أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ثقافة الحوار والاختلاف - ملف 9-12- 2006 بمناسبة الذكرى الخامسة لانطلاق الحوار المتمدن - ارا خاجادور - هل يمكن تحقيق حوار متمدن في مرحلة همجية؟






هل يمكن تحقيق حوار متمدن في مرحلة همجية؟


ارا خاجادور
الحوار المتمدن-العدد: 1759 - 2006 / 12 / 9 - 10:52
المحور: ثقافة الحوار والاختلاف - ملف 9-12- 2006 بمناسبة الذكرى الخامسة لانطلاق الحوار المتمدن
    


يستقطب موقع "الحوار المتمدن" في كل يوم اعدادا متزايدة من الكتاب والمهتمين من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية والاجتماعية، ويعود ذلك وفق تصورنا الى أن الموقع اتبع بحق سياسة الباب المفتوح للجميع، بالفعل دون القول. وهذه سياسة يعجز عن ممارستها ضيقو الأفق ومسلوبو الارادة. ولا غرابة اذن أن يحتل الموقع مؤخرا المركز الثالث بين جميع المواقع العربية في استطلاعات الرأي العام عشية احتفاله بالذكرى الخامسة لتأسيسه.

وبالمقابل فان ميزة الموقع لا تعني بالضرورة انها تسربت الى الحياة الفكرية والثقافية السائدة في صفوفنا؛ وأعني تحديدا في صفوف اليسار العراقي، و انها خلقت حالة من المناظرات الفعالة، التي تساعد على انماء الطاقات والقدرات، وبذل الجهد المشترك من أجل تلمس الطريق المفضي الى أمل ما. وهذا ليس عيبا في الموقع، او أنه من مسؤولياته بالكامل، لأن اطلاق حالة صحية من المناظرات، أو حتى حسن المناظرة، يتطلب شروطا عديدة، واحد منها فقط، هو وجود المساحة او الحاضنة للحور، وليس قليلا بكل المعايير أن يطلق الموقع خطوة واثقة تجاه الحوار المتمدن في فترة أريد لها أن تكون مرتعا خصبا للهمجية المنفلتة من عقالها.

من بين أهم الشروط الأخرى لاطلاق المناظرات الجادة، يأتي الاخلاص والجرأة والنزاهة والمواصلة في كل الظروف، ولنضرب مثلا ملموسا على النشاطات الموسمية في الممارسة السياسية، أو التضامنية الموحى لها مثلا، ولنسأل: أين العديد من لجان حقوق الانسان العراقية السابقة؟. لقد طواها الصمت والنسيان بعد احتلال الوطن. لقد احترمنا تلك اللجان رغم شكنا ببعض معطياتها وممارساتها، ولم ندقق فيما سبق ببعض الجوانب بصددها، ولكن الصمت الذي يلف اليوم بعض لجان حقوق الانسان السابقة، يطرح الكثير من الاسئلة حول دورها السابق. اليوم يقول (بعض أعضاء تلك اللجان): ان عدد الضحايا في العراق أقل من 655 ألف ضحية، اين اذن تلك الحماسة السابقة؟ كم العدد المطلوب من الضحايا حتى تتحرك دكة غسل الموتى؟ والاستعارة هنا من شاعرنا الكبير مظفر النواب، نتمنى له الشفاء.

أن المنظمات الأكثر أصالة تحافظ على طروحاتها في كل الظروف، أقصد هنا طبعا وحدة المعايير، وهذا لن يتحقق طبعا الا اذا كانت المنظمة المعنية مالكة لقرارها، وهنا لا أعني المنظمات الجذرية أو الثورية فقط، خذوا مثلا الاتحاد الاوروبي الذي يرفض عقوبة الاعدام، ويرفض التعذيب لانتزاع الاعترافات من السجناء بغض النظر عن طبيعة أفعالهم، ظل يرفض تلك العقوبة في كل الحالات، وفتح التحقيق حول السجون الامريكية السرية في بعض الدول الاوروبية، وحول الرحلات الجوية الامريكية التي نقلت سجناء اجانب عبر أجواء أوروبا، هذا الى جانب العشرات من الشواهد الاخرى، ليس أقلها فتح دعوى ضد وزير الدفاع الامريكي "رونالد رامسفيلد" على دوره في مآسي التعذيب في العراق.

