن الموازنة للآمدى – نقلا عن فاتن شوقى على – أشهر شعراء العربية – دار سعاد الصباح الكويت –2005م صـ 146

انعزلت الطرق التى ظلت دهورا سالكة يقطعها الإنسان بمفرده آمنا ، إن بالليل أو بالنهار لا يدرى المرء ماذا يمكن أن يقع فى صباح غد " (1)
اللغة فى هذه القطعة المقتبسة لا تنقل حدثا إنما تصور حال وهذا الحال الكونى ليس له سند فى الواقع وليس معنى هذا رفض هذا اللون من الإبداع النادر الجميل ،ولكن الإقرار بأنه إبداع أرستقراطى من النخبة إلى النخبة ولا يتمتع بالشعبية التى تميز إحسان دائما ..
والفرق أن إحسان بنى مجده الأدبى على [قراء] وغيره من كبار الكتاب بنوا مجدهم الأدبى على [ نقاد ]ولما كان الأدب موجها بالأساس إلى القارىء صار الأدب الأهم فى مسيرة الإبداع هو الأدب الذى يعمده القارىء فى معابد الفن ؛ فإن المجد الأدبى الخقيقى هو مجد القارىء فإن جمع بينهما ( القارىء والناقد ) فقد جمع الحسنيين .
ومن ظواهر خصوصية الأسلوب ما سبق أن أشرنا له بشكل عابر فى سياق الكلام وهى ظاهرة استخدام اللغة ،اللغة لدى إحسان تصف شخوصه بعبارات عجلى متوترة لتمنح القارىء فرصة لقراءة دواخل وبواطن كل شخصية ؛ وهو ما ينقله فورستر عن الناقد parcy bbk فى قوله :
إن الروائى أو القاص يستطيع أن يصف الشخصيات من الخارج كمتفرج متحيز أو غير متحيز وإما أنه يستطيع التظاهر بالإلمام بكل شىء فيصفها من الداخل أو يمكنه أن يضع نفسه مكان أى منهما ويتظاهر بأنه لا يعرف شيئا عن دوافع الباقين " (2)
فها هى لغته الرشيقة الساخرة تصف الراقصة :
" هى تحرك جسدها أثناء الرقص بإحساسها لا بأذنيها ؛ وإحساسها متعلق بالجمهور الذى أمامها .. بطنها يتقلص وينفرد وساقاها تضيقان وتنفتحان ، صدرها يعلو ويهبط حسب إحساسها ليلتها بنوع الجمهور " صـ 20
إن الوصف هنا خارجى ؛ لا يصل إلى قلب الشخصية بل إذا أراد أن يحلل تصرفاتها نفسيا فإنه يحللها من منطق خارجى لا من منطق الشخصية ذاتها بمعنى أنه يقول ما سيقوله العامة تحليلا لشخصيته القصصية أو الروائية .. ولا تتصل الرؤية لعمق ودوافع الشخصية ذاتها .
وبتعبير الشاعر صلاح عبد الصبور فى مناقشته لمجموعة " منتهى الحب " :
" هو يرمز ولا يوضح ويومىء ولا يلتفت بكل وجهه ؛ وهو فى رمزه هذا قادر على الإيحاء ؛ كل يأخذ منه بقدر ما يستطيع " (3)
*********
يلاحظ أيضا أن شخصيات إحسان فى غالب كتاباته سريعة الصعود سريعة الهبوط ؛ أو قل بمعنى آخر أنها دائما[ جدا ] وهو التعبير الذى صكه إحسان فى وصف أحد أبطال قصة : قبل الوصول إلى سن الانتحار " يصف " حاتم " بأنه دائما جدا [ هو مؤدب جدا وسافل جدا وهادىء جدا ومجنون جدا ومحبوب جدا ومكروه جدا ….. إنه دائما جدا " صـ 85
وستجد هذا التطرف أيضا من نصيب مصطفى عبد القادر ؛ بطل " كان يعيش تحت لسانه " فـــــ " كل أفكاره وأحاسيسه تنعكس على لسانه .. لا يستطيع أن يتوقف عن الكلام "
وهكذا ……..
وتكاد هذه الصفة تطبع شخوصه الأساسيين فى أعماله جميعا فمعظم الأبطال متطرفو المشاعر والأحوال وتلك بلا شك خصيصة هامة فى أعمال إحسان نجد بطله مثلا :
" كان ينجح بتفوق .. إنه دائما يعمل "
" دخل مصطفى بهو واسع لامع .. كل شىء لامع " إلخ
