أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - المنصور جعفر - العولمة والخصخصة في تأثيل الفكر التنموي






















المزيد.....

العولمة والخصخصة في تأثيل الفكر التنموي



المنصور جعفر
الحوار المتمدن-العدد: 1717 - 2006 / 10 / 28 - 09:49
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


1- في التخلف والتبعية والتنمية:

يرتبط موضوع التنمية "Development" بموضوعات التقدم المتناسق لقوى المجتمع بتلبية حاجاتها المادية والثقافية وتحررهذه المجتمعات من ربقة الحاجة والتكالب لإشباع ضرورات وجودها وتلاف التعارض بين بناءاتها الجسمية والعقلية والوجدانية والبيئية.

وبهذا المفهوم العام للتنمية يمكن الإشارة إلى إرتباط مفهوم "التخلف" Underdevelopment بتخلف مجتمع ما عن الدرجة العامة لتقدم بعض المجتمعات البشرية والأمم في التحرر من الحاجة والتكالب المحلي والدولي لتلبية حاجاتها، وإرتقاء أحوالها ضمن إتجاه الإنسانية لإشباع حاجاتها المادية والثقافية كماً وكيفاً. ومع التخلف تأتي "التبعية" Dependency كحالة سبب للتخلف وحالة ناتج منه ومفاقمة له إذ تنشأ حالة التبعية في المجتمع العالمي بإعتماد مجتمع ما في العالم في تلبية حاجاته وإشباعها على جهد قوى مجتمع أخر إعتماداً غير متكافيئ في قوته بين المجتمعين بإفتراق في حاجة وضرورة العناصر المتبادلة سواء من ناحية العدد اللازم للإشباع، أو من ناحية أهمية نوعية العنصر المتبادل في تحقيق هذا الإشباع وتحرر المجتمع به من الحاجة للعناصر الأخري أو تحقيق تكيف معين في أوضاع المجتمع يغنيه عنها.

وبهذا التشاكل بين أحوال التبعية، والتخلف، والحاجة إلى التنمية الشاملة المتوازنة، يمكن تأثيل جزء هام من الأوضاع التي تكتنف مجتمعاتنا المحلية من إملاق وفقر وأمية وجهل وأمراض وأوبئة وتناقضات مولدة ومغذية لهذه الأوضاع يفرزها التباين الطبقي ونتائج عمله النهائية المتمثلة في الكدح والإملاق المتزايد للناس،وأحوال مسغبة وجوع السواد الأعظم وإتراف وإسراف وسفه الأقلية من البشر، ومايرتبط بذلك من كراهيات وتوترات وحروب لاتبقي ولاتذر، التي يمكن تجنبها بتنمية شاملة متوازنة تحقق التقدم والسلام، بضمان إشتراكية الناس في موارد ووسائل المعاش وخيراته وساطات تنظيمه.

2- نقاط في تاريخ أحوال التخلف والتبعية والتنمية:

بعد زمان طويل من الكفاح المتصل للشعوب لأجل التحرر تبين لكثير من الناس بفعل الإرتباط بالفلسفة العلمية في تشكلاتها المادية التاريخية والجدلية أن التحرر العام والفعال والحقيقي للمجتمعات لايكون ضمن النظام الإستغلالي والإقصائي القائم بل يرتبط التحرر والتقدم المتصل به بالإنعتاق الشامل من ربقة حضارة السوق القائمة على رابطة قمعية إستغلالية وتهميشية مغلقة قائمة بالإستغلال والإقصاء بين الاحوال الصناعية والتجارية ورأس المال. حيث تستديم هذه الرابطة الإصطفائية التهميشية وتفاقم الخلل التاريخي الطبقي القديم في توزيع موارد ووسائل المعاش وجهوده ومنافعه .

وبعد الجهود الثرة التي بلورت العلم التطبيقي لتحرير البروليتاريا وهو الشيوعية التي تفتحت في أنحاء العالم في روسيا والصين وواشجت تفتح الهند تقدمت أفكارها الأساسية حول إشتراك الناس في موارد ووسائل المعاش وإمتلاكهم سلطة توزيع جهوده ومنافعه وفقاً لقدراتهم وحاجاتهم برزت بأمريكا اللاتينية وأفريقيا نضالات علمية مضنية لمجموعة مقدرة من الأساتذة الجامعيين من ضمنهم: بول باران، وأندرية جندر فرانك، وبول سويزي، ودوس سانتوس، وموريس دوب، وسمير أمين، وعبد الرحمن محمداني، وأخرين تناولات عناصر وحركيات الإستعمار الحديث والتخلف والتبعية وإنعتاق المجتمعات منها وتمددت جهودهم حتى أصبحوا مدرسة مميزة في علم الإقتصاد السياسي طالت شجراتها وإنتشرت تنظيراتهم عن عقد التنمية بالشمول والتوازن والإستدامة في أرجاء التناولات المتنوعة لأوضاع العالم والبيئة التاريخية الإجتماعية لتحرره وتنمية أحواله.

حين كان الإعلام المتصل بالمصالح الرأسمالية يقدم بعض التحسنات الجزئية جداً في أوضاع بعض دول أفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية، كأحوال عامة عممية الخير على مستقبل البشرية، رابطاً هذه الأحوال بمفاهيم سوقية للتنمية تزكي من أحوالها ما إعتمد على دول أخرى في إستثماراتها وتجارتها بالأوليات والكيماويات والإلكترونات الرخيصة.

وقد أستخدم هذا التقديم المغبش لحقائق التنمية والمغيب للوعي والمستلب للإرادات إلإجتماعية الوطنية في فرض مزيد من الأوضاع الإقتصادية السياسية التي أكسبت سواد الناس عيشة رهقاً في غالب الدول "المتحررة حديثاً" من الإستعمار القديم، التي كان –ومازال- يطلق عليها في دوائر العلوم والإعلام الرأسمالية إسم "الدول المتخلفة" أو "الدول النامية". وهي الدول التي يشكل عددها ثلاث أرباع دول العالم، وتشكل السواد الأعظم في المجتمع العالمي.

ومع التفجر المتصل لأزمات الإقتصاد الدولي وتواصل نضالات الشعوب في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين قام جريفي Gary Gereffi من جامعة برينستون Princeton في عام 1983 بتقديم كتاب قيم عن أوضاع العالم الإقتصادية الإجتماعية ونواحي بنياتها وعلاقاتها سماه "الصناعة الكيميائية والتبعية في العالم الثالث"
The Pharmaceutical Industry and Dependency in The Third World كشف فيه بتحليل دقيق لأوضاع الصناعة والتنمية والأفكار المطروحة بشأنها عن جوانب الزور والزيف التي تربط تحرر البلدان والشعوب وتقدمها بالصناعة والتسويق الدولي للخامات أو لكيمياويات النفط، ثم طور فكرته في 1989 ونفذ منها في عام 1994 إلى عموم حال نظريات التنمية ونمذجة بعض ملامحها، مكراً البصر في هذه النظريات المطروحة عن التنمية متناولاً لها بتشريح دقيق مبيناً خللها والحاجة إلى التحرر منها بمفاهيم أكثر جذرية وشمولية.

وقد ساعد جريفي على هذا التناول تلك الأداة العلمإقتصادية التي إبتكرها لفحص الإقتصاد من خلال تتبع أحوال إنتاج السلع فيه سلعة سلعة وتبين مواطن القوة والضعف والخلل في مختلف أحوالها، وكانت هذه الأداة هي منظار "السلسلة السلعية" Commodity Chains وهو منظار معرفي تحليلي يحدد مواطن القوة والضعف في إنتاج وتصريف سلعة.

وقد تمثلت فائدة هذا المنظار في التنبيه لأخطاء التعميم الشديد في تناول أحوال التبعية والتخلف والتنمية، والإنتقال منه لتناولات أدق لشؤون التنمية، تجري رغم رقميتها وظاهريتها في إتجاه أعمق. فضمن سياق "علم إجتماع التنمية" Sociology of Development Science تناول جيرفي أحوال مجموعتين من الدول هما مجموعة دول جنوب شرق أسيا ومجموعة دول أمريكا اللاتينية.

وإهتم في الأولى بكوريا وتايوان وهونج كونج وتايوان وسنغافورة، بينما إهتم في الأخرى بالمكسيك والبرازيل والأرجنتين وشيلي.

وقد تناول في المجموعتين خطواتهم الإقتصادية قبل عام 1971 تاريخ إلغاء قاعدة التغطية الفعلية لقيمة الدولارات بما يعادلها من الذهب أي إرتكاز حساب العملات إلى سعر الذهب التي كانت واحدة من بقايا الإقطاع في النظام الرأسمالي العالمي وإرتفاع أسعار النفط في عام 1973 ثم أزمات الديون الدولية ثم إنهيار الإقتصادات، فتردي الأوضاع الفعلية للإقتصاد العالمي برمته، وإنسحاق المفاهيم التقليدية للتنمية، وأخطاء التناولات العامة لدور المؤسسات والقيم الضابطة والعوامل الإجتماعية، وإعلان الحاجة إلى تنمية شاملة متوازنة ومستدامة تراع الحاجات البشرية والبيئية الآنية والمستقبلية.

فبدقة تناول جريفي مسألة عولمة المنظور الإنتاجي لأحوال الإقتصاد بتناوله أحوال الإنتاج في العالم كمشروع رأسمالي واحد متنوع وهو المنظور المتوافق والنظر إلى تأثير "كثافة العمالة" و "تقدم الإتصالات" في السماح بـ التجزئة المكانية لإنتاج البضائع والسلع في العالم حسبما بين فروبل Fröbel Folker بكتابه المصدر عام 1979 والمسمى بإسم "التقسيم الدولي الجديد للعمل"
The New International Division of Labour وحسبما تناول جوردونGordon في عام 1988 فإن هذا النظر للإنتاج كعملية عالمية متصلة إجزائها ببعضها، وإن إختلفت وحداتها، يبين له: أن لامركزية مواقع الإنتاج وتوزعه توافقت مع: زيادة شدة السيطرة المركزية للشركات المتعدية الأوطان، مما يعزز مايسمى بـ: "الإعتماد المتبادل" بين دول العالم[= إضعاف إستقلال المجتمعات] ويضاعف نفوذ الشركات [الإمبريالية] على الحكومات والعمال.

وبهذا الإرتباط العالمي بين المصالح الإقتصادية في عدد كثير من الدول والمجتمعات تناول جريفي إهتمام الدول الرأسمالية المركزية المتطورة الصناعة المعروفة بإسم السبعة الكبرى Great 7 وبإسم التشكل المدني لحلف الأطلسي "منظمة التنمية والتعاون الإقتصادي" Organisation of Cooperative Economics and Development OCED إهتمت- بأحوال من سمتهم جمعاً بإسم "الدول الحديثة التصنيع" وهي الصفة التي تشمل أسبانيا والبرتغال واليونان ويوغوسلافيا في أوربا وتشمل في أمريكا الجنوبية المكسيك والبرازيل بينما تشمل في آسيا كل من كوريا الجنوبية وهونج كونج وتايوان وسنغافورة.[آنذاك]

فبفضل التحسن النسبي لأوضاع هذي الدول في عملية التجارة (الخارجية) والتأثيرات الموجبة لهذه التجارة(الخارجية) في قطاعات التصدير، وإرتفاع نسبة النمو[وفق إرتفاع متوسط الدخل] وتزايد التشغيل، زاد إعتماد البنك الدولي لـ:سياسات التنمية المرتبطة بالتجارة الخارجية، وعمم ومعه بقية المؤسسات الإقتصادية العالمية برامجها كأداة فعالة للتنمية وهي التنمية التي وصفها ترينر T.Trainer بأنها مفضية للتهلكة في كتابه Development to the Death الذي يمكن تعريب عنوانه الأديب بعنوان رديف هو "تنمية للموت"

وفي عام 1994 قام جريفي Gereffi بخلافة بحث فولبر Fröbel F. بموضوع آخر جديد هو التقسيم الجديد للعمل على مستوى العالم بإعادة إستخدام متسع، لـ سلاسل السلع بتتبع نقاط إنتاج السلع وتصريفها كأداة علمية لفحص إقتصادات العالم فيما شكل علامة علمية في الفصل بين مفهوم التصنيع ومفهوم التقدم، بعدما كانا ملتبسين في الفهم العام ونشر جريفي نتائج فحصه في كتاب إشترك بتأليفه مع ميغويل كورزونفيتش Miguel Korzeniewicz بعنوان بارع حذق يسآئل الطبيعة الإقتصادية العامة لأوضاع العالم وهو: "السلاسل السلعية والرأسمالية العالمية" وأسمه الأصل: Commodity Chains and Global Capitalism



3- النموذج العولمي للتنمية:

في ظل الحرب الباردة ضد التحرر الوطني والإشتراكية في واقع الإقتصاد السياسي والمعلومات المتعلقة بشأنه بواسطة نفوذ المؤسسات الإمبريالية نشأ ما يعرف بـ: "النظام العالمي للإقتصاد" ونموذج ماسمي بـ "التنمية العالمية"، زاد الحديث والإعلان عن ما عرف بحالات : "تحول الدول من نصف دائرة الإقتصاد العالمي بإتجاه المركز الرأسمالي" تحولاً إرتبط بتعميق التبعية للمركز العالمي وتحفيز النمو الرأسمالي المحلي.

وفي هذا الإطار الإعلاني مدت الألسن في الصحف والأدبيات الإقتصادية وبرامج الأحزاب ساخرة من المعرفة العلمية وتنظيراتها لموضوع الإرتباط بين التخلف والتبعية والتبعية والتخلف، حيث قدم نموذج جنوب شرق أسيا قبل إنهياره، ونموذج أمريكا اللاتينية قبل إنهياره كنموذجين فعالين عن إرتباط التقدم بالتبعية!!، وإنتشار السعادة بالخضوع!!، وإرتفاع الرفاه بزيادة ساعات العمل الشاق والحرمان من الضمانات والحقوق الإجتماعية والسياسية!!،وإرتفاع قيمة الإنسان بحرمانه من الحقوق السياسية والإقتصادية لمجرد تحويره لعامل تابع لمصالح التجارة الدولية وشركاتها!!.

وكان فوربل Fröbel في"التقسيم العالمي الجديد للعمل" قد لامس المكونات الداخلية أو المحلية للمشروع الرأسمالي العالمي وسيطرته على أمور المعاش والحياة مما عززه جيرفي في عام 1994 بإعادة متسعة لإستخدام أداته العلمية في فحص إقتصادات العالم، حيث نشر نتائج فحصه بكتاب إشترك في تأليفه مع زميله ميغويل كورزونفيتش Miguel Korzeniewicz عنوانه "السلسلة السلعية والرأسمالية العالمية" Commodity Chains and Global Capitalism فجاء مخرساً للألسن المدودة. فبفحص جيفري للسلاسل السلعية للإنتاج في الدول التي قدمت كنماذج للتنمية العالمية وجد إمكان للتدقيق في العوامل السياسية والإقتصادية والثقافية التي أثرت مباشرة في أحوال (التنمية) في تلك البلدان التي سقطت الواحدة تلو الإخرى في مغبة الإملاق والديون والمسغبة والإتراف والإسراف والسفه والإنشقاقات الداخلية والحروب الأهلية، وإنتهت جميع إقتصاداتها إلى الإنهيار.


(أ) بعض العوامل السياسية التي نمذجت التنمية المعلومة:
عرض جريفي للعوامل السياسية التي أدت لهذا الوضع بتناول دور السياسات المحلية والدولية في صناعة هذا النموذج: حيث قدم سياسة التدخل الجوهري للدولة بشكل إنتقائي للخطط والمشروعات تنشيطاً لتراكم سريع لرأس المال وتحقيق تقدم صناعي عارضاً ثلاث عناصر لتدحل الدولة في هذا الشأن هي:
 قوة الدولة-الحكومة
 المركزة العالمية والمحلية للموارد
 صرامة السلطة (كل دول (النموذج) في العولمة كانت ديكتاتوريات عسكرية)

(ب) بعض العوامل الثقافية لإذاعة ونشر نموذج التنمية المعولم:
أتى جريفي بالنقض على ما يشاع عن الأثر الموجب للنوعية الجيدة من الثقافات المحلية في نجاح التنمية المعولمة للمجتمعات الجاري الحديث عن نجاح زراعة التقدم الخارجي فيها، في جنوب شرق أسيا. وهي الثقافات المقدرة للعمل الدؤوب والصارم والدقيق، والتي تحترم سلطات العمل، والتي تثمن الإتقان في العمل.

كما إنتقد جيرفي الحديث عن الأثر السالب لبعض المذاهب التطهرية والزهدية في أمريكا الجنوبية وإعاقتها تفتح قدراتها الإنتاجية، وينوع النموذج العولمي للتنمية فيها، وكانت هذه الإستخلاصات قد إكتنفت أعمال فالينزويلا وفالينزويلا Falnzoila & Falnzoila في عام 1978 وبيرجر Berger وشياو Chiao في عام 1978 وقد قام نقض جريفي على ان هذه الثقافات كانت موجودة طوال الزمان الذي كانت هذه المجتمعات تعد متخلفة، ولكنها كانت غير مؤثرة، كما أن وجود هذه الثقافات لم يمنع جماهير الشعب في ظل زيادة الضغوط الرأسمالية في عدد كثير من المناسبات من تفجير الضغوط السياسة وشن الإعتصامات والإنتفاضات والإضرابات ولم تحد الثقافة من المحاولات الجماهيرية المستميتة لأجل التحرر الوطني والإجتماعي من أوضاع وسلطات هذا النموذج العولمي للتنمية.

(ت) عوامل مرتبطة بتركيبة الدول التي عمدت بها التنمية المعولمة:
يلاحظ التنوع في إستغلال التراكيب الخاصة في كل دولة من حيث: كثافة السكان، المساحة، والموقع الجغرافي، فقر الخامات، الثقافة، النظام السياسي، الإجتماع، الدخل السياسات الإقتصادية، طبيعة الإجتماع وفقاً للآتي:


أ- دول جنوب شرق آسيا
مع الزيادة السريعة في الإستهلاك والطلب في العالم بعد موجة الإستقلال والتحرر من الإستعمار القديم بتوكيلاته التجارية المغلقة المحدودة ونشاط الحركات النقابية والإجتماعية في أوربا وأمريكا تزامن (فقـر) دول جنوب شرق آسيا للأموال وفقر مواردها الطبيعية مع إرتفاع (المساعدات) المالية الخارجية من المراكز الإمبريالية إلى دول جنوب شرق آسيا بمليارات الدولارات، وإرتفاع (المساعدات) التقنية بمختلف أنواع الألآت، وكذلك (المساعدات) التجارية بإتفاقات مريحة في الإمداد وسهلة في التصريف، حيث تكفلت الشركات الإمبريالية بإمداد دول جنوب شرق آسيا بالخامات وبشراء منتجاتها حتى بلغت نسبة الصادر من جملة مصنوعات هذه الدول الـ90%.

فبإستغلال فقر الخامات فيها وزيادة السكان، وتصلب إمكانات الإنتاج الزراعي قهرت هذه الدول التي كانت مستعمرات يابانية وبريطانية وأضحت ذات وجود عسكري أمريكي كثيف داخلها أو بالقرب منها وأجبرت على الخضوع للمخطط الإمبريالي للتنمية في ظل تجريد عموم المواطنين والطبقة العاملة من الحقوق الإجتماعية والسياسية.
حيث أدى الوضع الإملاقي والإستغلالي إلى زيادة الإنتاج الصناعي في بلاد ج ش آسيا بضعفين وثلاث أضعاف عن الدرجة التي كانت الإمكانات الطبيعية والإجتماعية والسياسية تتيحها داخل دول المراكز الإمبريالية في أوربا والولايات المتحدة.

كما تفردت دول جنوب شرق آسيا زماناً ومكاناً في نوعية التصنيع وتصاعد وكثافة وتنظيم إهتمامها بـ طبيعة الإنتاج وشموله الكمي والنوعي من إنتاج الأوليات إلى السلع التي تتضمن قيماً تحويلية أكثر، عدا تركز سنغافورة بعددها القليل من السكان على تكرير النفط، حيث أضحت مجرد أكبر محطة خدمة لتكرير للنفط في العالم بينما صعدت دول جنوب شرق آسيا ككل كثافة الإنتاج من إنتاج الأقمشة والملابس والإجهزة المنزلية إلى الألآت ووسائط النقل إلى إنتاج الأجهزة الأكترونية والكمبيوترات وموصلات التيار الكهربي السرعية .





ب- دول أمريكا الجنوبية:

إختلف الحال في دول أمريكا الجنوبية عن حال دول جنوب شرق آسيا: فدول أمريكا اللاتينية دول عريقة في التعدين والصناعة الأولية منذ عهود الحضارات القديمة للأنكا والمايا والأزتيك الذين كانوا أصحاب أهرامات ضخمة ومناجم هائلة للذهب والفضة والنحاس وزراعة غزيرة وثروة حيوانية عظيمة، وكانوا بثراء روحي ينسجم وأوضاعهم حتى جاء الاستعمار الأسباني ثم التحرر منه مع ضعف الإنتاج الصناعي في مقابل التصنيع الهائل البريطاني والفرنسي بتوسيعهم الإستعمار ثم قيام الولايات المتحدة وتدخلها، فموجات الهجرة الأوربية إلى القارة الأمريكية.

حيث إرتبط بهذه الهجرة إرتفاع نسبي في موجات التصنيع في سوق شبه مغلقة مع ضعف العلاقات والإتصالات آيام الحرب العالمية الأولى حتى جاء الكساد الكبير في العشرينيات ومعه الحروب الأهلية بين الإقطاعيين الناقمين على التصنيع وأحواله الإجتماعية والرأسماليين ثم الثورات الشعبية للتحرر من الإقطاع أو لمقاومة تمدد الرأسمالية التي سبقت هذه الفترة وتلتها، وجاء موج الإنقلابات العسكرية والمدنية المرتبطة بالمصالح الأمريكية منذ الدعم الأمريكي لحركة سيمون دي بوليفيار في تحرير دول القارة من السيطرة الأسبانية والسماح لرأس المال المحلي بتطور مستقل مما أدى إلى زيادة في الثورات الشعبية الهندية ضد المستوطنين الأوربيين وكذا إلى زيادة ثورات مشتركة بين كادحي الجنسين الهنود واللاتين ضد الإقطاعيين والرأسماليين معاً أو مع قسم ضد أخر منهما.

وفي عمومها أنتجت السياسات الرأسمالية زيادة في أزمات الديون والإنهيارات الإقتصادية الإجتماعية المتتالية في بلدان القارة. وتأزم الموقف السياسي بشكليه المهيمينين الإقطاعي والرأسمالي. وتفاقمت الأزمة مع إكتشاف النفط وإتساع سوقه في الولايات المتحدة وأوربا، مما أيقظ كثير من الفتن وأجج كثير من الصراعات التي كانت نتيجتها إحتلال الولايات المتحدة لتكساس وأريزونا ونيو مكسيكو، وإشتعال أوآر الحرب بين كثير من الدول القريبة لبعضها، مما أهدر مواردها.

لذا يمكن القول بان التنمية المعولمة في أمريكا الجنوبية قد إختلفت بحالة تتال موجات الكساد عن حال رواج التصنيع والتجارة جنوب شرق أسيا، وذلك نسبة لصلة أمريكا الجنوبية بصراعات الإستعمار والمقاومة ونضال شعوبها في ظروف سياسية معقدة بالتداخل الطبقي والسياسي والعرقي واللغوي والثقافي والديني بين الحكام القدماء والمستعمرين القدامى والمحدثين والمستوطنين والصراعات القديمة لسكان البلاد الأصليين وطبقاتهم حتى قصمت مالياتها وقدراتها حالة الكساد الكبير The Great Depreciation الذي خفض 60% من قيمة عملاتها، مما ضرب كافة تقديرات التصنيع والتسويق آنذاك الزمان ، حسب أعمال هنتHent في عام 1984 ، وثورب Thorpe في عام 1985 سواء بهدم حقيقية الأجور أو رفع أسعار الغذاء أو بالإضعاف العام للقدرات الشرائية.


وأشارت أعمال كل من فروبل وآل (أوآئل الثمانينيات) ثم جوردون في منتصفها إلى سياسة فتح الباب بالقوة العسكرية للإستثمارات في دول أمريكا اللاتينية منذ الخمسينيات تحت شعار ومبداً
"حماية الأمن القومي" الذي مثل العقيدة العسكرية للجيوش في أمريكا اللاتينية، وقيامها على قمع تحرر الفلاحين والعمال من الأحوال البائسة والنظام القمعي لمنع خطر الشيوعية، ومع حلول الستينيات وضخ (المساعدات) الأمريكية بكثافة أكبر لدول جنوب شرق آسيا في إتجاه صناعي متزايد النوع والقيمة من الأغذية المعلبة والأقمشة والملابس والإحتياجات المنزلية البسيطة إلى القطع الألكترونية، كانت دول أمريكا اللاتينية التي تمتاز بإتساع مساحاتها وغناها بالموارد الطبيعية، وتقدم نوعية التصنيع وعراقته، تأخذ إتجاهاً داخلياً في إستثمار عائداتها البخسة في مشاريع إستخراجية وصناعية تعتمد على الديون المباشرة وعلى نسبة محدودة من التصدير المستقل للمنتجات النهائية إلى الخارج.


وتمثل الفارق الأعظم بين مجموعتي الدول الجنوبشرق أسيوية والجنوب-أمريكية في درجة أو حالة أو وضع الموارد الخارجية المتجهة إلى داخل الدولة المرتبطة بالتنمية المعولمة، فبينما كانت المساعدات والمنح هي صيغة الأموال القادمة لجنوب شرق آسيا كانت صيغة الأموال القادمة لدول أمريكا الجنوبية هي الديون و القروض. كما أن صيغة التعاقدات إختلفت بين مجموعتي الدول: ففي أمريكا الجنوبية كانت الصيغة السائدة هي التوكيلات والشراكة في الإنتاج، بينما سادت الصيغة المرنة لعقد طلب الإصطناع المحدود في جنوب شرق آسيا

كذلك تباين إرتفاع مستوى الإستهلاك الداخلي في كلا المجموعتين إبان مراحل التنمية المختلفة زمانياً فيهما إذ كان مستوى راق في دول أمريكا اللاتينية بينما كانت آسيا مشهورة بأرزها وأسماكها الوفيرة الرخيصة.

ومع تباين مستوى الإستهلاك بين المجموعتين، تبدو إمكانية تقدير تحكم حاجة كل مجتمع للضرورات، في تحديد توجهاته للإنتاج سواء من حيث نوعيته أو من حيث كمياته، مما يترافق مع مستوى تلبية التجارة الخارجية لحاجاته الإستهلاكية والقدرة على سدها. أي يمكن الإشارة إلى حكم عدو لة الإستهلاك [من يستهلك وماذا يستهلك وكم نسبته إلى الإستهلاك العام كماً ونقداً، وطبيعة تجديد القدرة على هذا الإستهلاك] للعملية الإنتاجية وتوجهات الرساميل للتربح منها ومضاعفة قدرة الإستهلاك.

وبحكم تواضع تطور التكنولوجيا إنذاك الزمان إتجه التطور الصناعي لأمريكا اللاتينية إلى مزيد من إستخراج العدو ن مثل البترول والفحم والحديد والنحاس والتجارة بها دولياً ثم بإستغلال مزية إنتاجها البخس جهد في صناعة الألآت الرأسمالية التي تحتاج لطاقات محركة وبشرية وتعدينية ومالية كبيرة مع رفض الإمبريالية القيام بها داخل دولها مفضلة القيام بها في دول أمريكا اللاتينية توفيراً للطاقة الداخلية للدول الإمبريالية لما هو أكثر ربحية.

ورغم زيادة الأرباح بدرجات عالية فإن قيم توليد الربح بقيت كما هي ولم تتنخفض بزيادة الأرباح بل ويمكن القول بانها زادت سعاراً عاقرة البلاد نازفة لمواردها ودماء شعوبها كابتة احلامها وأمالها .


كذلك لما يوفر بقوة السلطة في دول أمريكا الجنوبية المستضعفة من شروط إنتاج سياسية إجتماعية (أكثر مرونة) في مسائل البنوك والإستثمارات والأجور والأسعار وتلوث البيئة والإقتصاد والمجتمع وتلوث السياسة والثقافة معهم – مع المصالح الأجنبية لقياداتها المدنية والعسكرية- بضخامة فعل الرساميل والألآت الكبيرة في التربة اللينة للمجتمع الزراعي-الرعوي والتعديني والصناعي الأولي الخارج لتوه من الإستعمار المباشر والحروب والإنتفاضات، بما كنف خروجه هذا من مشكلات عرقية وثقافية تواشج التطور المتصادم العنيف لقوى الريف وقوى المدينة على مختلف أقسامهما والولايات المتحدة، وأوربا القديمة والفاتيكان.

وقد أدت الأزمة المالية والإقتصادية الإجتماعية السياسية والثقافية لدول أمريكا الجنوبية التي وضعت مجتمعاتها بل والعالم كله في محك صعب بتلف قدر كبير من موارده بلجج التجارة الدولية والفساد والإنقلابات الأميركية والإنتهاكات الواسعة المنظمة لحقوق الإنسان وتدمير البيئة، -أدت- لتصاعد أشكال من النضال في داخل دول أمريكا اللاتينية وخارجها ضد رأس المال كـ"الحركة ضد الرأسمالية"Anti-Capitalism Movement أو "الحركـة ضد الديـون الدولية" المعروفة في العالم بإسمهاanti-International Debts Movement وكذلك الحركة ضد الرسملة المدمرة لغابات الأمازون (رئة العالم) والتي تكاملت في أوربا والحركات المكافحة ضد تلويث البيئة anti-Pollution وحمايتها من التلويث ولمنع تدمير توازن النظام الحيوي للطبيعة وتكامله Protection Environment الذي يشكل الأسلوب الرأسمالي لإستهلاك المواد أساس تفاقم الخلل في بنياته، حيث تشمل هذه الحركات جماعات دولية عددا مثل جماعة "الخضر" Greens وجماعة "أصدقاء الأرض"Friends of Earth وكذلك حركة السلام الأخضر Green Peace

وفي أواخر الثمانينيات أسهمت نشاطات هذه الحركات والجماعات التي تولد قسم كبير منها بمواشجة الأزمة الشاملة في دول أمريكا اللاتينية مع قوى التحرر الوطني والحركات النقابية والمدنية الأخرى، في عقد إئتمار روساء وقادة دول العالم لمناقشة أحوال البيئة والتنمية.

وقد عقد ذاك الإئتمار الذي سمي بـ"قمة الأرض"، في ريو دي جانيرو العاصمة القديمة للبرازيل بتنسيق متعددة المواهب والأسانيد رئيسة آيرلندا الأسبق ماري روبنسون Mary Robinson وتقرير د.منصور خالد وزير خارجية السودان الأسبق، حيث تم تداول العلاقات الوطيدة بين الطبيعة الرأسمالية للإنتاج والإستهلاك والمستوى المشوه لتوزيع الموارد والثمرات، والدمار الذي يحيق ببيئة الأرض بفعل الضغط الكثيف على الموارد بوتيرة أسرع من وتائر تجددها، وبإستهلاك لايرعي حق الأجيال القادمة في ثروات الأرض وخيراتها، وأهمية الإحتفاظ بإحتياطات تناسب مستقبل الأرض والأجيال القادمة Future’s Reserve وضرورة قيام عملية تنظيم دولية جديدة شاملة لأحوال التنمية مما واشج تداول مفهوم جديد للتنمية، لا يمكن وصفه بالإتساق الكامل ولكنه أفضل كثيراً من المفاهيم الرأسمالية السائدة في عالم الإقتصاد وحدد هذا المفهوم بالإصطلاح المشهور "التنمية المستدامة" Sustainable Development

ويواشج إصطلاح ومفهوم "التنمية المستدامة" بشكل تقدمي المؤشرات القديمة للفلسفات الخيالية الإجتماعية للإقتصاد بتأسيسها الأولى لحركة الفلسفات الإجتماعية الإشتراكيةEgalitarianism في نهاية مرحلة الإقطاع وعصر النهضة وبداية الرأسمالية وعصر التنوير، في أوربا والعالم، ولكنه يرقى بها من الحالة الأحدية المنعزلة عن الإنقسامات الطبقية والجنسانية الإجتماعية والسياسية إلى تفاعل موجب بثلاث أقانيم هي :

1- إتاحة فرص متساوية للدخول في المؤسسات و الحصول على الموارد
Equal Opportunity Access to Institutions and Recourses

2- إشتراك المنتجين والمجتمع في التمتع بعائدات التنمية وثمراتها
Share of Developments ’s Fruits


1- الحصول على دعم المؤسسات للمشاريع والخدمات العامة وتيسيرها
Benefits for Production and Public Service



فصيغة "التنمية المستدامة" ربطت التقدم نحو "التنمية المتوازنة الشاملة" بتوفير تدريجي للحقوق المدنية والسياسية والإجتماعية، خاصة فيما يتعلق بـ"مكافحة الفقر" [= أحد برامج البنك الدولي] حيث تشكل إصطلاح "التنمية المستدامة" كنتاج لمحاولة تسوية سياسية بين الشكل الأوربي من الإمبريالية تسانده دول العالم والشكل الأمريكي منها بتقرير لعدد من النقاط المرتبطة بالمصلحتين الرأسماليتين الأوربية والأمريكية :

1- إصلاح نظم ملكية الأرض
بما يرتبط بسياسات توسيع السوق الدولي للعقارات وحيازة الإمبريالية لأرض العالم بقيام الحكومات الـ(ـوطنية) بتفتيت الإقطاعات القبلية والتقليدية وسماحها للإستثمارات الأجنبية بتملك الأراض الوطنية.

2- دعم الزراعة الصغيرة، والإنتاج الحرفي والصناعات الصغيرة
بما يرتبط بتقسيم السلطة في إقتصاد المجتمع الوطني بصرف الحكومات الوطنية إلى مشكلات الإنتاج الصغير وتأسيسه، وتحكم رأس المال الأجنبي بتوجيه الإنتاج الكبير وتجارته.

3- تقديم ودعم خدمات التعليم والصحة ورعاية الطفولة، وعمل المرأة
وهو مايواشج فتح الأقاليم القابعة في التخلف لإنتاج رصيد بشري لمصلحة رأس المال الدولي دون إسهام محدد منه في تنمية احوال المجتمعات التي يستفيد بها، بما يعني فعلياً إلقاء عبء هذا الامر على الحكومات الوطنية وتخليص رأس المال من المسئولية الإجتماعية للإلتزام بأعباء خطة إجتماعية إستراتيجية معينة لإنتاج هذا الرصيد.

4- تسوية مشكلة الديون الدولية:
وذلك دون حل للنظم والهياكل الإنتاجية والتجارية والأزمات التي أنتجتها، بما يعني إعادة إنتاجها الديون بشكل مضاعف.
فتسوية الديون دون علاج الشروط المجحفة التي إرتبطت بدفع أقساطها يعني إهمال علاج تبعاتها المتفاقمة من تخصيص لموارد الإنتاج ووسائله وللمرافق العامة، وتخفيض موارد الدولة والتطور الإقتصادي السياسي للمجتمع كله بالتالي وما يرافق هذا الوضع من أزمات هيكلية وتجارية متفاقمة بشروط الدفع أوحتى الإعفاء.

5- فك القيود التجارية والسياسية على صادرات الدول النامية
بما يرتبط في حال الخصخصة بتوفير قدرة أكبر لرأس المال الدولي على (المناورة) وحتى تهديد الموارد الإستراتيجية للمجتمع والدولة بمجالات تصدير المياه والغذاء والمواد الأولية والطاقة والمنتجات المحلية التي تحتاجها السوق المحلية الفقيرة المستضعفة كما تحتاجها أيضاً مايسمى بـ"السوق الدولية" مع فارق الإمكانات والحماية السياسية التي تعطيها كل سوق لنفسها. بما فيها تحكم الإستثمارات الدولية في الحكومات (الوطنية).

6- تسوية النزاعات المحلية والدولية
بغياب الشروط السياسية لقيام حالة حقيقية من التنمية، بمعنى زوال ديكتاتورية رأس المال على موارد عيش المواطنين ووسائل إنتاجهم لحاجاتهم الضرورة، وتحديده لحياتهم بتحديده الأجور والأسعار والضرائب المتوفرة لدى دولة ( المجتمع) وتشكيله بهذه السيطرة لمراكز إستبداد طبقي وإقليمي وثقافي يصب الحديث عن تسوية النزاعات في خانة إتفاقات سلام هشة وتشكيل صور جديدة من النظم الديكتاتورية التي يعان فيها أغلبية المواطنين حرمانهم من الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية لمصلحة أقلية محلية ودولية مسيطرة بما يفاقم مخاطر التوترات والنزاعات المحلية والدولية وما يرتبط بها من حروب نظامية وغير نظامية.

7- الديمقراطية
تعجز العناية اللغوية بإصطلاح الديمقراطية وتبيين الأسس الإقتصادية الإجتماعية الثقافية والسياسية له بوثائق التنمية المستدامة، عن حل الأزمة الواقعية لسيطرة رأس المال الدولي على موارد الإنتاج ووسائله في العالم، وعلى التجارة والتمويل الدولي وحرمان معظم المجتمعات والدول من الإمكانات الفعلية للسيطرة على مواردها بما يعني وهم الإعتقاد بإمكان الإنطلاق لترسيخ الديمقراطية أو توسيعها مع وجود هذه السيطرة المتفاقمة، إجتماعياً على المستويات الطبقية والجنسانية وثقافياً بإضطراب وتحلل النظم والقيم وأمنياً بالحروب.

8- الإستثمار الصديق للبيئة
تؤشر التوصية بإتباع مقاييس تحافظ على التوازن الحيوي للطبيعة، ، إلى أن حجم الإتلاف والتدمير الذي تلحقه الإستثمارات الإجنبية بالموارد الطبيعية في أنحاء "العالم النامي" يلي حاجات الطبقات العليا في المراكز الدولية وفروعها للإستهلاك بما يبين طبيعة الديمقراطية الدولية في النظام المأزوم بالدمار الشامل للعالم الذي تقوده الإمبريالية فوفقاً لديمقراطية رأس المال وحرياته، يتازم العالم بسوء توزيع الموارد بتفوق إستهلاك الخمسة من المآئة في المآئة الأعلى دخلاً من البشربدرج إستهلاك ستون إلى خمس وثمانون من المآئة في المائة من المجتمع البشري من العمال والزراع والكادحين الذين يحدد التنظيم الإمبريالي العالمي للموارد دخولهم ويضنيهم بالإفقار ومنتجاته من جهل وأمية وتعطل وإنمساخ وتفتت. بينما ترفض الولايات المتحدة وبقية الدول المركزية السبعة G7 التي تستهلك معظم موارد العالم الإلتزام بأي مقاييس محددة وجداول زمنية توجه إستثماراتها الأساسية للحفاظ على البيئة! إضافة إلى موقفها الرافض تسوية الديون التي فرضتها الإمبريالية على العالم النامي بل إن الحركة الإمبريالية لرأس المال في الدول الناشئة [= الإستثمارات الأجنبية] ظلت تبحث لنفسها عن حريات|تحكمات أكثر في مجالات الحكم والإدارة وإمتلاك الأراض، والسيطرة على الخدمات العامة، وإستخراج الخامات والتصدير، مع سيطرتها على الإعلام ومهام الأمن في الدول الإمبريالية.

وبهذه الأوضاع المأزومة للحركة الإمبريالية لرأس المال وسياساته الوحشية لتخصيص الموارد العامة للبشرية ومجتمعاتها جاءت عولمة رأس المال لأصول الموارد نفسها بعدما كانت سيطرته تقف على أعمال تناولها وتشغيلها وتجارتها، وهدم الأنساق الإجتماعية والوطنية للوصول إلى الموارد وإنتاج ما يتيسر منها وحيازة وتداول وتوزع منافعها وثمراتها المادية والثقافية (على علاتها) حيث بددت الإمبريالية هذه التوصيات الجميلة الشكل التي أقرتها جميع دول العالم ولم تعترض عليها سوى الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، مما أكسب صيغة "التنمية المستدامة" غطاء سياسياً لتطوير النشط العدو ية للإمبريالية بعدما كانت مجرد لبرلة للإمبريالية، وإعادة تقسيم لموارد العالم بين سادته.


4- تـحـول دول أمريـكا الجنوبيـة لليســار

جرت تحولات عددا في سياسات دول أمريكا الوسطى والجنوبية إذ بدأ منذ منتصف التسعينيات بدأ تحوير سياسات دولها وحكوماتها إلى جهة اليسار السياسي والإشتراكية، لمواجهة الأزمة المستفحلة في تلك الدول، وآثارها في مجمل النظام الإقتصادي الإمبريالي العالمي، بعجزها عن سداد مئات البلايين من الدولارات التي حسبت عليها كديون خلال عشرات السنين من الحكم الرأسمالي المتوحش الباطش المتستر بشعارات الأمن القومي والتنمية بينما كان منتجاً للإفلاس الإقتصادي والقمع والتدخلات الخارجية والتمردات الداخلية.

وذلك بإهتمام سلطاتها الجديدة المنتخبة في فنزويلا والبرازيل وبيرو والأرجنتين وأوروجواي وبوليفيا بسياسات التنمية الشمولية المتوازنة، بإجراءها تنسيقات جزئية ولكنها مضطردة في مجالات مكافحة الفساد وبنى تشديد قوانين الضرائب وإعفاءاتها، وشروط العمل والتشغيل، وتيسير إستقلال الزراع عن الشركات الإحتكارية، ودعم الإستثمارات المحلية لا الأجنبية والتقايض والتجارة العادلة Fair-Trade مع المراكز الرأسمالية والتعاون بين دول القارة الأمريكجنوبية والإنفتاح مع هذه التغييرات على النظم الديمقراطية الشعبية في كوبا والصين وكوريا وجنوب افريقيا ومجوعة الـ77 وقد تتالت تلك التحولات بصورة واضحة مع مقدم القرن الـ 21، أي بعد مائة عام من النضال المتصل.