وفي مجالات الطروحات المجردة أو غير المجردة، لا يقول الاتحاد الاوروبي ولا يقارن بين تعذيب وآخر على طريقة المحامي ورئيس جمهورية العراق السيد جلال الطلباني، الذي علق على فضائح سجن أبو غريب قائلا: هذه زلاطة عندنا. ولا نعلم هل هي زلاطة في سجون المالكي، أم في سجون القطاع الخاص ببغداد، أم في سجون السليمانية؟. هذه الأخيرة التي تحول قائدها و"قائد البلاد كلها" الى مسوق لاستمرار الاحتلال ومسبح بحمده، انا أحترم التحول الفكري في حالة أنه يهدف الى البحث عن الحقيقة، او للاقتراب منها.

واذا كان السيد جلال قد صرح ذات مرة أنه لن يوقع على عقوبة اعدام رئيس النظام العراقي السابق كموقف من عقوبة الاعدام بذاتها، فانه عجز عن وضع الامور في سياقها او نصابها، وعجز عن تغطية المراوغة في المواقف المبدئية. وربما جاء هذا الابداع للتعويض عن "زلة زلاطة ابو غريب". ان الذي لا يحتج على ممارسة التعذيب لا يعترض على غيره، وان الذي يرجو المحتلين للبقاء في البلاد اسوة ببعض أهل العمائم والافندية المأجورين لا يحافظ على مبادئ. نقول لكل من يتعامل مع المبادئ على أساس الشطارة، ان الاخيرة أي (الشطارة) عاجزة عن تحويل الاحتلال الى تحرير.

ولنأخذ مثالا أخر: ان من يقف ضد انتهاك سيادة الدول يتخذ هذا الموقف في كل حالات الانتهاك او الاحتلال، سواء كان ذلك ضد العراق السابق، أو ايران الحالية، او ضد فنزويلا، او أي دولة أخرى، لأن مثل هذه القرارات تعد انتهاكا لحقوق الشعوب، وليس دعما لها، وتمثل انتقاصا من الثقة بالشعب المعني، ناهيك عن الأسباب والنتائج الفعلية كالتي تجري في بلادنا، والتي تخطط لتقسيم العراقيين، وزرع البغضاء بينهم. لم يخطط محتل في التاريخ شأنا من أجل المصالح العليا للشعب الرازح تحت الاحتلال. أقول هذا وأنا في وقت ما حملت السلاح ضد النظام السابق ولسنوات طويلة، بل قدت في بعض الفترات الفصائل الشيوعية المسلحة في أكثر من بلد ومكان، وهذا يعرفه النظام السابق واعداؤه على حد السواء. أن الفرق هائل بين أن تقاتل النظام كقضية وطنية صافية، وبين أن تكون دليلا للمحتل، وخادما طيعا له. ويعلم الرفيق عزيزمحمد السكرتير السابق لحزبنا الشيوعي العراقي السابق، والسيد جلال الطالباني رئيس (اوك) والسيد مسعود البرزاني رئيس (حدك)، متى كنا نفاوض النظام، ومتى نحاربه، ولدينا الوثائق بذلك كما يعلمون.