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جمال الغيطانى-سفر البنيان - طبعة مكتبة الأسرة - مصر 2005 صـ 9
(2) أركان الرواية – سابق – صـ 106
(3) صلاح عبد الصبور –الأعمال الكاملة – الجزء الثامن " أقول لكم عن الأدب - هيئة الكتاب 1992- صـ 70
إن إحسان كما رأينا ينظر إلى اللغة كوسيلة وليبست غاية…
وربما ذكرنا ذلك باعتراف " همنجواى " بأن أكبر تجربة عاناها فى بداية حياته الأدبية كانت أن يراقب اسلوبه ، وأن يجعل لغته نقية صافية خالصة كالبلور ، مركزة كقطرات المطر ؛ لكنها تحمل من الدلالات والإيحاءات كل زحام البشرية " (1)
ولذلك كانت قصية الأسلوب من أخطر ما طرح على مائدة النقد الإحسانى .
ولغة إحسان سليمة فى سلاسة ، طازجة فى عنفوان ويسر….
وهنا لابد من الرجوع لفكرة اللغة الصحفية ؛لأن إحسان ناظر هذه المدرسة ورائدها .. مدرسة الكتابة الأدبية الصحفية …
ولا يمكن بحال من الأحوال إنكار وجود مدرسة قائمة بذاتها وأساتذتها ونقادها ، تطل علينا من نوافذ الكتاب الصحفيين ، لعل من أعلامها كما سبقت الإشارة : موسى صبرى ومصطفى أمين وأنيس منصور ومحمد جلال وسكينة فؤاد وإقبال بركة ….إلخ
بل سنجد لها صدى فى الرواية العالمية عند تشارلز ديكنز وفلوبير زديفو ..
وهذا التناول الصحفى بشقيه :الشيق والعابر أسهم إسهاما كبيرا فى شعبية العمل الإبداعى وخلق قارىء جديد لا يتجاوب مع الإبداع الثقيل ..
إذن الخلاف ليس على المباشرة اللغوية وإنما المباشرة فى تقديم التجربة الفنية وعدم التعمق فى سبر أغوارها ولهذا يشير واحد من كبار نقادنا إلى قيمة هذه الجسارة الأدبية التى ميزت كتابات إحسان قائلا "
" وقد أسهمت كتابات إحسان عبد القدوس فى إذابة الثلوج اللغوية المعوقة للتطور الفنى للإبداع " (2)
ورغم ذلك فقد سعى فى مجمل أعماله إلى اتخاذ لغة فصيحة فى داخل الحوار …
" مالك ياسى عبده ..قم معى إنى خالية الليلة وتحت أمرك "
ورفع عبده الطبال رأسه صارخا :
- ابعدى عنى يا امرأة " صـ 46
والحوار دائما قصير ومركز .. وقريب من الواقع الفعلى للشخصيات ، بحيث لا يحمل الكاتب ثقافته على حوار شخوصه ؛ فتسيل منهم الحكمة والموعظة الحسنة مع انعدام ثقافتهم الفعلية أو المفترضة … مع رشاقة دائمة فى الألفاظ والأفكار :
- آسف لا أستطيع ..
- وقالت فى غيظ وهى تخبط الأرض بقدميها :
- لماذا ؟
قال فى هدوء : إنى معك بصفة رسمية
وقالت بسرعة :
إذن لتكون لى بصفة رسمية
قال فى دهشة : كيف ؟
قالت : نتزوج صـ 93
كان أمين الخولي يرى أن "أصدق عمل المجدد أن يعرف أن وراءه تاريخا يستطيع أن يتعلم
منه أشياء كثيرة" وكان شعاره في ذلك قوله: "أول التجديد قتل القديم فهما".
وإحسان واحد من المجددين فى تاريخ الفن العربى بلا شك .. يشهد له الكم الهائل من الإبداعات التى نالت شعبية واضحة حولت معها الفن الروائى والقصصى إلى طبق شهى متداول فى المطاعم الشعبية بعد أن كان مقصورا فى التهامه على طبقات بعينها ……………
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(2) نقلا عن صلاح عبد الصبور – مرجع سابق - صـ89
(2) د/ غالى شكرى – أزمة الجنس فى القصة العربية – سابق – صـ 18