وكان نضال الشعوب في دول أمريكا الجنوبية موصولاً منذ الغزو الإقطاعي الأسباني والبرتغالي بطابعه الريعي المتصل بنهب مناجم الذهب والفضة فالتدخلات الفرنسية والهولندية والإنكليزية ثم الامريكية بطابعها الرأسمالي الذي رام إلى تحويل المنطقة لمجال رأسمالي مصدر للمواد الخام وسوق لتصريف المصنوعات. وبتأثير التراكم الوئيد للتناقضات الإستعمارية والإقطاعية في دول مجتمعات أمريكا الجنوبية، فإن نضال تلك الشعوب شمل رويداً رويداً جميع قواها الإجتماعية، بل وشمل أقساماً نائرة من الطبقات السائدة عليها، ونجحت القوى الثورية برقي نضال الشعوب في ضفر مكوناتها ووسائلها وأهدافها ونضالاتها.


كيف تحولت أمريكا اللاتينية لليسار؟

تعبيراً عن هذا التوجه كتب روبرت كورنويل Rupert Cornwell في العدد المصدر بتأريخ 2005-03-01 من الصحيفة البريطانية الإندبندنت THE INDEPENDENT مقالاً تاريخياً ذي عنوان شجني هو: كيف تحولت أمريكا اللاتينية لليسار؟ ? How Latin America Turn to the Left
عدد فيه أسباب هذا التحول الذي يمثل سقوطاً ذريعاً لـ "السياسة الخارجية الأمريكية"، وأهم سبب للتحول أورده المقال الذي تصدر الصحيفة ونفخ فيها روحاً وقادة هو: بسالة كوبا ضد حصار الإمبريالية وقوة صدها تدخلات الولايات المتحدة وهزمها عدوانها. [نجاح سياساتها للتنمية الوطنية الشعبية المخططة علميا والمدارة بعقلانية التخطيط بعيداً عن عشواء السوق].

فإذ كان الوجود الإمبريالي في أمريكا الجنوبية قد إرتبط بـالسياسة الخارجية العدوانية للولايات المتحدة والمكنية هراءاً بـ: "سياسة حسن الجوار" Policy Good Neighbor حيث إرتبطت مصالح الولايات المتحدة بإحداث ـإنقلابات حماية الأمن القومي وحكوماتها الدموية وحصنت تدخلاتها بماسمي بـ"مبداً مورنو"Monroe Doctorian الذي أصدره الرئيس الامريكي مورنو عام 1923 بـ((أن لاتتدخل أمريكا في شؤون أوربا [الكاثوليكية] طالما بعدت أوربا عن مس مصالح تابعي الولايات المتحدة وممثليها في أمريكا اللاتينية)).

وقد حميت وسبكت سياسة توالي الإقطاع الأسباني اللاتيني والرسملة الأنجلوساكسونية ضد شعوب أمريكا الجنوبية في أتون حالة الكساد الكبيرGreat Deperission في عهد الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت Franklin Roosevelt في ثلاثينيات القرن العشرين وكان ذلك السبك بجهد الدهقين ويلزSunner Welles مستشار روزفلت لشؤون أمريكا اللاتينية.

كما ولغ الرئيس المغدور كيندي Kennedy .J.F في التدخل ضد أمريكا الجنوبية قبل أن يتحول هو نفسه يساراً بتأثيرات عددا منها نشاط الحركة التقدمية، والمقاومة المدنية داخل الولايات المتحدة الأمريكية .وبتأثير أسباب أخرى لحدوث هذا التحول مثل تأثير رفيق همنجواي في كوبا الكاتب آرثر ميللر Arther Millerصاحب الرواية العظيمة المسماة "وفاة بائع متجول، وأثر رفيقته البديعة الجسد والتأوه والإنثناء الرقيقة الحادة مارلين مونرو. وكذلك أثر سحق الشعب الكوبي ومحقه هجوم ألآف الغزاة الأمريكيين لجزيرته في زمن ترابط فيه الحق مع القوة في تغير مواقف كيندي وكذا صعود مقاومة الشعوب البطولية في الهند الصينية فيتنام وكمبوديا ولاوس، ونفاذ السوفييت من أقطار الأرض إلى أقطار السموات بثبتت إشارات "سبوتنك" من الفضاء نجاح الإشتراكية العلمية في إخراج الشعوب من التخلف في زمن قصير، إضافة إلى تأثير إسقاط السوفييت طائرة التجسس الأمريكيةU2 -التي كانت تعد قمة تكنولوجية في أوآنها- ويضاف إلى ذلك تأثير أوج حركة التحرر الوطني وموج الإستقلالات في العالم وزخمها في داخل الولايات المتحدة بتشريع الحقوق المدنية ثم الرضوخ والإعتراف بإرادة الشعب في فيتنام، وإغلاق الإدارة الأمريكية ملفات لجنة السناتور ماكارثي لإضطهاد الشيوعيين، وقد ربط كل هذا مع تورع كينيدي عن دعم عدد من الإنقلابات والحركات الحربية المتصلة بالمخابرات المركزية وترحيبه بـالإنفتاح على السوفييت ثم بعذاك بـالتعايش السلمي مع الدول (الستالينية) مثل يوغوسلافيا ورومانيا والمجر والصين التي كانت رافضة لقيادة خروتشيف والمنشفيك للحزب الشيوعي السوفييتي.

كذلك ُدل على تحول كينيدي يساراً مثابرته في إصدار السندات العامة بدلاً عن السندات التي ترهن الدولة الأمريكية لبنوك نيويورك، وإتجاهه للسلام العالمي وتعميقه بتكوينه في دول أمريكا الجنوبية لكيانات "التجمع التقدمي" Alianza Para El-Progresso الذي عرف بصيغته الأولية التقدمية بعض قيادات النقابات العمالية وممثلين لمزارعين والرأسمالية "الوطنية"، إضافة إلى إطلاقه الحركة الشبابية لدعاة السلام في دول العالم، وكلها حركات خربت بعده من الداخل.

ولكن لاري بيرنسLarry Birns المدير إالعام لإستشارية الشؤون الهسبنية في واشنطون Council on Hemispheric Affairs صرح بالقول الآتي لصاحبنا كورنويل:(( الحقيقة هي ان أمريكا اللاتينية لم تعد الخادم المطيع أو حوش خلفي لأمريكا)). وبهذا السياق يمكن القول بنظر نورييجا Roger Noriega رئيس الجانب الغربي للعلاقات الأسبانية في الخارجية الأمريكية
Western Hemisphere Affairs in State Department كمقاول باطن لأيديولوجيا اليمين المحافظ حيث تصور إمكان إخضاع أمريكا الجنوبية مرة اخرى بواسطة الولايات المتحدة.
فقد أومأ نرويجا بعين خائنة إلى توطد علاقة الإتحاد الأوربي آنذاك مع دول البرازيل والأرجنتين وفنزويلا والأورجواي والبارغواي والإكوادور وكوبا عاداً تكتلها و الإتحاد الأوربي EU -كحادب على البيئة- بديلاً جذاباً لهذه الدول عن "منطقة التجارة الحرة للأمريكات" (FTAA) التي تتمركز بها الولايات المتحدة الأمريكية بقوة ولاياتها الخمسينية وبقوة الشروط المصرفية والتجارية والدبلوماسية والإعلامية التي تصيغ بها التجارة الدولية.

وتحدد بها مستوى صادرات وورادات وإنتاج دول أمريكا اللاتينية أي مستوى تقدم مجتمعاتها في تلبية حاجاتها الضرورة وفي الإرتقاء بمستوى تناسق تلبيتها لهذه الحاجات وفرة المادية منها أوعلى مستوى التناسق الثقافي لبناها الإجتماعية والسياسية كمؤسسات ونظم وإعمارها أحوال الناس. وحسب "مبدأ مورنو" فإن تصور نورييجا ينذر بحرب أمريكية باردة جداً ضد أوربا.

ويسمح هذان التصريحان القانع منهما والمهدد بتأثيل العلاقة بين إندحار الإمبريالية وتغطرسها العسكري في أمريكا الجنوبية وفشل سيطرة الولايات المتحدة على هذه الدول الغنية المجاورة لها وعجزها بالشكل الرأسمالي لحوالى قرنين من الزمان عن إنجاح تنميتها وتلبية الحاجات الأولية لشعوبها.

بهذه اللمحات يمكن تأثيل الإستخدام الزيف لأعمال مؤسسات البحوث وأجهزة الإعلام الممولة رأسمالياً لعدد من العوامل الكبرى في تركيبة مجموعتي الدول وأحوال الطبقة العليا من سكانها وإستخدامها زوراً لترويج عولمة تملك موارد الشعوب، ولتزييف الوعي بإن الإستعمار الحديث هو النمط الاصلح لكل إقتصاد، وهو زيف متصل بالثرثرة واللغو بتدفق الإستثمارات الدولية (الكبرى) على البلاد التي بـ(حسن نية) تشرع في خصخصة وتمليك مواردها للأجانب لتنمية أحوال مجتمعها متمنية بذلك التمليك والتخصيص مضاعفة إنتاج ذاك المجتمع وتجارته وعائداتهما إبتغاء منفعة إنسانية عادلة أو لوجه الله الكريم.

ومن هذه العوامل ما يتعلق بالوضع الإجتماعي الثقافي لدول أمريكا الجنوبية الذي أدى بتناقضاته إلى فشل تنمية المجتمع بعلاقات إنتاج مشوهة، وبثقافة ممسوخة. إذ يتناول التأثيل علاقات ومحركات وتمظهرات متنوعة تشمل أحوال وتشكلات الطبقة والعرق والسلطة والثقافة"
Class, Race, Power and Culture وهو ما برز بأعمال كثير من المثقفين والأدباء التقدميين والشيوعيين في أمريكا الجنوبية.

حيث يمكن للتأثيل أمام ثراء إشاراتهم الإكتفاء بإشارة خافتة إلى أن أول رئيس لدولة (لاتينية) ينتم لسكانها الأول الأصليين قد تولى منصبه في بيرو في مطلع القرن الـ21 بعد خمسة قرون من السيطرة الخشنة والسياسية لـ"ذوي الأصول الأوربيـة" على الحياة السياسية بمدن بلاد القارة كذلك كان فسكويز Tabar Vazquez رئيس أورجواي هو أول رئيس خلال 170 عاماً تكونت فيها هذه الدولة يتولى منصبه بمنافسة قانونية تسمح لكتلة اليسار بمنازلة كتلتي اليمينيتين التي كانتا تنتصبان البلاد طوال تاريخها بفعل الكهنوت والعسكر والإقطاع واليمين الحاكم في أسبانيا والولايات المتحدة.

وقد أم حفل إعتلاء اليسار للسلطة في تلك البلاد مع الجماهير التي ملأت شوارع العاصمة وميادينها رؤساء البرازيل والأرجنتين وفنزويلا وكوبا، وكلهم ذوي صلة ما بمناهضة الإمبريالية؟، وألقى كل منهم خطبة ثناء وتمنيات، بينما كانت مكبرات الصوت التي اقامتها القوى الشعبية تردد كلمات شافيز Chaviz رئيس فنزويلا الفتي في خطبة له سابقة تناول فيها : (( كفانا كذباً كفى، لقد جربنا الرأسمالية مأئة عام واكثر فلم نحصد إلا الجوع والفقر والديون والأمراض والتفسخ والمخدرات، الحل المنطقي لكل هذه المشاكل هو الإشتراكية، لابد أن نحسن التقدم بها، فبالإشتراكية وحدها يمكن أن تحيا كافة مجتمعات أمريكا اللاتينية بكرامة وعدل)) وكانت الجماهير المحتشدة تصدح بالأناشيد الثورية في ذاك الحفل التاريخي الذي ملأ شوارع مونتفيدو بالفرح بعد ان كانت مملؤة بآثار البارود والغاز المسيل والسياط والدم والدموع.


4- التنمية الإشتراكية في كوبا:
حققت هذه الجزيرة المحدودة المساحة والفقيرة في العدو ن، قليلة السكان التي كانت مزرعة قصب وماخوراً لرأسماليي أمريكا، في سنوات قلائل أعلى مستوى في العالم في محو الأمية ثم في التعليم الذي يتمتع 80% من مواطني الجزيرة الآن بأعلى مستوياته العامة أي أن 80% من المواطنين مؤهلين بمعرفة منظمة بمستوى الجامعة. كما يتمتع سكان الجزيرة بأعلى مستوى من الخدمات الصحية المتكاملة عدداً ونوعاً في العالم، بشهادة منظمة الصحة العالمية WHO وعلى مستوى إننظام المجتمع فلا يوجد في الجزيرة أطفال شوارع أو مشردين أو متسولين، ولكل فرد سكنه، الذي توفره الدولة مجاناً ومعه خدمات المياه والكهرباء وخدمات النظافة، والمواصلات والترفيه والثقافة، ولكل أسرة كافة الضمانات الإجتماعية- الإقتصادية كما لكل طفل لترين من الحليب يومياً مجاناً، وفي جانب الإقتصاد يتمتع الزراع بالدعم العيني والعلمي والنقدي وحقق اعمال الزراعة وصناعاتها في الجزيرة أرقاماً بيئية في إستخراج وتصنيع الخامات بشهادة برنامج الأمم المتحدة للتنمية الصناعية UNIDP وتوفر الدولة لكل مواطن الغذاء والكساء بصورة شبه مجانية وتتوفر بصورة مجانية خدمات وأدوات الإتصال والتعلم والثقافة والترفيه، مما قرظته تقارير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) وإضافة إلى هذا فإن الدولة|المجتمع يعنيان بالإنتاج الأدبي والفني والثقافي بصورة واسعة. كما يمتلك جل البالغين القدرات النظرية والعملية على حمل السلاح وإستخدامه، ويسجل المجتمع أدنى معدلات الجريمة في العالم. وديمقراطيةً ينتخب الكوبيون مجالسهم التنظيمية حسب تواجدهم في الوحدات الجغرافية ودور العمل والوحدات العسكرية والإتحادات النقابية والجمعيات المهنية بصورة متناسقة في ديمقراطية لاتنتقصها تأثيرات رأس المال على فرص العمل وعائداته وظروف المعاش والخدمات وأسعارهما.
ووفقاً لهذا الوضع الذي تحاصره الولايات المتحدة عسكرياً وتجارياً ومالياً وسياسياً منذ 1958 نجحت كوبا بإستخدامها الأسلوب الإشتراكي في السيطرة على موارد ووسائل الإنتاج والتوزيع بشكل مقسط لأعباءه وثمراته محققة مستوى معقول من الحياة البشرية خال من القحط والإستغلال داعمة معه حركات التحرر في أفريقيا وأمريكا الجنوبية.



5- عوامل دقيقة مائزة للتنمية المعولمة للدول الأمريكية والاسيوية:

1- عوامل النظام المالي:
تباينت الأحوال المتعلقة بتناسق النظام المالي في كل مجموعة ودولة مع طبيعة الأعمال الإنتاجية السائدة فيها وأوضاعها التجارية الداخلية والخارجية حيث كانت أحوال ميزان المدفوعات، ومعدلات التضخم وسعر العملة في التبادل تتأثر بصورة سالبة من ناحية القيمة بـ:

1- مستوى زيادة الإستيراد عن التصدير وأسعاره وعلاقته بالتنظيم الرأسمالي للتبادلات الدولية
إذ يتم تحديد أسعار المنتجات المصنعة في الدول النامية بحساب سعر ساعة العمل و(ضماناتها) وفق معيار وفرة العرض والسوق المفتوحة بشكل مبخس لها نتيجة تحكم الإمبريالية في الطلب في السوق الدولية، فإن الإمبريالية على العكس تبيع منتجاتها إلى هذه الدول بأسعار أغلى كثيراً عن قيمة نفس الجهد داخلها، إذ تحسب أسعار ساعات العمل وضماناتها بمعيار محدودية العرض في السوق المغلقة وإحتكارها الفعلي لللعرض .

2- بنية التمويل الفنية والزمانية
بنى تمويل مشروعات التنمية ومستوى الضمانات التي يطلبها الممولون بتباين بين قروض طويلة الأجل أو قصيرة الأجل سواء بالنسبة للبنك أو بالنسبة للمشروع، وكذلك إتجاهات أسعار الفائدة على القروض المقدمة لهذا أو ذاك من النشاطات الإقتصادية، بين أسعار غالية وأخرى قليلة بما يتأثر بصورة إقتصادسياسية بحال السيطرة الدولية والمحلية على موارد الإنتاج المحلية و حال التحكم في التمويل.

3- العوامل الجانبية أو الخفية Hidden Factors في السوق الدولية
حيث تتمتع المؤسسات الإمبريالية بمزية تقنيات المعرفة والسيطرة إمتلاك المعلومات المالية والتجارية والسياسية الضرورة لحساب مصالحها بصورة تفوق قدرة المشروع المحلي فعلاوة على إرتباطها بشبكة إتصالات وخدمات أوسعن تتمتع أيضاً بـ علاقات عامة Public Relations مع مؤسسات الدول|ة الإمبريالية، تتيح لها إستخدام قواتها الديبلوماسية والإستخبارية لصالحها وتوجيه الوضع الإقتصادي لصالحها على حساب الدولة المعنية بالتنمية ومجتمعها.

وفي تحديد الأوضاع المالية للتنمية الرأسمالية تتداخل علاقات القمع الدولي والمحلي والقوة العسكرية والفساد والحيلة مثلما ماهو مشهور عن تصرفات شركات عديدة مثل رعو الشركة المتحدة للفواكه United Fruits إنقلابات "جمهوريات الموز" في أمريكا الوسطى ورغو ورعو الشركة الدولية للتلغراف والتلفونات ITT والموصلات والنواقل Cables & Wireless لإنقلابات أمريكا الجنوبية بمناجمها النحاسية والشركة الأنجلو أمريكية Anglo-American Company القائمة بإستغلال مناجم الذهب في نظام الرأسمالية العنصري المطلق في جنوب أفريقيا -قبل تحول عنصريته المطلقة إلى نسبية عام 1994- أو دور شركات النفط في المنطقة العربية، فكذلك دور شركات المطاط وشركات إستخراج وتكرير النفط في إندونيسيا دون حديث مماثل عن دور شركة هالبيرتون في العراق، أو حتى عن دور الأخوات السبع في السياسة الأمريكية البريطانية


2- العوامل المتعلقة بظرف الزمان- الإقتصادي:

أ- إستفاد عدد من دول جنوب شرق آسيا بأشكال تجارية ومالية من الإزدهار المالي والتقني للدول الأوربية وذلك بفضل:

1- علاج الإعانات الأمريكية والبريطانية لآثار الحرب العالمية الثانية على تلك الدول

2- صعود مستويات الإستهلاك الأوربي والأمريكي لزيادة نشاطات الإستعمار الحديث بموارد الـ Petro-Dollar بعد رفع أسعار النفط1973

3- الإتجاه السياسي السريع إلى الصناعات الثقيلة والكيماوية في كل من كوريا الجنوبية وتايوان تكميلاً لبنيتها الصناعية .

وقد آثار هذا الوضع في حينه مسألة دراسة العوامل الفنية الإدارية في تلبية الطلب الصناعي على مستوى هيكل الوحدة الصناعية ومرونته بحيث دخل المصنع المتخصص في إنتاج سلعة واحدة متحف الهندسة الصناعية، وحل محله في الواقع "المصنع المرن" الذي هو أقرب لورشة عظيمة يمكنها بفعل مرونة وضع وتشغيل ألاتها وعمالها من تلبية الطلبات المتنوعة.

ب- تأثر وضع دول أمريكا الجنوبية في ذات الزمان الإقتصادي بـ :

1- تصدير الخامات بحكم عقود التوكيل الشراكة والإستثمارات طويلة الأجل

2- أعباء الديون أو القروض الأمريكية والأوربية المضاعفة التي فرضت عليها في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات،

3- إنتقال بعض الدول لصناعة المحركات والسيارات بعقود محدودة لصالح شركات إجنبية تمتص من موارد البلاد أكثر مما تأخذ البلاد لنفسها .

وبهذا الوضع يمكن أن يتصور شخص ما وبشكل سهل أن المزارع الهندولاتيني الفقير الهين السهل الذي تقع المصانع الألمانية ببلاده الأمريكية الجنوبية هو الداعم الفعلي لشركة فولكس فاجن لصناعة السيارات Vollox Wagon وبالتالي للإقتصاد الألماني ومليارت ماركاته القديمة ويورواته أكثر من الألماني المتعلم الصارم الترتيب.

ويتحقق هذا الوضع المقلوب للدعم من دول أمريكا الجنوبية الغضة لدول أوربا الراسمالية العتيدة بفضل إستنزاف عقود التصنيع الدولية لكد الهندولاتيني وبيئته وحقوقه عن طريق إستغلال المدينة الهندولاتينية شكلاً والجرمانية مضموناً للريف نتيجة تحكم العقود الألمانية بمجريات حياتها وتحكم الإمبريالية بحالها العام.

فبتبين الظروف التاريخية والأوضاع والإقتصادية والإجتماعية السياسية والثقافية التي تحكم جهود التنمية الرأسمالية المعولمة في كل من مجموعة دول جنوب أمريكا ومجموعة دول جنوب شرق آسيا، يتوكد هذا التصور عن دعم فقراء الريف المعدمين في أنحاء الدول المسماة بـ "الدول المتحررة حديثاً" للرساميل الإمبريالية الطاغية ومرتكزات هذا التصور أن البنية الإمتصاصية لحركة رأس المال تراكم الفوائض الإقتصادية من أدق النقاط وأضعفها وتضاعفها إلى الحد الأقصى الذي تسمح به التوازنات والسيطرات الإقتصادية-السياسية في كل مجتمع على حدة أو في المستوى العالمي ككل.

فمن إنتاج الزارع الفقير للغذاء الذي يمكن العامل من إستخراج الحديد والنحاس إلى إنتاج العامل في مصنع السيارات الإجنبي لهذه المواد في شكل محرك أو سيارة إلى التجهيز النهائي للسيارة للإستعمال وشحنها لمواني التصدير وفي كل تجد أصل القيمة بكدح الريفي المدقع الكريم، ومع كل تجد العميل التجاري للإمبريالية.



6- التحدي والإستجابة في الإقتصاد :

يبدو إن نظرية توبيني في يقظة المجتمعات وتقدم حضارتها بفضل وجود تحدى خارجي لها وتحدد مستوى فعاليتها بمقدر إستجابتها له بما يشكل الخصائص التاريخية لأي وضع مجتمع|دولة، وفي صفحات سابقات في كتاب "تأثيلات" إختبرنا مدى محدودية هذه النظرة الدائرية المغلقة التكرارية لأحوال تقدم المجتمعات، ووجدناها أضيق من ثقب أبرة لإخراج سيرورة أحوال الطبقات الإجتماعية وتدافعها وتشاكلها.

ولكن ها نحن نجد صاحبنا جريفي الذي طبقت تحليلاته افاق التنظير العولمي للتنمية وإن كان منه في جانب ناقد، نجده يستخدم ذات نظرية التحدي والإستجابة التي كنفت تطور الإمبريالية –بل وإنهيارها كذلك- في القرن العشرين، وذلك منه بغرض تبيين تنوع أحوال المجموعتين الدوليتين الأمريكية الجنوبية والجنوبشرق أسيوية اللتين إرتبطتا بالتنمية المعولمة ضمن السوق الإمبريالية.

حيث يربط جريفي تفوق جنوب شرق آسيا في عدد من المجالات على دول أمريكا اللاتينية بالحال المتفوق لإستجابتها الداخلية للعروض الخارجية! غافلاً وهو الضليع عن ذكر أن الإستجابة الداخلية في المجموعتين لم تك مستقلة بل كانت محكومة بـ:

 الظروف السياسية لقوة المخابرات المركزية وإنقلاباتها والحجم النوعي أو العددي للجنود الأمريكيين المتواجدين في البلاد المعنية،

 تأثيرات الحرب الباردة ضد الشيوعية، حيث كانت القيادات السياسية في كلا المجموعتين ترتبطان بالولايات المتحدة على حساب حرية شعوبهما

حيث التواجد العسكري وغيره للإمبريالية يأتي في البلد المعني رديفاً لإرتباط حكومتـ(ـه) مع مصالح الإمبريالية في مضاعفة الأرباح تدجيناً للشعوب المتطلعة للتنمية وإستنزافاً لها بمشاريع خلب.
في تنوع إستجابة المجموعتين للموارد الخارجية:

بعدما طرح أنواع المساعدات الخارجية وترواح صيغها بين القروض والهبات والمنح المشروطة والعقود المقيدة والمرنة دلف جريفي إلى تناول الإستخدام المناسب لهذه الروابط في المدن وفي الطبقات المختلفة والأرياف وتباين الإعتماد عليها بفعل الظروف الفعلية في حياة المنتجين أو بفعل الظروف والضغوط السياسية المفروضة عليهم.

ففي آسيا كان الإعتماد قوياً على المنح والهبات الأمريكية التي أسست من الإستثمارات حوالى 50% في تايوان و80% في كوريا الجنوبية كما تحملت الإدارة الأمريكية نسبة 90% من عجز الميزان التجاري في تايوان، ونسبة 70% من المستوردات في كوريا الجنوبية، في ارقام بلغت حينذاك الزمان من الستينيات أرقاماً تجاوزت عشرات البلايين من الدولارات بينما كانت دول أمريكا الجنوبية تتأهب للتصدير بإمكانات، محلية أساسها القروض المشددة وبعقود طويلة محدودة بتصدير الخامات التي كانت أسعارها تخضع للتبخيس بإستمرار.

وبهذا التفاوت في التاسيس والممارسة، حسب جيرفي ظاهرياً نشوء تفوق مصطنع لدول جنوب شرق آسيا في الناتج العام، على الدول الصناعية التقليدية المعروفة في أوربا والولايات المتحدة سواء من حيث نسبة تركيبة المكونات الإصطناعية إلى الخامات في النتاج العام أو من حيث نسبة عوائده في النتاج المحلي| الوطني.

ولكن الأوضاع الخارجية للصناعة في دول جنوب شرق آسيا وفي امريكا الجنوبية تقود إلى محاولة التعرف بشكل عام على وضع التصنيع في عملية التنمية المعولمة ومدى إستقلاله أو تقدمه، وموقع رأس المال الأجنبي و(الوطني) في الإقتصاد ككل وفي عملية التصنيع، وبالتال موقع الدول والمجتمعات الصناعية الجديدة في التركيبة الإقتصادية السياسية للعالم، وهي التركيبة التي يمكن وصفها منذ نهاية الحرب العالمية بأنها تركيبة إمبريالية، تعمل على إستدامة قوة المركز سواء بتهميش دول المحيط أو بإستغلالها.


7- التصنيع العالمي :

لبيان هذه النقطة الضرورة في مناقشة وتأثيل أوضاع التخلف والتنية في العالم نورد ما تناوله جيرفي حول التصنيع العالمي من ثلاث جوانب هي:

1- الأهمية النسبية للتصنيع في تحقيق التنمية

2- وموقع رأس المال في المركز وفي محيطه من الدول وتحكمه في سلاسل إمناج وتوزيع البضائع بعمليات التصدير والإستيراد

3- وضع الدول الصناعية الجديدة في تركيبة الإقتصاد الإمبريالي العالمي.







1- تراجع اهمية التصنيع في تحقيق اهداف التنمية وتحوله لعائق لها :

تقدمت الدول الصناعية الجديدة على الدول الصناعية القديمة من حيث نسبة التصنيع في الناتج القومي إذ جاوزت الثلث وقاربت الأربعون في المائة في الثمانينيات حيث بلغت نسبة الإصطناع حينذاك في الناتج القومي أكثر من 35% من الناتج القومي. حسبما قاسه من سجلاتها في البنك الدولي كل من أرييجي Arrighi ودرانجل Derangel (1986)

ولكن رغم إرتفاع نسبة التصنيع وتفوقها المقاس دولياً على نسبة التصنيع في الناتج العام للدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية فإن وضع العالم لم يتغير كثيراً وقبعت الدول الصناعية الجديدة في حالة دنيا عن القديمة حيث إرتبطت مراكز رأس المال العالمي أكثر وأكثر بقطاعات الخدمات والتجارة الدولية التي تتحكم بدورها في عقود وعمليات التصنيع و(التجارة الخارجية) برمتها، فتستفيض لنفسها بفضل هذه الأوضاع التحكمية، قيم أعلى من قيم العمل الذي بذل في إنتاج البضائع والسلع في الدول الصناعية الغرة التي تحولت بفضل هذا النوع من علاقات الإنتاج الدولية إلى مجرد ورش كبيرة تتبع وتنتج لرأسمال التجاري العالمي الذي يزيد من إستغلاله ومن إعتصاره مجهوداتها من جهة مثلما يزيد من إستغناءه عنها وتهميشها من جهة مقابلة محسوبة. ومن هذا كله تتبين حقيقتان:


 فك المرادفة بين الإصطناع والتنمية وسهولة بيان تنوع أحوالهما

 ان التصنيع بمفرده لايغير وضع دولة المركز والمحيط، فـ95% من الدول لم يتغير مقامها العالمي مابين اوائل الأربعينيات إلى الثمانينيات رغم تضاعف حجم الإنتاج الصناعي فيها بإرتقاءات فاقت في معدلاتها معدلات الدول المعروفة بإسم "الدول الصناعية المتطورة"



2- التجارة الرأسمالية الدولية الحرة كعدو للتنمية:

بعكس بعض الأدبيات السوقية التي تحتفي بالمبادلات السلعية النقدية (الحرة) كأساس للتقدم المتوازن للمجتمعات تندرج فيه قبل أن تحقق توازنها الداخلي الضروري، فإن هذا الجزء من عمل جريفي يعتني بإسهام هوبكنز Hopkins وفالريشتاين Wallerstein في عام 1986 في فحص سلاسل البضائع والسلع التي قامت على تصديرها أو على إستيرادها الدول الصناعية الجديدة والقديمة وكشف موقع ودور رأس المال ومركزه [جنسيته] لتحديد بعض العوامل المؤثرة في أحوال التنمية .

وقد إرتبط مفهوم "سلسلة البضائع والسلع" في طوره الدولي الجديد بفحص شبكة من أحوال العمالة ومقومات الإنتاج المادية والتجارة تكون حصيلتها من البضائع سلعاً جاهزة للإستهلاك. وفي هذه السلاسل يتم الإمساك بحلقاتها وإتجاهها بدءاً من الحلقة الأخيرة من عملية التجارة فالنقل ثم الإنتاج بشكل تقود فيه كل حلقة إلى ماقبلها حتى يصل التتبع إلى المواد الخام وإستخراجها وظروفه. مما يوضح:

 محل تمركز الفائض الأعظم

 محل البخس والرخص في تكلفة الإنتاج وحجمه

 مزية إستيراد أو تصدير كل جزء من البضاعة

 مزية أحجام البيع بالجملة أو المفرق وأنواع التعاقد له

وقد وجد جيريفي وكورزينوفيتش Crosinowitz في عام 1990 أن التسويق هو الحلقة الأعلى ربحية حيث يصل ربح تسويق الأحذية إلى حوالى 60% من قيمة عائداتها بينما ينحدر نصيب المنتج الأساس كدولة إلى ماهو أقل من 5% مائة أو إلى ماهو أقل كثيراً من 2% بالنسبة للمنتج الأول. وقد ثارت ضجة كبرى في أواخر القرن العشرين عن الظلم والإستغلال الذي يتعرض له العمال والعاملات في دول جنوب شرق أسيا المشتغلين بإصطناع الأحذية إذ لايزيد نصيب العامل الواحد من عوائد الإنتاج الذي يقدمه في شهر كامل عن سعر حذاء واحد إنتجه لأوربا.

ومن هذا التحليل لسلسة أوضاع البضائع والسلع في العالم لرأى البعض ان الإرتقاء في الإقتصاد الدولي يرتبط بـ:إيجاد طرق للتسلق في سلاسل البضائع والإستثمار بالأبحاث المتعلقة بالتمويل والإنتاج والتسويق وتطويرهم وبالإعلان والتسويق لتجارة التجزئة!!!

وهذه الإقترحات بـ"سوق عالمية منفصلة" التي قدمها جيريفي و كورزينوفيتش تمثل مطلبا متواضعاً أمام السيطرة الفعلية التي تفرضها البنوك الدولية وكبار المستوردين وعملاءهم بأرفع مستويات الوظائف على مختلف الدول وأجهزة تجارتها الخارجية.

حيث تهيمن البنوك الربوية وأوليائها وسدنتها على أشكال وعمليات الإستيراد والتصدير الأساسية في العالم بالتحكم بتمويلات وإلتزامات وضمانات التجارة العظمى، وبناتها، وذلك بمرواحة القروض، وتحريك الثقة الإدارية والتجارية، وتوفير أو سحب ضمانات خطابات الضمان وغير ذلك من التسهيلات والتقييدات التجارية والإئتمانية، عدا ما يسهم به الأصدقاء في إدارات الرخص والضرائب من تحديد لإتجاهات تجارة الجملة وطلباتها بأنواعها وأحجامها.

فبإحتكار موارد الإنتاج ووسائله والإستغلال والتهميش والقمع والفساد التي تترابط عضوياً بنمط الإنتاج الرأسمالي، وسيطرته على وسائل الخدمات النظرية كمؤسسات البحوث والتسويق والإعلان، تتكثف شبكة الإمبريالية وتغلظ مظالمها ويجهض حلم بعض الناس بسوق عالمية ومستقلة!، الذي لو وجد، فبظروف يتم فيها تجريد الدول التي تحاول النمو من مزية رخص سعر إنتاجها وتحديد الدعم الخفي له.

ولو كان الأمر مجرد دراسات وإجتهادات بحثية، وعلاقات عامة لكانت "الدول الصناعية الجديدة" بخبراتها العلمية التجارية قادرة على تحويل تفوقها الإصطناعي إلى تفوق إقتصادي شامل، تستغنى فيه عن جلب الأموال لأجل إستثمار تخس ربه -على المدى الطويل- قدرات شعوبها وتماسكها الإجتماعي والوطني. ولوكان الأمر مجرد بحوث وتطبيقات بحوث لقامت حكومات دول جنوب شرق آسيا -وقت عزها- بتحويل التفوق التجاري الإقتصادي للقوى المنتجة في مجتمعها المشتغلة بإدارة ذاك الإنتاج الناجح في تلبية طلبات مؤسسيه الدوليين إلى تفوق سياسي داخلي تجسده الإرادة الحرة للمواطنين وفق مصالحهم الممتدة ككتلة أساسية في المجتمع . ولوكان الأمر إلحاقاً ألياً ميكانيكياً للنجاح السياسي بالإنتاجي، بإعتبار النجاح السياسي ناتج موضوعي للنجاح التجاري بما فيه من مصالح متغايرة وتمويلات وتعاقدات دولية، لتحول النجاح الإصطناعي في دول جنوب شرق آسيا إلى نجاح سياسي على المستوى الدولي، وهو مالم يحصل حيث ظلت هذه الدول تابعة ذليلة مشتتة ومأسورة.

وبالتأثير الفكري لـ"سلسلة تايلر" التي جنزرت عملية إنتاج السيارات بمصانع فورد فإن صاحبنا جريفي Griffey وصاحبه كورزينوفيتش Crosinowitz نسيا بهذي السلسلة القيمية التاريخ الجدلي لحركيات التطور الإقتصادي Dialectical History of Economic Growth Dynamicsوتقلب هذا التطور حيث تتضح سياسات تغليب نمط إنتاجي معين على نمط أخر وقوة طبقية على أخرى بإستخدام مباشر للقوة العسكرية.

ولا غرابة في هذا الزمن الذي تسوده الحروب في الكلام عن دور حركات التحرير المسلحة في هزيمة النظام الرأسمالي في امريكا الجنوبية وفي غيرها من القارات: فالرأسمالية لم تتغلب على الإقطاع لتفوق صحافتها اليومية في التأثير على الناس وغلبها في أذهانهم تأثير الخطب الدينية الأسبوعية عليهم، بل لقيام قوى المدينة بتنظيم وإطلاق الثورة المسلحة لضحايا النظام القديم الذين تتفوق جموعهم حين إنتفاضهم المسلح على قدرات النظام الإقطاعي الريفي القديمة في السيطرة المادية على الأوضاع والهيمنة المعنوية على تفكير الناس. ففوضى التقدم المنظم للجموع حسب تقدير الفائز بنوبل للسلام إلياس قنتي في وصفه العلاقة أو بالإصح لعملية الإنقطاع بين الجماهير والسلطة: حيث تهدم الجماهير بعنفها المنظم إستقرار علاقة كبار ضباط وموظفي نظام عمل (الدولة) وأماكن العمل ووسائله، حيث يتعرض أشخاص الدولة للإقصاء وتتعرض أماكن العمل لحصار المنتفضينن وتتعرض وسائله وظروف نشاطه للحصار والكسر. وكما عززت الرأسمالية مكانتها داخل مجتمعها وفي التاريخ بنوع عالمي من الإقطاع هو الإستعمار الذي تصعب إزالة مفاعيله بمؤسسة دعاية وعرض. فإن هذا الوضع يوضح موضوعية الثورة الإشتراكية والتحرر الوطني من الإستعمار والتعاضد الأممي.


3- دور ماسمي بـ"الدول الصناعية الجديدة" في النظام الرأسمالي العالمي:

أشارت أحوال "الدول الصناعية الجديدة" قبل إنهيارها أواسط التسعينيات إلى عاملين مهمين هما:

 ثبات التنظيم الإقتصادي العالمي إلى مركز ومحيط من الدول به، بصورة قائمة بالسيطرة التي فرضها هذا المركز الإقتصادي السياسي على معظم بلاد العالم بفعل عوامل تاريخية عسكرية، وسياسية، وإقتصادية إجتماعية، وثقافية.

 أهمية رأس المال في عمليات التنمية القائمة على تقدير رأس المال، بدلا عن تقدير العمل وتأسيس البنية التحتية بتنظيم وتخطيط موارد المجتمع الذاتية ، بما يضمن تناسق الإمكانات البشرية والمادية والأهداف العامة للإرتقاء البشري بشكل متناسق متوازن ومستدام.

وبهذين العاملين نتناول وجريفي خمسة عوامل ترتبط بهم وهي :

--1 دور التصدير ونوعية الصادرات في عملية التنمية

-2- دور "منصة التصدير" في عملية إنتاج البضائع وتصريفها

-3- دور التعاقد على المواصفات والتصنيع حسب الطلب في عملية الإنتاج

-4- دور مورد المكونات في عمليتي الإنتاج وتصريفه

5- دور التجارة الدولية وحرية السوق في التعاقدات المائزة



1- في دور التصدير ونوعية الصادرات:
أعطي التصدير الدور الأهم في مسارح التنمية الرأسمالية الطابع وإن إختلفت مكوناته وعائداته: ففي أمريكا الجنوبية مثلت المواد الخام وهي بضاعة ذات عائدات محدودة تفتقد أسواقها المرونة، الجزء الأعظم من تركيبة الصادرات، بينما مثلت مشتقات البترول كخامات للطاقة والكيمياء والصيدلة أكثر من ثلثي تركيبة الصادرات في سنغافورة بينما تنوعت صادرات بقية دول جنوب شرق آسيا، بإتجاهين حيث تنوع صادرات هونج كونج بإتجاه البضائع الألكترونية بينما تنوع إتجاه كوريا الجنوبية وتايوان بإتجاه الصناعات الثقيلة.

وفي الحالين تمثلت أهمية رأس المال في سيطرته على الدولة وتحديده من ثم لطبيعة الإنتاج، أو السيطرة على الإنتاج فالسيطرة على الدولة. ففي الحالين كانت سيطرة رأس المال تالية لحالة التواجد العسكري الأجنبي ومرتبطة بسيطرة دول المركز الإمبريالي على إمكانات التصدير والإستيراد في المركز والدول المحيطة به.


2- دور منصات التصدير في عملية إنتاج البضائع وتصريفها:
مثلت المناطق الحرة الإنتاجية جزراً معزولة بالقانون وسلطة الدولة عن قوانين الإقتصادات الوطنية رغم تأثيرها عليها بصياغتها أجزاء هامة من موارد المجتمعات والطبقات العاملة الوطنية، ووضعها إياها بخدمة مصالح رأس المال المسيطر عليها وفقاً للنفوذ والضمانات والإمتيازات السياسية والإقتصادية والمالية التي تتمتع بها هذه المناطق تجاه سياسات الضرائب والرسوم وقوانين العمل وضماناته الحقيقية بما يعطيها مزيات في الإنتاج لايمكن بفضل النشاط الحقوقي السياسي الإجتماعي أن تتوفر في الدول الصناعية القديمة.

وبفضل هذا الوضع الحمائي ونظام الإمتيازات الأجنبية الجديد أضحت المناطق الحرة زرائب مكثفة للعمالة المحلية والإستثمارات الأجنبية تعمل على أسس مخالفة لمبادئي التجارة الحرة نفسها، كما هي مخالفة فعلاًَ لمقتضيات التنمية الشمولية المتوازنة والمستدامة .

ولكن من الناحية الشكلية فإن وجود المناطق الحرة إرتبط بالقرب الجغرافي من المواقع المتاخمة لكثافة العمال والخامات وأسواق التصريف، وبالطبع مرونة الوضع السياسي وقد إندرج عدد من الدول كالصين والفلبين وماليزيا وأندونيسيا بتأثير (نجاح) المناطق الحرة في تايوان وهونج كونج وكوريا الجنوبية في إعتمادها كألية من أليات التنمية في حالة الصين وفي إعتمادها كألية وحيدة للتنمية في حالة باقي البلاد المذكورة الجنوب شرق أسيوية.وقبل إتفاقية أمريكا الشمالية للتجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك المعروفة باسم NAFTA كانت صادرات المنطقة الشمالية من المكسيك من صناعات التجميل (صابون، دهن الفازلين، وبودرة التلك، والحفظات النسوية والطفلية وعطور وخلافه) تمثل ثان مصدر للعملة الصعبة بالنسبة للمكسيك.