وبصدد قضية الاعدام او الموقف منه، أروي لكم أيها الاصدقاء حادثة وقعت بعد محاولة السيد عارف عبد الرزاق الانقلابية أواخر الستينيات: عاتبنا بعض الضباط القوميين على عدم دعمنا للمحاولة الانقلابية، وجاء ذلك العتاب بعد فشل المحاولة، قلنا: وهل أخبرنا أحد بالمحاولة قبل وقوعها؟. علما أننا كنا نخطط حينذاك لما يعرف بالعمل الحاسم. وعلق رفيق لنا قائلا: "حيل بيهم خلي يعدموهم!". قلت لذلك الرفيق الضابط: لا. ان اللجوء الى الاعدام هو وسيلة خطيرة في نهاية المطاف، وتشكل تهديدا للجميع، وتأسس للسلوك القمعي. وهذا الموقف مستوحى من موقف الرفيق فهد في نظراته البعيدة النظرالى اقدام الحكومة العراقية على اعدام "عدس" حين قال: نحن ضد عقوبة الاعدام، وحتى ضد اعدام عدس. وأكد على أن الهدف النهائي ليس عدس، اليوم هو وغدا نحن، انهم يريدون الانتقال من الاعدام لسبب ربما وجيه الى الاعدام من دون سبب أصلا. وأظن أن فهد قد أسس بهذا الرأي لأول موقف عراقي خالص ضد عقوبة الاعدام كموقف متمدن.

أن أبشع حالتين في حياة أي مجتمع هما: الاحتلال وغياب أجهزة الدولة الفعالة. وفي مثل هذه الحالة يكون الحديث عن الديمقراطية وحقوق الانسان مجرد ضحك على الذقوق، ويكون سلاح القوى الشريرة في مثل هذه الاوضاع يعتمد على وهم أن القوى الثورية قد لا تتجرؤ على فضح هذا الزيف الأرعن، خشية أن توضع في مقام المدافع عن الظلم أو المنظر له، خاصة اذا انجرف بعض من كان في صفوف الاحرار الى جانب العدو المحتل، أن الثوري الحقيقي هو الذي لا يخش تلك السهام السامة، ويقول كلمته عالية وواثقة وعلى الدوام.

ان العراق يحترق، والجبناء يحولون دماء العراقيين ذهبا وفضة وأوراق خضراء لها رنين، استعدادا للهرب حيث حساباتهم وعوائلهم تنتظر منذ حين، وان البعض قد هاجر فعلا. وفي مثل هذه الظروف فان وجود مواقع ثقافية مثل "موقع الحوار المتمدن" وغيره يعتمدون على حفاة الارض، وعلى شبكة محررين فقراء ماليا، وأغنياء في ذات الوقت بارادتهم وتصميمهم، قد جدد الأمل. وكان من بين الاسباب التي أدت الى اضمحلال الصحافة المأجورة، أين صحافة العميل "الجلبي"؟. وحتى الصحافة ذات الوجه اليساري المزور أين هي الآن؟!. انها تتضاءل رغم استمرار التمويل السخي من دماء العراقيين، ومن الاشقاء الجدد. بالمقابل تزدهر الصحافة النزيهة والفقيرة ماديا، ويتعاظم نفوذها ومصداقيتا بين القراء، وعلى هذا الاساس تتكاثر الدعاوي القضائية ضدها، والتهديدات على سبيل الابتزار الاوهج على طريقة المحافظين الجدد، وهذا فضلا عن الاتهامات والقاء المسؤولية عن هذا المقال او ذاك.