وماذا يتبقى من إحســــــــــــــان ؟

يتبقى هذا القدر الهائل من احترام الذات واحترام الإبداع وتقدير المتلقى ....
يتبقى منه أسلوبه الحياتى والتربوى فى إدارة بيته وعمله
يتبقى من إحسان هذا الحس المرهف الذى يتملك الكاتب السياسى ويجعله متنبئا بما يمكن أن يقع ….
…………………..
من حق قراء فكر إحسان أن يفخروا بالفعل بهذا الرجل الذى كان متسقا مع نفسه رغم ما ناله من مواقع شرفت به فأعطاها ولم يشرف بها فتمنحه ….
لم يهادن ولم يترك سلاحه ولم يتردد فى إبداء رأى مهما كانت عواقبه
إحسان نموذج يجب أن يرتفع الآن فى ظل قيادات خائفة خائبة خانقة
………………
نتمنى من دارسى إحسان وناقديه إعادة قراءة أعماله فى ظل التردى الأدبى الحاصل والذى دفع بالكتاب إلى رفوف النسيان ؛ وذلك إعادة تقييم دور الكتابة الشعبية التى لا تتعالى على القارىء .. مع الاعتراف بقيمة كل أنواع الكتابة طالما كانت كتابة صادقة .
وداعا فيلسوف الحب …





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,089,128
- رجال تكتب عن النساء ونساء أشجع من الرجال
- دكتور هيكل .. وانتصار البرجوازى العفيف
- الأحزاب السياسية : ولعبة الكومبارس السياسى
- قراءة فى كتاب -الكتاب : أملى .. مذكرات رايسا جورباتشوف -
- للهوان والهوى …. وسرقات جميلة
- لماذا فشلت الأصولية فى كل مشروعاتها ، ولماذا غرقت البرجوازية ...
- شامبليون … عبقرى أم لص ؟!!
- فتنة النهضة
- نازك الملائكة . . والصعود إلى سماء الشعر
- رضوان الكاشف …… ساحر السينما وشاعرها
- إحسان عبد القدوس ......وسمو أدب الفراش
- ... -الغزو عشقا- عناق الفن والفكر فى رواية التاريخ
- فقه اللذة لماذا يكره رجال الدين النساء إلى هذا الحد ؟


المزيد.....




- برلماني يجمد عضويته في حزب الميزان.. لهذا السبب
- اختفاء ممثل فائز بجائزة سينمائية فرنسية
- حياة صاخبة ومركز للقضاء.. غزة قبل الاحتلال في سجل وثائق نادر ...
- قيادات من الشبيبة الاستقلالية غاضبة بسبب -الاقصاء-
- بنشعبون يقدم مشروع قانون المالية أمام غرفتي البرلمان
- بالصور والفيديو... أول فنان عربي في ممر المشاهير بدبي
- النجم التونسي ظافر العابدين لإعلامية مصرية: أنا رومانسي
- البام يدفع بصحافية لخلافة إلياس العماري على رأس جهة طنجة
- من مؤتمر العدالة بمراكش.. وزير العدل يعلن عن 7 إجراءات لتحسي ...
- 100 فنان من 26 جنسية يشاركون في إطلاق دبي العد التنازلي لـ«إ ...


المزيد.....

- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إبراهيم محمد حمزة - الشعبية فى أدب إحسان