-3 دور التعاقدات في تحديد نمط التصنيع:
تحدد القوى الخارجية المتحكمة في التمويل نمط الصناعات التي تقوم بتمويلها، وبالتال تحدد نسبة التصنيع في الواقع المحلي بأكثر من مما تحدده الإرادة الإجتماعية للإقليم المعني بالتنمية حسب ظروف وإمكانات مجتمعه وإحتياجاته، وفي مابين الستينيات والثمانينيات فرض على "البلاد الصناعية الجديدة" التخصص في إنتاج البضائع الإستهلاكية بشكل حرم البلاد الأخرى في العالم الثالث وقدرها حوالى 190 دولة من هذه الإمكانات، حيث إنفردت الولايات المتحدة بفعل سياساتها في الإستثمار في دول جنوب شرق آسيا، والإستيراد منها في فوز هونج كونج وتايوان وكوريا الجنوبية بتقديم صادرات تصل نسبتها إلى ما يفوق الـ 72% من صادرات العالم الثالث من سلع الإستهلاك، نصفها للولايات المتحدة ونصفها الآخر لحلفاءها.

وحسب عمل جيرفي في 1990 فقد تخصص رأس المال الوطني بتأثير هذه التعاقدات في الحلقة الضعيفة من سلسلة البضاعة حيث إختص بعملية الإنتاج الداخلي، بينما إختص رأس المال الأجنبي لنفسه بالجزء الثمين من عملية الإنتاج وأمسك بأقوى حلقات سلسلة البضاعة المتمثل في حلقة تصريف السلع التي طلبها وحدد مواصفاتها وعائداتها بالنسبة للمنتج دون منافسة.

وبهذا يتضح الدور الذي تلعبه ظروف التعاقد الخارجي وإشتراطاته، في تشكيل حالة الإصطناع في الدولة، وفي تحديد الدور الذي يلعبه رأس المال الوطني |التابع لهن محدداً كافة إسهاماته في عملية الإنتاج حيث يمنح دور التابع الصاغر والشريك الهامشي.

4- دور مورد المكونات في العمليتين الإنتاجية والتجارية
أوضح صوره صوره تتمثل في (صناعات) تجهيز الخامات كتكرير النفط ومعالجة النحاس والحديد و تجميع أجزاء الألآت والسيارات والصيدلة بإندماج عمودي مع الشركات الدولية بصورة تجعل المركز يدير عملية الإنتاج ويؤثر على الكثير من ظروفها بصورة تسهل إلى حد ما إنتقال التكنولوجيا والخبرة الإصطناعية دون شروطها العامة.
حيث تظل الأوضاع الإقتصادية-السياسية الدولية محكومة بيد البنوك وبيد قواها الخفية الظاهرة في يد الخمسمائة شركة الأعظم في العالم في المجالات الأساسية للإقتصاد الدولي .

ومع صب أمريكا الجنوبية في إنتاج النحاس والحديد والنفط من جهة مميزة، وجهت الإستثمارات دول جنوب شرق آسيا إلى إنتاج الأجهزة المنزلية والألكترونية، وموصلاتها وقطعها حتى وصلت مرحلة إنتاج مكونات الكمبيوتر. وإذ ميز إقتصاد|تنمية أمريكا الجنوبية بدور مورد المكونات والشريك الداخلي بالإنتاج في عقود رئيسة فقد ضعفت العقود الفرعية لها مع تقدم تكنولوجيا الإنتاج وتبسيطه. أما في جنوب شرق آسيا، ففقد ميزت عملية توريد المكونات سيرورة الإقتصاد|التنمية، وهبطت عملية التجميع الكامل للقطع مستوردة في المناطق الحرة.

5- دور التجارة الدولية وحرية السوق في التعاقدات المائزة:
لعب التخصص في إنتاج البضائع في الدول الصثناعية القديمة دور الرافعة والمحرك بالنسبة للدول النامية في أمريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا، وإلتبس هذا الدور بمفهوم حرية السوق الذي لايستطيع حتى رئيس منظمة التجارة الدولية القطع بحدوثه في أي لخظة من لحظات التاريخ، والأفضل لحسن تقدير هذه الحرية بدلاً عن التباين فيها بالتأمل في إنحدار أمريكا اللاتينية وصعود دول جنوب شرق آسيا السريع ثم هبوطها، القيام بعمليتين متلازمتين هما:

 إجراء مقارنة بين أجزاء النظام الإقتصادي في إطاره العالمي.
 إجراء مقارنة بين أجزاء النظام في شكله المحلي الإجتماعي.

حيث نجد العشواء في التنوع والتخصص في كل حسب ماسمي في عام 1989 بـ:"نماذج جيرفي الإقليمية". وأعتقد بإمكان مقارنة المقارنتين.



8- المخرج القديم المأزق القديم

في عام 1992 بتسلسل الأسئلة ماهو؟ كيف؟ ولماذا؟ تحرت فونداFonda إمكان تأسيس شبكة تصدير فعالة وذلك بتحريها سلاسل البضائع والسلع، وتوصل التحري إلى الأماثيل الآتية:

1- إمكان فوز المشروعات الموجودة في محيط الدول المركزية الإمبريالية بالحلقة الذهبية من سلسلة إنتاج البضائع وتصريفها بواسطة إنتاج مندمج وإستراتيجيات تسويق عالمية، يكون تابعاً لها (مرونة المصنع)

2- تكييف علاقات الدولة المؤسسة وبنية المجتمع لرأس المال بتحويلها من الحالة الآمرة والشعبية واللامركزية إلى حالة مرنة تفتح أبوابها للاجانب وإستثماراتهم، وتتنازل لهم عن الصيغ الإنفرادية ألى صيغ مرحبة، مثلما تحول الدولة ومجتمعها ومواردها ككل إلى وحدة مركزية تغير شتات الإقتصاد إلى وحدة مسيطر عليها مركزاً، بينما يتم التعامل بمرونة مع العوامل المرتبطة بالتنوع العرقي بإعتبارها عوامل تنافس وغيرة تسهم في رفع الإنتاج ؟!

3- تضافر الصناعة للتصدير مع الصناعة للإستهلاك الداخلين حيث لم يمتاز طرف منهما على الآخر طويلاً في كلا المجموعتين الأمريكية الجنوبية والجنوب شرق آسيوية.

9- نقض طروح فوندا:

1- تقوم طروح فوندا بمعاملة التسويق كحالة إدارية وتجارية صرفة، وبشكل جزئي، لا كحال سياسية إقتصادية شمولية تقرر سياسياً في أعلى مستويات البرمجة الرأسمالية في القمة العالمية، وليس في القاعدة.

ففي قاعدة الإنتاج في المجتمعات تحسب صنوف البضائع وأسعار المواد الضرورة ونسب الفوائد العامة بشكل يعكس في نتائحه وآلياته سيطرة المركز الرأسمالي، أكثر من إستلهام هذه المؤسسات لحاجة المجتمعات المعنية للسيطرة على أحوالها والتنمية المتناسقة لمواردها ووسائلها بتنظيمها المتناسق لأعبائها وعدالة توزيعها لمنافعها.
("القيمة والمادية التاريخية" سميرأمين)

ويتفاوت مدى التبعية وإجراءاتها بأحوال التنمية أو سلسلة المنتجات، إذ لاترغب الدول المتمركزة بمنافسين جدد في السوق بل ترغب في مجرد مجتمعات عمالة مأجورة تعمل–بشكل مخفف الضرائب والإضرابات والإضطرابات- على تلبية إحتياجات خاصة للمركز تكلفه موارد هامة، لو قام بها في بلاده في أوربا أو أمريكا، فيحافظ على موارده وطاقاته ويستثمرها بما هو أفضل في البلدان المحيطة التي يسيطر عليها.

2- تصور المشكلة التنموية كمشكلة نقص في الإستثمار الأجنبي وحالة رقمية مالية-محاسبية اكثر منها نقص إقتصادي سياسي في تنظيم الإمكانات والموارد المحلية الإجتماعية والإقتصادية والثقافية وتحفيزها سياسياً بالإستجابة الموضوعية لقدراتها وأحلامها، بدلاً عن إحباطها بمشروعات ألكترونية في عالم امي، وقهر هذه الشعوب بأعمال تجميع القطع وإستخراج الخامات وصنع الحفاظات بإستغلالها وقمعها وتغريبها وإستلابها، وتفتيتها .

3- طرح إشكالات التنمية المعولمة كإشكالات فنية ومحاسبية مثل التواز أو التنافر بين قطاعي التصنيع للإستهلاك الداخلي وقطاع التصدير للخارج.


ففي حين تعتمد عملية المعاش والتنمية الإجتماعية على وجود جوانب أخرى كالخدمات العامة وتوافرها وإستدامتها وملائمتها الإحتياجات الضرورة السكان والبلاد، أكثر من مدى مرونتها وتلائمها مع طلبات تصنيع قادمة من الخارج، في وقت يتطور فيه في الخارج الإنتاج الكثيف للألآت الصغيرة الحجم، وتتقدم فيه صناعات الكيمياء ومواد التشغيل وإعادة تصنيع المخلفات، التي تحل محل الخامات.

مما نجد بعض آثاره في تدهور أوضاع دول الإستخراج وفي ظهور أزمة فائض العمالة والتشغيل الذي نقض الإتجاهات المحلية المتسعة للتعليم والتدريب والتسويق بالإتجاه الدولي لقبض الأعمال ومركزتها وتأليل العمل وتوجيهه بشكل نسبي للأكثر سرعة في إلإنتاج والأكثر ربحية في التجارة، فيما يمكن إعتباره أحد أسباب أزمة الهجرة وتفاقم أزمات المهاجرين في أنحاء العالم الرأسمالي كأناس شردوا بواسطة النظام الدولي الجديد، وكأحد أسباب الأزمات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والثقافية في مختلف الدول.

ويقود إنتقاد طروح فوندا وأعمال مدرسة إندماج الدول الخارجة من الإستعمار القديم في النظام الدولي لمراكز الدول الإستعمارية إلى نقاش وتمحيص بعض مواضيع علم إجتماع التنمية Sociology of Development وذلك بغرض الإسهام في عملية تقويم التنمية وتحديد مشكلاتها وتغيير أو إصلاح العيوب البنيوية والظاهرية فيها، بالنظر إلى كل الجوانب المادية والثقافية لحياة المجتمعات وأوضاعها المحلية والدولية وبيئتها وكذا للجوانب المادية والثقافية لعملية التنمية في مجرى سيرورة تاريخية وزمانية يكون تكامل وجود الجماعات البشرية والناس ككل فيها متناسقاً مع وجودهم كأفراد في مؤائمة جماعية منظمة وشاملة متوازنة ومستدامة بين الوجود "الطبيعي"-البدائي للبشر وحاجاته المادية والثقافية ووجودهم الوجداني والعقلي والثقافي في صيرورة واعية للتفرد والإجتماع الإنساني تجتاز بقداراتها المادية والثقافية حياة الحاجة والتكالب إلى حياة الحرية والإبداع والإرتقاء الواعي بكدحه وجمالياته وإيماناته.


10- التنمية وأحوال التبعية

لتوضيح بضعة إشارات إلى أوضاع التنمية والتبعية في العالم، قبل أن نناقشها بشكل نظري تأثيلاً لأوضاعها وأوضاع شعوبنا المستغلة والمهمشة في الدوائر الإمبريالية للنظام الرأسمالي العالمي، تأثيلاً قوامه ما وصلت إليه أغلب دول العالم الرأسمالية السيرة من إملاق ومجاعات وحروب وإستعمار نؤشر لأعمال كريستوفر شايس Christopher Chase Dunn في موضوعات بحوث علم إجتماع التنمية Sociology of Development ، وهو صاحب أطروحة عن موضوع "تبعية الإقتـصاد الدولي في النظام العالمي"
International Economic Dependence in the World System نال بها في عام 1975 درجة دكتوراة من جامعة ستنافورد Stanford University قبل أن يصير في التسعينيات في جامعة جون هوبكنز University John Hopkins في الولايات المتحدة الأمريكية عالماً مائزاً لإجتماعيات التنمية حيث تناولت أعماله عدداً مهماً من تأثيرات التبعية الإقتصادية الدولية على التنمية واللامساواة فقد نظر شايس إلى حقيقة أن التبادل المختل للموارد والمنافع الإقتصادية، والتنمية المختلة الجزئية لبعض قطاعات مكانية أو إجتماعية أو اقتصادية أو زمنية دون بعضها الأخر في دائرة بيئة الإقتصاد المعني السياسية الإجتماعية والثقافية تحدثان في كل مجال يكون فيه تمثل وتوزيع الموارد والقوى مختلاً. وقد أرتبط تأكيد شايس لهذا الوضع ببحث بومغارت Bomghart الذي نشره عام 1975 ، كذلك وضح دن Dunn مفاقمة التبعية وزيادتها التباين في الدول المحيطة بالمركز الرأسمالي العالمي بأسلوبين هما:

 الإستعمار: الذي يرتبط بإستخدام القوة العسكرية

 الإستثمار: الذي يرتبط بإستخدام القوة المالية التي يزيد تدخلها بإستمرار، وبإستخدام القوة التجارية التي تمارس تهميشها للدول الواقعة في محيط دائرة المراكز الرأسمالية بالإتفاقات والمساعدات التجارية المشروطة أنواع بضائعها وأسعارها ونوعيتها.


-11 التنمية المختلة وتبعيـة دولها لمراكز رأس المال في دول الإستعمار

وفقاً لعمل ميردال Myrdal Gunnar المسمى بإسم "أمم غنية وفقيـرة" Rich Nations and Poor المنشور في نيويورك سنة 1957 فإن التنمية الرأسمالية تطلق قوى السوق التي ترشح بالخيرات في بيئة عملها كما ترشح السوائل من الإناء المسامي كما تركز قوى السوق منافع وخيرات الموارد الإجتماعية في المقدمة بجرف للموارد يبقي على اللاتكافوء في الدول المحيطة بمركز حركة رأس المال.

فأليات الإستعمار الحديث مثل الإستثمار الجنبي والديون تعمل على جعل الدول التابعة لمراكز رأس المال الدولية أقل نمواً من غيرها مما يربط تدفق الموارد بنمو التبعية، وفقاً لمعدلات النوع، والمدى، والزمن، ووجهة النظر إلى الأحوال الإقتصادية الإجتماعية السياسية للتنمية.

ومن وجهات النظر لأوضاع التبعية العمل العلمي لماركس الذي يرى حال تبعية البلاد المستعمرة لمراكز رأس المال جزءاً من حركة التركيم الأولي لرأس المال في المجتمعات وفي جميع المراحل، بينما نظر لينين لظاهرة نشؤ وقيام ظاهرة الإستعمار كظاهرة موضوعية ترتبط بجهود رأس المال المتبلور من رحم الإقطاع لإستغلال الدول الواقعة في محيط دائرة عمله.


نظريــة التبعيــة :

نظر عديد من الأساتذة الجامعيين في العالم النام للأسس العامة لعملية التبعية وأسبابها ونتائجها، فإختص كل منهم بتوضيح جزء من مسببات التبعية أو أوضاعها أو أثارها وفقاً لما يلى بيانه بإقتضاب وإيجاز:

بول باران: وضح عام 1956 من خلال بيانات وحصيلة عمله الشهير "الإقتصاد السياسي للنمو"
The Political Economy of Growth ان التغلغل الأجنبي يعرقل التنمية الذاتية.


بول سويزي: كشف من خلال أعماله للربح الدولي في مدن العالم من إزدواج طبيعة قطاعات العمل في بلاده الريفية.

إندرية جندر فرانك: وضح عام 1969 في عمله المتأجج: "أمريكا اللاتينية: التخلف أو الثورة"
America: Underdevelopment or Revolution Latin أن تنمية التخلف = الإغتناء بالفقر

دوس سانتوس: في عام 1970 وضع دراسته الفاتحة عن: "بنية التبعية"
The Structure of Dependency

سمير أمين: في عام 1974 ركز في عمله "التراكم في عياره الدولي" Accumulation on the World Scale على إستمرار حال التركيم الأولي لرأس المال . بما في ذلك من إستغلال وتشويه بنية وقمع للتحرر

وفي مجمل أعمال: "نظرية التبعية"Dependence Theory of في شكلها التقدمي الرافض لأحوال التبعية يمكن الإشارة إلى ثلاث محاور أساس في هذه الأعمال هي:

 الإستغلال
 تشـويه البنيـة
 قمع التحـرر

ولتواشج العلاقة بين هذه الأقانيم الثلاث نفصلها فيما يلي:


1- الإسـتـغـلال:

يرتبط التركيم الجارف للموارد من المحيط إلى المركز بتنافر عمليات السيطرة والتبادل حيث تسيطر الدول الرأسمالية المركزية على عمليات تمويل الإنتاج في العالم المحيط بها وتغذية الإنتاج فيه في ظل سيطرتها على السوق العالمي الذي يصدر إله ويستورد منه، وفي ظل هذا السيطرة المتفاقمة التي أشار إليها إندريه جندر فرانك Andre Gunder Frank، والتي كشف إمانويل Emmanuel Arghiri أسسها في عمله: "تبادل لامتكافئي: دراسة في إمبريالية التجارة" المعروف في لغته بـ: Unequal Exchange; Study on Imperialism of Trade حيث كشف أسس وطبيعة الإستغلال الكامن بهذا النوع من التبادلات الدولية التي يسيطر فيها المركز العالمي لحركة رؤوس الأموال على مقاليد الإنتاج والتوزيع في الدول المحيطة به: حيث يتم تبخيس منتجات هذه الدول والمجتمعات المستضعفة في نفس الآن الذي يتم فيه بهظ أسعار المنتجات التي يسيطر عليها مركز حركة رؤوس الأموال.

ويشكل تبخيس قيمة عملية الإنتاج خارج المركز الرأسمالي محوراً لعملية الإستغلال الدولي، مما أكده الطابع التاريخي لنقد تبعية الدولة والنظام السياسي في العالم العربي الذي أتسمت به أعمال أستاذ علم المناهج الشهيد مهدي عامل، وهو نفسه الإستغلال الذي يمكن إجلاءه بإستقراء جداول أسعار السلع المتبادلة دولياً حيث يتباين في التبادل الدولي سعر نفس البضاعة المنتجة في نفس الظروف، تبايناً مبخساً لمنتجها المستضعف، ومضاعفاً ثمنها لرأس المال الممتلك لها .

وكان بيرييخ قد نظر في الخمسينيات إلى (تقلب) السوق الداخلي مع تقلب أسعار المواد الضرورية للإصطناع وألآته، مشيراً إلى الحالة التي عرفت فيما بعد بـ تصدير التضخمExporting Inflation .

وخلاصة هذا السياق هي إن:


الإستثمارات والديون تشـوه وتعيق عملية التنمية بزيادة وتائر الإستغلال




2- تشويه البنية العامة للمجتمع والإنتاج والتوزيع:

تركزت أعمال سمير أمين Amin ودوس سانتوس Dos Santos على العراقيل التي تكونها التبعية وتكونها في هذه الناحية من تدقيقهما في أوضاعها.

بينما تركزت اعمال فرانك A. G. Frankبنقد بنية التصدير ذلك النقد الذي كونه برصد الإتجاهات الجغرافية لمرافق الإنتاج وعملياته، إذ وجد في معظم الدول التابعة التي درسها أن مرافق الإنتاج وعملياته قد قامت متجهة للتصدير إلى الخارج بمعزل عن مستقبل البيئة وحاجات المجتمعات المحيطة بها.

وفي عام 1971 إهتم إهيرنسافت Philip Ehrensaft في مقال له سمي "الرأسمالية شبه الصناعية في العالم الثالث" المعروف في لغته الأصل بإسم:
Semi-Industrial Capitalism in the Third World والذي نشره في رحاب العدد 18 من مجلة "أفريقيا اليوم" Africa Today بتناول عملية "خلق الطلب" Making Demandوهي العملية التي تحور مجمل العملية الإنتاجية في الدول المحيطة بمراكز رؤوس الأموال في العالم إلى حال مستدام من الإرتباط بهذه المراكز وإحتياجاتها الربحية دون نظر من المراكز للإحتياجات الموضوعية لمجتمعات هذه الدول.وفي هذا التحوير الدولي ركز سينجرHans Singer عمله المسمى بـ: "توزيع الفوائض بين الدول المستثمرة والدول المدينة" (1971)
The Distribution of Gains between Investing and Borrowing Countries على: إصطدام عملية تحويل الطلب كحالة تجارية للإقتصاد الدولي بسيطرة الدول الدائنة وبالإمكانات المتناقصة للبلدان التابعة، بفعل هذه الحالة. وكذلك نظر جيرفن واينوس في سنة 1970 إلى إن: الإعتماد على الديون الخارجية يقلل النزوع للتوفير وتنمية الإحتياطات ويؤثر بإلإنخفاض على تشكيل رأس المال المحلي في عملية النمو. وهو الأمر المتصل إضافة للنواحي النفسية الإجتماعية والسياسية بالعملية الموضوعية للتضخم والتدهور الذي يحدثه في القيمة الحقيقة للقدرات الشرائية لحائزي النقود، إضافة للفقد الظاهري في قيمتها.

وبهذا الصدد قام بيكفوردGeorge Beckford سنة 1971في عمله الأكسفوردي العملاق: "الإمـلاق: التخلف في أقاليم العالم الزراعية" المعروف بـإسم
Persistent Poverty; Underdevelopment in the Plantation Regions of the World بالنظر إلى دور الشركات المتعدية الحدود في تشويه إستخدام الموارد المحلية من أرض وعمل وإستثمارات على المدى الطويل بفعل قوة الإحتكار ولوازمه من بخس لأسعار العمل وخفض للضرائب، وحرية تسعير ونقل المدخولات بما يفاقم التخلف.


وخلاصة هذا السياق هي ان:


التركز على إنتاج الخامات + بنية إقتصاد مفككة موجهة للخارج
= إعاقة مستدامة للتنمية الشاملة وتجديد متصل للتبعية








3- القـمـع :

وفي عام 1956 وضح بارانPaul Paran تشوه نمو البرجوازية المحلية، بتأثرها بالفعل القديم لعمليات رأس المال الإستعمارية وبفعل عمليات التغلغل الرأسمالي في الإقتصاد المحلي في العصر الحديث الراهن بواسطة القروض والشراكات والإستثمارات المباشرة. حيث نبه باران في الإطار الزمني الأخير إلى عمليات التحالف الإقتصادي [السياسي] بين أرباب الأراض والمصدرين والمستوردين.

ويشير التنبيه المعتق إلى تواشج قوى الإقطاع العنيفة التمركز في الريف و إتجاهات قوى المدن التجارية المرتبطة بالصناعة والتصدير و [الإستيراد] وبالسلطة السياسية التي تتبادل معها التمويلات والإعفاءات. مثلما تتبادل معها التيسيرات السياسية بإستلاب وعي المواطنين وقمع حركاتهم لأجل السيطرة على أمور معاشتهم وحياتهم.

وفي سنة1971 ركز قالتونغ Johan Galtung في مقاله المسمى "النظرية البنيوية لـ[موضوع] الإمبريالية" والمنشور في لغته الأساس بإسم : A Structure Theory of Imperialism ، في العدد الثامن من مجلة "أبحاث السلام" Peace Research على إرتباط النخب المحلية والنخب الدولية بالتبادل الدولي، وعمله كجسر لتبادل مصالح النخبتين المحلية والدولية بعمليات التصدير والإستيراد والتمويل والدعم المالي والديبلوماسي والعسكري لقمع السياسات والقوى المقاومة والمطالبة بـ "عملية متوازنة للتنمية".

كذلك ركزت تريسا هايترTeresa Haytar (1971) بعملها المسمى بــ: "المعونة كإمبريالية"Aid as Imperialism على وجود ونشاط وتضافر الهيئات المحلية والشركات الدولية، وسيطرة الأخيرة بقوة قبضها على مجريات الأمور في البلاد التي تتعرض بفعل هذه السيطرة الباردة والساخنة أحيانا لما يمكن تسميته بالتتبيع والإستضعاف.


وفي سنة 1972 دقق جونسون Dale L Johnson في عمله المسمى "التبعية والنظام الدولي" Dependence and the International System ووسع مفهوم هذا الإتجاه القمعي الطبقي مركزاً على أحوال قمع القوى والأعمال المرتبطة بتوازن التنمية.
فعملية القمع تشمل إضافة إلى القوى المستضعفة الهادفة لعملية شاملة ومتوازنة من التنمية، تشمل بعض شرائح القوى التقليدية المطالبة بتنمية مناطقها والقوى المدنية المرتبطة بتحديث رأس المال التي ترنو لإسهام أكبر لأعمالها التجارية والصناعية بدلاً عن حالتها الهامشية.
وفي عام 1973 كشف سنكل Osvaldo Sunkel علاقة القمع بالتبعية في مقاله : "الرأسمالية فوق الوطنية والإنهيار في امريكا اللاتينية"
Transnational Capitalism & National Disintegration in Latin America
مركزاً في مقاله المنشور بالعدد 22 لـ"الدراسات الإقتصادية الإجتماعية" Social & Economics Studies على: متطلبات البنية الدولية لخفض أجور العمال وزيادة دخل النخبة والقمع الذي تنجز به أهدافها في صد تقدم قوى الإستقلال السياسي [وهي القوى المرتبطة بعملية شاملة متوازنة للتنمية الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والثقافية]

وبصدد العنف وعسف حقوق الإنسان فقد نوهت إئتمارات أعلى الهيئات الدولية المختصة بتناول مثل هذا الموضوع وهي إئتمارات "مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان" القائمة سنوياً منذ سنة 1986 في المقر الوربي للأمم المتحدة إلى القمع الذي تسببه شروط البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والهيئات الدولية (للتنمية) بضغطها البشع على الدول المستدينة، لإمهالها قدراً من الزمن لتسديد قروضها أو مساعدتها على دفعها، حيث عقدت بعض أعمال المفوضية حال القمع في دول العالم الثالث بالشروط التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية على الدول المدينة لها وما تقسره عليها بأساليب الإقصاء والحصار المالي من إجراءات تجرد المجتمعات من كينونتها الإنسانية والإجتماعية الثقافية المستقلة ومن حقوقها السياسية الإقتصادية، إضافة إلى تسببها في إنهيار هذه الدول وتشر حالة متفاقمة من التوتر السياسي والإجتماعي والقمع والحروب الأهلية والتوترات الدولية تهدد السلام في العالم وهي الإجراءات التي يحاول هذا التأثيل إيرادها جملةً في مايلي:

الإجراءات المضادة للحقوق السياسية الإقتصادية للمجتمعات:

 تفكيك تخطيط الإقتصاد
 تفكيك نظام التسعير المخطط للمنتجات والعملات
 تفكيك تنظيم التجارة الداخلية والخارجية
 خفض الأجور الحقيقية
 إطلاق أسعار السلع
 وقف الإنفاق على الخدمات العامة
 رفع الضرائب على السلع الإستهلاكية وخفضها على الكماليات
 توفير مايسمى بـ"المناخ الملائم للإستثمار" الذي تحققه الشروط والممارسات الدقيقة للشركات المتعدية الحدود والسلطات المحلية الموالية لها فيما يتعلق بـ:

 قمع الأحزاب الشيوعية والحركات النقابية، في القطاع الحديث

 إضعاف تقاليد التماسك القبلي والملك المشاع للأرض في القطاع التقليدي بالضغوط المالية والأمنية المتفاقمة التي تشكلها حركة "المشروعات الكبرى" (للتنمية) على التجمعات الريفية وبإذاعة ثقافة الحياة الفردية والإستهلاك وطرد قيم العيش التضامني التقليدية

 إعفاء رأس المال الأجنبي من القوانين والضرائب الوطنية

والنتيجة التي تقود لها هذه الإجراءات المحطمة للتماسك الإجتماعي والسيادة الوطنية السياسية للمجتمع على دولته هي سهولة خصخصة موارد الدولة والمجتمع وعولمتها بإخضاعهما لمصالح رأس المال الأمريكي والأوربي وتحويل وجود الدولة ومجتمعها من حال المبادرة الإنسانية المستقلة إلى حال من العبودية الإقتصادية .

ومادمنا في مجال العسف الإقتصادي الإجتماعي بحقوق الإنسان وعلاقاته بسياسة الحكومات والإستثمارات الأجنبية فمن المناسب ذكر تقريرين يتناولان حالة نموذج في هذا الصدد هي حالة السودان وقد أصدر التقريران نتاجاً لعمل "المنظمة السودانية لحقوق الإنسان"
Sudan HumanRights Organisation أصدر الأول منهما بعنوان جهم: هو "البترول والجهاد في السودان" Oil and Holey War in Sudan، عام2001 قبل أحداث سبتمبر بينما أصدرت المنظمة التقرير الثاني للعام 2003 بعنوان "طبقات السياسة الرأسمالية-الدينية في السودان"
Georeligon-Capital Policies in Sudan مؤشراً على حالة علاقات القوى والأليات التقليدية للحكم والقمع والإستثمارات الأجنبية في بلاد يشكل أبناءها ثمن النازحين واللاجئين في العالم.

وفي كافة دورات إنعقاد تلك المفوضية لم يغب عن فعاليو حقوق الإنسان الشيوعيون واليساريون من مختلف الدول ماجرته هذه الشروط والإجراءات المتعلقة بها من إملاق ومجاعات وتوترات سياسية وحروب أهلية، وحملات إبادة وهجرات، حيث كلل كل حال منها بقمع واسع علني ودقيق لحقوق البلايين من المواطنين في مختلف بلاد العالم خاصة بعدما فقدوا الوجيع والنصير في بلادهم والعالم مع حالة حصار وتكسير وتغييب الأنشطة الشيوعية والنقابية مثلما إفتقدوا في كياناتهم روح المقاومة الباسلة بنشاط الترويج لثقافات الإنمساخ في وقت تتريف فيه المدن، وتسود في الريف المجاعات وحروب القمع والإبادة ضد المطالبين بالحقوق وبينما تتوالى موجات النزوح والهجرات.

وخلاصة هذا السياق هي :


إن عرقلة الرسملة الدولية لمعدلات النمو وخفضها الأجور والحقوق النقابية
يواشج زيادة التوتر السياسي والقمع




12- النظرة الدنية لبعض منافع تبعية الدول لمراكز رأس المال الدولية:

ذهب البعض مذهباً رأى فيه وجود العالم وحدة واحدة لا ضير فيها من تبعية بعض دوله لمركز رأس المال. وفي هؤلاء البعض من تعلق بإغراءات الإستثمار و(تدفق) رأس المال وزيادته النمو وفيهم من رأي تقدم العالم رهيناً بـ عملية التحديث التي تقودها قواه الأعظم وهي قوى رأس المال، وإستثماراتهـ|ـا التي تحدث التكنولوجيا والإدارة.

ومن الذين تعلقوا بأمل تدفق الإستثمارات وزيادتها نمو الإقتصاد شيلنغ Thomas C. Schelling الذي رأى في عام 1958 في كتابه الإقتصاد الدوليInternational Economics أن وحدة العالم تتمثل في تدفق رأس المال كمحرك رئيس للنمو الإقتصادي، بتأثير إنتشار الأرباح عن طريق الرشح بزيادة الطلب على العمالة والأراض والمواد ورأى صمؤيلسون Paul A. Samuelson في كتابه الإقتصادEconomics (1964) وثينري وستيوارت سنة 1966، أن: التمايز بين ظروف الإنتاج بمختلف الدول مفيد لعملية الإستثمار ومغر بها.

بينما ذهب مع الأمل في "التحديث" كل من سميلسير Neil E Smelser في عام 1963 في كتابه "أليات التغيير ومؤاماته" : Mechanisms of Change and the adjustment to Changes وكذلك إيزنختادEisenshtat S.. في"التحديث: حشد وتغيير" Change Modrenisation; Protest and المصدر سنة 1966 . وكذلك أيضاً ذهب ستانلي Manfred Stanley بكتاب "التنمية الإجتماعية" Social Development المصدر في سنة 1972 .

حيث ربطوا جميعهم بشكل لا تاريخي وجود رأس المال بالحدثان من النظم القديمة ثم عادوا فربطوا حداثة الدول التي سموها بالمتخلفة بفاعلية رأس المال فيها، ومن ثم إثراءه للإقتصاد والتعليم والروح الإستقلالية|الفردية، وبعض أشكال الديمقراطية.

بينما ذهب تالكوت بارسونز Talcott.Parsons عَلم عِلم الإجتماع البرجوازي الحديث وصاحب مدرسة الوظائف في تحليل الإجتماع البشري في هذا العلم في كتابه الخاص بدراسة أحوال المجتمعات الحديثة المسمى بإسم "نظام المجتمعات الحديثة"The System of Modern Societies وقد شاركه الإتجاه كل من موور Moore وفيلبرت David Welbert، وفيلدمان Fieldman في كتابهم: "إسهام العمل .. والتغيرات الإجتماعية في المناطق النامية"
Labour Commitment and Social Change in Developing Arias حيث ذهبوا جميعاً إلى التأشير على "تدفق رؤوس المال" كعامل أساس في تحديث التكنولوجيا والمؤسسات والهيئات وتقاليد العمل وحتى تكوين الأسر الحديثة Nuclear Families .


وخلاصة هذا الإتجاه العولمي هي ان:


الإستثمار = نمو أكثر للبنى المادية ولأساليب المعاش والإدارة



بيد أن ما مر كريماً على كل هؤلاء السادة هو إرتباط التبعية بعرقلة النمو أكثر من أن زيادته ترتبط بها. حيث تقترن عمليات الإستثمار وتحرير السوق والأسعار من كل عامل ضبط ديمقراطي، إجتماعي أو وطني بزيادة التفاوت الضار في مدخولات المواطنين، بما يكرس الفاقة والعجز عن الإستهلاك في جانب ويكرس البذخ والترف والإسراف في إستهلاك الكمالات المصطنعة في الخارج في جانب آخر، مما يحوج هذه الطبقة الشرهة الإستهلاك لتجديد قدرتها على الإستهلاك إلى رفع أسعار المبيوعات التي تتحكم فيها، وبالتال تفاقم معاناة وعجز الطبقات المنتجة من الزراع والعمال وعموم الكادحين التي تتدهور شروط إنتاجها الوطني مع تدهور قيمه الحقيقية بأليات أسواق التبادل المحلي والدولي مما يكرس تفتتها وصراعات مجتمعاتها.

حيث يستنزف الإستغلال موارد الدول المحيطة بمركز رأس المال بفعل سياسات الأسعار الدولية والقروض بما يترتب عليها من مراكمة الأرباح و الفوائد لصالح المركز الدولي والإفقار والدمار التدرجي الشامل للدول المحيطة بالمركز الدولي لرأس المال والدائرة كمشروع صغير في نظام حركته الإمبريالية.

بينما يؤدي إختراق رأس المال العالمي لتماسك الوضع الداخلي لأي مجتمع وتحوير أحد حلقاته للإرتباط بالمراكز أو التوابع الخارجية بشكل علاقة تصدير وإستيراد مطففة في عمومها لصالح الخارج إلى تفكيك التماسك الداخلي في الإقتصاد|المجتمع|الدولة وتشويه بنية الإنتاج والتبادل المحلية ومن ثم تشويه كامل للبنية الإقتصادية والإجتماعية السياسية والثقافية للمجتمع بما يكرس فيه التخلف عن (ركب) التطور البشري.

بينما يؤدي إجتماع علاقات النخب المحلية والدولية وتضافرها في مواجهة القوى الساعية للتنمية الشاملة المتوازنة إلى تكريس القمع

وخلاصة هذا السياق هي ان:


الإستثمارات تزيد تفاوت الطبقات والفقر والتخلف والقمع المحلي والدولي


يمكن شرح هذا الوضع الذي تزيد فيها لإستثمارات من التخلف بملاحظة ان عملية خلق الإنتاج والطلب المروج لها كأسس للترحيب بإلإستثمارات كوسيلة لتدفق رأس المال وحال لنشاطه الدولي وفوائده وفرصه (العالمية) تتأثر سلبا بتفاوت الدخول الذي يحدثه الإستثمار.

وعادة ما تكون الديون الخارجية على المجتمع والدولة التي يعتمد عليها في تجديد البنية التحتية مرتبطة في الواقع بعجلة فوائد مالية أسرع في معدلات نموها عن معدل النمو الإقتصادي العام وأسرع عن معدل الأرباح الفعلية للوحدة التي إتجه إليها القرض.

كما ان ما يزعم من إرتباط تدفق التقنيات الحديثة والإنتظام العقلاني الأحدي للسلوكيات العامة والفردية بفعل العملية الألية لتوزيع الدخول النقدية وفق منظومة وظائف ومؤهلات فردية تسمح بتيسر الإستهلاك بعملية تبادل السلع النقود كأساس وغاية مؤائمة لتحدث منتظم للمجتمع الذي تزيد تطلعاته وقدراته بفعل تدفق رأس المال وإتساع الفرص لمراكمته وبالتال تحدث الأنظمة العامة للإنتاج والدولة والمجتمع وفقاً لهذه الأحوال والقيم التي تنشأ مواشجة لتدفق الإستثمارات برؤوس الأموال والعلاقات بين الفرد و رأس المال حيث تتبدد هذه العملية العقلانية المزعومة بفعل تناقض منظومة الدخول بإرتفاع الدخول المرتبطة بالأعمال الثانوية أو الكمالية وإنخفاض الدخول المرتبطة بالأعمال الأساس الضرورية لوجود النوع الإضافية من الأعمال، ويزداد اضطراب احوال الإنتاج ومن ثم التبادل بعشواء السوق والتقلبات الخارجية التي يعكسها في الداخل بفعل "إنفتاح التجارة الخارجية".

ويتفاقم الوضع بتباين الأسعار، وبتنافر موارد الإنتاج والتجارة حيث يزداد التوتر السياسي والإجتماعي-الثقافي بين الطبقات وحتى داخل الأسر وفي الدولة وتزيد حالات الفقر الشديد والغنى الفاحش والقمع والفساد والعنف والجريمة والحروب والأمراض النفسية بصورة عامة توضح إضطراب موازين المجتمع وتطفيفها ولاعقلانية الإرتباط بها.

كذلك مع زيادة تدهور الإنتاج وقيمه، وتدهور التاكفؤات الإجتماعية والسياسية المحلية والدولية تزيد أحوال الهيمنة المحلية والدولية في نفس المرحلة من التاريخ الإقتصادي الإجتماعي التي تزيد فيها المقاومات المحلية المدنية والعسكرية لأسس وآثار التدفق الرأسمالي، وعمليات الإرهاب المتبادلة بين الدول والجماعات، التي تستعر أوارها من الوقائع المشهورة في أدغال وصحار وجبال أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ومن تخوم الصين حتى العراق وسيراليون مروراً بالمركز الأمريكي للتجارة العالمية والبنتاجون والمراكز الثقافية للولايات المتحدة وسفاراتها.













13- قياسات التبعيـة:

درج على قياس التبعية عالمياً من خلال عيار حجم السكان ودخل الفرد فقط، لا بحجم الدولة وقطاعاتها وتناسب بنياتها برصد علاقة متغيرين حسابيين هما :
 متغير مستقل: بإستخدام بند المدين والأستثمارات والأرباح
 متغير تابع : معدل المديونية، بالنسبة للفرد وبالنسبة للدولة

قياس التطور الإقتصادي بواسطة حساب:
 نصيب الفرد من الدخل القومي
 إستهلاك الكهرباء كيلوات/ساعة/فرد
 نسبة النساء العاملات بالنسبة لمجمل المنتجين

قياسات أخرى:
 تشكيل المدخرات في رأس المال المحلي
 التخصص في التعيين
 التباين في الدخول (مؤشر جيني: الـ 20% الأفقر الى الـ5% الأغني)

وبإستعمال هذه القياسات تم إدراك بعض النتائج عن علاقات التبعية بالديون والإستثمارات الخارجية وتدهور التنمية ومنها:

1- نتائج سلبية تظهر في مدى طويل ونتائج موجبة تظهر في الأمد القصير
2- المواد الخام والعدو ن كجاذبة للإستثمارات
3- إرتباط الإستثمار بالتعدين مع تصلب مرونة الإقتصاد المشوه البنية تجاه متغيرات السوق
4- إرتباط قوة تأثير الإستثمارات بضعف المدخرات المحلية وباضعافها
5- عدم زيادة الديون لإستهلاك الكهرباء
6- زيادة الإستثمارات والديون لتفاوت مدخولات السكان ضد 75% منهم.
7- إرتباط الديون بتفاقم التفاوت الإقتصادي بين المناطق
8- زيادة الديون والإستثمارات لحالات الفساد والتوتر السياسي
9- زيادة اللامساواة الدولية مع رفع دخل الرأسمالية العالمية وخفض الدخل العام للدول التابعة من خلال لزمها بالتخصص في إنتاج بخس للمواد الخام
10- إعاقة تفاوت الدخول لتناسب عمليات الإدخار والإستثمار والتنمية





14- "التبعية" كتفسير للتنمية المختلة:

بدراسة أحوال الإقتصاد العالمي تبدو التبعية مواشجة للامساواة. وذلك في إطار إقتصاد تنافسي يخضع للسيطرة الخارجية ضار بشكلي التبعية التغلغلي بالإستثمارات والإحباطي بعمليات التبادل في السوق الخارجي، فرأس المال على دفقه الموارد له رؤية أخرى كسيطرة شاملة ترتبط بتوليد الفوائد والأرباح.