والى جانب القمع الرسمي المتفشي في البلاد العربية، هنالك قمع آخر لا يقل عنه خطورة، وهو قمع وهيمنة بعض المؤسسات الدينية التي تلغي دور وعقل أتباعها، وبمحض ارادتهم البدائية مع الأسف. كما ان القبيلة التي جاء دورها حاليا، ونحن نعيش في مرحلة مختلفة عن التأسيس القبلي الأول، كنظام اجتماعي في مرحلة معينة من التطور الاجتماعي. ان المرحلة الراهنة تتبع أسوء النظم القبلية حيث ألغي دور مجلس القبيلة الذي كان يقوم على معايير مختلفة عما هو معتمد الآن مثل: الشجاعة، ووحدة المعايير، والتاريخ الناصع، والأسرة الكريمة ووو. وان دور القبيلة تغير في مراحل التطور الاجتماعي المختلفة، وهذا أمر نحن لسنا بصدده الآن. ولكن الذي نحن بصدده هو أن الخطاب القبلي كان يستخدم لحماية القبيلة، واليوم يستخدم في أبشع صوره، من أجل التصادم القبلي، ولاضعاف الجميع امام الحاكم المحتل، أو لضرب الروح الوطنية لصالح ضيق الأفق القبلي، ومن أجل خدمة الاحتلال، والتاريخ القبلي على النطاق الدولي، وليس المحلي فقط، حافل بخيانات بعض القبائل من أجل مصلحة ضيقة، وعلى ذات الاسس غيرت بعض القبائل دياناتها أومذاهبها وحتى قومياتها، او اقامت تحالفات مع الغرباء، هذا طبعا الى جانب السجل المجيد لقبائل أخرى.

لا شك في أن الاهداف المتواضعة والقصيرة النظر لبعض القوى عاجزة بنيويا عن استخدام الاساليب الراقية، فهي بالضرورة أكثر ميلا الى التشهير والعنف والسرقة والاعتداء والانتقاص من الآخر، ولا يقوم سلوك من هذا النوع او المستوى موضوعيا على روح التسامح، ان التسامح ينبغي ان تقف خلفه أهداف واسعة وعميقة وخيرة، تنظر الى المستقبل، وتعمل من أجل الحاضر، ولا تتجاهل الماضي بكل التواءاته.

ان قمع الحكومات العربية ضد شعوبها ينبغي أن يواجه بكل الأساليب من ابسطها الى أعلاها، حسب ضرورات الحالة الملموسة، وان الحكومات الأكثر عزلة لا تواجه الكلمة بالكلمة. وان الجهات او الحكومات التي تفرض العنف الاسود ينبغي ان تواجه بالعنف الثوري، وعلى القوى الثورية أن تربط بين كل أشكال الكفاح ربطا صارما ودقيقا ومبدعا، ولا تترك الصلات بين ابعاد الكفاح الفكري والسياسي والاقتصادي والثقافي سائبة، مهما كان الجهد شاقا وثقيلا والثمن غاليا.

لنراقب وقع الحياة اليومية في العراق، فالحكومة سجينة في منطقة ضيقة من بغداد، وهي توهم نفسها بأنها تقود الشعب الى اهدافه الكبرى، عبر استعارات غبية غالبا أو احيانا، بتقمص دور الدكتاتور ذي القبضة الحديدية، او الفاتح المنتصر، او الزعيم المظفر الذي جاء الى الحكم بـ "الارادة الحرة للشعب"، ولكن لحسن الحظ أن هؤلاء القادة الجدد لا يملكون أية مهارة، ففي الجملة الثانية من أي حديث لأي منهم يتحول الى قائد عصابة، او جزء من عصابة، يظهر على حقيقته. كما ان سلوك الترفع على الجماهير سائد في كل فواصل قادة اللعبة السياسية الراهنة، وكأنهم يعتقدون بأن العزلة عن الشعب تخلق العصمة، او الرفعة الدينية، او الاجتماعية، ان الساحة غارقة بالنماذج الكثيرة من هذا الصنف. ونقول لديمقراطيي آخر زمن: لماذا ننتخب اذا كان هنالك من صوته يغطي على أصوات الناخبين جميعا؟. ولماذا ننتخب من دون وجود مرشحين؟. أن الشعب يتعامل مع ارقام مجهولة.

لا يختلف الكثيرون على أن الاعلام بيد السلطات، كل انواع السلطات؛ الحكومية والمالية والدينية ووو... ولكن في كل الاحوال للكلمة الشريفة سرها في الوصول الى ضميرالناس. هكذا كانت المنشورات السرية المطبوعة باليد، وكذلك الحال في ظل التكنولوجيا الحديثة، المواقف المخلصة كالمطر تجد المسارب لمواصلة طريقها.