وكان بيكفورد Beckford قد توصل في عام 1971، إلى أن الدول الخاضعة للسيطرة لا تستطيع أن تراكم أو توظف فائض رأسمالها في عملية تنمية متوازنة، في نفس الوقت الذي تعمل فيه الشركات على توسيع نموها الخاص غير عابئة من ناحية تكوينها أو أهدافها بمدى توازن تنمية الدولة التي تستثمر فيها فوائضها، [ بل قد يكون العكس هو الصحيح] حيث تقوم في ذات الوقت بإستخدام نفوذها الإقتصادي السياسي لإبقاء تكاليف العمالة والضرائب عليها منخفضة.

كما ربط بيكفورد النخبة المحلية بالمصالح الدولية بقمع القوى المحلية التي تحتشد لأجل القيام بتنمية متوازنة حيث الإتجاه لقطاع الخامات والمواد الأولية له أضراره على بقية قطاعات الإقتصاد.

ويعكس هذا التحليل المعتق أهمية وجود رؤية وطنية مختلفة أكثر إيجاباً إلى الحركات والقوى المعارضة ضد الرأسمالية، وكذا رؤية موجبة في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية للسياسات الوطنية لبعض دول العالم المحيطة بها كمركز للحركة العالمية لرأس المال، أكثر من الرؤية السالبة التي تراها مشروعات متمردة يمكن فقط إستدامة وتكثير الأرباح منها بالقمع الذي ثبت فشله في تحقيق هذا الهدف من فيتنام إلى العراق.

حيث تنحصر أهداف هذه القوى والحركات والسياسات في المنادة بالإعتماد على الذات والتحكم الحريص في المدخلات القادمة من الخارج إلى مجتمعاتها لضمان أقصى فائدة منها بدلاً من تبديدها أو سفهها في مشروعات تؤد أثارها على المدى الطويل إلى تفاقم التوترات الداخلية والخارجية.
وبعيداً عن هذه المناشدة المشبوبة بالأمل وضح مورلي Morly في عام 1975 أن: التحكم في المدخلات بواسطة قوانين للإستثمار هو إستراتيجية (صعبة) في عالم متنافس اليد الطولى فيه للشركات المتعدية الحدود.

بينما إتجه موران Moran وجيرفان Gerfan في سنة 1973 إلى دعم فكرة "التضامن الإقليمي" بين الدول المستضعفة في ظل تميز الشكلين الأوربي والأمريكي لمركز رأس المال عن بعضهما رغم انه تميز شكلي لايغير من خلل الإقتصاد الدولي في علاقات إنتاجه ومبادلاته.

وكانت فكرة التضامن الإقليمي قد إزدهرت مع رفع مؤسسات البحث والمعلومات والصحافة في العالم الرأسمالي لفكرة إنقسام العالم حسب إقتصاداته إلى "شمـال وجنـوب"، حيث يضم فيه مصطلح "الشمال" دول الإقتصادات الصناعية المتقدمة في الكتلة الرأسمالية، والكتلة الشيوعية بينما يضم مصطلح "الجنوب" العالم الثالث للكتلتين فهو الذي لا تحقق دوله|مجتمعاته سوى الأدنى من ضرورات المعاش بأحسن الأحوال وكحل لهذا الوضع طرح فيلي براندت Willy Brandt المستشار الأسبق لألمانيا الإتحادية (الرأسمالية) مبادرة عبر هيئة الأمم المتحدة "شمال/جنوب: برنامج للبقاء" North/South; a Survival Programmed حيث إهتمت بتأسيس "حوار الشمال والجنوب" North/South Dialog لمناقشة موضوعات "المعونات والتنمية".

ويمكن بأشكال مختلفة طرح موضوع العلاقة بين المبادرة وإستغلال الدول الرأسمالية لتدهور أوضاع دول الجنوب بفعل سياسات الحصار الإقتصادي الإمبريالية المضادة للتحرر الشامل لهذه الدول بما هو نفث لرأس المال الإمبريالي في خلايا إقتصادات المجتمعات (المستقلة حديثاً) التي عانت أيضاً من حصار قواها الحاكمة في دول الجنوب لإتجاهات التنمية الشمولية المتوازنة داخلها والقمع ضد قواها النقابية والشيوعية ومن تواشج السياسات المحلية والدولية للمجموعات الحاكمة لدول العالم الثالث مع حصار الإمبريالية للمعسكر الشيوعي وحربها الباردة ضده وحد قدراته الدولية مع تكثف إتجاهات تبادل المنافع بالنقود داخله بعد المؤتمر العشرين، وتحوله من نطاق الثورة العالمية إلى نطاق التعايش السلمي والمحافظة على قوة الدولة العظمى في العالم.
تقريـر لجنـة برانـدت:

عند نقاش الوضع الإقتصادي العالمي في إطار مفاهيم مثل التبادلات الدولية، والإندماج في مراكز رأس المال، والعولمة، والحديث عن أفضليات التجمعات والشراكات الإقليمية، تبدو أهمية عرض أحد تفاصيل العلاقات بين العالم النامي وعالم المراكز الرأسمالية، ولو كان بالشكل الذي قدمته بعض مؤسسات البحث والإعلام الإمبريالية كحالة جمعية ثنائية للحوار والتعامل بين مراكز رأس المال التي سميت بإسم "الشمال" في جهة ودول ومجتمعات العالم النامي التي سميت بإسم "الجنوب" في جهة مقابلة، ذلك الحوار والتعامل الذي سمي بإسم حوار أو تعامل "الشمال والجنوب" والذي راده فيلي براندت Willy Brandt مستشار ألمانيا الرأسمالية القادم لمشورة ألمانيا من الحزب الإشتراكي الديمقراطي، حيث حدد في تقرير لجنته الدولية الشهيرة لـ"حوار الشمال والجنوب" عدداً من القضايا كانت محلاً لإتفاق بعض القوى عليها وأخرى كانت محلاً للرفض من بعض القوى. بشكل لخص في التقرير الذي نعرض بتصرف وجوهه الأساس تالياً:
 ترجيح الوسطيين من يمين اليسار ويسار اليمين على إمكان خروج دول العالم الثالث|الجنوب من الأزمة بإتباع سياسات جون مينارد كينز الخاصة بتدخل الدولة لتنظيم الإقتصاد أو بالسماح بـ(نقل الموارد) [ نقل الموارد كتعبير سياسي يرتبط بالديون الدولية|حرية السوق= حرية رأس المال].

 رفض قاطع من اليمين لنقل الموارد لأنظمة تتبع سياسات إقتصادية مفقرة
[= مواصلة الحصار على دول الجنوب ]

 رفض اليسار القاطع للحد من الحقوق الإقتصادية الإجتماعية للناس في مجتمعات دول الجنوب لصالح حرية رأس المال أو السياسات الكينزية [تنظيم الدولة لرأس المال بدلاً عن تفكيكه] ونقل الموارد [= الديون|حرية السوق] بماهو تحضير لـدول الجنوب لتصير أسواقاً أكثر قابلية للإستغلال من قبل دول المراكز الرأسمالية بواسطة علاقات تبعية الحركة الإقتصادية فيها لاوضاع وإرادة المراكز العالمية لرأس المال وإستغلالها في القيام بإنتاج بخس وتهميش أوضاعها وإمكاناتها وقواها ومصالحها، مما تجبر عليه دول الجنوب بفعل إدخالها في السوق الدولية بإمكانات محدودة.

وكان ألباب النقاش التاريخي لأعمال لجنة براندت Brandt Committee حينذاك من أحبار وأساطين علم الإقتصاد السياسي في العالم وهم إيمانويل فارلشتاين Immanuel Wallersteinأول منظر لإتكالية إقتصادات (الدول النامية) وتبعيتها إعانات دول مراكز النمو. حيث قام بتنظير "السلسلة السلعية" Commodity Chains حيث مثل سياسات اليمين بصيغة "الشمال"، وأندريه جٌندر فرانك André Gunder Frankكاتب "أمريكا اللاتينية: التخلف أو الثورة" ممثلاً قوى الطبقة العاملة والشعوب المضطهدة بصيغة "الجنوب" بينما جاء بوير P.T. Bauer وخيضوري Kilocurie ممثلين للطريق المشكل الذي قدمناه أولاً.

بالرجوع لأحوال فكرة "التعاضد الإقليمي"Regional Alignment نفسها التي إنتشرت رويداً رويداً في العالم طوال خمسون عاماً في الفترة الزمنية الممتدة بين نهاية الحرب العالمية الثانية وأوائل القرن الواحد والعشرون، نجد إنها لم تسلم من آثار تعاضد النخب المحلية والدولية وإشتراكها في المصالح الرأسمالية. حيث نجد ان فكرة التعاضد الإقليمي إنقلبت من فكرة رافعة للإرادات والطاقات الوطنية، معتدة بتوافر الإمكانات الذاتية للتنمية، مقاومة لسيطرة وهيمنة رأس المال الدولي ومراكزه على إقتصادات الدول المستغلة والمهمشة بمحيطه العالمي، وتحولت إلى واحدة من الأدوات السياسية الدولية لمضاعفة تغلغل رأس المال في إقتصادات الدول المستضعفة عبر طرف ثالث كشركات الواجهات المتجنسة بجنسية واحدة من دول الإقليم، أو عبر عقد إتفاق (شراكة) إمبريالية مع واحدة من دول التجمع الإقليمي تتيح لرأس المال (العالمي) التغلغل عبرها في بقية دول التجمع الإقليمي.

وفي هذا التدرج التاريخي لفكرة " التعاضد الإقليمي" من حال القوة إلى حالة الضعف ومن حال التحرر إلى حالة الإستعمار الحديث، تبدو أهمية إستعراض وتأثيل بعض الأجزاء البارزة من تاريخ المجموعة الأكثر عددا في الدول النامية وهي مجموعة دول عدم الإنحياز، التي كانت تضم مجموعات من التكوينات والنظم الإقتصادية- الإجتماعية والسياسية المختلفة وإن كانت تسودها ثقافة الإعتداد والتحرر الوطني.


15- أسئلة باندونج

في سنة 1955، كانت مدينة باندونج في إندونيسيا محلاً لإنعقاد الإئتمار التحضيري للدول التي تنوي نهج سياسة عدم الإنحياز في صراع المعسكرات الدولية Non-Alignmentقبل إنعقاد الإئتمار الرسمي الأول لهذه الدول في بلغراد عاصمة يوغسلافيا سنة 1961.

حينذاك، كانت إندونيسيا تتوهج بالتحرر بقيادة الجبهة الوطنية التي ساهمت في تحرير البلاد من قوى الإستعمار البرتغالي والهولندي والياباني والأمريكي، والتي تزعمها الجنرال سوكارنو، قبل أن تحدث الفتنة بين أقطاب الجبهة من قوميين وشيوعيين حول أسلوب التنمية الأمثل لأحوال المجتمع وبلاده. حيث تعجل القوميين بقيادة سوكارنو أهمية إحداث أي تطور ونمو في البلاد وبأي شكل، وفق سيرورة الحياة الإقتصادية التي خلفها الإستعمار وإعتادها الناس بينما إلتزم الشيوعيون بحقيقة أن النهج الوحيد للقيام بتنمية حقيقية للمجتمع والبلاد هو سيطرة أغلبية السكان المنتجين على موارد البلاد ووسائل الإنتاج من أراض ومصانع ووحدات خدمات، وتحكمهم في إدارة وتوزيع أعباءها ومنافعها بالإعتماد على التخطيط العلمي والشعبي التوجه الذي يعتني بتلبية الحاجات الضرورة في المجتمع أولاً ثم يتجه لتلبية الحاجات البشرية للكمالات، مماقاد في سنة 1965 إلى إنقلاب المخابرات الأمريكية والجنرال سوهارتو وقوى الرجعية الإسلامية على سوكارنو والشيوعيين، وقتل الملايين من النشطاء الإجتماعيين والنقابيين والشيوعيين، ونشأ وضع إتسم بالتبعية لأحوال إستهلاك المطاط والنفط والصناعات الكمالية للملابس والأحذية البلاستيكية والفساد السياسي والمالي مما حول إندونيسيا إلى دولة مدينة تتفكك القناعة الشعبية بها بفعل إحتكار مركزها للسلطة والثروة.

وتبع هذا الوضع الأزمة الشاملة التي برزت في التسعينيات وعصفت بالبلاد ومجتمعاتها في مختلف نواحي حياتها حيث تفاعلت أزمات الكساد الداخلي والعطالة والديون الخارجية والفساد مع الأوضاع السياسية المتمثلة في الديكتاتورية وتفكك الوحدة الوطنية والشعبية.

وفي أوآن عقد إئتمار دول عدم الإنحياز الأول كانت يوغسلافيا بقيادة رابطة الشيوعيين البلقان اليوغسلاف بزعامة الجنرال الكرواتي العظيم جوزيف بروز تيتو Tito تنهض بقوة من حال تحررها الضاري من النازية بجهودها الذاتية المحضة وتتقدم من حال الحاجة والتكالب إلى حال وفر الضرورات وشيئ من الكمالات بالمجتمع في سياق من الإشتراكية والإدارة الشعبية الذاتية لوحدات الإنتاج وللجمهوريات التي كانت أقاليم متنازعة بإحتكارات السلطة والثروة والثقافة.

فالنضال الإشتراكي الشامل الذي قادته رابطة الشيوعيين في البلقان هو الذي حرر منطقة البلقان، لأول مرة في تاريخها، من السيطرة الأجنبية عليها ومن إحتكار ثروات مجتمعاتها وشعوبها بمراكز ملكية أجنبية ومحلية، ومن الإفقار والنزاعات المرتبطة بهذه الإحتكارات الأجنبية والمحلية حتي عرفت في العالم منطقة البلقان ومجتمعاتها بالحروب والمذابح، وعاشت المنطقة بفضل هذا النضال، لأول مرة في تاريخها، حال من الإستقرار والسلام والتنمية حتى صارت في العالم مقبلاً لمن ينشدون الراحة والسكينة وهدوء البال، بل وأصبحت تقدم لكثير من الدول في العالم النامي مساعدات تقنية وثقافية ومالية حيث إرتبطت التنمية الإشتراكية فيها بالحرية والتقدم والسلام والتضامن الأممي.

وكانت أهم ملامح عملية التنمية الإشتراكية في جمهوريات يوغسلافيا كما في كل البلاد الإشتراكية هي التغاير بين المستوى العالي للتنمية الأفقية لموارد ووسائل الإنتاج وتنوعها من إنتاج الخامات المعدنية، والصناعات الثقيلة، والأولية، والوسطى، والنهائية، وإنتاج الزراعة الغذائية، وكذا الزراعة للتصنيع، وكذلك الخدمات العامة الضرورة للمجتمع من مرافق مياه، وطاقة، ونقل، وطرق، وإسكان، وإتصال ومواصلات، وتعليم، وصحة، وعلاج، وثقافة ورياضة، وسياحة، وترفيه، والمستوى المنخفض للتنمية الرأسية المتعلقة بكفاء عدد وحدات الإنتاج لجواب طلب السكان المعين لإستهلاك نوع محدد من المنتجات، وبنوعية الإنتاج من ناحية الطاقة والألآت والمواد والجهود التي يستهلكها الإنتاج والإقتصاد النسبي فيها لتحقيق نفس المنفعة للمستهلك أو مضاعفتها بمستوى أقل من الموارد.

وإن فارقت كثير من النضالات الإشتراكية التي نشأت في أعقاب الحرب هذه الناحية الحديثة للإنتاج الصناعي الرأسمالي المتمثلة في الإقتصاد الحدي للموارد والجهود المستخدمة بإنتاج سلعة واحدة وزيادته حدود نفعها، أو بهرجته السلع وخلبه بها وعي الإنسان بالضرورات، وهي الناحية التي برزت حديثاً بعالم الصناعة الرأسمالية بعد ما سمى بـإسم "أزمة الطاقة" في منتصف السبعينيات مع بروز دراسات وعلوم ومنتجات إقتصادات تصنيع وتسويق المواد وزيادة الربح منها. مما رفع كثيراً مستويات إنتاج السلع غير الضرورية والكمالية في النظم المركزية لرأس المال عن مستويات إنتاجها بالدول الإشتراكية التي نشأت خلال الحرب الباردة ضد الشيوعية، حيث أظهرت المقارنة الشكلية قصور التنمية الإشتراكية عن توفير هذا النوع الكمالي من السلع التي كانت تملاً أسواق دول المراكز الرأسمالية بل وكثير من أسواق دول العالم الثالث التي تفتقر لمعظم الضرورات. ويمكن رد قصور التنمية الإشتراكية في مجال إنتاج السلع غير الضرورية والكمالية إلى جملة ظروف خارجية وداخلية:

1- ما يتعلق بالظروف الخارجية:

1- التدمير البشع بالحرب العالمية الثانية للبلاد السلافية الأرثوذدكسية التي كان حكمها الإقطاعي وحروبه قد حولها لبلاد ضعيفة الإجتماع والإصطناع إضافة لحرمانها بشح الطبيعة بالموارد

2- منع المساعدات العينية والمالية الضخمة عن كافة الدول الإشتراكية والمتحررة حديثاً بل وفرض شروط تجارة دولية مجحفة عليها وإرهاقها بالضغوط السياسية الخارجية والداخلية وبالتهديدات العسكرية لأمنها وتخريب علاقاتها الدولية حتى في مابينها كعناصر في حركة التحرر الوطني في العالم من الإمبريالية التي قدمت مساعداتها بشكل غزير ووجهت الأموال والخبرات للنظم الرأسمالية التي وطدت سيطرتها على القطاع الغربي من أوربا -القريب من بريطانيا- بما فيه القطاع الغربي لألمانيا الذي بدأ الحرب العالمية ضد كافة مجتمعات وشعوب العالم غير الجرمانية الآرية!
3- ثورة أو ثروة "البترودولار" Petrol-Dollar بعد حرب أكتوبر 1973
فالحرب التي شنتها مصر وسوريا لتحرير أراضيها من إسرائيل مثلت إشارة لأخذ دول عدم الإنحياز زمام المبادرة في مجال العلاقات الدولية، فرفعت المصالح الإمبريالية أثمان النفط التي كانت حكومات النفط تودعها في البنوك الإمبريالية، بحكم إتفاقات عهد الإستعمار، بدلاً عن إستخدامها في بناء بنية متكاملة للإنتاج والخدمات في عالم دول عدم الإنحياز، مما حرمه إمكانات مهمة للتطور كان وجوده ومبادرته السياسية سبباً لإرتفاع سعر هذه الخامات وتكون هذه الثروات، وبهذا وفرت ظاهرة Petro-Dollar قوة شرائية هائلة في الأسواق الرأسمالية، أكبر من حجم إنتاجها وإستهلاكها المعتاد، مما ضاعف دفع قوتها لأطراف العالم الرأسمالي في شكل إستثمارات بمخمس جنوب شرق آسيا وقروض عسفة الشروط ومرهقة الفوائد لدول عالم عدم الإنحياز التي عجزت مواردها المحدودة عن مجاراة إرتفاع أسعار النفط، مما شل إمكاناتها في التبادل النافع مع دول التنمية الإشتراكية، بل وحد من إمكانات التنمية الإشتراكية نفسها في دول أوربا الشرقية، حيث قنعت في ظروف هذا الحصار المباشر وغير المباشر بإنتاج وتبادل الضرورات حفاظاً على مواردها.

وعاد الوضع على الدول المركزية في النظام الرأسمالي بفوائد جمة وقفز بالإنتاج والإستهلاك فيها من دائرة الضرورات إلى الكمالات والترف مع عوامل أخرى تتعلق بإرث الإستعمار القديم ومواشجة الإستعمار الحديث وأخلاقيات الدولة في التعامل الدولي وطبيعة إستعمالها لقوتها الإقتصادية والعسكرية-الإستخبارية والديبلوماسية في العالم، ثم إرتدت الفائدة خسارة على مجتمعات الدول الرأسمالية بـ:

1- إفلاس أسواقها الخارجية في العالم الثالث
2- الإلغاء التدرجي للحقوق الإجتماعية،
3- ضغط الهجرة واللجوء من العالم الثالث على تنظيمات الحياة الرأسمالية و الإرهاب ضد مصالحها
4- زيادة الخلافات البنيوية الأوربية الأمريكية في إطار صراع داخلي بين المصالح الشعبية و الرأسمالية.
بينما كانت النضالات الإشتراكية للشعوب التي نجحت في السيطرة على دولها تعجز بنية عن التخط الواسع لحالة إنتاج الضرورات والنفاذ إلى إنتاج وإستهلاك مزيد من بضائع وسلع وخدمات الكمال والترف، حينذاك، لأسباب ثلاث:

السبب الأول: سبب سياسي، متعلق بعلاقات الإدارة والسياسة
فبدمج وظائف الحزب القائد لعملية التنمية بوظائف الدولة في ظل الحرب العالمية الباردة على الإشتراكية ودولها، مما قلل بأثر الإنفصام التاريخي للعملين الذهني والعضلي والتكلس الإجتماعي للبيروقراطية في قمة الدولة عن الحراك العضوي النشط في القواعد الإنتاجية والإستهلاكية، وحتى الأمنية للدولة، قلل صرامة الأحزاب الشيوعية في نقض النواقص، بتأثر عملية النقد السريعة سلباً بالوضع التراتبي الإداري للمنتقدين والمنتقدين في جهاز الدولة .

السبب الثاني : سبب إقتصادي، متعلق بعلاقات الإنتاج والإستهلاك
حيث المدى الضعيف لتكسير علاقات السوق وحيازة المنافع مقابل نقود في مجال إستهلاك السلع الكمالية التي تشكل غالب إهتمامات المواطنين بعد فراغهم من الأعمال النمطية وضمانهم السلع والخدمات الضرورة في نفس الوقت الذي يحتاز فيه هؤلاء المواطنين دخولهم من عملية الإنتاج بعلاقات إنتاج إشتراكية قائمة على تبادل المنافع المادية العمل فيها مقابل توفير الحاجات الأساسية للعيش من ماكل ومسكن وتعليم وعلاج وإنتقال، حيث يجد المواطن ان ماهو متاح له من نقد غير كاف لتلبية العرض المتضخم أمامه من السلع الكمالية الإستفزازية بفعل الأسفار والتلفزيونات، مما أحدث في المجتمعات الإشتركية ضغوطاً نفسية-إجتماعية وثقافية وأزمات ثقة في النظام الإقتصادي السياسي وأيديلوجيته لعجزه عن توفير السلع الكمالية بهدوء للمواطن التي شاهدها ميسورة عند غيره من مواطني الدول الرأسمالية، التي كانت تعتمد في تمويلها على الثروات الموروثة من الإستعمار القديم والثروات المكونة بعمليات الإستعمار الحديث، أو كانت ميسورة لطبقة معينة في العالم النامي الذي تفتقد مجتمعات دوله كافة الضرورات
ولكن المنظر في عمومه، أثار الإحباط، وقلل مثابرة المواطنين في عموم الدول الإشتراكية على نقد وإصلاح النظام الإشتراكي للتنمية الذي وفر لهم الضرورات وشي من الكمالات دون إستغلال أو إرهاق، وهو النظام نفسه الذي تفتقد هذه المجتمعات الضرورات التي كان يوفرها لهم كحقوق مقابل العمل أو لمجرد أنهم مواطنون.

السبب الثالث: التكوين الإجتماعي الثقافي للعاملين في دوائرالإنتاج والإدارة:
أشكال الوجود العددي للقوميات في دوائر الحزب والدولة و الإنتاج كمحور لإثارة الهمم أو إقعادها في أي (مجتمع) بتشكيلها حاله كإشتراكية أو كمراكز وهوامش، مما إرتبط بالتاريخ النسبي لتطور هذه المجموعة السكانية أو تلك، وتقديره لغيره.

وقد كان نشوء الإشتراكية في بلاد متعددة الثقافات منعقداً بتطلع القوميات المهمشة للتخلص من الأسر القطاعية الحاكمة، بيد أن ملية إعادة تأسيس الدولة إرتبطت في أجزاء كثيرة منها بالمستوى الثقافي لقوى المجتمع القديم، مما ساعد في ظروف الحرب الباردة على إستمرار الفصل بين العملين العضلي الطابع والذهني الطابع وعلى دمج وظائف الدولة والحزب لمواجهة نقص الكوادر والملكات. فأثر فكرياً وسياسياً على تطور الإشتراكية وتنظيمها الإنتاج والإستهلاك العام في المجتمع، وحجزه في الحدود الضيقة للضرورات.

بينما فتحت البرجوازية الكامنة بمؤسسات تلك الدول لنفسها منافذاً عدداً للإثراء الشخصي والتحويل التدريجي للنظام الإشتراكي من تلبية الحاجات إلى بيع بعضها إلى فتح بعض المنافذ للتجارة ثم فتح كامل البلاد لها ومن القبول بفتح تحويلات مصرفية خاصة بها إلى فتح النظام المصرفي بأكمله، وصولاً بجملة النظام إلى توسيع نقاط التبادل السلعي-النقدي، فخفضت نسبة مبادلات العمل–الضرورات في الإقتصاد بهذا التوسع، وغلبت عليه إتجاهات ومفاعيل التقويم النقدي الربحي للاعمال والمنافع مما حرف معظم الإقتصادات الإشتراكية عن إتجاه الشيوعية الذي كانت مقبلة عليه إلى نقطة التغيير إلى الرأسمالية في أحط درجاتها، التي أوصلت تلك البلاد إلى حال من الدمار الشامل.-
فبفعل النشاطات الرأسمالية الداخلية والخارجية في المجتمعات التي كانت تنشد التنمية بإشتراكية قواها في موارد الإنتاج وأعباءه وثمراته نشأت ظواهر: الفساد، الفقر، والتسول، والجريمة، والدعارة، والفساد، والتمركز القومي والتدخل الأجنبي، والتشرد، والهجرة، والتلوث الثقافي والبيئي، والمخدرات، ونقص العناية الصحية والعلاج، وتعذر الإنتقال، وتدهور أحوال المساكن العامة، والطرق، والبريد، والنظافة، وإنخفضت مستويات التدريب والتعليم، إضافة إلى إستغلال وإمتهان حقوق الطبقة العاملة والزراع والكادحين، وقمع الحريات العامة بدعاو أمنية مثل حماية الإستثمارات أو الإتفاقات أو القوات الأجنبية، إضافة للتزوير الإجتماعي والإعلامي والحرفي لنتائج إنتخابات الإتحادات والنقابات والمجالس المحلية والبرلمانات، مما أجج الصراع الطبقي بهذه المجتمعات بعدما كانت الإشتراكية قد صرفته زمناً، وهو ما قاد مع تفاقم التدخل الأجنبي والإفقار والإستغلال والإملاق والتهميش والقمع إلى زيادة النزوع الإجتماعي إلى التحرر الطبقي والوطني.

ويثير التعاقد المعاصر لـ مسآئل التحرر الطبقي والقومي والوطني، في ظل الهجوم الإمبريالي الشرس على موارد الشعوب وقدراتها لإخراج التنظيم الرأسمالي للموارد من أزماته البنيوية المتفاقمة، والظاهرة في عجز مؤسساته وميزانياته، وتضارب قراراته، وتناقض أسواقه، يثير الإهتمام بمسألة شمولية التحرر والإشتراكية، مع صعوبة تحرر مجتمعات أمة ما وتقدمها بشكل متناسق بين تطلعاتها وقدراتها ومواردها وطاقاتها وقيمها بنظام يقوم على التكالب والإستئثار والإستغلال والتهميش.

وقد كان تطور الفكر الإشتراكي منعقداً في كثير من منعرجات لوائته، بتطور الحال القومية في الممالك الإقطاعية التي كانت قائمة على فكرة العائلة المقدسة والشعب المختار والأرض الموعودة بهذا الشعب وأسرته الحاكمة، ومع تطور الحاجات وإتساع إمكانات الإنتاج وتبين الإنسان لإمكانات تنظيم مجتمعه، إتجهت كثير من القوميات إلى التحرر من ربقة الإقطاع الذي تقبع فيه والإعتداد بموطنها مؤئلاً لدولة تقيمها وطناً لها، تكون فيه أمتها سيدة على أمورها وقوانينها، حرة من السيطرة المقدسة للأسر والجماعات العرقية والدول الأجنبية.

وبعد أعوام طويلة من الحروب الأهلية وعمليات الإرهاب التي دارت بشكل صراع بين الإتجاهات الإقطاع الدينية والإتجاهات الديمقراطية العلمانية كانت إنتفاضات بريطانيا وثوراتها بين 1750-1650 ثم إقرار دستور فيرجينيا 1776 فثورة إستقلال أمريكا وإعلانها جمهورية 1777 فالثورة الفرنسية وإعلان الجمهورية وحقوق الإنسان-المواطن 1791-1789 فتحول بقية أوربا من أحوال الملكية الإقطاعية المطلقة إلى الجمهورية والملكية المقيدة بالدستور والحكومات المراقبة بمجلس دستوري، فالخاضعة للإنتخاب ففي كل إرتبطت عملية التحرر الإجتماعي حينها بتحرر المجتمع من عسف السلطة الدينية المطلقة غير القابلة للمسائلة رغم إستمرار خضوع مقومات حياتها من عمل وأجور وضرائب وخدمات لسيطرة رأس المال! وهو ما جاوزته النضالات الإشتراكية العلمية بالتحرر من جملة نظم السيطرة الطبقية.

وقد حاولت الدول المتحررة حديثاً في سنوات الستينيات والسبعينيات جهة الخلاف الأممي بين الأساليب الليبرالية والبيروقراطية في الحركة الثورية العالمية، حاولت إتباع عموم ما سلف ذكره، على المستوى الداخلي، والحياد وعدم الإنحياز تجاه مقتضياته السياسية في مجال العلاقات الدولية، مما قاد بتأثير مكوناتها الداخلية الضعيفة والضغوط الرأسمالية الدولية لدخول مجموعة كبيرة من هذه الدول إلى نادي الديون الدولية، نتيجة إرتباط أقسام من إقتصادها بشكل تبعي بأقانيم وعلاقات الإنتاج الرأسمالية الدولية المرتبطة بتقسيم الإمبريالية المجحف للعمل وعائداته في العالم.

وعقدة الأمر أن التكوين التحرري لكثير من هذه الدول في أفريقيا وفي آسيا إصطدم بالتغاير الشديد بين مستويات الإنتاج وتنظيماته داخل حدودها بين مدن دحمة بمستهلكي الخدمات العامة والسلع المصطنعة في الخارج وباعتها وأرياف مكتظة بمنتجي الخامات الزراعية والحيوانية الذين لايجدون من عناء كدحهم عائداً في التبادل يسدون به رمقهم، إضافة ما يواشج هذه الأوضاع من خلافات تاريخية قومية ومهنية وعقائدية تجد لها ممثلين مباشرين في الحياة السياسية التي لا تسمح في هذه الظروف، بتمثيل وعي تحرري تنموي شامل، مما جعل أضعف حلقات عالم التحرر والإشتراكية تتمثل في الدول ذات الوجهين التي أثرت سلباً بخرقها الخطط وتبديدها المستمر للمعونات على تبادلات الدول الإشتراكية وتنمية عائدتها النوعية والمالية.


وفي التاريخ إنعقد تاريخ الحروب والمعارك والمذابح في يوغسلافيا بالحملات الدموية التي شنتها قوات الخلافة الإسلامية العثمانية على أغلبية السكان الصرب في البلقان طوال خمسة قرون من الزمان من سنة 1505 إلى سنة 1923 وكذلك التي وقعت على الإقليم بالحملات التي شنتها روسيا القيصرية، وكذلك تلك التي شنتها إمبراطورية آل هابيسبيرج في النمسا والمجر وبعض إمارات ألمانيا الكاثوليكية ثم حملات ألمانيا النازية بمعونة مليشيات حرس كرواتيا-الكاثوليكي الحديد في الحرب العالمية الثانية على الصرب أيضاً، ثم إنقطعت الحروب في البلقان بفعل حال الإشتراكية في الموارد والجهود والثمرات حتى زادت عمليات الإنفتاح الإقتصادي السياسي على قوى السوق وألياته، مما جعل الإتحاد الذي شمخ عظيماً ببعض اللمسات الإشتراكية، بناء متكلساً في عصر الرأسمالية وهدفاً سهل التدمير لإمبريالية دول حلف الأطلسي مما إنجزته بالحملة المعاصرة التي شنتها بالطائرات والصواريخ ضد مدن وقرى صربيا مع حمي وطيس المعارك والمذابح في تسعينيات القرن العشرين بين القوات اليوغسلافية المدافعة بقيادة البرجوازية الصربية عن وحدة وإستقلال يوغوسلافيا، وقوات برجوازية الكروات الصاعدة وحلفاءهم في الجمهوريات التي عمل الحلف الأطلسي طيلة العقد الأخير من القرن العشرين بالقوة العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بقيادتيهما اليهوبروتستانتية للحركة الإمبريالية على تفكيككها وسلخها تفكيكاً للإتحاد اليوغسلافي وسلخ لجمهورياته بالقوة من حال الإتحاد لتدميره والسيطرة على دوله.

وكانت الحركة الإنفصالية للمسلمين في جمهورية بوسنيا وهيرزودفونيا BosniaHersogevina بقيادة بيجوفيتش التي دعمتها إسرائيل وبريطانيا والولايات المتحدة ودول الخليج والمانيا بالطبع حيث دعمت تلك الحركة التي عطلت برجوازية صربيا عن مواجهة إنفصال برجوازية كرواتيا عملية تفكيك يوغسلافيا كذلك الحركة الإنفصالية بمحافظة كوسوفو الصربية التي تمتعت بدعم أوربا والولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية وهاتين المنطقتين تربطهم وشائج عرقية بالكروات وعلاقات تاريخية وطيدة بتركيا وألمانيا، منذ تحالفاتهم القديمة ضد السلاف، آيام الإقطاع وعرقياته.

لذا يمكن تأثيل نشاط حال السلام التي كانت سائدة بين هذه القوميات في ظل تمتعها بالسيطرة على موارد جمهورياتها وتمتعها بدعم الجمهوريات الغنية صناعياً في ذلك الإتحاد بينها، وتتضعضع السلام بتقدم حالات الإستئثار في الدولة السوقية الليبرالية ليوغوسلافيا وزيادة معدلات الإقصاء الرأسمالي بين أفرادها مجتمعاتها ودولها.

وقد سهل ذلك التدمير الذي إستغرق إكمال مرحلته الأخيرة عشر سنوات بإعتبار الإمبريالية للإتحاد دولةً ومجتمعاً نموذجاً مغايراً مركباً ومجمعاً من قطع فككتها سياسات حرية السوق التي جرجر لها الإتحاد رويداً رويداً حتى فككت عرواته الإقتصادية والسياسية بالإستحوازات والإستئثارات.

وقد عد فوز القوى الإشتراكية في إتحاد البلقان القديم بنتائج إنتخاباته إشارة شعبية معارضة لنظام السوق الحيوي للإمبريالية في عصر العولمة، بل إعتبرت إشارة لها أثارها السالبة على سرعة عمليات تخصيص البلدان والشعوب وموارد حياتها والعولمة الإمبريالية لها.

كما عد تقدم الجهات الإشتراكية بعد صدمة تشقق النظام الشيوعي القديم خطراً على مشروعات الإمبريالية لإستغلال نفط المنطقة وقوتها العاملة والعالمة وبنيتها الإنتاجية الصناعية والزراعية الضخمة لتزيد بها الإمبريالة ثرواتها علاوة على الفائدة التي تجنيها القيادة الأمريكية لحلف الأطلسي بعملية التمركز الإستراتيجي على حدود ألمانيا وروسيا، حيث تبدو الدولتين الإتحاديتين الألمانية والروسية النزقتين من السيطرة الانجلوأمريكية بحكم وضعهما الإقتصادي-السياسي وتاريخهما الإجتماعي والدولي بجرمانيته وسلافيته وكاثوليكيته وأرثوذكسيته السياسية مجالاً مغايراً لهيمنة اليهوبروتستانتية الحاكمة للأمور في الولايات المتحدة وبريطانيا على الحركة الدولية لرأس المال الإمبريالي وبإعتبارهما عناصر دولية قد تزعج مستقبلاً مصالح الإمبريالية المسيطرة حالياً والقائدة للحركة الدولية لرأس المال في إطار الإسم الإصطلاحي "النظام الدولي الجديد" المعروف في لغته الإنكليزية بإسمه الثلاثي: New World Order



15- طبيعة "النظام الدولي الجديد"

النظام الدولي الجديد إصطلاح إمبريالي قديم صكته قبل مئات السنين الإمبراطورية الرمانية المقدسة، في خضم تطور إمبرياليتها الإستعبادية ثم جددته النازية في إنفعالها الإقطاعي ضد هيمنة رأس المال المصرفي الصناعي اليهوبروتستانتي على موارد العالم دون تقدير أو إعتبار منه لمصالح الشعب [رأس المال] الألماني ثم بعثته الإدارة المسيطرة في الولايات المتحدة الأمريكية بإعلانها المباشر له في 11 سبتمبر1990 ونصبها له وتحديدها أقانيمه وأعدائه وهوفي حقيقته هذه، تنظيم معين تقوم به طبقة مسيطرة في دولة واحدة لأمور المعاش والحياة في كافة المجتمعات والدول بالشكل الذي يحقق لهذه الطبقة أرباحاً أكثر .

ووفقاً لهذا التنظيم تصنف الدول القلقة من حرية الإمبريالية في الإستيلاء على مواردها بأنها دول مارقة على "المجتمع الدولي" بينما توصف الدول الرافضة لهذا الإستيلاء على مواردها والمعطلة لإجراءات خصخصة وعولمة موارد مجتمعاتها وشعوبها بأنها دول منتهكة بصورة واسعة لحقوق الإنسان أو داعمة للإرهاب.

ويذكر هذا الحال بما كان يحصل في سنوات القرن التاسع عشر حيث كان الأشخاص الرافضون إستغلالهم في مشاريع الإقطاع الزراعية، والذين لايسجلون أسماءهم كعمال في كشوف الصناعة الرأسمالية الشاقة والخطرة، يوصفون بأنهم:"خارجـون على القـانون"، ويتم ضربهم ثم دمغهم ووسمهم كالبهائم ثم يلقون في سجون ذاك الزمان فيما عرف كنظام لقهر ملايين الناس وإستغلالهم بمجموع قوانينه وإجراءاتها بإسم "التشريعات الدموية" Bloody Laws. والتي كشفها كارل ماركس Marx في "رأس المال" The Capital والذي أصدرت أجزاءه بدءاً من عام 1867 بعد صدور مقدمته الكتاب المعروفة بـ"نقض الإقتصاد السياسي"
A Contribution to Critique of the Political Economy عام 1859، حيث شرح ماركس في أجزاء الكتاب الذي بدأ صدوره سنة 1867 كيفية تكون وحركة رأس المال في المجتمع وأثاره تنظيمه عليه مع زيادة تغير المجتمع والحياة حوله والتأثيرات التي يتبادلونها.
وقد قدم ماركس ذلك الكشف المنير للأسس المظلمة لتاريخ تكون حضارات النظم الطبقية في العالم في إطار دراسته لتاريخ نشوء وتطور تركيم رؤوس الأموال بإنجلترا تركيماً بدائياًPrimitive Accumulation أولياً على حساب تدمير نمط الحياة التي كان يعيشها الناس في المركز الإنكليزي للدولة الإقطاعية البريطانية وفي أقاليمها المحتلة والمهمشة في ويلز وفي أسكوتلندا وفي آيرلندا.

في تلك الآيام ساد الصراع المسلح والفكري بين التنظيم الإقطاعي للإنتاج بإمتلاكه المطلق للأرض وما عليها من مواد وأعمال وثمرات، مما قسر الناس على العيش والعمل في سخرة لصاحب الأرض والتنظيم الرأسمالي لموارد وجهود المجتمع وثمراتهان وهو التنظيم الذي يحتكر الأراض والألة والعمل المتولد منها وعائداته للطبقة المالكة دون الطبقة العاملة مما يضطر الناس لقبوله، أيضاً إتقاءاً للجوع والتشرد.

وفي الواقع الدولي لعمليات التنمية وتحرر مجتمعاتها وشعوبها من مسغبة الحاجة للضرورات والتكالب على الموارد بما في ذلك من تزاحم، وإزاحة، وإستئثار، وحرمان، وقهر، وقمع، تبدو السلوكيات الإقتصادية السياسية لرأسمال إمبريالية العولمة في مطلع القرن الواحد والعشرين تبدو سلوكات متصلة بالطبيعة المتناقضة لأصوله ومقوماته، فالقوانين الأولية في الطبيعة لنقل المواد من ناحية معينة بعملية الجذب أو الطرد لتركيمها في ناحية أخرى وما فيها من تركيز وإقصاء معين بظروفه في كل حال من ذلك، تحكم كقوانين طبيعية أوضاع الطبيعة الإجتماعية في أحوال نقل الموارد الإقتصادية وتركيمها من جانب دولي إلى جانب أخر، وذلك في ظل تغييب عميق للمفاهيم الإشتراكية وأصولها العقلانية بعملية طرد إعلامية متفاقمة فحواها إغراق العقل.


16- عـدم الإنحيـاز وضرورة إتباع أساليب معينة للتنمية:

كان الصراع بين المفهوم الشمولي لإصطلاح "التنمية" كعملية إجتماعية إقتصادية سياسية كاملة لتدبير موارد المجتمع المادية والبشرية وتنظيمها وتنسيقها لسد إحتياجات المجتمع بأولوية عقلانية تهتم بإحسان تلبية الضرورات ثم بالكمالات، من جهة والمفهوم الجزئي لإصطلاح "النمو"، من جهة ضد، بما فيه من تركيز على معايير جزئية وفردية كمتوسط دخل الفرد، ومعدل إستهلاك الطاقة الكهربية، وفرض عدد السيارات والمساكن ونسبتها لعدد المواطنين، مثل هذا الصراع الفكري بين قوى المفهومين الوجه النظري للصراع الطبقي الدائر على الأرض بين القوى المستغلة والمهمشة والقوى القائمة بالإستغلال والتهميش، وكشفت أزمات العطالة الديون والتضخم ثم الإفلاس والخصخصة والعولمة طبيعة قرار وتغير الأحوال الجغرافية السياسية للدول النامية ومجتمعاتها في هذا الصراع في العالم.