ان وحدة، أو على الأقل تقارب فروع اليسارعملية تكاد تقترب من حركة الطبيعة نفسها حيث مآل الروافد الى نهرعظيم، ولكن التسرب قائم في كل الاحوال الى جانب وجود الحواجز والمصدات. ما نقوله ليس بلاغة فاليسار طريقه الطبيعي هو حشد القوى، وهو يستخدم حتى مصادر قوة الخصوم انفسهم؛ فالنظم التعليمية الرأسمالية خرجت مناضلين ثوريين كنتيجة عرضية، والاعلام حتى الموجه أو المأجور منه ساهم في ايصال بعض الحقائق الى الناس، وفي بعض السموم يوجد دواء. ان ثقافة الحوار تفرض نفسها على كل القوى الحية فعلا، ولكن الحوار خلال معارك داحس والغبراء التي نشهدعا اليوم غير الحوار الذي نتمناه في أجواء الحرية والعدل والرفاهية. ولكن في كل الأحول أستطاع اليسار فرض حواره المتمدن والنافع على الأطراف الأخرى شاءت ام أبت.

ولاشك في أن أحترام وجهات النظر المختلفة فضيلة، وان الارتقاء بدرجات الاحترام لا تعني في أي حال المجاملة الخادعة، خاصة واننا نواجه اليوم كتابات مدفوعة الاجر، تقوم على سياسة تكرار الكذب، ولا أظن أن أحدا منكم فاته سماع الاخبار المجلجلة في هذا الصدد، حيث الفضائح المعلنة لدور وزارة الدفاع الامريكية في الصحافة العراقية خاصة "الديمقراطية" و"العصرية" منها.

وتجدر الاشارة هنا الى أن احترام عقائد الاخرين الدينية والقومية وتقاليدهما، سمة طيبة لكل المناضلين من أجل التغيير الحقيقي فعلا، سواء خاض الانسان معركة التغيير من خلال النضال السياسي، او الجهد الابداعي، اوعبر اية وسيلة يختارها الانسان المحب للتغيير نحو الافضل. ان اباحة الفكر الحر البعيد عن الاحكام المسبقة الصنع، يولد الكثير من المعطيات الجيدة والجديدة، التي توقد سراج التفكير المنطقي، والبناء، والتغييري، لصالح المجتمع بأسره، والكادحون منه بصفة خاصه. هل يمكن تصور معالجة أوضاع وحقوق القومية الاصفر دون دراسة أوضاع وحال القومية الرئيسية في البلد المعني؟!. وهل يمكن معالجة القضايا الدينية دون التسامح وحرية العبادة واحترام الاخر وتحريم العنف بين أبناء الديانات والمذهب المختلفة؟!. ان مساهمتكم كبيرة في هذا المجال، ولا أكتمكم الخوف عليها من القوى الظلامية اولا، من أدعياء التجديد ثانيا، وينبغي ان يكون الخوف من نزوات الذات أولا وأخيرا أيضا.

لقد وقفتم بوضوح الى جانب المبدأ الاصيل، والذي طرحه الفكر اليساري قبل أن تقره شرعة الأمم المتحدة، وهو حق تقرير المصير لكل الشعوب والأمم صغيرها وكبيرها على حد السواء. ولم يقف بعض كتاب الحوار المتمدن عند حدود طرح الشعار المجرد بل أطلقوا التحذيرات المدوية حول خطر الانخداع بالسلوك والدعاية الامبرياليين، فقد تتمثل الخديعة بزرع بذور الفتنة بين أبناء الشعب الواحد، فالامبريالية خلال علاقاتها مع قوميات وشعوب المستعمرات مارست الخيانة ضد القوميات الصغيرة أولا، ولكنها في الوقت نفسه تستهدف القوميات الكبيرة المؤثرة في الصراعات المحلية والدولية، ونذكر في هذا الصدد الذين انساقوا وراء وهم كسب عطف الدول الامبريالية او الضلوع في مخططاتها، بان الاستعمار لا يفكر الا في مصالحه الخاصة والخاصة جدا، وهو مستعد للخيانة وسحق من يخدمه بسهولة ودون اكتراث، وحتى لمصالح تافهة جدا.

وفي العراق تحديدا، ناضلنا عمليا من اجل حق تقرير المصير للشعب الكردي دون مواربة او تردد او مهادنة، ناهيك عن الاقرار النظري المبدئي. ومن منطلق الحرص على شعبنا العراقي عامة وشعبنا الكردي خاصة، قلنا: ان حق تقرير المصير ليس كلاما مجردا بل هو موقف يراعي الزمان والمكان والمصلحة. وفي الظرف الملموس لمصلحة من يستخدم حق تقرير المصير؟ وهل هو لمصلحة الملايين من الكادحين ام لمصلحة العولمة وخططها المؤقتة والدائمة؟ ونؤكد بأن مشروع الشرق الأوسط الجديد، هو مشروع للنزاعات والكوارث والحروب بين شعوب المنطقة، وعلينا تقع مسؤولية فضح هذا المشروع اللئيم.

ان مساهمة موقعكم انتقلت من خريطة البلد الواحد الى خريطة اللغة، وبذلك فتح المسافات بين مثقفين ومناضلين من مختلف القوميات والبلدان، وهذا بحد ذاته ساعد في خلق تصورات أرحب وأعمق وأكثر ثراء وتنوعا موضوعيا، وعزز الصداقة والتعارف بين أبناء تلك القوميات والبلدان المختلفة، وان الانسان عدو ما يجهل كما يقال، وهذا التوجه فتح الباب واسعا أمام تناول قضايا الاقليات في البلاد العربية بتنوعها القومي والديني والثقافي، وما يرتبط بذلك في مجال النظام الاجتماعي والسياسي، وحقوق الانسان عامة، والمرأة بصفة خاصه.

ولخصوصية مسألة المرأة، أرى أن من المناسب التركيز على ما هو جوهري، ويكون المرتكز الاول، هو الحفاظ على المكتسبات المهددة أولا، فمن أولى الاجراءات التي حاول مجلس الحكم الخائن التعدي عليها، هي تلك القوانين التقدمية نسبيا التي صدرت بعد ثورة 14 تموز/ يوليو 1958. وينبغي العمل على ضمان حقوق النساء في العمل والحياة، وضمان جميع صنوف الحقوق السياسية والاجتماعية، والشخصية في الزواج والطلاق والارث واحترام خيارات النساء في شؤونهن الخاصة، ولا يمكن فصل الديمقراطية السياسية عن الاجتماعية، وبدون المضمون الاجتماعي لا يمكن الحفاظ على الديمقراطية السياسية نفسها، حتى في حالة تحقق البعض منها، والتي من دون المضمون الاجتماعي تعامل في الغالب وكأنها هبة أو منة أو مكرمة من الحاكم الى المحكومين، او من المحتل وخدمه الى الشعب المستعبد.