بزيادة التباين الموضوعي والإعلامي بين "الدول الإشتراكية" التي نجحت في الوصول إلى مستويات متقدمة من الكفاية في الإنتاج والعدالة في توزيع موارد المجتمعات، و"الدول الإمبريالية" التي كانت تنتقل مجبرة من حالة الإستعمار القديم فالقضاء على النازية كأخر بقايا فكرية لنظام الإقطاع المتغلغلة في عقلية النظام الرأسمالي الوريث له بحالته المتوحشة للتركيم الأولى للموارد، وتتحول إلى الحالة الحديثة من إستعمار الشعوب، بإستغلال ظروف التطور المتدني للبلاد التي إنسحبت منها بعد عشرات ومئات السنين من الإستعمار المباشر، وفرض شروط مجحفة للتجارة الدولية معها في ظرف تفتقد فيها البلاد المتحررة أغلب مقومات سد إحتياجاتها، إضافة لفرض الدول الإمبريالية للضغوط الإعلامية والإقتصادية والسياسية وتورطها بدعم حالات عددا من محاولات الإنفصال القومي والإنقلابات وحروب الجيران وحملات التخريب العسكري من حرب كوريا فعملية خليج الخنازير لغزو كوبا إلى الإنقلاب الدموي على مصدق في إيران إلى حرب اليمن وإنقلابات أمريكا الجنوبية ...إلخ عملت العديد من الدول المتحررة إلى تجنب الإصطدام الحاد مع القيم الأساسية للدول الإمبريالية.
إضافة إلى أن التكوين البرجوازي الداخلي لحكومات هذه الدول واشج في مصالحه الممتدة المصالح الرأسمالية المحلية والدولية. فنتيجة لحدة الوضع الدولي وضعف المرتكزات الداخلية للبرجوازية المحلية وبرودة الطقس السياسي للحرب الباردة إحتمت هذه الحكومات بمفهوم "الحياد" في مجال العلاقات الدوليةnon- Alignmen، رغم إن الإمبريالية كانت علناً تناصب هذه الدول العداء بالإستغلال والحصار والضغط.

وكان زعيم يوغوسلافيا الراحل يوسف بروز تيتوJosiph B.Tito ، وزعيم العروبة الراحل جمال عبد الناصر، وغيرهم، قد طوروا مفهوم الحياد السلبي بمرونة إلى مفهوم أكثر فاعلية هو مفهوم "الحياد الإيجاب" ـPositive Non- Alignment الذي كان مطية بحد ذاته لكثير من القادة الجدد في العالم للتهرب من متطلبات عملية ثورية شمولية للتنمية تهدد الإستقرار الهش لحكوماتهم حيث سمقت راياتهم بالتحالف مع قوى البرجوازية المحلية -على حساب الطلائع الأكثر ثورية- مبررين نكوصهم وقعودهم عن التحرر الثوري الشامل بأحوال التخلف والحروب الأقليمية التي تعانيها بلادهم كمانع لهم من قيادة حركة تحرر مجتمعاتهم من الفقر للضرورات والتزاحم والتكالب على المنافع بأسلوب الإشتراكية في السيطرة على الموارد وتوزيع أعباء الإنتاج والثمرات المتولدة منه.

وكان ذلك الموقف معاصراً في سنواته تلك لإنتصارات الإشتراكية في أوربا في الحرب العالمية الثانية وفي آسيا في تحرير الصين ودفع إستقلال الهند وهزيمة الإمبريالية في كوريا ومهاجمة قواعدها في فيتنام وماجاورها وفي أفريقيا في مصر والجزائر، وفي أمريكا اللاتينية في كوبا، وفي تفتح الحركة التقدمية والنقابية في الولايات المتحدة الأمريكية ودول المعسكر الأمبريالي حيث أثبتت في الإشتراكية في تاريخ تقدم المجتمعات وتحررها من الفقر للضرورات والمزاحمة والتكالب عليها، إنها النظام العقلاني الذي يمكنه فعلاً إضافة لتحقيقه التنمية الشاملة بالمناسبة المخططة علميا بين تقدم في توزيع السيطرة على الموارد المحلية وتوسيع إستفادة جملة المجتمع بها أن يعزز بهدوء وسرعة التماسك والتعاضد والسلام المحلي والدولي في مناخ موجب لإنتقال البشرية من الإستلاب إلى العمران.
وقد تطور مفهوم "الحياد الإيجابي" بصورة سريعة ذات شجون إلى المفهوم العالق أكثر في الأذهان وهو مفهوم "عدم الإنحياز" مما إتصل في تطوره مع عاملين أسساسين هما:

1- تفاقم اللؤم الإمبريالي ضد الدول المتحررة حديثاً،
بشن الحروب النفسية بالأجهزة الإعلامية، ومفاقمة الشقاقات السياسية ودعم القوى الرجعية، والنزاعات الإقيليمة مع الدول المجاورة، وإثارة المخاوف الداخلية بين القوميات وتفجير التمردات والمطالب القومية بالإستقلال، وشن الضغوط الإقتصادية، ومفاقمة التباين في مستويات الثقافة والإستهلاك بين شرائح المواطنين، بتخصيص البعثات وتهريب السلع، وتخريب النظم النقدية والمصرفية الوطنية، وإفساد المسئولين، ودعم الإنقلابات العسكرية، وإبقاء الدولة ككل في حالة حرب دائمة، ثم الحديث عن النعم والحريات المحروم منها المواطنين..إلخ

2- تولي المنشفيك أمور الحزب والإتحاد السوفييتي بعد المؤتمر العشرين
بعد وفاة ستالين بسنتين تكونت قيادة ثلاثية حاولت موازنة كافة الصراعات القديمة بإعادة تمثيل أطرافها وأفكارها مما وضع الحزب الشيوعي والإتحاد السوفييتي معه في الحالة التي كانت سائدة في روسيا قبل تكريس البلاشقة بقيادة لينين وستالين لخط الثورة البروليتارية وهزمهم التيارات البرجوازية التي كانت تطمح فقط لتحرير رأس المال من ربقة الإقطاع وحكمه القيصري.
وبتكريس المؤتمر لذلك الوضع طبعوا حياة المجتمع والدولة بأليات تسويق المنافع والرسملة التدريجية لوجوه الحياة، كما طبعوا الشؤون الدولية لقوى التحرر الوطني بشيء من الإهمال وبالإستبداد بتقدير (أهمية) تعاملات هذه القوى مع البرجوازية المحلية لبلدانهم ومجتمعاتهم كما جهدوا في حصر التعامل الخارجي لتلك القوى مع دول مثل الصين الشعبية أو مع الدول الإمبريالية، مما فجر كثير من الأزمات الشهيرة بمعسكر التحرر الوطني أحزاباً ودول ومجتمعات، وخيم على تطور حركة التحرر والتنمية في العالم حتى أيامنا هذه بما فيها من إفقار وديون وحروب أهلية ووصاية وإحتلالات وشركات أجنبية إمبريالية متجاوزة للحدود

وفي ظروف لؤم الدولتين الجبارين، وهيمنتهما إشتهر التنظير الشهير المصدر بواسطة الحزب الشيوعي الصيني عن إمبريالية سلوك إتحاد السوفيت وحزبه الشيوعي وهيمنته ورجعيته. مما يمكن حالاً من التوكيد على أن قيادة الشيوعية الصينية إنتبهت مبكراً لتحول الأوضاع الداخلية في الإتحاد السوفييتي من البلشفة إلى المنشفة ولتحول السياسات الخارجية للإتحاد. وهو التحول الذي يمكن تناوله بمقارنة موقف الإتحاد من سياسات الصين وأوضاع حركة الشيوعية فيها وقت وفاة ستالين الذي كان الإتحاد بقيادته أكثر داعم لها بعشرات ملايين قطع السلاح وبعشرة ألآف المصانع وقطع الغيار والمعدات وأليات النقل والمهندسين والمعلمين والخبراء مما شكل دعامة قوية لإكمال مهام تحرر شعب الصين من إقطاع أسرة الهان الإمبراطورية ومن التوجهات البرجوازية لـ نظام شان كاي شيك ومن رؤوس أموال ومشروعات الإمبريالية اليابانية الأوربية والأمريكية وقواتها وأفيونها.

تصاعد نضالات قوى التحرر والإشتراكية خارج نطاق الإتحاد السوفييتي في المرحلة العالمية التي شهدت وفاة ستالين في 1954 وتولي المنشفيك الجدد للأمور في الإتحاد السوفييتي وتزايد ضغوط قوى البرجوازية الوطنية والإقطاع على حركات التحرر وحكومات الإستقلال وقياداته.

ويمكن بهذا العرض البسيط لتاريخ تطور الوضع السياسي لحركة تحرر المجتمعات وتنميتها في العالم الإشارة إلى أن ضعف الأسس الإجتماعية التي خلفها الإستعمار القديم أثر في ولادة جنين التحرر الوطني بإنحيازه وعدم إنحيازه ضعيفاً ومعتلاً. كوضع هو نتيجة لتاريخه.

ولكن ذكر هذا التاريخ لا يعني في الواقع الإقرار بأي شكل من أشكال الغياب القدري لقدرات الإنسان على التغيير والإنجاز، فهناك العديد من المجتمعات التي نجحت بحسن التنظيم والحسم الثوري في كسر عديد من الأغلال والعوائق التي كانت تقيد حركتها. حيث إتبعت هذه المجتمعات أساليب أكثر ثورية وإشتراكية لتحررها من الإفقار والجهل والمرض والوصاية الأجنبية، والمسخ الثقافي.
ولكن من ناحية أخرى، لا يمكن تجاهل حقيقة ان أغلب المجتمعات في العالم إعتمدت بلا وعي الطبقات السائدة عليها على أساليب رأسمالية مطلقة أو مخففة في تنمية حياتها، وتلبية حاجاتها لضرورات العيش وكمالاته على حساب تجاهل أو تهميش قدرات أو حاجات القسم الأعظم من سكانها فيما عرف كأسلوب بإسم "التنمية" Development مجرداً أو بإسم "التنمية الرأسماليـة" Capitalist Development














النقاط الأساسية في التنمية الرأسمالية:

1- الدخل الفردي

يحسب معدل الدخل الفردي كمؤشر هام على وجود الإستثمارات وعلى الإمكانات النقدية التي تتوفر للفرد الواحد لمبادلتها بالمنافع التي يحتاجها بصورة ضرورية أو كمالية .

وكان المتوسط الحسابي لدخل الفرد يستخرج من بين الشقين الأعلى و الأدنى من الدخول ولما كان الإعتام يسود بهذه الطريقة التعميمية في حساب مداخيل الأفراد إتجه علم الإقتصاد إلى إستبدال هذا الأسلوب من الحساب بأسلوب أخر أكثر دقة هو تقسيم مجمل السكان إلى خمس مجموعات تمثل كل منها 20% من السكان ورصد متوسط دخل كل مجموعة منها. ولكن بهذا الأسلوب توجه حساب دخل الفرد إلى جهة معاكسة يغبش فيها مثل هذا النوع من الحسابات الدقيقة حضور الصورة الكلية العامة التي يمكن أن تسهل رقابة الشعب على مجريات إنتاجه ومداخيله، ولكن بإتساع ثقافة الناس وتقدم أعداد المتعلمين في المجتمعات سهل إستخدام هذا اللون من الحسابات في رصد ظواهر اللامساواة والتباين والإستئثار في المجتمعات خيث عادة ما تجري المقارنة بين دخل الفئات الأعلى ومجمل الفئات الأدنى من الوسط الحسابي مرفقة بأعدادهم ونسبتهم المئوية في المجتمع ، وفي مجمل النظم الرأسمالية في البلدان التابعة تسجل المقارنة تفاوتاً شديداً يكشف إمكانات غير متعادلة في إستهلاك الإنتاج الذي قام بأعباءه العدد الغالب من السكان.

ويحسب التفاوت الشديد بين الدخول حسب معدل جيني، في قوائم التقييم الإقتصادي بشكل سالب، حيث انه كلما قلت قدرة الشرائية لأغلبية المستهلكين، مع إتجاه إمكانات الإستهلك لأقلية في المجتمع، بطأت الدورة التجارية وإنخفضت الفائدة المجنوة منها، وتدهورت معدلات الربح الحقيقي ومعدلتا الأجور الحقيقية، وصعد سعر العملة وإرتفع ت أسعار البضائع إرتفاعاً ظاهراً لا يعكس تغيراً في عواملها.

2- التصنيع
يمثل التصنيع أحد الإشارات الهامة إلى أحوال تقدم المجتمع من حال كسب المنافع من خلال التعامل مع الخامات إلى حال تعظيم كم المنافع المستخرجة من الخام والإرتقاء بحال المادة من صورتها الخام الأولية إلى صورة تقبل إستعمالاً أبعد في نوعه أو زمانه أو أكثر عددا من حالتها الأولى التي أستخرجت المنافع منها.

وفي نموذج التنمية الرأسمالية يغيب التوازن العام في هيكل الصناعة، حيث تعتمد عمليات بناء الصناعة على معايير ذاتية خاصة بأصحاب رأس المال وعلى توفر عشواء للموارد الضرورية للإنتاج الإصطناعي مثل الخبرة الفنية والعمالة وووسائل نقل ومواصلات وشروط ديمقراطية لضمان حسن سير العملية الصناعية وما إلى ذلك ووفقاً لعشواء حركة الإصطناع تجد تمايزاً مرضياً في بنية الإنتاج بين اعداد وحدات التصنيع وتخصصاتها في المجالات المختلفة بشكل مشوب بالنقص أو الزيادة عن مقتضيات الحال للإصطناع نفسه من توفر المواد والعمالة والطاقة غلى توفر أسواق التصريف وما بينهما
فقد توجد مصانع لمواد التجميل بينما تفتقر حال المجتمع لإصطناع المواد العلاجية والطبية!


3- معدلات إستهلاك الكهرباء
تمثل معدلات إستهلاك الكهرباء مؤشراً يمكن من خلاله حساب إتساع الإصطناع في البلاد المختلفة وحساب تطور قدرات السكان المادية من ناحية التجهز بالألات ومن الناحية النقودية التي توفرت بها هذه الصنوف من الألآت، مما يحتاج لتوضيح:
 نسبة توزع إستهلاك الكهرباء في جملة عدد السكان وقطاعاتهم
 نسبة توزع إستهلاك الكهرباء بين قطاعات السكان والمرافق العامة
 أسعار إستهلاك الكهرباء بالنسبة لمداخيل الهيئات والمواطنين

بيد إن قطوع التيار الكهربي تشكل إظلاماً لمثل هذه التقديرات التي تعتمد على إستقرار سريان التيار الكهربي بإنتظام توليده والإمداد به.


4- ألنظم الحديثة
تشكل النظم الحديثة من دولة وإدارة وتقنيات إنتاج سلع أو خدمات تفوق ضرورات سد الرمق والكسو من العرى ومابين ذلك وتحته من تعليم مدني حديث ورقابة شعبية منظمة مؤشراً على حسن الظروف العامة للإنتاج

ولأن النظم الحديثة تترتبط بتعاظم حاجات المجتمع ونشوء وتوزع أجهزة خدمة فئاته، وعمل هذه الأجهزة بإستقلال وتكامل عن بعضها لأهداف متنوعة بما يستلزم وجود هذه النظم في مجالات السياسة والإدارة والإنتاج والتوزيع، ونفع الناس بالظروف البيئية والسكانية وبدرجة تمدن الناس وحلحلتهم السلمية -ذات الطابع الإقتصادي-السياسي- لتعارض الحاجات والمنافع، إذ ينتج من ذاك التعارض والجدل تأسس أعراف ونظم ومؤسسات لتنظيم تلبية الحاجات والمنافع الإجتماعية.

ولتقدير مستوى تطور المجتمع يمكن ملاحظة تميز الإدارة عن العمل المباشرفي الإنتاج الذي يواشج تضخمه إنفصالاً بين أعمال الإدارة والأعمال العضلية والذهنية للإنتاج وتقديم الخدمات.

وبتطور إنتاجية العمل يمكن التأشير على نشأة الدولة نفسها وتطورها كجهاز لخدمة الناس يقوم نظرياً على تحقيق العدل بين نشاطاتهم وثمراتهم، بإجراءات منظمة تشمل التشريع والتنفيذ بقواعد آمرة تلزم الجميع بالسير على نهجها. وبتطور جهاز الدولة وتعدد وظائفه تتغير نوعيته ونوعية الحياة من حال الإدارة القبيلية مثلاً إلى حال الإدارة بواسطة حكومة يلتزم كل مسؤول فيها بما كلف به. ومع تطور الإنتاج والدولة يتحدث المجتمع وينتقل من الحالة البدائية، وتتأسس فيه نظم عدداً يتعلق بعضها بتنظيم المعارف والتعليم وأخر بأحوال الأسرة و العيش وبأحوال السوق والمشروعات، كما تتشكل أعراف ونظم للعمل تمكنه من تقدير بنياته المادية والبشرية وقياس تطوره وحساب حال المجتمع وحاجاته والإسهام في تنمية تلبيتها بالأدوات والمواد الخام والمصنعة بما يسري روح الإنضباط في المدنية الحديثة .

5- معدلات إستهلاك الفرد للمنتجات وإستعماله للخدمات
يقوم حساب إستهلاك الفرد من المنتجات والخدمات كأحد مؤشرات التنمية الرأسمالية، وذلك بتحديد نصيب الفرد من ألوان الغذاء المختلفة ومن أنواع الملبوسات والأحذية ومن المساكن، ومقاعده في السيارات العامة، أو نصيبه من السيارات، وإمكانات الإتصال الهاتفي. أو التعليم أو ما يتمتع به من رعاية طبية بمعدل الأطباء والمستشفيات والجهزة والأدوية المتوفرة له كفرد ضمن مجموعة من السكان.إلخ

فبتقدير متوسط إستهلاك المجتمع ككل واحد يأتي حساب الإستهلاك العام مشوباً بعيوب الحساب الكلي، بحساب مرتفع لنصيب الفئات الأقل إستهلاكاً للثروة العامة لإنتاج المجتمع، لمجرد إرتفاع إستهلاك فئة أصحاب الدخول العليا حيث يرتفع (المتوسط) حسابياًً وليس بسبب زيادة حقيقية في إستهلاك هذه الفئات المحرومة والمهمشة.

6- حجم الرساميل والإحتياطات النقدية لتمويل المجتمع
يفيد رصد الرساميل والإحتياطات المالية القابلة للإستثمار بمقاديرها وسيولتها، ودرجة تغذيتها وأسلوب هذه التغذية في حساب أحجام الإستثمارات الفعلية والمتوقعة، ويعد إرتفاع الإمكانات المالية من المؤشرات الأهم على حدوث تنمية رأسمالية للمجتمع.
وتؤشر المكونات الأجنبية لرأس المال على درجة الثقة الخارجية في الإقتصاد وعلى طبيعة تقدير الرساميل المحلية للوضع الإقتصادي وتقديرها لإمكاناتها وإمكانات السوق الداخلية والظروف الدولية للنشاط الإستثماري بالنظر مثلاً للتقييد الدولي لصادرات العالم الثالث.
كذلك يفيد حجم الإحتياط النقدي في الثقة في إستقرار الأحوال الإقتصادية المحلية والتعرف حجم الفوائض التي يمكن أن تتاح فيها، وتعد الإحتياطات علامة على الرشد الإقتصادي والوعي الإجتماعي بتقلبات الأسعار والظروف. بيد أن الحجم الكبير من الفوائض المالية المأخوذ كإحتياط قد يمثل من جهة ضد مؤشراً على وجود حالة من القلق أو حتى الخوف من المستقبل.

7- معدل النمو السنوي Annual Growth Rate (AGR)
يحسب النمو في التنمية الرأسمالية بجمع قيم الإنتاج والخدمات في سنة ومقارنة إرتفاعه أو إنخفاضه بمؤشرات السنة السابقة لها. حيث تحدد المؤشرات بهذه المقارنة إرتفاع أو إنخفاض نشاط المشروعات والمجتمع في انتاج البضائع والخدمات وتركيم النقود لمدة سنة مالية، ودرجة النمو العام لنشاط المجتمع بينما يقصر النمو كمفرد لإصطلاح كلمة "التنمية" بطبيعته الجزئية والتلقاء عن حركية عمليات التنمية وقصدها التغيير الجذري للأوضاع . كما يختلف معدل النمو عن التنمية بإقتصاره على جزئية حسابية كثيراً ما تطالها فنون وضع الأسعار وفنون إعداد الميزانيات وإمكان جمل حساب المنتجات للأنواع التالفة والصالحة، بينما التنمية في مفهومها العام تبدو عملية شاملة لتغيير أوضاع المجتمع تشمل كافة مجلات الحياة بصورة متتالية متوازنة لا ينفصل فيها حجم التصنيع في سنة ما عن حجم الإستثمارات البشرية والتعليم في السنوات السابقة له، كما لا ينفصل وضع الخدمات الصحية في سنة عن مستوى التعليم الطبي ومعدلات تصنيع الأدوات والمعدات والأدوية العلاجية وبناء الوحدات الصحية والعلاجية وتحسن شروط المعيشة في السنوات السابقة له. وتؤثر معدلات التضخم وزيادة السكان وتراكم فوائد القروض على حقيقة أرقام النمو: فحين يذكر أن معدل النمو= 2.3% في السنة يغيب ذكر معدل زيادة السكان 3% مثلاً وكذا معدلات الفوائد 5% لمبالغ تناهز البلايين بينما تكون الإحتياطات النقدية حوالى100 مآئة مليون دولار فقط مثالاً. ففي إنجلترا بين عامي 2000 و2005 يقدم وضع الإقتصاد -بتقدير الحكومة- بحال نمو للإنتاج والخدمات بنسبة قدرها حوالى 3% بغمض لعجز حساب الميزانية وتجاوز نفقاتها دخلها، وبغمض لبلوغ ديون الإستهلاك ترليون جنيه إسترليني في بلد إحتياطاته المالية (بمافيها قيمة جميع مساكنه) 4 ترليونات حيث تخفى هذه الديون والميزانيات العاجزة النسبة الحقيقية للتضخم خاصة مع إرتفاع أسعار السلع المشتراة بـبطاقات التسليف البنكية 20% أحياناً عن أسعار المشتراة بالنقود السائلة ومايوازي ذا التدليس مما يندر ذكره في مؤسسات الحكومة والبرلمان والإعلام.

ويقصر إعتبار معيار النمو المرتبط بإرتفاع أو إنخفاض حجم الإنتاج والإستثمارات والإستهلاك في سنة واحدة، عن معايير"التنمية البشرية" التي ترصد الأحوال الإجتماعية والثقافية والسياسية للمجتمع برصد الأحوال المفصلة لإمكانات السكان الوصول للموارد العامة والحصول على ثمراتها، والأحوال المفصلة لتؤام وتقدم أحوال قطاعات الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمات العامة وتناسب مفرداتها وكلياتها، كما تشمل مؤشرات التنمية البشرية أوضاع الحريات والحقوق الإجتماعية والسياسية والإعلامية، ومدى المشاركة الشعبية في هيئاتها وتعبيرها عن مصالح الفئات الإجتماعية والإقتصادية المختلفة ووضع المرأة بالنسبة للرجل في المؤسسات الإقتصادية والسياسية من حيث العدد ونسبته في الهيئات القيادية ونسبة تعادل أو تفارق مسؤلياتهما وأجورهما في الأعمال ذات الطبيعة الواحدة كما تقيس مؤشرات التنمية البشرية المدى القانوني والمادي لرعاية الأمومة والطفولة، وأوضاع الأجيال الجديدة ...إلخ

ورغم هذا التفوق الذي تسجله معايير التنمية البشرية عن معيار النمو إلا انها حسب دراسات أعدها الخبير الدولي بالتنمية جلال أحمد أمين وعدد أخر من الخبراء الدوليين، مازالت بعيدة عن القياس العلمي العميق لأوضاع المجتمعات التي تتناولها. فبتقارير"التنمية البشرية في الدول العربية" التي أعيدت تسميتها بتقارير "التنمية الإنسانية" لأسباب قد تتعلق بـظروف العولمة وتقسيمها العمل بين الوكالات والأفراد داخل منظمات الأمم المتحدة، وإعادة توجيه المؤشرات والتقارير بتناسب مع قوة المصالح الدولية، فبتلك التقارير قدم تواضع دخل الدول العربية مجتمعة عن دخل أسبانيا بإعتباره المؤشر العام على ضعف الكفاءة الإقتصادية والإجتماعية والسياسية لكافة الدول العربية، بإغماض لتباين طبيعة: المناخ، والتربة، وعدد السكان، وتاريخ الإستعمار والأوضاع التي خلفها، والمركز السياسي بمنظومة التمويل والتجارة الدولية بما في ذلك تهميش وتبخيس الصادرات الزراعية والصناعية والنفطية وخدمات النقل البحري والجوي العربية والتسعير الباهظ لوارداتها، وجحف شروط إقراضها إضافة لطبيعة الحاكميات التي فرضت على مجتمعات العرب في الحرب الباردة ضد قوى وحركات التحرر القومي والوطني. وأوضاعها الإقليمية والدولية، بما يرتبط بالموقف الإمبريالي الأمريكي والأوربي من مشكلة فلسطين، وإبقاءها الدول العربية وميزانياتها بين خيار الحرب المفتوحة وخيار للسلام مشروط بمزيد تحرير الأسواق والخصخصة تفقد به هذه الدول بقية إستقلالها الإقتصادي ومشروعيتها.

وفي جهة أخرى عمدت تقارير التنمية الإنسانية إلى مقارنة عدد الكتب التي ترجمتها اليونان بعدد الكتب التي ترجمت إلى اللغة العربية بغض النظر عن الظروف الإقتصادية لتوفر الموارد لإجراء هذه الترجمات في ظل الشروط التي تفرضها مؤسسات التمويل الدولية على معظم الدول العربية وتحديدها وجوه كسب وإنفاق القروض الدولية، إضافة للإتفاقات الدولية للملكية الفكرية وحقوق الترجمة التي تمولها الهيئات الأوربية من أرباح التحكم في التجارة الدولية، ونزف العقول، ولاننسى سياسات الحرب الباردة وتدجينها الثقافي والإعلامي لبعض المجتمعات العربية وإراداتها السياسية بالإستهلاك والترف والإلتهاء بتكاثر الأموال والأولاد والمتع التي لا تأبه للدين، كذلك تدجين البعض الأخر بحال بؤس وإدقاع لايملك الإنسان للخروج منها سبيلاً إن إنتبه لحاله فيها.

وبنفس التوال بين القياسات السطحية لأوضاع المجتمعات العربية وإغماض الأوضاع والظروف الدولية التي تكونها نفس الجهات التي تتحكم بتمويل إجراء القياسات وإصدار التقارير الدولية عن التنمية، عمدت التقارير لتناول أوضاع الحريات العامة بتجاهل لقيادة سلطات الولايات المتحدة الدول العربية وغيرها إلى الحرب ضد الإرهاب - وهو الإرهاب الذي دعمت الإمبريالية نشأته ضد التحرر الوطني والشيوعية- بعدما قادت ذات الولايات المتحدة ذات الحكومات في الحرب ضد الشيوعية ، و سياسات حفظ الإستقرار وحماية الإستثمارات بقمع الحركات الإجتماعية والنقابية التي بلستها الولايات المتحدة بالماكارثية الصريحة والمواربة، وفلتها حكومة بريطانيا منذ منتصف الثمانينيات بالقوة والطغيان إلى أن أضحت قوانين النقابات في السودان وكثير من الدول المستضعفة -في نفس تلك الفترة- أفضل كثيراً من القوانين البريطانية.

وفي ظل إرتفاع أسعار الورق ومدخلات الطباعة والتشغيل الإذاعي وضعف دخل السكان والهيئات المحلية وسيطرة مؤسسات الإمبريالية للإعلان على سوق الإعلانات المربحة وإلتزاماته لمؤسسات السلطة الأمريكية ومكتب الإعلام الأمريكي الموحد[= وزارة الإعلام] بعدم تمويل أنشطة إعلامية عدوة للولايات المتحدة أو لحرية السوق فيعجز الإعلام في العالم العربي عن نشر إنتقادات صريحة منتظمة بشكل متتال ضد السياسات التي تعكس الطبيعة الإمبريالية القمعية لتبعية القوى العربية الحاكمة للإدارات السياسية الديمقراطية الأمريكية والأوربية. حيث يحدد الوضع الإقتصادي الدولي طبيعة الأوضاع السياسية في العالم ومراكز القوى الإجتماعية والحريات التي تتوفر بهذه المراكز مما وضح جوانب هامة منه كل هيبرماس وشومسكي وسعيد وماكشيزني.

8- معدل الإنتاج الفعلي (GDP) Gross Domestic Products
يحسب نمو الإنتاج الفعلي بالقدرة الفعلية على تعظيم الأصول الثابتة، ونقلها كمخرجات من حالتها الاولية إلى حال تكون فيها كبضاعة قابلة للتداول كسلع مفردة. وبهذا المؤشر يمكن لحظ التطور العددي في الإنتاج، والخدمات على المستوى القدرات المحلية. فإن كان الحديث عن بناء عشر وحدات في مصنع الحديد لإنتاج حديد البناء قد يعني نمواً في صناعة البناء وزيادة في الطلب عليها وبالتال في صناعات أخرى ملازمة للبناء كالأسمنت والزجاج وما إليها، فكذلك يؤشر معدل نمو الإنتاج الفعلي على درجة النمو العام للإقتصاد .

9- الناتج الوطني العام National Products Rate

هو نفسه معدل الإنتاج الفعلي مضافاً إليه مايتعلق بالتبادل الدولي للدولة المعنية من مدفوعات وواردات وقروض[عادة ما يتلاعب في فنون إعداد الميزانيات بعرض القروض كجزء من الموارد او بوضعها كمستحقات]

خلاصة عرض المؤشرات التقليدية التسع للتنمية :
المؤشرات المعتادة للتنمية مؤشرات حدية سنوية تقيس الأوضاع المادية كنتائج ثابتة ولاتهتم بعلاقات عناصرها ببعضها وبماحولها ولاتعبأ بتغييرها



17- الملامح الزمنية والموضوعيـة لأزمـة الفكـر التنـموي

يسجل العقد الزمني لسنوات الستينيات كعقد لنشؤ وتطور الحالات النظرية والعملية للتنمية في العالم. بينما تسجل السنوات التالية لها الممتدة في مجمل العقد السابع من القرن العشرين في سنواته الممتدة من 1970 إلى 1980 كعقد لموت الطموحات الإئنمائية وتبددها وتحول ما أستوى منها إلى أدآة للإستعمار والتخلف والدمار البنيوي الشامل لمجتمعاتها.

وقد إرتبطت أزمة التنمية في ذاتها بأزمة فكرها الذي أثبت الواقع الكثير من موارد القصور والتدهور في أليآته النظرية والعملية . بدلاً عن تحقيقه لتقدم البلاد الموصوفة بالمتخلفة ومجتمعاتها إلى حالة من التقدم المستدام حيث من الممكن ملاحظة بقاء الهياكل الإقتصادية الإجتماعية على أوضاعها الرئيسة كالمجاعات والأمراض والأمية والسكن غير الصحي، وتمكن هذه الملاحظة من إستنتاج أن أسباب هذه الظواهر ونتائجها مازالت قائمة وأن الفكر التنموي على مختلف إتجاهاته لم ينجح في إستئصالها.

ومع التدهور الواقعي لأحوال البلاد (النامية)، نشأت في مجالات البحث والتنظير وتطورت عدداً ونوعاً ظاهرة نظرية للبحث العلمي والفلسفي والآيديولوجي في مجالات الشؤون الإقتصادية العامة وأحوالها الإجتماعية والسياسية الثقافية فيما يعرف بتنظيرات تنمية البلاد الموسومة بالتخلف في محاولة عقلانية لمواجهة تفاقم هذا التدهور في أحوالها تلك البلاد بتنمية التفكير التنموي نفسه.



ملامح تنمية الفكر التنموي

جمعت عملية تنمية الفكر التنموي بين ثلاث عناصر شملت توضيح الأخطاء النظرية والعملية، وكشف السيرورة التاريخية لتكونها وتكون الذات الكاشفة لهذه الأخطاء والقائمة بمعالجتها، والتقييم السياسي لموقع الفكرة التنموية وتنظيراتها المختلفة من الحال التاريخي لأوضاع المجتمع والتنمية.

ويمكن تركيز هذه المجريات في نقاط ثلاث هي:

1- النقد الشمولي للأفكار والعمليات التنموية معاً دون فصل بينهما

2- تأريخ معالم التطور النظري لقضايا التخلف والتنمية

3- تحديد موقع الأفكار التنموية من الأزمة المادية والنظرية للتنمية


ويحتاج هذا التقسيم الثلاثي المبسط لأحوال تنمية الفكر التنموي لتأثيل كل قسم منه، وتوضيح أبعاده الإجرائية والموضوعية، وإستيعاب بعض أجزاء أساسية من الدوزنة التاريخية–المجتمعية-النظرية الجدلية لحالات التنظير التنموي في واقعها المحلي والدولي، بمافيه من مصالح رئيسة، وصراعات باطنة وظاهرة حول الموارد المادية والثقافية وحقوق وسلطات الإنتفاع بها .

ولا يقتصر تأثيل موضوع الفكر التنموي على مجرد التناول التحليلي والتركيبي للأقانيم النظرية وتسطيرها وتدويرها وهندستها، أو تفكيكها وذرها أوهبوها، بل يواشج التأثيل مجال الإحاطة بمجريات وظروف عمليات الهدم والبناء النظري للأفكار التنموية وتطبيقاتها النظرية والعملية العامة ويبين بعض إرتباطاتها بعلاقة الأحوال النظرية والمصالح الإجتماعية المحيطة بكل تنظير من تنظيرات التنمية.

1- نقض النظر الرأسمالي لموضوع التنمية :

ظهر الفكر الأساس لتنمية البلاد المتخلفة في أوربا الجديدة الخارجة من الحرب في الفترة مابين سنوات 1945 وحتى أول العقد السابع من القرن العشرين. وقد إرتبط ظهوره بتصور زائف ساد البلاد الأوربية والأمريكية ومجتمعاتها مع هزم الشيوعيين والرأسماليين (السلميين) للنظم الفاشية والنازية بقضاءهم في الحرب العالمية الثانية على أخر المعالم البارزة للأوضاع والأفكار الإقطاعية التي تعلقت بتقديس الأوضاع العنصرية للمجتمعات وتراتبية الأجناس، والإستعمال المباشر للقوة العسكرية في تحقيق المصالح الإقتصادية الإجتماعية والسياسية الثقافية في المجتمعات (المتمدنة) وبين دولها!

كما يمكن الإشارة إلى نشوء ذلك الفكر في الدول الرأسمالية المتقدمة ذات المستعمرات الوارفة ، التي تفيء عليها مواداً ضرورة للصناعة المتقدمة وأموالاً سهلة تجنيها من التجارة الإستعمارية المغلقة معها، وقوى عاملة تسد بها ما تشاء من حاجات تخضع بها الطبقة العاملة الأوربية والمزارعين تسومهم بها بالوضع شبه الإستغنائي عنهم، لمزيد من الإستغلال والإستلاب والتهميش المادي والمعنوي . رغم مظاهر تنمية أحوال بعض أجيالهم. وهذا من الناحية العامة لبعض ظروف إرتباط الفكر التنموي بالواقع الأوربي.
أما من ناحية أدق وأشد واقعية فقد إرتبط الفكر التنموي بـعوامل عدة نجملها هنا أولاً ثم ثانياً نفصلها فيما بعدها وهي:

1- حركة التحرر الوطني في المستعمرات وسعيها لتحقيق التنمية.

2- إنكشاف وزيادة التناقض في العالم بين المستوى الإجتماعي الراق للحياة الإشتراكية والمستوى الفردي التكالبي والإستئثاري الذي يثبته التنظيم الرأسمالي للسيطرة على الموارد وتبادل المنافع.

3- تفاقم أزمات الرأسمالية الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والثقافية وإنفضاح تهديدها البنيوي الإستعماري للحرية والكرامة والسلام في العالم. والحاجة لإيجاد بدائل لها.
1- زيادة حركة التحرر الوطني في البلاد المستعمرة الموسومة بـ"المتخلفة" وسعيها لتحقيق تنمية متكاملة لأحوالها:

1- التحرر والتنمية وتأثرهما سلباً بإشتداد ويلات الإستعمار: إذ تبينت إمكانات هزم الإ ستعمار سياسياً وعسكرياً مع زيادة معرفة أحواله وإستيعاب الإنتصارات القديمة للشعوب المستضعفة ضد الإستعمار في هاييتي ضد جيش نابليون وفي السودان ضد جيوش الخلافة الإسلامية العثمانية، وإسترجاع الوقفات البطولية للمستضعفين ضد الجيوش الإستعمارية الغازية، ثم إنتصار الثورة الإشتراكية الأولى في روسيا 1917 والإنتصارات الكبيرة للثورة الشعبية في الصين ونمو وعي الشعوب وزيادة تقديرها لفاعلية النضال الشعبي المنظم وقدرته على إلحاق الهزائم بدول عظمى كفاعلية تصدي روابط العمال والمزارعين والجنود في روسيا لجيوش أربعة عشر دولة أجنبية حاولت مجتمعة إفناء الثورة الإشتراكية، وكذا تصدي شعب الصين للجيوش الأوربية والأمريكية واليابانية ومالف لفها التي قاتلت ثورته. وكذا إنتفاضات الفقراء المسلحة والسلمية في الهند وردعها ولجمها الإستعمار البريطاني وكذا حال بقية الثورات الشهيرة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا المكتومة منها والمندلعة.

وقد إجتمع كثير من هذه العوامل التاريخية السياسية في مجتمعات المستعمرات، مع تفاقم الأزمات الرأسمالية داخلها، منذ تشويه تناسق البنية الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والثقافية التقليدية لها بالإستعمار الإجنبي لمواردها وإنتاجها وسلطاتها وحقوقها، وحتى الكساد الكبير من أوآخر العشرينيات وحتى الثلاثينيات ثم أزمة الحرب في الأربعينيات من القرن العشرين، مما دفع القوى الطليعية في مجتمعات المستعمرات للإنتظام والتضافر والنضال لتحقيق مصالح مواطنيها في التحرر من ربقة الإستعمار وضمان السيطرة الإجتماعية الوطنية على مواردها المحلية والنضال بها إلى التحرر من العوائق الموضوعية لتقدمها وتنمية أحوالها الذي تقوم إحداثاته بـأحوال: القمع، والجهل والأمية، والأوبئة والأمراض، والفقر البنيوي في المجتمع. ومغادرة هذه الأوضاع الظالمة المهدرة لكرامة الإنسان ومعان وجوده بصورة موضوعية إلى آفاق التقدم الإجتماعي الشامل.


2- إمتياز الأوضاع الإجتماعية في النظم الإشتراكية عن مقابلها في النظم الرأسمالية، وإزدياد التوتر السياسي في المجتمعات المستعمرة:
بعد إندلاع الثورة الإشتراكية في 1917 في روسيا بدأت التدخلات الحربية للدول الإمبريالية لفرض الإبقاء على النظام القديم الجامع بين أنماط شبه عبودية وإقطاعية ورأسمالية حديثة أرزحت قطاعات الشعب الروسي الكادحة والصناعية والزراعية تحت نير الإستغلال والجهل والمرض، ألآفاً من السنوات وإستغرقت الثورة ضدها حوالى عشر سنوات لتثبيت سلطتها، دفع فيها الشعب الروسي دمه وجهده وأرضه لتثبيت ديكتاتورية البروليتاريا وعموم الكادحين الإشتراكية في مواجهة ديكتاتورية الإقطاع ورأس المال الإمبريالية الغاشمة[ديكتاتورية = سلطة]

ثم إستغرق الأمر أقل من عشر سنوات من1927 إلى 1936 لينشأ فيها إتحاد جمهوريات السوفييت الإشراكية كأول دولة للكادحين في التاريخ كانت فريدة في العالم بتناسق بنياتها الإقتصادية والثقافية والسياسية مع الحاجات الأساس لتقدم المجتمع بشكل متناسق من حال الحاجة والتكالب إلى حال الكفاء والتنظيم المعقلن مجتمعياً والمخطط علماً للإمتلاك العام لموارد الإنتاج في المجتمع وتوزيع وسائله وإعبائه ومنافعه، مما إرتبط في الواقع ببناء قاعدة موضوعية عادلة بتوفرها لكل الناس، دون تمييز سالب ضدهم بالأصل أو النوع أو الإعتقاد،تسمح كبنية كلية مكونة من مؤسسات مادية وعلاقات سياسية-ثقافية للسيطرة الإجتماعية عليها والإنتفاع بها- تسمح- بتعاون أو تنافس أفراد أو جماعات أو قطاعات أو قوى المجتمع الغالبة، بصورة فعالة في مجالات التعلم والعمل والإبداع الفني والرياضي والإزدهار الثقافي.

أنشأت هذه القاعدة بالتأسيس المخطط لبنية متكاملة من سدود المياه والخزانات والقنوات والمشاريع الزراعية والصناعية والأعمال البحرية والطرق والمساكن المجهزة بالمياه والطاقة والأثاث ومن المؤسسات التعليمية والصحية والثقافية والرياضية والأمنية والعسكرية. وبمقرطة علاقات الإنتاج والإدارة. ممكنة جموع الكادحين لأول مرة في التاريخ من تجاوز أحوال الفقر والجوع والجهل والمرض والخوف التي فرضت عليهم لألآف السنين بواسطة نظم التكالب والإستئثار.


ومقابل هذا التفتح الذي غلبت به الإشتراكية فعلاً وواقعاً الحديث الفارغ عن الحرية التي يحققها رأس المال، لمجتمعاتـ(ـه) بالثراء والغنى (القائم على إستعمار مجتمعات أخرى في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية) مقابل هذا الوضع- كانت المجتمعات الرأسمالية تعيش أزمات التناقض البنيوي لرأس المال في كل جزيئة من جزيئات حياتها. ليس بإستشراء الفقر والجهل والمرض فحسب، بل بإستعار الحروب وبأزمات الكساد والتعطيل عن العمل والحرمان الواسع من إمكانات العيش، وبأزمات التضخم وغلاء أسعار السلع وإجحافه قدرة المنتجين لها، وكذلك أزمات الأوضاع المهينة لصحة وكرامة الإنسان في السكن، وفي العمل الطويل الشاق، وفي الإنتقال الصعب، وتهدده بالجريمة والتفكك الأسري، والهجرة، وإضطهاد اللاجئين والأغراب، مع الإستهانة بالنساء وإهدار الطفولة في الأعمال الرتيبة والشاقة التي تضر في المحصلة العامة بكينونة الإنسان والمجتمع أكثر مما تنفعه، وهو الأمر الذي أدى لتصاعد الحركات الإشتراكية في الدول الرأسمالية وتفجرها ثورات متتالية في البلقان وألمانيا وإيطاليا وفي فرنسا ووسط وشرق أوربا وكان أبرزها الثورة البريطانية الموؤدة في عام 1926 التي قادتها جموع البروليتاريا الإنكليزية بعد عدد من الإنتفاضات في آيرلندا وضواحي إنجلترا الصناعية، العظمى (بتجارة العبيد والإستعمار)

أمام هذا التناقض المتفاقم بين التنظيم الإشتراكي لموارد الإنتاج و المعيشة ووسائلها وماوفره في زمن قصير من إمكانات تعلم وصحة وعمل كريم وشيوع للمنافع مادية وثقافية وإستمرار زيادتها، من جهة والتنظيم الإحتكاري التكالبي والإستئثاري لرأس المال بما فيه أزمات عميقة وإهدار لقدرات الإنسان والمجتمع لصالح قلة متحكمة فيه، وماجره على شعوبه وشعوب العالم من ويلات لاتحصى ولاتعد بسهولة من جهة أخرى، كان على الحركات التحررية في عالم المستعمرات درس هذه الأوضاع، والخروج منها بأنجع النظامين قدرة على معالجة مشكلات مجتمعها، حيث إختارت قواها الطليعية أسلوب التطور المعروف بإسم التطور اللارأسمالي طريقاً موضوعياً واسع وسريع لعلاج مجتمعاتها من آثار الإستعمار والتخلف المفروض عليها، وإخراجها –بهذا الطريق- من مؤسِسات الأوضاع المزرية بغالبيتها.

3- زيادة التناقض البنيوي لرأس المال، وسلبه الحريات والحقوق العامة :

1- تناقض رأس المال والعمل المأجور في الإستفادة من عملية الإنتاج:
ينتج رأس المال ربحه وذاته بإستخدام نظام العمل المأجور، حيث يقوم بواسطة تملكه وسائل الإنتاج من مشاريع زراعية وصناعية وخدمية بتبخيس قيمة العمل على هذه الوسائل وقصرها على ما (يكف) العامل الإبقاء على حياته، مجرداً من أي إمكان لمراكمة فوائض من عمله، ومن جهة مغايرة يسخى رأس المال بتقدير قيمة هذا العمل في سوق تبادل البضائع والسلع المقدمة للإستعمال، التي تتكون من المنتجين الذين أنتجوا هذه السلع. حيث يحرمون من عائدات إنتاجهم المادية والمالية والثقافية بواسطة تحكم رأس المال في الأجور والأسعار وتطفيفه بهذا التحكم المرتبط بحقوق ملكيته لهما في الميزان بينهما.

وتقوم العملية الشاملة للتطفيف في المجتمع بين الطبقة المتملكة موارد المجتمع ووسائل إنتاجه ومعاشه والطبقة الكادحة على هذه الوسائل بما ينتج حال إستغلال مكثف شرحناه فيما سبق من الكتيب، في بعض قطاعات المجتمع والمنظومة الرأسمالية وحال تهميش متزايد عددا وجغرافية لقطاعات أخرى من الكادحين مع زيادة إستخدام الألآت والإتجاه المتزايد إلى تركيز أو تشتيت عملية الإنتاج.

وفي حال الإستغلال يغرب الكادح عن عمله سواء في إختيار مجاله أو تخطيطه أو تنظيمه أو حتى متابعة أدائه أو إختيار موقعه فيه وفقاً لإمكاناته الموضوعية التعليمية والذاتية، كما يغرب عن التحقق من صلاحية مواده ونوعيتها، مثلما يغرب الكادح من حقوقه في الراحة في العمل أو ضمان الإستمرار فيه أو تلقى الأجر المناسب لطبيعة العمل والأعباء المعيشية ومكافأة جزء من الحاجات المستقبلية لهذا الإنسان الكادح.، وإضافة إلى هذا التغريب فإن الإنسان الكادح يستلب ذهنه من الوعي بهذا الواقع وإحداثاته، وتستخدم وسائل التغبيش والسحر الحديث التي تلهي الإرادة وتغيب عنها المعرفة والتصميم حتى يظن الإستغلال جزءاً من الطبيعة أو إرادة إلهية، مع ان الله كتب على نفسه العدل، لايظلم نفس شيئاً، بل الناس لأنفسهم يظلمون.

2- تناقض الهيكل المادي للإنتاج الرأسمالي:
الحساب المطفف الذي يقوم به رأس المال بتبخيس العمل المأجور، وخفض قيمة قيامه بالإنتاج، في كل مشروع من مشاريع عمله، تولد في آخر الأمر تفارقاً بين الحجم الكلي للأجور المدفوعة في المجتمع والحجم الكلي لأسعار السلع المعروضة في السوق.

وبحكم تباين حساب الأجور وتفاوتها بين قطاعات ووحدات العمل المختلفة، بل وبين عاملين قائمين بنفس العمل داخل وحدة منه. تختلف العائدات المالية لأعمال الناس وتتباين قدراتهم الإستهلاكية، تبعاً لها، ولأن رأس المال يحقق أرباحه بزيادة عائداته من عملية الإنتاج فلأغراض الربح وتسريعاً لدورة حياته ذات النقط الأربعة التي يمثلها: (الإستثمار، والإنتاج بالعمل المأجور، والبيع، والربح) فإنه يقوم برفع ثمن سلعة ما، فيأخذ بهذا الرفع نصيب سلعة أخرى من حجم الأموال المستخدمة للإستهلاك في السوق، ولتعويض النقص في بيعها يرفع رأسمالها بدوره ثمنها، ثم يتوال رفع الأسعار من قبل الرأسماليين في ممارسة فردية عمياء وآلية للبقاء بالسوق وتحقيق الأرباح والإزدهار. وهكذا ترفع الأسعار جملة في السوق بصورة تفوق إرتفاع الأجور فيه، فتقل أكثر بهذا الرفع العام لأثمان البضائع والسلع وتنخفض القدرة الشرائية لمعظم حائزي النقود في المجتمع|السوق، ويتجردون أكثر فأكثر من إمكان الإنتفاع بإنتاجهم وخدماتهم، مما ينشيء حالاً من التضخم، ومن غلاء أسعار السلع يخفض بإرتفاعه عن قدرة الناس الشرائية العامة طلبهم على البضائع والسلع، ويحد إستهلاكهم لها، فيصيبها بالبوار ويلحق بإنتاجها الكساد والخسران. وبدوره يدفع هذا الخسران رأس المال القائم بأمرها لمحاولة تعويضه والحفاظ على أرباحه وزيادتها، برفع جديد للأسعار وبتبخيس أجحف لقيم عمل العاملين في الإنتاج وأجرهم عليه، فيزيد بهذا التطفيف أحوال التضخم ويفاقم غلاء أسعار السلع ويصعب تصريفها بصورة تقود بدورها إلى مزيد من بوار السلع ورواج الكساد الذي يطيل زمان إكتمال دورة حياة رأس المال وحيازته الأرباح ويحد بالتال قدرته على الإستثمار ويعيق تطوره الكمي وإزدهاره وتنوع أنشطته ومجالات عمله.

وهذا التواشج بين التضخم والكساد المنتج بالطبيعة الرأسمالية لعلاقات العمل والإنتاج وتمايزاتها بالسوق يولد بتأثيره السلب على الإستثمار، خللاً زائداً في تناسق قدرات المجتمع الإنتاجية والإستهلاكية، ويضعف إمكانات إستثمار موارده في ظل التنظيم الرأسمالي لأحواله الذي ينتج أرباحه بإستدامة هذا الخلل وتوسيعه والهروب منه إلى خلل جديد مماثل له في الطبيعة، مما يقلل بإهلاكه عمليات الإدخار والإستثمار، مستوى قدرات المجتمع الإنتاجية، المادية منها والبشرية.

وإذ يضاعف هذا التقليل بدوره أحوال الغلاء والبوار بالأسواق فإنه يوجه الرساميل للمشاريع الأكثر خفة في الإستثمار والأقل جهداً ونشاطاً في الإنتاج والأخفض فائدة للمجتمع، مما ينعكس على التناسق العددي والنوعي للوحدات الإنتاجية وطبيعة إنتاجها زراعياً كان أو صناعياً أو خدمياً، مثلما يؤثر سلباً على تكامل قطاعاتها الأساسية ووحداتها، وعلى نوعية إنتاجها، وفعاليته في سد حاجات المجتمع، ويخل بتناسق التوزع الجغرافي-السكاني للإنتاج ومنافعه على مناطقه، ويباين توزعه على قطاعات المجتمع المتنوعة رغم قيامه على مجهوداتها العامة في مجالات الطاقة والمواد الأولية والنقل والأمن.

وبهذا الإستخفاف الذي تقود إليه رسملة عمليات الإنتاج والتوزيع في المجتمع يثقل تطفيف رأس المال لميزان عائداته وعائدات العمل المأجور،إثقالاً لأرباحه ويؤثر تأثيراً وخيماً على إمكانات تطور الهيكل المادي للإنتاج وتنميته ويضعف إمكانات تجديد قدراته.

هذا التبخيس لجهد الكادحين والإستخفاف بكرامتهم كبشر لهم دورهم السام في الحياة أكثر من كونهم كادحين، لأجل ملاحقة الأنشطة الربحية لرأس المال، وهذا الإستضعاف لقدرات المجتمع العامة بإهدارها في نشاطات خفيفة لاتبقي ولاتذر حتى أصحابها من ويلاتها يرتبط بتبيين بعض ملامح التناقضات الإقتصادية الأخرى التي تتبع التناقض بين العمل المأجور ورأس المال، وتزيد من مقاديره.


3- التناقض بين مستويات الإنتاج والإستهلاك :
يرتبط التواقف بين مستويات الإنتاج ومستويات الإستهلاك بمدى توافر إمكانات تطور لكل منهما متناسقة مع مثيلتها في الجانب المقابل لها، ولكن بفعل الطبيعة الفردية لتملك رأس المال التي تكرس العشواء في تأسسه وتواجده فإن الإمكانات والموارد الضرورية لتناسق الإنتاج وتناسق الإستهلاك، في ذات كل منهما بكل ما فيها من عناصر لا تتوفر بشكل متناسق، كذلك الأمر تجاه النظر إلى تناسق القطاعين وتكاملهما في إطار نمو الحياة الإجتماعية وتقدمها، حيث نجد ان التباين بينهما يزيد بحكم عدد من العوامل منها:

1- هبوط المستوى العام للإنتاج (مع إنخفاض قدرات المستهلكين، وتدهور مستوى تناسق الهيكل الإنتاجي وعلاقاته) فبحكم التناقض الرئيس بين رأس المال والعمل وما تنتجه آلية السوق بحكم هذا التناقض من حالات تضخم وكساد تودي بتأخيرها وتقليلها الأرباح الحقيقية لرأس المال الى دهورة مستويات التراكم الرأسمالي. ولما كانت مؤسسات رأس المال تستأثر (بفضل) التنظيم الرأسمالي العام للإقتصاد (الحر) بعملية تركيم الأموال، فإن تدهور إمكانات هذه المراكمة بفعل النشاط الرأسمالي نفسه وخلقه لأحوال التضخم والكساد يعيق بتواليه وتفاقمه بقاء وتطور المؤسسة الإنتاجية وقدرتها على مواجهة الطلب الإستهلاكي بشكليه النظري أو الحقيقي على الإنتاج الذي تقدمه. وفوق هذه الإعاقة الذاتية المتأصلة بطبيعة تكوين الأرباح بإستغلال العمل المأجور، وتبخيس عائداته، مما ينعكس فقراً وضعفاً لقوة المستهلكين الشرائية، وكساداً للإنتاج ورأسماله وبوار لسلعه ونشاطه فإن الإتجاه إلى الإستثمار في إضافات أو مشاريع إنتاجية جديدة ينحسر بفعل التدهور الذاتي-الموضوعي لأوضاع السوق.ومع قدم أحوال الإنتاج وتآكلها، وضعف الإستثمار، يزداد الميل إلى الربح السريع، وأنشطته التي تفاقم خلل توزيع الموارد العامة في الإقتصاد المعني مزيدة تدهوره، مما يضعف أكثر إمكان تنميته بواسطة تنمية الإستثمار الذي تقل إمكاناته، وينحسر دوره في التنمية.

ويرتبط إنحسار الإستثمار الرأسمالي وضعفه بضعف عوامله وإمكاناته وتدهورها: فإضافة إلى الأساس الذاتي في الإستثمار المتمثل في توفر منسوب معين من الأموال المراكمة تصلح من حيث حجم مبالغها ودرجة سيولتها لعملية الإستثمار، وتوافر الإرادة والمهارة الفنية في قيامه بالعمل الإستثماري فلابد من توفر أسس موضوعية مع هذه المبالغ للحديث الجاد عن الإستثمار. وهي الأسس التي يلي تفصيلها

الأسس الموضوعية للإستثمار:
 الأمن الشخصي والعام للمستثمرين وللمشتغلين في الإستثمار ولمكان الإستثمار ومجاله الجغرافي إضافة للأمن السياسي الداخلي من النهب والمصادرة والدولي من الحصارات و الحروب

 مرونة السوق والمدى النوعي والمالي والعددي والزماني لقدرتها على الإنتاج أو على إستيعابه أو إستهلاكه.

 توفر ونوعية وموقع وفعالية الموارد المادية والبشرية للإستثمار كالأرض، والطاقة، والأدوات والمواد اللازمة، آليات النقل، والطرق، والأيدي العاملة.

 الظروف القانونية وحال مساطرها العدلية قابضة وباسطة. والضمانات السياسية العامة المرتبطة بطبيعة الحكم، و الضمانات السياسية (الخاصة) المرتبطة بشخصية القائمين بالحكم.

 الأحوال الإدارية للتعامل المصرفي والتجاري والضرائبي، ومافيها من إنضباط أو تسيب، أو شدة أو تساهل، وبأي من المجالات؟ ولأي مستوى؟، والقائمين عليها ومستويات إعدادهم وتعاملهم مع متطلبات العمل ومع متطلبات الإستثمار نفسه أو مع المتطلبات السياسية والإدارية المحيطة بوضع الإستثمار.

18- نقض الرأسمالية كأسلوب لتفعيل الإستثمار والتنمية

تروج مؤسسات المعرفة والإعلام المرتبطة بالتمويل الرأسمالي لأعمالها، لبعض مقننات التطور الرأسمالي كأسلوب وحيد متاح للتنمية، بتقديمها عروضاً زاهية لنشاط السوق الرأسمالية وحريتها وإزدهارها، ونموها المضطرد. وشرط التنمية بتحرير السوق في حديث خلب، زور، يعرض للأوضاع الرأسمالية بشكل مجتزأ فوقي وبحساب مختل بمعظم أبعاده وتناولاته للعوامل المختلفة في عمليات الإقتصاد والتنمية فهو يعرضها متسمة بـ:

1- نزعة طبقية وجغرافية مركزية محورها الإقتصادات الرأسمالية السبع الكبرى وطبقاتها، التي تصبح بظروفها المسيطرة سقفاً دولياً يحدد بالفارق بين أعلى أحوال الطبقة العليا وبين أدنى طبقة في تلك البلاد كما تدر بفرقه ككل مع حال أدنى طبقة في الدول (النامية) مقادير ونسب المتوسط العام لعدد كبير من المؤشرات الإقتصادية في العالم.

2- الإختزال الزمني للحساب الإقتصادي ومركزته في مدى زمني قصير
وجب الحساب المتقدم للأوضاع الإقتصادية في مدى زمني طويل.

3- عرض إيجاب بعض القطاعات الظاهرية بمعزل عن سالبية تأثير بعض القطاعات على الأخرى وعلى عموم الإقتصاد
كعرض مستوى النمو في السنة الواحدة، ونسبته دون توضيح موضوعيته مع مستوى نمو عدد السكان ونسبته المئوية العامة وأثاره على المدى الطويل، أو عرض إسهام خفض سعر الفائدة على الإستدانة والقروض في خفض التضخم على المدى القصير، دون عرض لإسهام تتاليه في زيادة الديون، وفي زيادة الإنفاق الإستهلاكي وتوجهه نحو نمط محدد من الإستهلاك لنوعية معينة من البضائع والسلع، على حساب بعضها الأخر، وإحداثه للكساد فيها أو للتضخم في مجمل الإقتصاد على المدى الطويل.

4- التعامل مع الإقتصاد كحـال نقودية وليس كما هو آلية إجتماعيـة:
بالعرض المشوه لموقع وتركيب وفاعلية العناصر الهيكيلية الإنتاجية والمالية والإجتماعية والثقافية والسياسية في الإقتصاد الرأسمالي، والإقتصار على عرض دور النقود فيها. حيث تسهم بعض تأثيرات المدرسة النقودية في فهم الإقتصاد وتفعيله في العناية بعرض أحوال الإستقرار المالي -من الأزمات الكبيرة- كمؤشر على سلامة الإقتصاد، وتجاهل عوامل الإنتاج المادية ودرجة تناسق هيكله!
فقد يكون الإستقرار أو الإضطراب المالي نتيجة ظروف مالية أو سياسية خارجية كحالة العملة الأمريكية أو الإقتصاد الأمريكي أو نتيجة دفع قروض دولية أو نتاج لمستوى أسعار النفط أو مدى توفر بدائل له أو نتيجة وضع عسكري مؤقت كالتواجد الإمبريالي العسكري في بلاد الهند الصينية من الثلاثينيات وحتى عام 1975 أو في الشرق الأوسط حتى اللحظة الراهنة، وقد يكون إستقرار المؤشرات المالية نتيجة وضع حساس كسعر سلعة أو معدن أو محصول معين تعتمد عليه بعض القطاعات. كذلك في ظل "الثورة التكنولوجية" وزيادة الميل الرأسمال المالي للإستثمار في قطاعات الأجهزة الأكترونية وتشغيلها تحرم قطاعات الإنتاج الضروري في العالم من موارد مهمة مما يؤثر على توازن الهيكل الإنتاجي، كما إن ضعف الإتجاه إلى تشغيل الأفراد مع التقدم التكنولوجي يقلل الحجم الفعلي لسوق الإستهلاك، ويهدد القطاعات الإنتاجية الأخرى بالكساد، ويزيد الميل للإقتراض على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الهيئات العامة والمؤسسات، مما يعطي مؤشرات خادعة

5- خلل عرض المؤشرات الإجتماعية والسياسية
بالإعتماد على أساليب الإعلام الإختزالية والطرق الدعائية في عرض المعلومات حيث تركز عروض الإعلام وتختزل الواقع العام للإقتصاد بعرض مبتسر المضمون للجوانب الموجبة في السياسية الداخلية كـ"الإستقرار" و"الديمقراطية" دون تطرق لإتساق الأسس الإقتصادية السياسية وموازينها حركتها رغم الصخب عن مشكلات التعليم والصحة والمواصلات والإسكان والعطالة والديون وحركة السيارات والأمن والسجون والثقافة والحروب، وكذلك عن الإرهاب القادم من البلاد المستغلة والمهمشة!

6- خلل عرض العوامل الثقافية:
بميل الإعلام بأصوله وسياساته الرأسمالية لمتابعة ورقابة الأحوال الصغرى للإقتصاد والمجتمع كالفساد وقصور الخدمات للج الوعي بقوامة الشفاف والعفاف والغنى على الأداء الإقتصادي-السياسي الرأسمالي، وهو الأداء المتسم بأصوله بتآمرات الإستعمار والإستغلال والتهميش، والمتسم في تعاقداته الهامة بالفساد والمافيوية، مما تضيع أبعاده بالعرض المتزايد للملاهي وأخبار الأمالي والأغاني والرياضة وحكى النفزاوي وأبي الفرج الأصفهاني. مع إتجاه الدول الرأسمالية المركزية لـلإعتداد بإستخدام السياسات البوليسية داخلياً والعسكرية خارجياً، في حين تهرب فيه من أنحاء العالم وتدخل اليها بلايين الدولارات المسروقة يومياً من بلاد العالم (النامية) كإيداعات شخصية لبعض الملوك والروساء أو كعائدات (إستثمار)

7- تضخيم دور بعض القطاعات وتجاهل فاعليتها الموضوعية والزمنية:
كتضخيم دور قطاع الخدمات في التنمية الرأسمالية رغم إرتباط تضخم هذا القطاع في البلاد الرأسمالية المركزية بعد ماسمي بـ ثورة الإتصالات بـ: تضخم وحدات الدعارة الألكترونية والمراهنات والتجارة الأكترونية وربويات بنوك الإنترنت. وكلها مما يتضاعف حساب أرقامها بتضاعف ورودها بكل صفحة ألكترونية حيث يتكرر حساب قيمها كحجم فعلي للخدمات بينما هو حجم رمزي زيف! ولكن بتضاعف هذه الأرقام الوهمية تتضاعف مؤشرات الأسهم وتتحرك الأسعار بترابط مع حال وهمي لقطاع معين، سرعان ماتنكشف سؤاته مع أزمة كل دورة تجارية.
ويرتبط تفاقم الأزمات الرأسمالية في العالم بالعرض المختل في الوسائط الرأسمالية للإعلام لأحوال الإقتصاد فبعرض معلومات القطاعات الخدمية العامة مختلطة بالخدمية الخاصة والأحوال التجارية لرأس المال مختلطة بالأحوال الإقتصادية العامة، وبعرض الإفلاسات الكبرى كأخطاء فردية، وحفول جوانب الإقتصاد الأساسية في البلاد الرأسمالية المركزية بالتناولات الجزئية التي تفصم معالجة كل أزمة في كل وحدة عن معالجة بقية أزمات الوحدات ومعالجة كل قطاع عن بقية القطاعات، وكل إقتصاد في العالم الرأسمالي عن بقية الإقتصادات إكتفاءاً بالعرض المكثف لنشاط شخصيات الدولة وخطبهم وأسفارهم.

فمثل هذه العروض الإعلامية المختلة والمتناقضة مع الشرط الحيوي لمشروعية الأسواق وهو علم الداخلين إليها بكافة العناصر التي تؤثر على مستويات وجود وقيم عرض البضائع والسلع والخدمات ومستويات وجود وقيم الطلب عليها، تعمل في الواقع على تدمير الثقة التجارية والثقة العامة في عقلانية النظام الإقتصادي الرأسمالي ومؤسساته السياسية والإعلامية وتكرس ثقافة الإحباط واليأس والإنتظار والقلق وثقافة المغامرة وثقافة الأمن والعسكرة وهي الثقافات الثانوية التي يمكن جمعها كلاً في ثقافة يمكن وصفها بأنها ثقافة العداء للتنمية وهي ثقافة لها علامات قامعة لتحرر الإنسان بقسطسة الإنتاج وتوزيع موارده وثمراته من حالة الحاجة للضرورات وحالة التكالب على هذه الضرورات .

8- العرض الجغرافي-السياسي المشوه لحساب المؤثرات الإقتصادية
حيث يخلط العامل الخارجي من الأحوال والأموال بما هو داخلي محلي دون هم بتوضيح الضرورات الإجتماعية والوطنية، والإستجابة لها بعملية البناء والتنمية الإقتصادية، وكذا العرض المختل للفوائد والخسائر المادية والإجتماعية والبيئية، مما يغيب أي إمكانات موضوعية لإتلاف العديد من الأزمات الإنتاجية والمالية والتجارية.

9- إضطراب تحديد توالي العوامل السياسية والإقتصادية
فبحالة حساب تكلفة العمل، مثلاً، في خضم عوامل التضخم والغلاء الكامنة في أسس التنظيم الرأسمالي للإقتصاد بالملكية الخاصة وإنتاجها الارباح بـإستغلال العمل المأجور، وتسبب هذا الإستغلال الذي تمتنع الأجهزة العامة للمعلومات والإدارة الرأسمالية عن نقضه، رغم ما يسببه من فوارق بين الدخول المالية في المجتمع بصورة جاحفة لأحوال أغلبية الناس لصالح أقلية منهم، ومفارقته التناسب في مستويات إنتاج الضرورات والكمالات، وتلبية الحاجة إليها، ودهورته تناسق الإنتاج بخفض القدرات الشرائية لمعظم المتعاملين في الأسواق من مهنين وكادحين وزراع وعمال، وعرقلته عملية الإنتاج. بما يفسر في حين معين بأسباب إقتصادية وفي حين أخر بأسباب سياسية دون توضيح موضوعي لتواشجهما وإرتباطهما.

10- غمض الدور البنيوي لرأسملة وسائل العمل في عرقلة دورة الأعمال والإستثمارات ومفاقمتهاا عرقلة وتباطوء هاتين الدورتين
فبقيام أعظم أرباح رأس المال من إستغلال الموارد البشرية والمادية فإن آثار هذا الإستغلال -الذي يمثل عصب حياته- تعيق البنية العامة للتجارة والإستثمار: فنشاط رأس المال يدهور بنية الإنتاج في المجتمع بتشويه الإتجاهات الضيقة لحركته المقيدة بمستوى ربحه وشرذمتها أوليات الإنسجام بين الدورتين الرأسمالية-الإستثمارية وحجم ونوعية كل من الموارد المتاحة للإنتاج والموارد المتاحة للإستهلاك.

فقلة مرونة الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج تواشج تصلب الإقتصاد ككل حيث تقلل قدرته على الإجابة العقلانية لحاجات الناس بأولويات ناظمة منظومة تبتدئي بإشباع الحاجات الضرورة للمجتمع فالكمالية ً.

ولكن في جهة توافق سياق عرض هذه النقاط فإن حسن التأشير على تأثير الرأسمالية السلب على أحوال الإنتاج وتنمية المجتمعات يتصل بإستعراض بعض الجوانب الأولية في تاريخ التضخم وسيرة عوامله: حيث يتبين من إستعراض تاريخ عملية تضخم القيم المالية للإقتصاد وغلاء عناصره المادية وبخس القدرة الشرائية لحائزي النقود يتبين مدى أكل بنية رأس المال وطبيعته لموارد وقدرات الإنتاج والإستهلاك في المجتمعات المختلفة ومدى إهلاك الرأسمالية ككل لعمليات التنمية، وهو التاريخ الذي أثلنا بعضه في جوانب أخري من هذا الكتاب مما نكتف من تناوله بعرض بعض من العوامل الخارجية والداخلية له فيما يلي من صفحات:










بعض العوامل الخارجية للتضخم:
1- الإستعمار القديم وتشكيله الأحدي لهياكل الإقتصادات
فالهياكل الأحدية للإقتصاد تجعلها عاجزة عن إنتاج المتطلبات المتزايدة للسكان المحليين بما يرغمها على الإستيراد والإقتراض.

2- سياسات ونظم التجارة الدولية
حيث تبخس اليات التجارة الدولية أسعار منتجات الدول المتحررة وتغال بأسعار منتجات دول المركز في وقت واحد فقديماً كانت قيمة شحنة سفينة متوسطة من القطن تعادل مصنعاً وصارت قيمتها الآن تعادل قطعة غيار في المصنع.

3- تحرير السوق من الضبط الوطني الإجتماعي لصالح رأس المال
مما يصعد إختلالات هيكل الإنتاج والتجارة.

4- تصدير سلع غالية بخسة الفائدة إلى البلاد النامية أو إستيرادها كالطائرات والأسلحة والكمالات، ومستحضرات التجميل والمعدات، حيث يحتاج الإيفاء بثمنها إلى حشد جزء أكبر من الموارد العامة مما يحرم بقية القطاعات من إمكانات ضرورة تلبية إحتياجاتها.

5- سياسات الديون الدولية
حيث تولد الحاجة للدويون في البلاد النامية وتضاعف إقتراضاتها وفوائدها كنتيجة الهيكل الواحدي للإقتصاد الذي صنعه الإستعمار والوضع المبخس لأسعار منتجات الدول المتحررة الذي تفرضه إمبريالية التجارة الدولية حيث يصل فرق سعر منتجات مشاريع الدول المقرضة عند شراء الدول المدينة لها حسب ماتفرضه شروط القروض إلى أضعاف سعرها المعتاد، فيزيد عجز ميزانيتها وميزانها التجاري، ويتحول نحو الدول الستعمارية القديمة والحديثة إتجاه تعبئة الموارد العامة للتنمية في الدولة المدينة وينصرف إلى دفع الديون حيث تملق مواردها بسياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومتوالياتهما ويشهر عجز قدراتها وتتم خصخصة مواردها وعولمتها.
6- إمتيازات الإستثمار الأجنبي
حيث تعيق إمتيازات الإستثمار تطور النشاطات المحلية وإمكانات إزدهارها وتقلل التنظيم الوطني للإقتصاد حسب الحاجات المحلية وضروراتها وأولوياتها.


بعض العوامل الداخلية للتضخم:
1- الهيكل الأحادي للإنتاج العام وقيامه على الإنتاج الزراعي للتصدير وضعف إمكاناته في مجالات الطاقة، وتجهيز المواد الأولية للتصنيع، والصناعة، والطرق، والإتصالات، والخدمات العامة من تعليم وصحة وإسكان صحي، والثقافة اللاعلمية اللامدنية فيه.

2- النشاط الرأسمالي الداخلي الذي يتركز بحكم الوضع الأحادي للأنتاج الذي خلفه الإستعمار في مجالات التبادل والتجارة الداخلية والخارجية مراكماً أرباحه من الفوائض القليلة للإنتاج الداخلي، مصرفاً لها بحكم ضعفه وضعف مجمل الإقتصاد في مجالات تداولية وإستهلاكية تزيد ضعف القدرات الإنتاجية للإقتصاد.

3- السياسات التنموية المعتمدة على التجارة الخارجية المختلة الشروط بتصدير المنتجات الزراعية والصناعية الأولية ضمن سوق مفتوحة مزدحمة بعارضين متنافسين وإستيراد الضرورات والكمالات من سوق مغلقة تحتكرها الإمبريالية. مما يضاعف خلل ميزان المدفوعات وخلل الميزانيات الحكومية لزيادة الأعباء وإنخفض عائدات الدولة التجارية والضريبية والجمركية بسياسات محق الإستثمار الوطني وإمازة الإستثمار الأجنبي وإعفاءاته.

4- عنصرية السياسات المالية
بمركزة الإيرادات العامة والحد من الإنفاق العام على تأسيس المشاريع والخدمات في المناطق المختلفة المؤسس لتكامل هيكل الإقتصاد جغرافياً ومادياً والإنسجام الإجتماعي الثقافي لقطاعاته الإنتاجية والخدمية
5- تقليل الحكم الشعبي والرقابة الشعبية
بتضخيم ديكتاتورية وبيروقراطية جهاز الدولة سواء بعدد موظفيه وأجهزته أوبإمتيازات بعض شرائحهم.

6- تحرير النشاط الرأسمالي
بالحد من إمكانات النشاط والحكم الشعبي المتمثلة في الحريات والحقوق والواجبات العامة النقابية والأكاديمية والثقافية والإجتماعية والسياسية، مما يضعف في الواقع الإجتماعي السياسي إمكانات تخطيط الإقتصاد والتقدم في تحديد وحل مشكلاته.

سيرورة التضخم:
مع إفتراق تدني عائدات المنتجين المباشرين للسلع والبضائع وهم أكثر المستهلكين عدداً، عن زيادة إنتاج البضائع والسلع وأسعارها، وكساد هذه السلعة أو تلك لسبب من أسباب التضخم فإن الميل الجزئي لرفع الأسعار يزيد. وبتوال الإرتفاع العشواء للأسعار يضحى الغلاء توجهاً راسخاً لا يستند لأي موضوعية سوى موضوعية الرفع المتتال للأسعار ومراكمة الأرباح مما يفقد جهاز الثمن أهميته في تنسيق أو إحسان وجود المفردات والقيم الإقتصادية وتركيبتها وتبادلاتها.

فبدلاً عن إرتباط الثمن أو السعر بالأثمان والتكاليف المالية (الفعلية) لإنتاج السلع المعروضة، والمستوى المألوف للعرض والطلب نجد ان الثمن (المحدد) لسلعة ما يرتبط بمستوى متصاعد من التأمين ضد خطر الإفلاس وتحقيق ربح أقصى لعارض السلعة.

وفي هذه الأوضاع التي يولدها أصلاً إستغلال رأس المال للعمل المأجور وتبخيسه حقوق المنتجين المباشرين في العائدات الفعلية لإنتاجهم إلى أجور تكف فقط لتجديد عودتهم للعمل، ولا مجال لهم لرفضها، فإن هذا الوضع لايسمح لغالبية عدد السكان بتوفر قوة شرائية كافية تواز وتوازن التصاعد الكمي والنوعي للإنتاج والزيادة في أسعاره.
وفي ظروف يزداد فيها إرتفاع الأسعار، لمجرد إرتفاع سعر أحد عوامل الحياة التي يعيشها عارضو البضائع والسلع، فإن العارضين يتطلبون أثمان أغلى بإستمرار، رافعين أسعار المنتجات. ومع الإرتفاع العام للأسعار في مجمل السوق يقل الطلب أو يتحول إلى سلع بديلة، أو يضمحل ويتحول وضع البضاعة والسلعة المعينة في السوق من الرواج إلى الكساد والبوار، مما يمتد أثره لباق السلع .

فما يحكم الطلب على البضائع والسلع -في التحليل (الأخير)- هو الحجم العام من الموارد المالية التي تتوفر لطلب المستهلك لسلعة معينة، وطبيعة إحتياجه لهذه السلعة: كأن تكون ضرورة طبيعية أشهرها الطلب العام على الغذاء المعتاد، أو ضرورة ثقافية مثل حال الطلب على الصحف مما يتطور ويتفاوت بتطور مستوى المعيشة والإستهلاك.

وبهذه الضرورات التي تحكم حال الطلب يتكون مايسمى بـ مدى أو مقدار مرونة السلعة بحكم حساب قدرة السلعة بسعرها -المجدد لقدرات إنتاجها- على البقاء في السوق في قائمة مشتريات مستهلكيها، وبتوائم درجة إشباع السلعة مع حاجات المستهلك وإمكاناته، والقدرة المتاحة له في هذا الوضع على قياس فاعلية بدائلها من ناحية النوع أو الكم، أو السعر وإمكان تجاوزه لها بهذا القياس أو تعويض إحتياجه إليها أو الإستغناء عنها أو عن بدائلها.

وبفقد البضائع والسلع مرونتها بغلاء الأسعار تضطرب خيارات المستهلك ويفتقد الدقة في الترجيح بين مزايا السلع وتقل فاعلية حضوره مع غول الإعلانات والمنافسة والغلاء المتصل، فيفتقد السوق توازن المستهلك وتقل قدرته على الإستهلاك بتصاعد رفع الأسعار لتغطية مخاطر الإفلاس مما يقود لأخطر احوال ونتائج التضخم وهي:

فقدان جهاز الثمن والأسعار لوظيفته الإقتصادية في تحديد القيم أو التأشير عليها وفقد السوق معناه الموضوعي كمجال لتلبية لحاجات المجتمع وتبادله المنافع، وتحول وضع المجتمع بذلك إلى فوضى قاتلة لإمكانات تنمية الحياة والمعاش ذات واجهات تجارية.

فمع تعدد الحاجات والموارد والمنتجات في المجتمعات القديمة تطلب الأمر بيئة لعرض المنتجات والخدمات والطلب عليها، ونشأ السوق كمجال لإئتلاف مثمن القيمة للعرض العام للبضائع وللسلع والطلب المجاوب لهذا العرض في مجال (مفتوح) مخصص زماناً ومكاناً وأسلوباً لهذا الإيلاف وهو مجال السوق الذي ينعقد بتكامل عدد من الشروط هي:

 أهلية أفراده القانونية للبيع والشراء وسلامة وحرية إرادتهم

 معرفة المتعاملين فيه من عارضين بائعين للسلع وطالبين مشترين لها وعلمهم بكافة العناصر الأساس للسوق من بضائع، وأسعار، ومزيات، ومواقيت ومقاييس ومكاييل، وعملات، ومواقع وأبعاد جغرافية وزمانية، كما يشترط في بعض الأحيان إمكان علمهم بالظروف التجارية والسياسية المحيطة بعملية البيع والشراء.

 التوافق (الحر) وفق ثمن معين بين إرادتي كل من البائعين عارضي البضائع والسلع والمشترين المستهلكين لها. مما يتصل بعملية عرض السلعة بسعر معين وحدوث الجواب النقدي على هذا العرض بالشراء وتمام قبض المشتري على زمام السلعة، أو بإكتمال إنتقال حيازة البضاعة أو السلعة والسيطرة عليها من البائع إلى مشتريها بالطرق القانونية والعرفية

 وجود ألية جهاز الثمن وحركيته وفاعليته.
فبتوافق مستويات العرض والطلب في نقطة مالية معينة لتلاقي إرادات البائعين والمشترين تتداول موارد الإقتصاد ومنافعه المادية في المجتمع وتتوزع حسب ألية جهاز الثمن وحركيته وفاعليته، لذا فمع إنهيار الجهاز الرئيس لإقتصادات تبادل السلع-النقود، يمكن الحديث عن حالة اللإقتصاد وهي حالة يتم فيها وفق نهج القوة والغلبة إستيلاء القوى الطاغية في المجتمع على المنافع العامة وغصب الناس على الأعمال دون أي تقدير لحرية حائزيها أو حاجة العاملين عليها مما يرتبط كثيراً بقيام حالة حرب.

وحيث إن رفع الأسعار موصول بنشاط اليد الخفية للسوق وهي حالة نشاط الإمكانات الإعلانية والسياسية والإقتصادية والإستخبارتية والعسكرية لرأس المال الكبير وقواه للتحكم غير المباشر في عناصر و إرادة كثير من المتعاملين في السوق. فإن السوق يتحول بحكم طبيعة نشاط يده الخفية إلى مجال قاس للمزاحمة والإزاحة والإحتكار، والغش التجاري والتلاعب على المجتمعات والتسلط على سياساتها وحكوماتها، ولمجال خصب للإحتيال والتهديد والإبتزاز والنهب، وللإختطافات والإغتيالات وإثارة الإضطراب السياسي وقلب الحكومات وتأجيج الحروب الأهلية بشكل متصاعد يقلل الثقة بالعملية الإقتصادية كعملية "تبادل منافع" وقدرتها على الإشباع المتناسق المتصل لحاجات المجتمع.

ومع فقدان الثقة في عدالة التبادلات وقنوط أكثر الداخلين في أزمات السوق من إمكانات تعميمه للخيرات تزيد حالات الإفلاس في السوق وتزيد معها أيضاً أرباح بعض المشروعات كنتيجة لحركة اليد الخفية وتلاعبها بظروف السوق من ناحية معينة لتحقيق ربح في ناحية أخرى من السوق نافذة فيه برأسمالها وعلاقاته المتنوعة فيرتبط تزايد الإفلاسات بإنهيار الإقتصاد وتناسق موارد وقيم المجتمع ودماره .

وبدمار عملية النقل المتناسق نسبياً للموارد المادية والبشرية بين الوحدات والقطاعات المختلفة في المجتمع، فإن إمكانات الإشباع المنظم للحاجـات تقل وتقل معها الجدوى الموضوعية العامة لوجود السوق كجهاز مديني (إجتماعي) أنشاته رويداً رويداً الحاجة البشرية للإرتقاء بالإنتاج والمعاش مما وصل بتقدم موارد وإمكانات الإنتاج وزيادة أعداد وحاجات الناس عما يتيحه لهم إلى أقصى مراحله الجغرافية والسياسية والإجتماعية. لذا فبالإمكان إزاء الأزمات العديدة المتشابهة والمنتشرة في العالم التأشير على إتصال حالات انهيار السوق والإقتصاد والإجتماع ودمارهم بحالة التنظيم الرأسمالي لهم، فبحكم بطبيعة حياة رأس المال وتكوينه للأرباح بإستغلاله الأعشى للعناصر والمفاعلات البشرية والمادية للإنتاج في المجتمع، سواء في سوق موارد الإنتاج أو في سوق تصريف المنتجات، بتخريبه تناسق وجود هذه الموارد وإستثمارها في تعمير الحياة تخريباً متفاقماً بتوزيعه المجحف للجهود والثمرات..
فمع إفقار رأس المال للمنتجين، يختل الترابط بين قدارت الإستهلاك وقدرات الإنتاج بحكم إرتباط النمو المنظم للموارد المادية وإستهلاكها في الإقتصاد مع النمو المنظم للدخول النقدية في سوق العمل الذي يضم القطاع الأكبر من المنتجين الفعليين والمستهلكين لأكثر المنتجات في العالم كالمأكولات، والملابس المعتادة،ومواد البناء، والآلات البسيطة، لذا فتناقص القدرة على إنتاج هذه المنتجات يزيد بحكم فقر مستهلكيها (وهو الفقر المعلن بإسم:"الفجوات" الغذائية والصناعية والتقنية).