أقف مع حقوق النساء، ليس فقط لأنهن مظلومات، بل لانهن عادلات، حتى في أشد الحقب ظلما وظلاما، وأسجل هنا حقيقة: هي أن كاتبات "الحوار المتمدن" من الوطن، كن أكثر الكتاب عدلا في قراءة التطورات في العراق، ولنقرأ بصفة خاصه للكاتبات اللواتي انخدعن بالاحتلال في البداية، وكيف يرسمن صورة الوضع الراهن اليوم بأمانة وحرقة ومسؤولية، وقد تجاوزن بصدقهن وشرفهن ووطنيتهن، ومن خلال التجربة الملموسة الشوارب الكثة والكروش المندلقة حد البشاعة من الشراهة وتعطيل الضمير، ان بعض الكاتبات امتلكن قدرة رائعة على المراجعة والنزاهة، لا تتوفر عند الكثيرين. وهنا يتسع المجال للفخر بالاخريات، اللواتي رفعن السيف والقلم من اللحظة الأولى للاحتلال، لأننا منهن نتعلم الدرس الضروري والمطلوب. وماذا أقول عن الرفيقات والصديقات الشابات في تظاهراتهن اليوم من أجل الوطن والحقوق، انها مشاهد تغمر النفس بالفخر، والضمير باليقظة، والروح بالارادة. فمظاهرات النساء في ساحة الاندلس، ليست بعيدة عن مظاهرات ساحة السباع الخالدة في المكان والهدف وحتى الزمان، ما أشبه اليوم بالبارحة. وماذا نقول عن ولـ أمهات وزوجات وبنات المفقودين، والمخطوفين، والمغيبين، والقتلى مجهولي الهوية، وعلى الهوية، والسجناء في قلاع المحتل، وأجهزة القمع العراقية التابعة له، وفي السجون الاخرى، بما فيها سجون "القطاع الخاص"، ومن الجدير بالذكر أن هذه الأخيرة، أي السجون بانواعها المختلفة، استضافت أكثر من نصف مليون سجين، والعدد الدائم منذ اليوم الأول للاحتلال حتى يومنا الراهن، يتراوح بين 30 الى 50 ألفا. ان الكثير من الصفحات المشرقة والمؤلمة عن وضع المرأة العراقية مرت من خلال "الحوار المتمدن".

وكلمة أخيرة أشعر من الواجب قولها: أن المواقع ذات التوجهات الانسانية والتقدمية واليسارية بصفة عامة بحاجة الى التعاون فيما بينها، والى خلق شراكة حقيقية بين التحرير والقراء في السراء والضراء. من جهة أخرى أقول: ان في الصراحة قوة للجميع، وللمواقف أيضا، وليس غريبا أيضا في أن الحرية الواسعة قد تخلق انطباعات متضادة داخل الصف التقدمي نفسه، ربما بسبب السرعة في القراءة أو الكتابة، او عدم الاعتياد على التنوع، أو لما زرعه الاستبداد التاريخي في النفوس حتى من دون علمها، او للفرق بين الريف والمدينة، او للمشاعر المكبوتة ذات البعد العرقي او الديني او المذهبي، التي لم يعبر عنها سابقا كتقليعة تقدمية دون جوهر تقدمي فعلي، او حتى للمبالغات غير المحسوبة للكتاب التقدميين انفسهم، والساحة تغص مع الأسف بمثل هذه الحالات. اما الذين يكتبون دون ضمير، فأمرهم متروك للشعب وللأجيال القادمة، وان كل من خان الحرف، تواطؤا مع جهة ما، أو خضوعا لأي نوع من الاغراء، او لدوافع غريزية مكبوتة، ربما لا يستحقون التعليق.

لقد أمضيت 65 عاما في النضال الوطني والطبقي العراقي، ولم أشهد هذه البشاعات التي أشهدها اليوم في بلادي، انها مرحلة همجية بامتياز، ولكن ما كان لهذه الهمجية أن تظهر لو أن الامر متروك للعراقيين وحدهم، وما كان لها أن تظهر لو أن العالم يعيش في ظل عالم منقسم الى قطبين أو أكثر، وما كان لها أن تظهر لو كان اليسار في عافيته، ولم يظهر خونة بين صفوفه، وما كان لها أن تظهر لو أن حياتنا العامة انطوت على حوار متمدن حقا، وفي كل الأماكن والأزمنة.