ولكن، مع ضعف الإنتاج الضرورة يزيد إنتاج سلع الإتراف في العيش! وإلى هذا الوضع فإن إحصاءات هيئة الأمم المتحدة في مجالات وعوالم التنمية البشرية في سني القرن الواحد والعشرون تؤشر بشكل عام إلى مفارقات شتى لاتبشر بإمكانات موضوعية لتآلف مجتمعات العالم حيث إن نسبة 10% فقط من سكان الأرض يستهلكون 85% من إنتاج العالم، بينما يتكون حوالى 90% من سكان الكرة الأرضية من المزارعين والعمال والكادحين والمهنيين فإنهم رغم إنتاجهم لكل خيرات الحياة يستهلكون فيها 15 % فقط مما ينتجون. مما يطرح إستفهاماً عن طبيعة وجدوى إستمرار وجود البشر على هذا الحال المتفاقم الطغيان منذ ألاف السنين؟ وسؤالاً عن بأي ألاء الحياة يمكن للمتحكمين في موارد الشعوب والمجتمعات الكلام عن السلام والتقدم والقيم الإنسانية و...مكافحة الفقر.

وعامةً يمكن تلخيص بعض الآثار العامة للتضخم في مايلي:

الآثار الإقتصادية للتضخم:

1- زيادة تشوه هيكل عمليات الإنتاج والتبادل

2- زيادة تشوه العلاقات الإنتاجية بين الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والقوى القائمة بالإنتاج المباشر في وحدات الإنتاج

3- زيادة المستوى العام للأسعار، وفقدان جهاز الثمن وظيفته الإجتماعية الضابطة للموارد والمنافع وتبادلها

4- زيادة حالات الكساد نتيجة إنخفاض القدرة الشرائية لحائزي النقود

5- زيادة الخلل المالي الداخلي في توزيع الإئتمانات بين قطاعات الإقتصاد

6- خلل التجارة الدولية بتدهور الإنتاج المحلي وضعف القدرة على السداد

7- زيادة الديون بأنواعها


الأثار الإجتماعية للتضخم:

1- تباين مدخولات القوى المنتجة في القطاع الواحد وبين مختلف القطاعات

2- زيادة التباين الطبقي بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة

3- زيادة التباين بين النشاط الإقتصادي والنشاط الإجتماعي

4- تدهور المستوى العام للإنتاج

5- زيادة العطالة

6- إزدياد الميل للمضاربة والمغامرة

7- زيادة معدلات الفساد والجريمة بأشكالها المختلفة


الأثـار السياسيـة للتضخـم:

1- ضعف التنظيم الإقتصادي للمجتمع

2- تدهور مكانة الدولة في ضبط الحياة الإقتصادية-الإجتماعية والعامة

3- إزدياد النفوذ الأجنبي والتوترات الدولية في الوضع الداخلي

4- إزدياد النزعات الجهوية والمركزية

5- تباين بيروقراطية الدولة وحكومتها حول الإنفاق العام

6- التنافر بين أجهزة الدولة الإقتصادية والسياسية والأمنية والعدلية

7- تدهور مستويات الإلتزام العام بالواجبات الدستورية


الآثار الثقافية للتضخم:

1- زيادة الروح التجارية وإنتشار ثقافة الإستهلاك مع تجرد الإنسان من القدرة على الإنتاج، أوالتأثير الفعال فيه

2- زيادة تفكك القطاعات والوحدات والجماعات والأفراد بتباعدها أو بتصادمها، وتوسع النزوع إلى التحول من الجماعية إلى الفردية.

3- بروز ظواهر الفقد الموضوعي للثقة بين الناس في التعاملات القائمة على القيم الثقافية مع تشكل وسط إجتماعي وذهني قائم على الكسب النقدي السريع والكبير، مما يزيد ظواهر الإنسحاب والتحايل والمغامرة والعنف والهجرة من الريف إلى المدن ومن ثقافة التقليد وإنتظار الخير العام إلى (حداثة) الفعل والكسب الفردي، وتصاعد الإتجاهات الإنسحابية والتصادمية

4- تصاعد التأثيرات الإجنبية في الثقافة مع إستلاب الإقتصاد الأعلى للإقتصاد الأدني قدرة على الإنتاج الثقافي والإعلامي

5- تدهور الثقافات المحلية والروح العلمية لحساب نمو حالة مزدوجة من دقة الكسب السريع وهلام الرؤى العامة لهذا الكسب.

6- تدهور إمكانات التطور الثقافي المتناسق وإفتقاد العقلانيــة


بدراسة هذه الأوضاع، يمكن إدراك أن طبيعة تعدد القيم العيشية في الإقتصاد الرأسمالي وقيامه الأحادي على إستدامة هذا التعدد أضحت تنتج حالاً تساهم بقوة في رد البشرية من الأنسية إلى الوحشية .

وقد قرأت إحداثات هذا الإرتداد كزرقاء اليمامة في القديم ولكن بقوة علمية وجمالية إنسانية أبلغ القائدة الشيوعية الألمانية روزا لوكسمبيرج Rosa Luxmbeorg وذلك في كتابها المشكول عنوانه ظاهراً بمفردة البربرية وهي مفردة إستبطنتها اللغة الأوربية السائدة دالة على الوحشية مما لم يؤثر في مضمون الكتاب الذي ناصر نضال المستضعفين بمختلف جنسياتهم وعقائدهم من المسلمين والمسيحيين واليهود للقضاء التام على الرأسمالية في أنحاء العالم والوجود حيث جاء كتابها بعنوانه الثوري الفاصل "الإشتراكية أو البربرية" Socialism or Bararism

وتتمثل الأسس الموضوعية لهذا الإدراك في فعل القوانين الأساس للإمتلاك الخاص لموارد المجتمع ووسائله العامة للإنتاج والخدمات، وإستغلاله العمل المأجور بهذا الإمتلاك وبهذه الإثرة والإختصاص، وهو الإستغلال الذي ينشأ بتكريس أعباء العمل وتقليل نصيب العمال من الثمرات الكثيرة لإنتاجهم وإستثار رأس المال بمعظم هذه الثمرات التي إمتلك وسيلتها.


فتكريس راس المال لرمزية القيم وتعديده الأنوي الكانز لها وفرضه المتنوع بها لنشاط ممارسات الإستئثار في المجتمع وبخسه بذلك الكنز والجبروت والتطفيف لموازين وقيم أعمال الناس مثل عروة لإطلاق سلطة وشهوات التملك الفردي ضداً للتطور الإجتماعي المترافق لقوى الإنتاج البشرية العاتق لها من حالة عبودية العمل إلى حال للتحرر من كون العمل اليومي المتصل والرتيب والمرهق نفسه ضرورة لحياة الفرد، وذلك بقيام الإنسان بتحويل العمل إلى قيمة للإبداع والجمال والكدح لهما بتحرير موارده وألياته ووسائله العامة من ملكية رأس المال وتوزيعه المجحف لموارد وقوى وعائدات الإنتاج وثمراته بطغيان قيمه وسلطاته وإقتصادياتها السياسية المعيقة لهذا التقدم الإجتماعي .

ويمكن إدراك بعض أوليات علاقة الطبيعة الرأسمالية للإقتصاد وتطفيفها القيم الضرورية للحياة بمفاعيل التنظيم الرأسمالي للإقتصاد من إستغلال وتضخم وكساد ومجاعات وحروب بدراسة أوضاع إمتلاك رأس المال لعامة موارد القرى والمجتمعات وطغيانه علي القوى العاصبة بعملها لتلك المجتمعات طغياناً يرتبط ببتزوير ضرورة أعمالها للناس حيث يصير العمل في إنتاج الضرورات مثل العمل في إنتاج الطعام أو في إنتاج الموارد الضرورية للصناعة يقل في تقييمه الرأسمالي عن إنتاج السلع الكمالية.

ويكشف مثل هذا التوزيع المجحف للقدرات والموارد المادية والبشرية والعلمية وثمراتها وهذا التطفيف في موازين العمل البشري وهو عصب عصب الحياة والزور في تقدير قيمه والإجحاف في توزيع أقساطه إتصاله بردة ميكانيكية وثقافية صورية لأحوال البشرية عن المستوى الذي بلغته من العقلانية والإنسانية والجمهورية في التعامل مع منافع الحياة، والحرية في إعمار الأحوال العقلية والمادية لمجتمعاتها والإخاء والتعاضد بينها والإشتراك في الجهود والخيرات العامة والمساواة في الحقوق والواجبات العامة المتعلقة بالإنسياب السلس لحقوق الإنسان في كسب المنافع وتحرر الغالب في العدد من الناس من عبودية المعاش والحاجة لضروراته والتكالب عليها بإجتراح تطور متقدم متناسق في تلبية حاجات البشر الضرورية أولاً ثم الكمالية وغير ذلك من أسس الرقي وأشكاله التي كانت الإنسانية قد بدأتها بتراكمات وئيدة منذ القدم إلى الحالة الظاهرة الآن في العالم من التطفيف والكنز المكثف والمعولم بما فيه من تهميش متسع وإستغلال مركز ترجع الرأسمالية العالمية بهما المجتمعات لأحوال الخمول والإستلاب والإجترار الذي كانت عندها البشرية في بداية مسيرتها الإجتماعية. حيث تحول الرأسمالية الصراع الراقي للتقدم الأنسي المستدام من حال تطلب العقلانية وإعمارها المادي والثقافي بالوعي الإنساني الكادح إلى الحق والجمال إلى حال وحشي يحاول أن يعيد إقتتال الحضارات السابقة للرأسمالية وفتنها النائمة لقرون طوال بصورة تعيد في القرن الواحد والعشرين قتال العبيد في روما ليضحى الخضوع لسادة روما الجديدة ورهقهم هو الآمان.

وتواشج هذه الحالة (السياسية) الوحشية إدامة إنتاج المستضعفين لرغد الأقوياء وفنائهم البطيء بهذا الإنتاج بالجوع الحقيقي المفروض بموازين الأجور والأسعار الرأسمالية التي تحددها أصلاً القوى المتحكمة في البنوك والمصارف الدولية حيث (تتكرم) هذه الموازين الطفيفة للقيم بالسماح لسواد المنتجين في العالم بإستهلاك أقل من 2200 سعر حراري، يجابهون بها الأمراض والأوبئة، والأمية والجهل، والتشرد، والإملاق البنيوي لإمكانات تقدمهم وإنعتاقهم من هذا الحال وتحررهم بهذا التقدم الإقتصادي-الإجتماعي والسياسي والثقافي الشامل من التخلف والتعصب والحروب التي لاتبق ولاتذر.

ويمكن تبين أحوال الإنهيار الإجتماعي في كافة الدول الرأسمالية المركزية والطرفية بتجاوز موجب لما تؤشر عليه مؤشرات الإقتصاد من تدهور في القيم السياسية وفي المستويات الحقيقية للإنتاج وفي مستوى الأجور الحقيقية وفي مستوى الأرباح الحقيقية وفي مستوى التبادل والتوازن الخارجي الحقيقي وفي مستوى النشاط المالي الحقيقي بين أجهزة الإقتصاد ومؤسساته.

فإضافة لتدهور التوازن الوطني والإقليمي والدولي في كل هذه القطاعات الإقتصادية يمكن أيضاً لمح بعض ملامح التدهور في المستويات الإجتماعية وتفاقمها داخل كل دولة بزيادة تباين الطبقات، وزيادة تباين مستويات المعيشة تحت حدود خط الفقر مع زيادة إتراف وإسراف الطبقات العليا للمجتمع، وتدهور مستوى تضامن الأسر والجماعات الإجتماعية، ووتحول البشر بلا إمكانات فعالة للحياة إلى مجرد هوام معزولين عن بعضهم ومنفصمين، ومنعزلين مهاجرين ومحتربين ومحتالين ومقهورين.

كذلك يمكن تبين تدهور أحوال الثقافة بالتنظيم الرأسمالي لموارد المجتمع وأساليب عيش الناس فيه بكون الثقافة حال حياتية متجاوزة بطابعها النظري والجمالي لمفردات الحياة المكونة لها إلى تركيم منظوم ظاهر منسق لهذه المفردات على وتيرة عيشية أو فلسفية وجمالية معينة تقوم بها الخبرات والمعارف وتثقفها في الوعي مثلما تثقفه بها مما يتحول إلى عملية متصلة منقدمة بشكل مستدام لإثراء أساليب معينة للمعاش والحياة الإجتماعية والسياسية، وهي عملية ذات نكهة وتلاوين طقسية وفكرية وجمالية يمكن تعيينها أحياناً.

ولكن إنحدار عملية تفتح وإكتشاف القيم الثقافية ونموها وتنميتها مع إنحطاط المستوى الحقيقي للأعمال الضرورة للعيش وشظف إمكانات درسها قاد الناس من حال التباين والقياس المتبادل المتصل بين ظواهر العقل وبواطنه وأشكال الحياة وعلاقاتها وتفرقتهم بالإثراء المتواصل لهذه العملية في الوعي بين الإمكانات الموضوعية لتحديد الأوضاع والغايات والوسائل وبين الركون إلى الإيمان المُقعِد لصاحبه بالغيبيات والأمل اللاهي في تيسر العدل والإحسان إلى حال يستنسخ في أقصى إجتهاداته نذراً يسيراً من المحفوظات يحاول بها مواجهة الطغيان!

فبفعل صدمة الحداثة وطوفانها والتغير الشديد الذي تحدثه في القيم محركات نظم الرأسمالية وعلاقاتها لحياة المجتمعات وتفكيك التقويمات المالية المختلفة للمنافع لعرى العيش القديم في القرى والمدن والبلاد يتحور الأفراد بقوة الطاغوت من حال الإنس إلى حالة الوحشية والكسر ومن البيان إلى العفو إلى الصمت إلى السكوت عن الحق إلى أن يبدأ الناس الهروب بعقائدهم من الفتن بدلاً عن قيام مجامع صوالحهم بتثقيف وتأثيل شامل للمفهومات الإجتماعية على أساس القراءة الموضوعية لتاريخ وجود وتحرر الإنسان لا مجاراة لبعض حاجات الناس إلى ضرورات الدنيا الزائلة كما حدث كثيراً في التاريخ بل لمواجهة دائمة لمهام تغيير الحياة جذراً وإعمار أراضيها وثقافاتها بكسر أسس الحواجز الطبقية وأبوابها وتوحيد القيم الأساس والرئيسة في حياة المجتمعات مما يتحقق بتكسير علاقات الطاغوت والربا في علاقات الإنتاج والحكم .
فرغم تضخم الإنتاج السمعي-بصري، وإسرافه في الإحتفالات والإحتفاءات، فإن التشاؤم والإعتقاد بالغياب هو الحاضر بين الناس وهو الإيلاف المنسجم مع واقعهم من الإمام الغائب، والحزب الغائب، الفريضة الغائبة، والحقيقة الغائبة، والإبن الغائب، إلى الكلمة الغائبة، والقصيدة الغائبة، واللوحة الغائبة، والمرأة الغائبة، والبسمة الغائبة والنصر الغائب، مما أحال إلى فلسفات موت الإنسان والوجود والتاريخ وهو ما ترجمته السياسة إلى حروب ومعتقلات وحشية.



19- إرتباط تنظيرات التنمية بتنظيرات الإقتـصاد وسيرورته

يهدف الإقتصاد لإشباع حاجات المجتمع عبر عملية ضبط الموارد وتنظيم النفع بها وفق مقتضيات الضرورة الطبيعية لوجود الإنسان واللوازم الثقافية لحياته النامية ودرجة توفر الإمكانات اللازمة للإنتفاع بالموارد الطبيعية والإجتماعية المتاحة. وقد إتصل تشكل الإقتصاد السياسي كمعرفة منظومة وعلم منذ جهود القدماء في حساب أدواتهم وأولادهم ثم قطعانهم وأبنيتهم وجيوشهم وصولاً لحساب الكوشيين لتاريخ الملوك وأعمالهم وحساب أرسطو لتاريخ الإنسان كحيوان سياسي، وحساب الفرس لأحول ملكهم في الشاهنامة، ودراسة أبو يوسف للخراج، وكذا حساب البيروني لتاريخ الأمم وصناعاتها، وفلسفة إخوان الصفا للقيم والأصول في وحدتها وتعددها وصولاً لمقدمة بن خلدون للعمران وجهد الإدريسي في تفصيل جغرافية بلاده وعلاقاته فجهود السير وليام بتي في الحساب السياسي لموارد الممالك ومالتوس في تحديد متواليات مواردها وتقديرات هتشنسون لأخلاقية سياسة الموارد وأعمال سانت سيمون في الإشتراكية في الموارد والجهود وفي الإفادة بثمراتها ثم تقادير أدم سميث لأسباب ومألات ثروة الأمم، وحساب ديفيد ريكاردو لعناصرها في مبادئي الإقتصاد السياسي والضرائب ثم تنظيره للأموال نقوداً منها الفوائد عائدات من الديون، ومنها ريع الأرض وإكراءها ومنها الربح من عمل الناس في الصناعة، وشرحه تكون الأسعار بالعرض والطلب. فبكل هذه الأعمال إتصل تشكل معرفة الإقتصاد وإرتقاء تعديده للقيم بإرتقاء الطغيان حتى جاءته ثورة ماركس وذلك بإعتباره في عصر الصناعة والإستعمار بعض المؤشرات الدالة على تدهور أحوال الطبقة العاملة وإنسحاقها مقدمة لتدهور وإنسحاق كامل القيم والتنظيمات والمجتمعات البرجوازية القائمة على إستمرار وجود وبقاء العمال وإرتقاء أحوال إنتاجهم .

كانت ثورة ماركس ضد الحال الإسمية الفارغة للآيديولوجيا والفلسفة والعلوم الإجتماعية والإقتصاد السياسي ونقضه كونها مجرد (حزلقة) للإستغلال تقوم بها الرأسمالية برسملة الحياة بتراكيب لغوية خالية من الأسس الأولية للموضوعية والعقلانية. حيث مثلت عمليات تقعير الإقتصاد السياسي وتحديبه بشعارات (الحرية والتعاضد والمساواة) الملخصة للمفاهيم التي دمرت الإقطاع دون تمعن من علماءه في تناقض مضمون حرية التملك مع مضامين التعاضد والإخاء والسوية وغفلهم لحركية الحياة وتطورها الجدلي في تناولهم الشكلي الجامد لإحداثيات الإنتاج البشري ومتواليته وأخلاقياته بمعزل عن صيرورة توالد الجهود والمصالح الطبقية في المجتمعات

وقد جاءت هذه التناولات التي ثار عليها ماركس بجمعه وتجاوزه تراكيب الفلسفة والعلوم النمطية جاءت بمظهر إنتظامها المكرور والعبثي في شكل هادم للسببية المادية وإرتباط الوقائع بأسباب لها مما قدمته بعض تلك الطروح المثالية من نفي لإمكان عقل الإنسان للوجود الطبيعي والتاريخي للكائنات والأشياء بحال جدلي متصل مناف للقرار والثبات مثلما هو مناف للتوال المضطرد دائرياً بشكل عبثي، حيث ثبت كشف ماركس زور وزيف قيمة العمل في النظام الرأسمالي المغالطات الكبري ضد وقائع التاريخ والحياة التي ينطوى عليها المفهوم البرجوازي للإقتصاد السياسي وهي المغالطات المتصلة منذ إصطناع وصياغة ونقش القيم الرمزية في التبادل وتعديدها وفق مصلحة الكبقة المتحكمة، مما تجاوزه ماركس بتأسيسه الجديد لتاريخ البشرية كحال متصل لتطور أحوال العيش وتنظيماته بشكل جدلي صاعد من الحال البسيط إلى حال كثيف معقد في تركيبة عناصره وجدلها تختلف فيه كل مرحلة عن الأخرى حسب تناسب وقوى وعلاقات إنتاجها

فبكشفه الجوهر الإستغلالي للعمل المأجور، فتح ماركس أنواراً مضيئة كاشفة لزيف تعديد القيم الحياتية ومجمل التأرخات الساكنة والممتلكة للتاريخ وبين الحقيقة الطبقية الغائبة في كافة دعاوى الحرية والتعاضد والإخاء والمساواة والمدنية والحضارة وحقوق الإنسان وزورها الموضوعي، مؤسساً الطور الأعلى للعقل الإجتماعي والإنسانية الجديدة بتقديمه وعياً تاريخياً مادياً جدلياً في نقض الإقتصاد السياسي ونقض الفلسفة التقليدية بجمعه العبقري للفلسفة العلمية والعلم الفلسفي في طرح فريد جديد في نوعه هو الثورة الإجتماعية التي حدد إنجلز في إنفتاحها الموضوعي التام مفاهيم الشيوعية علماً تطبيقياً لتحرير البروليتاريا.

فبالدرس الناقض بالشمولية لأحوال التناقض بين الأحدية في تناول العوامل الموضوعية السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية والمراحل التاريخية المتصلة بالحياة البشرية والتعدد اللامنطقي في تقدير وحساب القيم والمنافع وعقد ماركس وإنجلز بهذا الشمول في تناولها أحوال العلوم والفلسفة ببعضهما وبأقانيم الطبيعة المادية والوجود الإجتماعي بالجدل الفلسفي الراق بعلياء حركة الكشوف العلمية. يكون الإثنان قد سطرا بهذا الجهد الذي مازالت تؤكده المستويات المتدهورة لحياة الكادحين ومجمل البشرية في ظل أحوال الرأسمالية والإستعمار والإمبريالية، السطر الأهم في كتاب تطور الإنسان وتنميته لحياته في السنوات القادمة، وذلك بتحديدهما الدقيق لمستوى علاقة التناسب بين قوى الإنتاج المادية والبشرية، ومستوى إشباع العلاقة الإنتاجية لحاجات تطور هذه القوى، كموئل لحركة تاريخها وموثل له، بإعتبارهما إياها جزءاً حياً من الطبيعة المادية البكماء وجزءاً حياً من الطبيعة الإجتماعية بصورة ترسم بتناسقها وتناقضها الوضع الفعلي لتنمية الإنسان لأحواله أو لتدميره إياها.

وفي هذا المجرى الأعمق في تاريخ التحرر البشري من القيود الفكرية والمادية الذي حفرته الماركسية اللينينية تطورت حركات إتحاد عمال العالم وشعوبه المضطهدة ضد الإستعمار وضد الإمبريالية، ونشأت ضمن هذه الحركات أو بالترافق معها ظواهر فكرية مرادفة للصراع العالمي بين قوى الإستغلال وقوى التحرر إذ عملت القوتان الطبقيتان الأعظم على إستيعاب القوى الإجتماعية التي تقع في هامش كل نظام إجتماعي ضمن مشاريعها. فبرزت مشروعات التحرر بـ:الطريـق الإشتـراكي التي أثبتت جدواها في الدول والتحولات الإشتراكية الأولى في روسيا والصين ثم تحول هذا الطريق من الموجب إلى السلب فأضحى الطريق اللارأسمالي ثم درج إلى الطريق الوطني الديمقراطي وهُبط إلى الطريق الديمقراطي ثم إلى طريق التنمية ولما نزلت منه قوى عددا هبط إلى طريق للإصلاح المالي والضبط الهيكلي والأمل في الديمقراطية الليبرالية ثم تراجع إلى طريق الجبهة القومية والتصالح الوطني متدحرجاً إلى طريق نبذ التعصب ثم إنتهى إلى طريق الحرب ضد الإرهاب وهو طريق عنصري إمبريالي.

ومن هذه الملاحظة التي إعتمدت تحديد الموقع التاريخي لما يسمى بـ"نظريات التنمية" ضمن منظومة الحركات والشعارات السياسية التي قادت الحركات الحقيقية للتنمية في العالم المتحرر وهي حركة التحرر الوطني والطبقي ذات السمات التقدمية والشيوعية، يمكن ان نتبين بعض قسمات المفهوم الماركسي-اللينيني لعملية التنمية الذي يمكن قبضه في الفقرة الأتية :

20- عملية التنمية:
هي عملية سياسية إقتصادية إجتماعية ثقافية شاملة ومستدامة تتعلق بمفهومات المجتمع وموارده وقواه وتطوراته وتشكيل هذه التطورات وفاعليتها بمعان ومهام إستدامة وتنظيم النمو والتقدم على مستويات العدد والنوع ومستويات الزمان والمكان، من تعدد المشروعات الزراعية والصناعية والخدمية وتنوع مهامها إلى إتصال إنتاجها وإستدامته في الزمان في أنحاء البلاد رفعاً شاملاً لقدرة المجتمع على التجديد المتناسق لكافة موارد وآليات تقدمه المادية والبشرية والذهنية.

وعلى ضوء هذا المفهوم التعددي الشمولي لعناصر التنمية وأحوالها يمكن تبين النواقص الأساسية في المفاهيم التي تتخيل إمكان القيام بعملية شاملة للتنمية مع إستمرار التملك الرأسمالي الخاص للموارد والوسائل والمنافع العامة في إقتصاد المجتمع المعني بالتنمية.


21- النواقص الأساسية للمفاهيم الرأسمالية لأحوال وعناصر التنمية:

1- إسقاط العلاقات الإجتماعية من التحليل الإقتصادي
حيث تضحى مستبعدة من التنظيرات الرأسمالية للتنمية مجموعة العلاقات المجتمعية الأولية كعلاقات الإنتاج بين العمال والكادحين ومالكي الموارد والمؤسسات الإنتاجية، كذلك علاقات المجموعات والطبقات الإجتماعية مع الدولة وأيضاً العلاقات الإجتماعية الأولية مع العشيرة والأسرة بما فيها من حالات متصلة بالسيطرة على الموارد وتوزيع الأعباء والخيرات مما هو ذي صلة وثيقة بالإقتصاد.

2- ربط التنمية بمفاهيم مادية ضيقة زمانية عن ندرة ومرونة ومنفعة السلع
حيث تغيب مثل هذه المفاهيم الأبعاد التاريخية الإجتماعية لحاجات المجتمع وقدراته.

3- النظر للتملك الرأسمالي لموارد الإنتاج ووسائله كحالة أبدية
دون نظر لتناقضات هذا التملك على المستويات المحلية والدولية ومفاعيله الإرتدادية التي تحرم الأغلبية في كل مجتمع من إمكانات التقدم المتناسق المستدام.بما يؤدي بالمجتمعات إلى التآكل البطيء أو الإنفجار الكارثي في شكل حروب أهلية وتدخلات دولية.

4- الإقتصار على التحليل الحدي دون التحليل الشمولي في تقدير الأوضاع
بالإكتفاء بتحليل بعض العناصر الأولية لـ(نجاح) بعض المشاريع مما ينتج تغييرات تنموية مشوهة ، قائمة على عناصر متضاربة، كبناء مشروع صناعي مستهلك للطاقة بدلاً عن كشف مصادر الطاقة وإستغلال بعضها في بناء محطة توليد للطاقة، أو بناء مصنع للألبان دون تقدير موسمية تواجد الأبقار في المنطقة، أو بناء مشروع لصناعة السيارات الصغيرة في وقت تعان فيه البلاد من إستنزاف مواردها في شراء قطع الغيار أو إهدار وقت المنتجين في إنتظار الحافلات! حيت تنشأ العملية الهادفة للتنمية في حالة بعد أو تناقض مع مستويات الحركة الإجتماعية والسياسية ومطالبها وقدراتها الحالية والمستقبلة .

5- طرح الإقتصاد كحالة تسويق
بإعتماد تنظيرات التنمية الرأسمالية بشكل مكثف على تقديرات لأحوال الإستهلاك وسلوك المستهلك، في مرحلة زمانية دون نظر مستوى إلحاح الحاجات الضرورة في المجتمع والإمكانات المتوفرة أو التي يمكن توفيرها لتلبية هذه الحاجات، بصورة شاملة ترتقي من الحال الأكثر الضرورة إلى الحال الأقل ضرورة إلى الحال تلبية الحاجات الكمالية بالنسبة لأغلبية السكان .

6- تقتير التنمية بالتنظير القائم على حساب النفقات النسبية وسدادها
وهي النظرية القائمة على الإعتماد في التنمية على التجارة الدولية والتحصل منها على ربح نتيجة قلة النفقات النسبية لإنتاج سلعة ما في جانب البلاد النامية وإرتفاع سعر نفس السلعة في البلاد (الصناعية المتقدمة ؟! حيث لاترعوى هذه النظرة عن النظر إلى ظروف وشروط التجارة الدولية وطابعها الإمبريالي، والفضل الكبير لتنمية السوق الداخلية في رفع مستوى الإشباع العام للحاجات الأساسية.

22- المشاركة العامة والحق في التنمية
في صيف عام 1998 نشر موضوع بالعدد50 لنشرة "أخبار ممنوعة" Censorship News التي تصدرها منظمة المادة 19 عن المشاركة العامة والحق في التنمية جاء فيه.
في نوفمبر 1957 عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مابين التنمية الإقتصادية الإجتماعية والأمن والسلم الدوليين والتقدم الإجتماعي ومعايير أفضل للحياة وإحترام حقوق الإنسان وتحقيق الحريات الأساسية.. وفي مايو 1968 عقد في طهران مؤتمر حقوق الإنسان الذي تناول مسأئل الفقر، والأمراض والأمية، والتمييز العنصري، والتمييز ضد المرأة، والفارق المتسع بين الدول التي نمت والدول النامية، وقد قرر المؤتمر الدولي في "إعلان طهران" Proclamation of Tehran ان وحدة حقوق الإنسان والحريات الأساسية لاتنفصم إذلايمكن إقامة الحقوق المدنية والسياسية دون الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية. كما أقر المؤتمر أن قوانين كل دولة يجب أن تكفل حريات التعبير والإستعلام والإعتقاد والدين وأن تكفل معها حقوق المشاركة في الحيوات السياسية والإقتصادية والثقافية و الإجتماعية.
وإعلان الحق في التنمية Declaration on the Right to Development قد يكون مجرد إعلان نوايا طيبة لوقوعه خارج المساطر المعروفة لحقوق الإنسان، وفي إطار ضبط هذا الوضع قامت أجزاء من أعمال مفوضية حقوق الإنسان UNCHR في دورة إنعقادها 54th في عام1998: حيث صرح الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان إن:
حقوق الإنسان تتجاوز الحكومات والقارات، وانها هذه الحقوق تتأسس بوجود الإنسان، ومراعاة حاجاته وبأهمية مستويات وقطاعات المجتمع، كما تتجاوز التنميط لأجيال وتتسع عن قولبتها بصفات إعتبارية للدول والحكومات والمجتمع المدني المفتوح أو المتخصص أو عن حدها بإعتبارات ثقافية تاريخية ودينية ترتبط بنوع من الإطلاق كان يمكن تجنبه بتحديد قانوني أكثر.
وكانت دورة الإنعقاد الثانية والخمسون للجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1997 تجاوزت الإختلاف حول أولية الإلتزام القانوني بحقوق الإنسان بين الحكومات والشعوب بتغليبها مفهوم إرتباط الإلتزام بالشعوب وحكوماتها على مفهوم الإلتزام بين الحكومات وشعوبها . وكان ذلك في وقت يعرف الناس فيه ان الشعوب التي يتحكم بها رأس المال والتصاريف الحكومية لها لاتملك شيئاً كثيراً من أمرها
ويرتبط الحق في التنمية بعدد من العوامل والعمليات يتمثل بعضها في:
1- حرية الإستعلام والتعبير
فحيازة المعلومات الصحية تقوم كإمكان مهم للتنمية كما إن إذاعة أو حيازة معلومات خطأ يضر بالتنمية. مما يرتبط بعدم منع الأفراد والمجموعات من حق الوصول للإستعلام وحد فرص النقاش العام بالمنع والقهر و العقاب مما يقلل فرص الإتفاق العام والتفاعل الجمعي بالإنتهاكات الجسمية والمعنوية والقمع بالقانون، والرقابة، وقسر الصحافيين، ومنع الكتب، وإطالة الظلال السياسية أو الإدارية، والإجراءات القضائية المغلقة، والتحصن بمزيات البرلمان أو تشديد الحصانات المهنية.كانت تمثل "المفوضية الدولية لدرس مشاكل الإتصال"
International Commission for the Study of Communication Problem’s
الأوضاع الإجدر بالنقد في علاقات حق التنمية بمجال المعلومات كما إن هناك أسباب أخرى تتعلق بنفس الطبيعة القمعية للوازم حق التنمية مثل السيطرة الإقتصادية والإجتماعية لرأس المال المحلي والشركات الدولية المتعدية الحدود، وضعف البنية التحتية، والسيطرة على وسائل الإعلام وتحديدها ماهو خبري وما ينشر وما لاينشر، وموضوع النقاش، ووفرها الخبراء الإختصاصيين، إضافة للتقاليد الثقافية
كما نوهت الدراسة للعلاقة بين حقوق الإنسان والسلام والتنمية ووثقته بإتجاه الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1981للإقرار بحق الناس في الإستعلام عن السياسات والبرامج العسكرية والحكومية وإتجاهاتها،
2- المشاركة الجماهيرية
المشاركة الجماهيرية الفعالة للتنمية هي المشاركة التي تضم الطبقة العاملة الصناعية والمخدمين وكادحي الريف كما يمكن أن يستعان فيها بمنظمات الأمم المتحدة المتخصصة مثل منظمة التربية والثقافة والعلوم UNESCO والأغذية والزراعة FAO ومنظمة العمل الدولية ILO وبـ"المجتمع المدني" بشقيه الجغرافيين المحلي والدولي بما فيهما المنظمات اللاحكومية NGO’s
فبدون إقرار حق المشاركة فإن فقراء الريف لا يتمتعون بفوائد البرامج والمشاريع المقترحة للتنمية، بل تذهب أعظم ثمراتها للذين يسيطرون على الأمور في المجتمعات الزراعية.
وفي حالات عددا فإن حق المشاركة يضمن بالقانون ولكنه لا يجد المجال للتنفيذ أو لايجد كادحي الريف التسهيلات والضمانات الملائمة لهم لإقتضائه، وفي واقع الدول النامية فإن حق المشاركة لا يجد مجالاً للتشكل كقانون .
كماان الذين يستفيديون من هذا الحق يجب أن يقبلوا الإنتظام محلياً ووطنياً أإن كانوا منتجين ومستهلكين، أو متضررين، أوكانوا مواطنين
عدم التمييز في تطبيق الحق في التنمية والآمان به بما يتضمنه من إحترام لحقوق الإنسان، ومصالح المواطنين، والأقليات، والأفراد، عنصراً أساسياً في تقرير السياسات الوطنية.
إن وجود آليات رسمية للمشاركة العامة لايعني بشكل تلقائي: وجود مشاركة عامة حقيقية في مستوى فاعليتها وتمثيلها لمواقع طبقية وعنصرية وأغلبية عددية تعكس السيطرة على الموارد والنظم أكثر مماتعكسه من أحوال سالبة في كثير من الأحيان للتخلص من المسئوليات، والتفارقات الآيديولوجية، والسيطرة على الإعلام .
وفي عام 1981 في دراسة قدمها السكرتير العام للأمم المتحدة عد الحق في التنمية حقاً أصيلاً من حقوق الإنسان بمقتضى الحقوق السياسية أو الإقتصادية الإجتماعية والثقافية فرادة وجمعاً بحيث يضحى نقض هذا الحق بمثابة نقض لهما مما يظهر الحاجة للنظام السياسي والإستقرار والحداثة والبناء القومي أو الوطني والتفتح الثقافي على القيم الدولية.

مما يواشج الحق في المعارضة مع إختلاف الفعالية من التنمية والحيوية في المجتمع كما يبدو مستخيلاً الصراع لأجل الحقوق الأخرى للإنسان دون هذا الحق حيث ينشر إلتعسف فيه الخوف والكراهية والعنف الذي قد يتصاعد بين الطبقات أو الإقاليم أو الأعراق .
وعقدت الدراسة الصلة بين الحق في التنمية والحق في الإستعلام مما يتأتي بنبذ التضليل من جهة ونشر الأفكار المقدرة للكرامة الإنسانية للفرد من جهة أخرى في مجتمعه وجماعته وحقوقه الأصلية كإنسان، بما في ذلك من أفعالل خارجية فدون الحق في الإستعلام والحق في التعبير عن الرأي فإن الوصول للحقائق ينهار وبإنهياره يفتقد الإجتماع الهادئي بين البشر وفبغيابه تغيب معه حقوق المعارضة والمشاركة .

إعلان الحق في التنمية
The Declaration on the Right to Development
يشمل الحق في التنمية مجالات الحقوق الإقتصادية الإجتماعية والثقافية والطروح السياسية .
1- لكل فرد الحق في نظام محلي ودولي يحقق ما عين من حقوق

2- تساو الحق في التنمية والحق في تقرير المصير

3- للشعوب الحق في إنفاذ سيادتها على ثرواته الطبيعية ومواردها

4- الإنتباه لأهمية كافة حقوق الإنسان

5- أهمية السلم والأمن العالميين كعناصر أساسية لإنفاذ الحق في التنمية

6- العلاقة القوية بين نزع السلاح والتنمية

7- مركزية الفرد الإنسان في موضوع خطى التنمية

8- على الدولة مسؤولية خلق الظروف الملائمة لتنمية الشعوب والأفراد

9- الأفراد والشعوب لها الحق في الإشتراك والإسهام في كافة نواحي التنمية الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والسياسية

10- للشعوب والأفراد الحق في التنمية

11- على الدول التعاون لمواجهة وإزالة عقبات التنمية

12- وحدة حقوق الإنسان وتكاملها

13- على الدولة أخذ الخطى الضرورة لمواجهة معوقات التنمية الناتجة من فشلها في توطيد حقوق الإنسان.

14- على الدول تأمين المشاركة العامة في كافة المستويات كأهم عنصر في التنمية مع تأمين حقوق الإنسان
وبعقد الإئتمار الدولي لحقوق الإنسان في شهر يونيو سنة 1993 في فيينا أٌصِلت حقوق الإنسان كهدف تسعى له ولحمايته الدول والهيئات الدولية إذ دعا الإثتمار الشهير بتوكيده سواسية كافة حقوق الإنسان إلى:

1- أن يمركز نشاط الدولة في حماية الحريات وحقوق الإنسان وتنميتها .

2- أن تمركز الدولة الديمقراطية والتنمية وحقوق الإنسان والحريات الأساسية كمقومات أساسية لنشاطها بالتلازم جمعاً أو بمفرد كل منها.

3- ترتكز الديمقراطية على حرية الناس في التعبير عن أمرهم في النظم السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية.

4- عالمية وإطلاقية الحق في التنمية.

5- الإنسان هو مركز التنمية.

6- قصور التنمية لا يعني إنقاص الحقوق الدولية.

7- تفعيل الحق في التنمية يعني تفعيلاً للسياسات الوطنية للتنمية ولعلاقات الإقتصاد الكفؤية وللبيئة الإقتصادية المناسبة على المستوى الدولي.

8- تقليل المجتمع الدولي لفداحة الديون الخارجية على الدول النامية إضافة لجهود حكومات هذه الدول في إقامة حقوق شعوبها الإقتصادية الإجتماعية والثقافية .

9- توقف الدول كل إنتهاكات حقوق الإنسان ومسبباتها وتزيل كافة المعوقات والصعوبات التي تواجه تمتع الناس بها.

10- المنظمات غير الحكومية والمنظمات القاعدية لها الفاعلة في التنمية يجب أن تقوم بدور أساس على المستوى المحلي والدولي في النقاش والنشاطات والفاعليات المتعلقة بالحق في التنمية، والتعاون مع الحكومات في مواضيع التعاون التنموي كافة.
[وفي عام 1996 أقرت مجموعة العمل التي أسستها مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الدور الهام لـ"المجتمع المدني" كشرط لنجاح تفعيل الحق في التنمية بما يشمل في العناية بمشاركة "المجتمع المدني" بشقيه من منتظمات مقاومة العسف للعمال والرزاع والمعطلين عن العمل والمنتظمات الممثلة لما سمي بـ"الإهتمامات العامة" مثل منتظمات العناية بالبيئة وحماية المستهلك وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وضمان إشتراكها بفاعلية في نقاشات وأعمال وقرارات منتظمات الأمم المتحدة ومنظمة التجارة الدولية وغيرها من المنظمات الدولية على المستويين المحلي الوطني والدولي في إقرار الميزانيات مثلاً وفي تقرير السياسات الإقتصادية الإجتماعية]
11- تمثيل (الهيئات الإستشارية) في نشاطات المستوى الوطني وفقاً لضرورة تقديم تصورات ومشروعات لمراقبة وتفعيل الحق في التنمية
[تشمل الإيمأة المضمرة بصياغة المادة بإصطلاح (الهيئات الإستشارية) والقوسين الذين وضعناها بينهما، مجموعات الرأسمالية المحلية والدولية فقد بينت منظمة "المادة 19" شمول هذا الإصطلاح لكل من:
(القطاع الخاص) و(المجموعات المائزة في نشاطات تعزيز وتقوية أهداف التنمية الوطنية) وهي صياغة تضمن بتدقيقها صياغة إصطلاح (الهيئات الإستشارية) مقاعداً ثابتة لمنظمات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بكافة عمليات التنمية الوطنية؟!]

12- المشاركة كمحور لنجاح وإدامة التنمية

13- المشاركة في صنع القرار، وحكم القانون، والديمقراطية، والشفاف، والحكم والإدارة المحاسبين، في كافة قطاعات المجتمع، تبدو ضرورات وشروط لازمة لفاعلية سياسات التنمية

14- يتوصل لمشاركة المجتمع الكلية بمساعدة الحكومات وحمايتها كافة حقوق الإنسان والحريات الرئيسة بما يشمل الحق في التنمية

15- على الحكومات جعل المؤسسات العامة أكثر إجابة لإحتياجات الناس

16- على الحكومات تأسيس مؤسسات وإطر قانونية ولامركزية تسمح للناس بمشاركة أكثر في صنع القرارات المتعلقة بحياتهم

17- تدعيم الحكومات لإدارة العدالة وللإدارة العامة المجيبة إحتياجات المواطنين والكافية ضروراتهم

18- قناعة الناس بالتنمية هو مفتاح شراكتهم فيها مما يتحقق بتقريرهم معانيها وامرهم فيها، ومشاركتهم الفعالة في تنمية احوالهم.