أن عالم اليوم أكثر همجية من أي وقت مضى، وليس في العراق وحده، انظروا الى ما يحصل في فلسطين ولبنان وغيرهما، انظروا الى التهديدات التي تواجه السلام العالمي، انظروا الى النزاعات الداخلية المروعة داخل أكثر من بلد واحد، انظروا الى الازمات الدولية المتعددة. انه عالم خطر تسوده الهمجية، وهذا بدوره يؤكد على أن طريق الخلاص من الهمجية يأتي عبر النضال بكل الأساليب المشروعة، وعلى مختلف الأصعدة، وفي مقدمتها النضال الفكري والسياسي والاقتصادي والثقافي، وبكل وسائل الكفاح من أبسطها الى أعلاها.

ان مرحلة همجية من هذا النوع الذي نعيش اليوم تتطلب حوارا متمدنا، ونؤكد على أن هذا الحوار ممكن بين قوى الشعب الاصيلة، وغير المستردة أو المأجورة، وبين الاطراف السليمة من الامراض الطائفية والعرقية، ومن حتى أهوال الحقد والأنانية والجشع الشخصي. كما ان اختلاف الآراء والمعتقدات، ولاهداف معلنة، هي قوة للجميع، وقوة للتطوير الدائم.

كانت مساهمتكم طيبة جدا، لأن كل شي يبدأ بالفكر، أليس المجازر الحالية في العراق العزيز المظلوم يقف خلفها فكر مريض؟. دعوة بالعمر المديد للحوار المتمدن في عامها الخامس ... وتحية الى الموقع الذي جعل الحوار المتمدن ممكنا، في مرحلة صعبة ومعقدة ومتداخلة للغاية.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- ليس باسمنا وبعض الهموم الوطنية
- الحركة الاضرابية تثير هلع المحتل وعملائه
- نهج المقاومة الوطنية ومورفين المصالحة الوهمية
- حديث مع عمال معمل اسمنت طاسلوجة
- لبنان: المقاومة المسلحة تشير الى الطريق
- حركة التضامن مع الشعب العراقي
- أسئلة حول الوحدة العمالية النقابية في ظل الاحتلال
- بعض من عبر الأول من ايار
- لا للحرب الأهلية... انها حرب التحرير
- النقابات العمالية رافعة قوية في معركة التحرير
- قراءة في صفحة من سفر كفاحنا المسلح
- نراجع الماضي بثقة من اجل المستقبل
- مزامير الانتخابات الامريكية في العراق
- هل النقابات العراقية الاساسية تدعم الاحتلال ؟
- من عوامل الجزر في التنظيم الثوري
- لماذا الان يجري الاحتكام للشعب؟
- نقطة واحدة للمفاوضات: انسحبوا ايها الغزاة من بلادنا
- نعي المناضل هادي أحمد علي


المزيد.....




- ترامب يسمح بنشر وثائق تتعلق باغتيال كينيدي.. ما الذي تحتويه؟ ...
- سيناتور أمريكي لترامب: لنتغدى بروسيا قبل أن تتعشى بنا
- شاهد: الجلابية السودانية.. -أنصارية- و-رايح جاي- وبـ-زراير- ...
- -بيتزاهت- تعتذر عن إعلان أثار سخط السعوديين في -اليوم العالم ...
- كامليا انتخابي فرد تكتب لـCNN: نحتاج لتوازن باستراتيجية أمري ...
- أنباء عن تأجيل القمة الخليجية 6 أشهر
- بالفيديو.. ببغاء يجود القرآن!
- العراق يؤيد عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية
- لافروف: لا نسعى لفرض أي حلول على بغداد وأربيل
- طائرة روسية تحلّق عاما كاملا في الجو بلا توقف!


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ثقافة الحوار والاختلاف - ملف 9-12- 2006 بمناسبة الذكرى الخامسة لانطلاق الحوار المتمدن - ارا خاجادور - هل يمكن تحقيق حوار متمدن في مرحلة همجية؟