19- وجوب تمثيل المسحوقين والمتضررين بفعالية في تأسيس وإدارة المنظمات المستقلة التي تمثل مصالحهم في كل الإطر الدستورية لبلادهم

20- وفي البلاد التي يضعف فيها تمثيل المجتمع المدني يجب أن يكون هم السياسات هو تفعيل هذه المشاركة وتقويتها

21- ضرورة مضاعفة مشاركة الدول النامية في عمليات صنع القرار في المنظمات الدولية




23- مستلزمات المشاركة العامة

1- إحترام الصلة بين حرية الإستعلام و فاعية إشتراك الناس في التنمية
إحترام الحق في طلب المعلومات والحصول عليها والدخول لأنواعها كافة، خصوصاً التي تمسك بها الحكومات ومؤسسات المعلومات المعرفية والإعلامية كأس ضروري للحق في التنمية .حيث ان غياب التشريعات المفضية للحصول على المعلومات او غموضها يؤشر بصورة عامة على فقدان فاعلية الإعلام المستقل وصلة الإعلام الممتلك بالدولة مع الحكومات التي تغلق المداخل للمعلومات والنقاش العام في الشؤون العامة

2- نبذ الإقصاء الإجتماعي
حيث تتطلب المشاركة نبذ الإقصاءات الإجتماعية المؤسسة لإنتهاك كرامة الإنسان بالمعنى المتسع للإقصاء الإجتماعي بما في ذلك القواعد المؤسسة لهذه الإقصاءات المسئية لكرامة الإنسان والمعرقلة لإشتراك الناس . وبهذا المجال يشار إلى قوة الصلة بين ممارسة الإقصاء بسياسة الحكومات عن إرادة الذين يتم الإقصاء بإسمهم، فبهذا الصدد كان وزراء خارجية مجموعة السبع وسبعين (G77) قد أعلنوا في يونيو عام 1994 أهمية دمقرطة العلاقات الدولية ونادوا بـ: مشاركة كلية وفاعلة للدول النامية في عمليات أخذ القرار وتطبيقه في مشكلات العالم الإقتصادية. ورغم هذه المناشدة فقد فشل عديد من الحكومات في مقرطة علاقاتها الداخلية وفي إقامة مشاركة كلية وفاعلة لشعوبها في المجالات المحلية والإقليمية والوطنية للعمليات صنع وإتخاذ القرار وتنفيذه وعلاج مشكلات الإقتصاد.

3- قيام الإشتراك في التنمية بحرية وطواعية
أ- اشتراك الناس الفعال الذي يتطلبه ويقتضيه الحق في التنمية والإعلان الدولي لشروطه الوطنية يحتم إشتراكهم رسمياً أو شعبياً في التنمية بطواعية تأسيسهم لمنظماتهم وجمعياتهم، وتعاضدهم بحرية، إقامة لرؤاهم، وتعبيراً عن وجهات نظرهم، وتحقيقاً لأهدافهم بمفردهم أو بالإشتراك مع غيرهم.
فمبادئ وإتجاهات "الإعلان العالمي للحق في التنمية" تفترض أن للمنظمات والأفراد حق في الإشتراك في تخطيط وتنفيذ ورقابة وإدارة وتوجيه وتحويل وتدقيق برامج الدولة ومشروعاتها، كما هو حق لمن يرتبطون بالصفات الإعتبارية المتعددة .في هذا الصدد فقد قام وزير الدولة الأسبق لوزارة الشؤون الخارجية لجمهورية مصر العربية، السكرتير العام الأمم المتحدة [الأسبق] السفير بطرس بطرس غالي Boutros Boutros-Ghali الذي نحته الضغوط الأمريكية بإيضاح وثوقية وتواشج العلاقة بين التنمية وقيام مؤسسات ديمقراطية بحيث تصبح هذه العلاقة: "بنوداً للتنمية" An Agenda for Developmentفبقيام المؤسسات بطريقة لاديمقراطية تجبر أعداد من الناس على الصمت، ونبه الوزير الذي كان مدافعاً طيلة السبعينيات عن السياسة المؤذية لفتح الإقتصاد المصري لقوى السوق الدولية لأهمية الإعتماد على الذات ولدوره الواسم للتنمية مضيفاً: ((إن نجاح كل بعد في التنمية ينعقد بنجاح البعد الآخر وبتقدم معان مفهوم إصطلاح "مركزية الإنسان" فالتنمية الناجحة لا يمكن تحقيق أحد أبعادها بعزل أحد مقوماتها. وبدون المشاركة السياسية الحرة يضحى الناس بلا صوت في تقرير مصالحهم الفردية والعامة. ))

وإزاء تفتح "الإعلان العالمي للحق في التنمية" وتقريره حريات الناس في الإستعلام وفي المشاركة بكافة النشاطات، رحبت منظمة "المادة 19" بطلوع الإجماع على الحق في التنمية، في ماسمته بـ"المجتمع الدولي" بنحو قد يؤخذ بإتجاه مضاعفة الحق في التنمية بتفعيل وجسر للحقوق المدنية والثقافية والإقتصادية والسياسية والإجتماعية.
كما أملت المنظمة من الحكومات عدم العودة لعاداتها في إنتهاك حقوق الإنسان منتقدة إستخفاف بعض الحكومات بالحقوق المدنية والسياسية بمعبرة عن ذلك بما معناه أنه معيق وواحدي، فتخبيث حقوق المشاركة يتجاهل حقيقة إن التمتع بالحق في المشاركة السياسية بناء على محاولة أفراد الإقامة بمنطقة معينة -لنيل عضوية المجتمع وجماعاته الإجتماعية والسياسية والتصويت بإنتخاباته- بعيد عن وضع الضرورات العملية لإحتياج الأفراد أولاً لقسط من التعليم يمكنهم من معرفة المواضيع الشاغلة للمجتمعات قبل إشتراكها في أحداثها وخوضها حملاتها.
نأهيك عما بعد ذلك من إدعاء بقيام المجموعات المهاجرة بالتأثير بأصواتها على النتائج العامة للتصويت فيها. كما إن تخبيث حق عموم الناس في المجتمع في المشاركة السياسية بعيد عن تصور إنعقاد هذه المشاركة بمستوى مالي ومعيشي ومفاهيمي تتطلبه للإشتراك بعمليات صنع القرار في مستويات الإدارة المحلية والإقليمية والوطنية والدولية.

كذلك فإن تقدير بعض الحكومات لإستمرار التنمية مع تجاهلها أرصدة إمتهانها حقوق الإنسان المدنية والسياسية وتكبيلها. مثل كثير من الحكومات المنادية بـالحق في التنمية التي تستخدم قوانين عقابية ومدنية وأمنية ومساطر إدارية تمنع الإفراد والمجموعات المشاركة الكلية وتحد من سيطرتهم المباشرة على حياتهم.

وكان المقرر الخاص للأمم المتحدة لحرية الرأي والتعبير
UN s Special Rapporteur of Freedom Opinion & Expression قد طرح انه ((بالإضافة لدعم حرية التعبير السياسي، فان هذه الحكومات عليها سن القوانين المانعة من الإعاقة العفوية أو المنظمة للتنمية والحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية))

وكانت منظمة "المادة 19" قد قدرت إزاء هذا الطرح في سنواته تلك 1998 أن الحكومات المماحكة في الحق في التنمية يجب عليها ان تعلم أن الناس الذين لايمكنهم بفاعلية ممارسة حقوقهم المدنية والسياسية لاتتحقق عندهم تنمية.

24- بيضة التنمية أم دجاجتها؟:

بعيداً عن وهج الإعلانات والتقارير الدولية سنحاول أن نؤثل التناقض بين أحوال قيام الشعوب بتنمية أوضاعها السياسية والإقتصادية-الإجتماعية والثقافية وأحوال المواثيق والمعاهدات الدولية التي تبلورت بعد الحرب العالمية الثانية، سواء كان هذا التبلور في إطار الحرب الباردة ضد الشيوعية التي قامت مجتمعاتها بتنمية أوضاعها في سنوات قلائل، أو في إطار عالم القطب الواحد بأتنازعه الأوربي- الأمريكي وبأزماته الخانقة التي لا حل لها إلا بالثورة الشاملة لنضال الطبقة العاملة والشعوب المضطهدة التي تغير بشكل شامل وجذري الأوضاع العامة لتشتت وتناقض وموارد وهياكل ووسائل وقوى وعلاقات الإنتاج فيها ومزيلة سيطرة قلة في المجتمعات على موارد الناس ووسائل عملهم وأعباءه وحيازتها من كدحهم على أعظم ثمراته، وتركهم نهباً للتكالب على فتات ضروراتهم وذل الحاجة إليها.

فـ"الإعلان العالمي للحق في التنمية" يربط عملية التنمية بمجموعة معايير سياسية تتمثل في إقرار حقوق الإنسان والديمقراطية وحرية الإستعلام وفتح أبواب المشاركة المحلية والدولية. بينما يختلف الواقع الطبقي للمجتمعات على المستويين المحلي والدولي عن هذا التقدير الخفيف. فقد جاءت الإشارة الدولية من قبل إلى إرتباط حقوق الإنسان والإشتراك الفاعل في التنمية بمستويات عليا من التعليم والعيش والثقافة، لا يمكن بدونها القول بحقيقة المشاركة المحلية في التنمية، كما ان المقاعد الذهبية في المؤسسات الدولية كمجلس الأمن أو في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي قد تسمح بمشاركة الدول النامية في عملية نقاش القرارات ولكنها لا تضمن بأي شكل تأثيراً يواز عدد الدول النامية في المجتمع الدولي ولاغالبيتها فيه، في المركز الدولية لإصدار القرارات في الهيئات التي ذكرنا. فقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة وكافة الهيئات والمجالس والإتحادات التابعة لها بحكم قوانين تأسيسها لاتتمتع بالصفة الإلزامية على من يعارضها بعكس قرارات مجلس الأمن الذي تتمتع قرارته بقوة الإلزام المعنوية والقسرية وصندوق النقد والبنك الدوليين بالنفاذ الموضوعي لقرارات هيئاتها .
كذلك يبدو الحال نفسه في الدول النامية: حيث ثمة إمكانات لعدد من قطاعات سكانها التي تتمتع بمستويات متقدمة من التعليم والعيش والثقافة للمشاركة في نقاش القرارات، بينما تبدو هذه القطاعات على قلة عددها مفتقرة تماماً للقدرة على المشاركة في مركز القرار الوطني الذي يخضع لتأثيرات الدول التي يتمركز بها النشاط الإمبريالي لرأس المال، وتواشجه وسيطرته على قدرات تلك الدول المعروفة بـ"السبعة الكبار" (G7) وقراراتها الإقتصادية والديبلوماسية والعسكرية والمالية، وهي نفس الدول التي تعيق عمليات التنمية في الدول النامية والمشاركة الفعلية المحلية والدولية في حل الأزمات الأساسية للنظام الرأسمالي العالمي للإستثمار والتبادل الذي يحقق لتلك الدول السبعة الرفاه بسيطرتها على مقاليد التجارة والصناعة الدولية وبسياسات حماية أسواقها الزراعية والصناعية وسيطرة رساميلها وبنوكها بشقاء العدد الغالب من دول العالم ومجتمعاتها وقواها !

من هنا ففي ظروف الديكتاتورية الدولية لرأس المال الإمبريالي، وسيطرته على عمليات الإستثمار والتمويل والتجارة وتوجيهه المباشر وغير المباشر للمؤسسات العليا للمعرفة بتمويل البحوث والدراسات وعنايته بتطوير أقسام محددة من المعرفة دون غيرها وحجب مؤسساته الإعلامية لإمكانات الحصول على المعلومات الضرورية للثورة على أوضاع الإستغلال الطبقي والتبعية، ونفوذ مؤسساته وعلاقاته الديبلوماسية ضد الخيارات التنموية لبعض المجتمعات الثائرة على سيطرته وفعالية ضغوطه العسكرية الباردة والساخنة ضدها تجعل من الصعب القول بإمكان تحقيق الكثير من بنود وإتجاهات الإعلان العالمي للحق في التنمية ، ففي ظل الديكتاتورية الدولية
لا يمكن الحديث عن ممارسة الناس والدول لحقوقهم المدنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية كما إن التنمية لاتتحقق عندهم.

فبمثل هذه الإعلانات تتواشج الاتجاهات المختلفة في تقوية لدور المؤسسات المالية الدولية وزيادة تحكمها بموارد الشعوب والدول دون أن تقدم مجموعة فاعلة من الإجراءات الموقوتة الهادفة لإزالة الديكتاتورية الدولية التي تحكم أوضاع العالم ومجتمعاته.


25- بعض المعالم النظرية لأزمة الفكر التنموي

1- العجز عن تفسير التخلف:
كانت البلاد الموسومة بالتخلف ذات حضارات عظيمة الشأن والحال وكان هيكلها الإنتاجي أكثر سعة وأرفع كيفاً من الهيكل الإنتاجي للدول المسماة حالياً بإسم "الدول المتقدمة" وكان إسهامها في الإنتاج ونصيبها من الدخل العالمي أكثر مما هو الآن؟ لذا يثور في مجال تنظيرات التنمية الشمولية ذات الطابع الإجتماعي التقدمي السؤال الشهير: ما الذي خلفها ؟ وكيف ؟ وكيف تنامي تخلفها؟

ويرتفع شأو السؤال في مقابل التناول الجزئي السطحي لأحوال البلاد الموسومة بالتخلف في أدبيات التنمية التقليدية الرأسمالية حيث تتناول التخلف بإعتباره مجرد عنصر عائم هلام أو جامد متحجر وفي الحالين تغلب سمة منه أو فيه أو ظرف محيط به أو حال على بقية السمات والظروف والأحوال التي أنتجته وذلك على النحو الآتي بيانه:

أ- التخلف كحاصل جمع لسمات التخلف!
تقوم الأدبيات التقليدية للتنمية أي الأدبيات التي تتناول التنمية بمعزل عن نقد أحوال الإمتلاك الرأسمالية الخاص لموارد ووسائل الإنتاج العامة، وتوزيعه الموارد والمنافع في المجتمع وفقاً لمصالحه، بتعريف التخلف بإعتباره نتاج لعوامل عددا منها إنخفاض متوسط دخل الفرد، ونقص الإدخار، وضعف رؤوس الأموال، وضعف الإنتاج وإنخفاض مستوى التكنولوجيا، وإرتفاع نسبة المشتغلين بالزراعة، وإرتفاع نسبة النمو السكاني، والأمراض، والأمية، وسوء التغذية، وإنخفاض الأعمار، وعادات الإكتناز، وسوء الإدارة، وضعف الإتصالات..إلخ.
حيث يقوم الفكر التنموي التقليدي -أو الرأسمالي بتعبير أدق- بعملية مقارنة لهذه المؤثرات بين الدول ومن ثم يقوم بفرزها إلى دول متخلفة وأخرى متقدمة، فيما يعرف بـنهج "مقاربـة الفجـوة" Gap Approach الذي يقوم على هذه المؤشرات النمطية النموذجية .
وبهذه المؤشرات يقوم الفكر الرأسمالي بوصف التخلف وصفاً ساكناً جمدياً دون تحليل لأليات تكونه ولسيرورة فواعله، توطئة لتغييره، ويخلط بهذا العرض الجمدي الساكن بين كون بعض المؤشرات التي ذكرها تشكل أسباباً للتخلف وبعضها يمثل نتيجة لهذه الأسباب، مما يجعل البحث في موضوع التخلف في هذه الحال بحثاً دائرياً مغلقاً لايفيد كثيرأ في إقامة مفهوم علمي له يساعد على تفكيك الأوضاع المنتجه وإزالة الأحوال الناتجة منه.

ب-إعتبار التخلف نتيجة لعدم توازن قطاعات الإقتصاد
المثال الشائع على هذا هو الوسم التقليدي للمجتمعات الأفريقية والشرقية المتخلفة بأنها تعان من إزدواجية إجتماعية لوجود النظام الرأسمالي الحديث إلى جانب نظمها السابقة للرأسمالية ولان كل نظام يتطور في إتجاه مختلف تحصل حال من الإنفصام العام تعيق نمو هذه المجتمعات. حيث تتباين السياسات وتختلف من أحد القطاعين، إلى الآخر بصورة معيقة لوحدتهما وتقدمهما المشترك.

ولا يقدم هذا التفسير جهازاً مقنعاً للتحليل يظهر نشوء وتطور التخلف وأسبابه وكيفية القضاء عليه...ويسطح العلاقات الإنتاجية والإجتماعية داخل القطاع (الحديث) [ = الرأسمالي] وداخل القطاع المسمى ب(التقليدي) [ = شبه الإقطاع] بما يقطع العلاقات بينهما في الواقع مثلما يقطع علاقتهما ككل بالنظام الرأسمالي العالمي وتقسيمه العمل بين الدول وألياته التجارية والنقدية كما يخفي التحليل القطاعي الجزئي العمليات الإستعمارية التقليدية والحديثة والداخلية كذلك بين أبناء الوطن الواحد التي أوجدت وتوجد هذه الظاهرة الإزدواج.

وبالعجز الموضوعي لهذا التناول المجزوء لأحوال التخلف يصبح من الصعب الحديث عن صلاحية أفكاره لتغيير التخلف تغييراً جذرياً، بل هو يقارب أجزاءاً من الظاهرة دون أن يمس عمقها.

ت‌- التخلف كتأخر زمني
يقوم هذا التناول لظاهرة التخلف على تقسيم النمو لمراحل زمانية تميز عن بعضها البعض بنموء قوى الإنتاج كمياً وتكنولوجياً من مرحلة المجتمع البدائي، إلى مرحلة التهيوء للإنطلاق، فمرحلة النضج، ثم مرحلة الإستهلاك الوفير، ويتم إرتقاء هذه المراحل بعملية التنمية.

وتتمثل التنمية في هذا التناول في إجراء عدد من التحولات تشمل رفع معدلات الإدخار والإستثمار، وتغيير الميول الإجتماعية ليزيد الناتج القومي لتلحق البلاد المتخلفة بـ"ـركب التقدم"!

وهذا التفسير الضحل للتخلف والتنمية يعتمد على رصد التغيرات في قوى الإنتاج فقط حيث أغفل ذكر أهمية أي عامل إجتماعي ولم يهتم بتوضيح أي كيفية لتحقيق غجراءاته الإقتصاديةوإعتبر الرأسمالية وإستهلاكها الوفير هو نهاية التاريخ، دون ذكر لأليات هذه الإستهلاك أو ذكر النتائج والظروف الفعلية لنشاطات الرأسمالية في البلاد...المتخلفة.

ث‌- التخلف كمنتج للتخلف
وهو تعريف طريف في دائريته المغلقة فضعف الإستثمار يرد لضيق السوق الذي يرد لنقص القوى الشرائية للأفراد الذي يرد لإنخفاض دخلهم الذي يعقد بإنخفاض الإنتاج الذي يتصل بإنخفاض الإستثمار وهكذا دواليك يكون البلد فقيراً لأنه فقير.

وهو تفسير يثبت بعض عوامل التخلف بإعتبارها حال منبتة لا صلة لها بالعلاقات الإقتصادية –الإجتماعية الداخلية والخارجية وحركيتها وسياساتها. كما يتسم هذا التنظير اللاواقعي للتخلف بنزعة ألية ميكانيكية لتصور وازن الأفعال وردود الأفعال عند الكفاف!؟ والإعتقاد بتراكم التخلف بزيادة السكان وقلة الإستثمار فقط لاغير؟!
وحال المدرسة الدائرية هذا ينقصه عدم تفسير التخلف ونشؤه وتطوره إذ لاترى علاقاته بمحيطاته التاريخية والإجتماعية المحلية والدولية وتغفل تاريخه والعوامل المهمة فيه، والعلاقات بين العناصر القائمة بتنظيمه. مما ينقص الطرح الدائري الكثير من الموضوعية، ويكنفه في حال جزء لمراقبة بعض الصلات الإقتصادية لبعض العوامل الإقتصادية ببعضها الآخر.


ح-الإتجاهات النفسية-الإجتماعية في تفسير التخلف

تتمثل هذه الإتجاهات النفسية الإجتماعية في تناول التخلف بإعتباره مشكلة نفسية-إجتماعية يتم إختزالها في أوصاف مرضية من نوع: "غياب روح المغامرة" و"عدم وجود المنظم الفعال" "إنعدام الروح الفردية" و"تحقير الكسب المادي" "اللاتخصص الإقتصادي" و"جمود الحراك الإجتماعي" و"تخلف العادات والقيم الإجتماعية".

وبهذا التناول (الفوقي) لأبعاد التخلف يمكن القول بأن أنماط السلوك الفردي هي التي تحدد البناء الإقتصادي الإجتماعي مع أن الأنجع والأصح والأدق هو أن الإنسان تتكون سلوكياته في بنية إقتصادية سياسية إجتماعية وثقافية سابقة على وجوده المفرد فيها، وهي التي تؤثر عليه وتنتج تخلفه وليس العكس من أن تخلفه هو الذي ينتج تخلف بيئته ؟! فكم من إنسان متخلف في مدينيته صار من المشار إليهم بالبنان بفضل توافر بيئة ملائمة لإطلاق طاقاته!؟ وكم من إنسان متعلم حبست تطوره الحال المحبط المملق لإمكانات تطوره.

وهذا الأمر البسيط في الحياة يدعو للعجب من مثل هذه التنظيرات فوفقاً لطرحها أن الإقتصاد هو نتاج سلوك الأفراد فإن مجرد تغيير هذه السلوكيات يضحى هو المحرك لنقل المجتمع من حالة التخلف إلى حال التقدم ؟! علماً بان سلوكيات الأمريكان تختلف بدرجة كبيرة عن سلوك اليابانيين ومع ذلك فالدولتين على درجة عالية من النمو.كماأن المسلك القبرصي يتوافق والإنكليزي ولكن درجة نموهما تختلف.

فإضافة لهذا المنظور الذي تختص به المصحات والمستشفيات يرى جانب من هذا النوع من التنظيرات النفسية الإجتماعية أن تغيير هذه الأوضاع ممكن بواسطة النخبة ذات السلوك المختلف وبإستخدام التعليم لدفع قيم الإنجاز والتفوق في المجتمع! ولأن هذا التنظير لم يوضح كيفية نشوء البناء الإقتصادي –الإجتماعي وتشكل نخبه أو فاعلية تعليمه فمن الصعب القطع بأنه يستطيع بوسائل ناتجة من هذا البناء إحداث تغيير جذري فيه.

كما ان التعويل على "النخبة المحلية" يتجاهل دور "النخبة الدولية" سواء كانت هذه النخبة بمؤسسات الأمم المتحدة الإشتراكية السمة التي تقوم فيها المشاركة بسواسية عجيبة في الكلام عن الشؤون العامة أو كانت هذه النخبة في مؤسساتها المالية القابضة للأمم المتحدة التي تكرس سيطرة رأس المال على شؤون مجتمعات العالم.
ففي مقابل مفهوم النخبة يبدو أمراً فعالاً في تحريك القدرات الشعبية التعويل على لامركزية الحكم كفلسفة منهاجية للحكم الشعبي المحلي والمشاركة العامة في تقرير الموارد والإنتاج والخدمات والعوائد كمؤل لتحريك الناس كيفما كانوا لإمكانات التقدم الإجتماعي ومضاعفتها بتصاعد الخبرات والمصالح الشعبية. فقط في ظروف بناء عام يحقق فعلاً اللامركزية المنشودة على المستويات العامة لسياسة الدولة الإقتصادية وأبعادها الإجتماعية-الثقافية.
ففي بلد كالسودان وؤدت محاولات اللامركزية بفعل مركزية برامج البنك الدولي ومتوالياته من هيئات المعونة الأجنبية التي عززت تمركز الميزانية العامة، وحددت بنود التوريد والصرف مختصة المركز السياسي–الإجتماعي الثقافي لبلد واسع متعدد الأعراق والثقافات كالسودان بتقرير حجم المبالغ التي يجمعها كل مجلس شعبي من المواطنين ولو على حساب تنمية أهله، ولزم الإدارة بتوريد هذه المبالغ إلى المركز، كما تحدد ميزانية المركز ميزانية كل مجلس ووجوه صرفه للمبالغ التي قد تصله أو لا تصله من المركز وغالباً ماتكون نفقات إدارية، لاتكف للقيام بمتطلبات موظفيها. وقد كانت نتيجة تركيز الثروة والسلطة وجب النخب المحلية والدولية للامركزية هي إندلاع حرب شعبية|أهلية لتعديل هذا الوضع أو لإقراره ناهز طولها عقدين من الزمان.

2- تضخيم المشكلة السكانية:
قدم توماس مالتوس Thomas Robert Malthus المولود عام 1766 والمتوفى عام 1834 في عمله الأكاديمي الفلسفي "أطروحة في السكان" Essay on Population التي كتبها في الأعوام 1803-1798 بتوضح ان: السكان يزيدون بمتوالية أكبر من متوالية زيادة الموارد.

حيث حذر مالتوس بهذا الحساب من خطر المجاعات، وعارض بهذا الطرح تنظير ريكاردو في التوازن التلقائي للسوق الذي إعتمد فيه على ما يعرف بـ"قانون ساي" Say’s Lawٍ حول إدامة السوق للموارد وتجددها بتلقاء العرض وخلقه الطلبSplay Creates Demand وهو القانون الذي توصل إليه الإقتصادي. ساي Say .J في أواخر القرن الثامن عشر ومابعده حتى نقضه ماركس وكينز.

ثم جاء "المالتوسيون الجدد" NeoMalthusism متخذين مما سمى بـ "المسألة|المشكلة السكانية" محوراً أساسياً في مشكلة التخلف، مختزلين إمكان التقدم بإعاقة نمو عدد السكان. وهو خطل بالنظر لأحوال عدد من البلاد كالصومال وجيبوتي مقارنة ببعض الدول الأوربية الشبيهة لها في عدد السكان وبمقارنة بعض دول الخليج ببعض الدول الشبيهة لها بعدد السكان ككوبا أو مالطة وبمقارنة أحوال إثيوبيا ونيجيريا ومصر، بالصين والهند إذ نجد أن معدلات زيادة نمو السكان وتفارقها مع المعدلات العامة لأحوال التطور الإقتصادي الإجتماعي لا تمثل مشكلة في حد ذاتها تنتج تخلفاً بل يمكن أخذ مشكلة زيادة السكان في تواشجها والتخلف الإقتصادي والإجتماعي الثقافي. فـ"فائض السكان" بمرحلة إقتصادية معينة قد لا يكون كذلك في مرحلة إقتصادية أخرى. فالمشكلة السكانية نفسها قد تتمثل بنقص عدد السكان أو تكوينهم النوعي عن الإيفاء بمتطلبات التنمية؟

وبكافة الأحوال فمن غير المنطقي نقل مشكلة التخلف من نطاق درسها شمولاً إلى نطاق درسها ضمن عامل وحيد.
..
3- إهمال الطبيعة الخاصة للبلاد النامية كبلاد تخضع للإستعمار
التركيز على التعامل مع التنمية كمجرد نمو إقتصادي بحت يسير في إتجاه واحد ذي مراحل متعددة، يخفي دور الإستعمار في القضاء العسكري على دول للنظم الإحتكارية الإقطاعية ومجموعة الحرف والصناعات الصغيرة التي كانت سائدة بها في البلاد النامية، وقطع تطورها وأثر التسويق المكثف للعمل البشري -إضافة لهذا الإقتلاع- وتسبيبه لرفاه المستعمرين وزيادة إنتاجهم وتسويقهم ونهوضهم الفكري كعوامل هامة أسهمت بقوة في تطور قوى الإنتاج في الدول المستعمِرة للبلاد النامية وذلك بـ:

 ما أضافه هذا الإستعمار لإقتصاداته من موارد مستغلة شبه مجانية.

 التحرر من المنافسة -غير العسكرية- للمجتمعات التي تم إستعمارها من قبل الإمبريالية الأوربية والأمريكية.

 إيجاد موارد وأسواق مضافة مكنت الإمبريالية من السيطرة على إقتصادات البلاد النامية حتى اليوم.

فإلاستعمار الذي مكن أوربا الحالية والولايات المتحدة من النمو بشكل كبير هو أمر يتعذر على الدول النامية في ظروف القرن العشرين أو الحادي والعشرين الحظو بمثله، ذلك الحظو الذي مثل رافعاً ضخمة لمستوى معاش تلك الدول وتعظيم ثقلها الإقتصادي السياسي والثقافي والإجتماعي بفعل عملية النهب الطويل للموارد المادية والبشرية الدول المستعمرة منذ الإستعباد ونقل العبيد ماقبل القرن التاسع عشر وحتى أحوال التغريب والقمع وإستنزاف العقول Brain Drain الذي ثبتته العديد من تقارير الهيئات الدولية تقرير المفوضية الدولية للهجرة الدوليـة
(GCIM) Global Commisssion on International Migration
حيث وجدت المفوضية المكونة من ثمانية عشر منظمة دولية أن أفريقيا تفقد في السنة الواحدة حوالى ثلاثون ألف عالم. هذا بالطبع غير من يقاربوهم علماً وثقافة. علماً أن كل عالم يمكن أن يدر لمجتمعه مبلغاً في حدود المليون دولار من المشاريع والخدمات .

ولمثل هذا السبب وغيره فإن الدول النامية التي بدأت تنميتها في أواخر الستينيات وسط حصارات وضغوط لم تنته إلى الآن يصعب الحديث الجاد عن تنميتها في واقع تم تشويهه والسيطرة عليه من قبل القوى الإستعمارية السابقة.فإضافة لتشويه الإرادة السياسية بحدث الإستعمار فقد فاقمت العملية الإستعمارية من تنافر قطاعات الإنتاج والإقتصاد في البلاد النامية وشرذمتها قطاعات زراعية وإنتاجية حرفية صغيرة، وحال من شبه الإقطاع وشبه العبودية والبدائية تسيطر على الأرياف إضافة للرأسمالية المحلية المتشوهة بقواعدها وتعاملاتها والنظام الرأسمالي، وأثر ذلك في إعاقة التطور العام لها كافة المستويات العددية والنوعية. ولكن معدل التطورات التي يختلف حسابها بدءاً أو إنتهاءاً بنقاط معينة مثل البداية من ساكن الريف أو البداية من الصناعة الثقيلة أو البداية من العلاقة التبادلية بين زراع الخضر والفاكهة وسكان المدن .. إلخ تسهم كثيراً بخلخلة مفهوم التنمية وزيادة عدم الثقة فيه وفي كثير من الأحايين أدت الثقافات المختلفة والمعايير المضطربة إلى فشل تحديد ماهو المقصود بالتنمية سواء من ناحية المفهوم أو من ناحية الحركة.

وبعد حوالى خمسون عاماً من دراسات المشاريع المبتورة والمقاومات المتصلة لسياساته بدأ الإتجاه الحديث في دراسات التنمية في البنك الدولي الذي هو نفسه أكبر معوق للتنمية في العالم في الإتجاه لتناول معايير متنوعة وعلاقات تشابك لم يكن يعرها علماؤه كبير إهتمام فالدراسة التي قدمها لأحد وحداته مارتين رافاليونMartin Ravallion ومينو بارزانMenno Parazan في نوفمبر سنة 1998 هي دراسة قيمة ضمن مايعرف بـ "مجموعة أبحاث التنمية الإقتصادية-البنك الدولي" المكنية بـDECRG بإسهام كل من كلية الإقتصاد وإدارة الأعمال بجامعة امستردام ومكتب البنك الدولي في اندونيسيا وتناولت الدراسة التي وردت بالرقم2011 موضوعاً يكشف صورية التنمية الراسمالية المرتبطة بالسوق والدخول والأسعار، وهو موضوع "قياس الفقر بمعايير نوعية لليسر" Measuring Poverty Using Qualitative Perceptions of Welfare كاشفة إختلال تقسيم العمل الدولي ونظامه الرأسمالي المعمق للاتكافوء ومناقضته إمكانات الشعوب والمجتمعات. وذلك رغم هم هذه الدراسات بالتأثير المعيق للنمو وبعدها عن الإرتباط بالتأثير المطلوب للتنمية.


4- الصياغات الخاطئة لمحركات التنمية وحركة سيرها
يتصور الفكر المهتم بالتنمية بأقانيم الأسلوب الرأسمالي أن التنمية هي مجرد عملية لتخلص البلدان المتخلفة من سمات ملازمة لها وكسبها سمات تلازم البلاد المتقدمة، مثل "رفعة معدلات الإستثمار" و"التكنولوجيا" فيما يتعلق بنوعين من الدراسات هما :

 الدراسات القائمة على نماذج النمو

 أهداف التنمية


أ‌- في الدراسات المتنمذجة :
وهي دراسات تهتم بالعلاقات المتغيرة في الإقتصاد الرأسمالي مثل "علاقة معدل النمو مع معدل التراكم" أو "علاقة معدل التراكم ورأس المال" أو "علاقة معدل نمو السكان ودخل الفرد" ووفقاً لسياقاتها الحسابية البسيطة فإن هذي الدراسات تعتبر التنمية تحقيقاً لتغيرات كمية في بعض متغيرات الإقتصاد بغض النظر عن الأوضاع المحلية والدولية والإقتصادية الإجتماعية المواشجة لها!

ب‌- أهداف التنمية:
هي عبارة عن وصفات جاهزة تجيب على أسئلة شكلية عن مواضيع نوع النمو المطلوب: متوازن أو متنوع؟ و مدى قوته قوي أو إرتقائي؟ تركزه في الصناعة أم في الزراعة ؟ وبإي صناعة يتمثل بالإستهلاكية أو الإنتاجية؟ وهل يكثف في الإنتاج وجود رأس المال أم العمل؟ وهل يصنع للسوق المحلي أم للأجنبي؟ ونتيجة لهذه الآفاق الضيقة جاءت هذه الدراسات عاجزة عن فهم كشف القوانين الأساس التي تصاغ بها مفاهيم التنمية المتوازنة من حيث أهدافها ووسائلها، أي بإقامة إقتصاد وطني متطور قادر على النمو الذاتي ترفع به الشعوب المتخلفة عن تلبية إحتياجات تطورها الحر المتناسق الجوانب الأساس في مستويات معاشها.

5- الصياغات الخاطئة لمقاييس وأهداف التنمية
ترتبط التناولات الفوقية للتنمية، التي تتم بمعزل عن القوى المجتمعية الأساس لتنفيذها وصاحبة المصلحة الإقتصادية–السياسية في إزدهارها بشكل منسق، بإعتماد التنظيرات التقليدية للتنمية على قياس أحوال التخلف والتنمية بحال الفجوة Gap Approach بين مستويات المعيشة في الدول المتقدمة والمتخلفة، بقياس التنمية بضيق الفجوة والتخلف بإتساعها! هو من الأمور التي تسبب أزمة نفسية لأنه بتجاهل علاقات الإنتاج لايلاحظ الإتساع المستمر لهذه الفجوة، فالتنمية عندها خارج علاقات الإنتاج وتقسيم العمل ونتائجهم.

بهذه الطروح يمكن ملاحظة الوصفية والإنتقائية على الفكر التنموي التقليدي ومجافاته الواقع بمنطق عنايته الخفيفة بالسببية، وإستغراقه بهذا النهج في ثنائيات شتى، مما يفقده الكفاءة النظرية إضافة إلى أنه لم يبحث قوانين نمو المجتمعات داخلها بل هو مطبق لتجارب الدول الرأسمالية بأدوات نظرية مثل "التحليل الحدي" و"التـوازن التـلقاء للسـوق" تقصر بأجمعها عن إستيعاب الواقع الإجتماعي-الإقتصادي-السياسي مفشلة بذلك معظم عمليات التنمية ..مما يجعلها فاقدة للكفاءة العملية.


26- نتائج تبني الفكر التنموي التقليدي

1- عدم تحقيق الأهداف المباشرة المطلوبة:
مع تأثر الفكر التقليدي للتنمية بالطبيعة الرأسمالية وأخذه لطابعها العام بمجافاته الوجود الموضوعي لعلاقات الإنتاج بما فيها من ملكية موارد ووسائل ومنافع عامة، ولطبيعة تقسيم العمل وثمراته بين الطبقات والدول، أفرزت العمليات التنموية القائمة على هذا الفكر تفاوتاً حاداً في الدخول وتدهور مستويات المعيشة. وقد أثبت هذا التفاوت خطأ الإعتقاد العام بأن [التنمية = رفعاً لمستوى الدخول] حيث إنخفضت الدخول الحقيقية على المستويين الداخلي والخارجي مما أكد بدوره صحة حساب [التنمية = هيكلاً متكاملاً لرفع معدلات النمو الأكثر إجتماعية وتوزيعه].

ويعزز هذا الإثبات مقتضى التنظير الشمولي للتنمية المتمثل في أن حل قضية توزيع الموارد والأعباء كحل سياسي يجب أن يستخدم أدوات غير تقليدية خارج نطاق السياسات المالية العامة المتعلقة بالضرائب والإنفاق العام، وهو حل له إرتباطه القوى بتحرر القوى الإجتماعية الأساسية في الإنتاج.


2- نماذج خدمات وتصنيع فاشلة:
أدت عمليات التنمية الرأسمالية الطابع لإحداث تشويه بنيوي وظاهري في نمطي الإنتاج والإستهلاك لصالح سكان المدن وأصحاب الدخول العالية ، مسجلة غربة ملاحظة عن السوق المحلي في مواده الخام ونوعية منتجاته وعائدات الإنتاج والعمالة الملتحقة به والطلب الذي تخلقه وآثاره...كما إنها لم تراع في مجال الخدمات إرتباط هذه الخدم بالقدرات الإنتاجية وعائداتها.. وبالتال ضمان إستمرارها، ولم تقم التنمية الرأسمالية بتوزيع هذه الخدمات تناسبها اعدداً ولا نوعاً بصورة تآلف الإحتياجات الشعبية.

3 - تضخيم دور الإستثمار في التنمية:
بعقد التخلف بإنخفاض مستويات الإستثمار دون إهتمام بنوعية الإستثمار ومدى إنتاجيته مما أدى ويؤدي إلى :

 إهمال تنمية الموارد البشرية ووتخطيط القوى العاملة وعدم كفاءة إستخدام الموارد الأخرىوتشويه إستخدام بعضها

 إغفال الإستخدام الرشيد للطاقات المعطلة

 إهمال الموارد المحلية والإفراط في التمول الأجنبي مما ادى لتكون وتفاقم أزمة الديون


4- زيادة الإعتماد على الغير وفقدان الثقة بالذات:

 النظر إلى الموارد المحلية والإدخار المحلي كشيء ضئيل تافه دون إعتبار كامن للفوائض الكامنة

 تشويه التمول الخارجي للإنتاج والإستهلاك

 زيادة الأعباء على الموارد المحلية الضعيفة أصلاً دون ان يقود ذلك لتنمية ملموسة بل لإزدياد التبعية للمراكز الرأسمالية الدولية بما يعنيه ذلك من نزف للموارد الوطنية الطبيعية والبشرية والمالية.


27- تنميــة الفكـر التنمـوي

فشل تجارب التنمية أشر إلى أن هناك أزمة في الفكر التنموي التقليدي كما أدت الأزمة إلى تصاعد أفكار تنموية أخرى كان من أهم ملامحها تغير نهج التحليل، والرؤية التاريخية–الإجتماعية لمعرفة وفهم أسباب التخلف، والإهتمام بالعلاقة بين التنمية والتوزيع. وتنمية الإطار العالمي للتنمية. مما يمكن توضيحه بالآتي:

أ‌- تغيير نهج التحليل

بالبعد عن مواشجة التفكير التنموي بالفلسفة الأسمية، وعن الجزئية في التفسير، وإسقاط تجارب الأخرين، والإتجاه إلى نظرية شمولية تفسر مختلف جوانب الظاهرة الإجتماعية ولا تهمل أي منها في المجالات الإقتصادية- المجتمعية السياسية والثقافية بنهج يأخذ ظواهر التخلف والنمو كظواهر منعقد بعضها ببعض، متداخلة ومتواشجة.

وبهذا التيار الأكثر موضوعية يمكن الحديث عن تنمية الفكر التنموي بمجاوزة السمات الرأسمالية السكونية في رصد الحركة الإجتماعية بتجاهل علاقات العمل والإنتاج والتجزئية المتصلة بتناول أوضاع العمل والإنتاج بمعزل عن أحوال تقسيمه التاريخي في المجتمعات وإتصاله بتكوين الطبقات والفئات والمصالح المختلفة في البشرية.

ويتم إجتياز التنظير الرأسمالي للتنمية بالإنتقال من حال تأريخ بعض الوقائع العامة المتعلقة بالتخلف والتنمية إلى تناول التنمية كعملية تاريخية، تماماً مثل التخلف، أي كموضوع تاريخي متصل بعلاقات تحركها مصالح وأساليب بين المجتمعات الموسمة بالتخلف في الحال والزمن الحاضر والمراكز الرأسمالية المتقدمة في الوضع الراهن التي تتواشج وإستعمار موارد ووسائل وقوى وإرادة وجهود القائمين الأساس في تلك المجتمعات التي توسم بالتخلف وأثر هذه العلاقات الإستعمارية وماتخمض عنها من نتائج على حركية التخلف والإعاقة المضاعفة لقوى التطور فيها.

ب‌- الرؤية الجديدة في روءى تفسير التخلف:
تتميز الرؤية الشمولية للتنمية كعملية تاريخية إجتماعية طبقية النظر للتخلف كحالة سكونية منبتة وجامدة، حيث تراه حال نسبي في التاريخ ينشأ بفعل ظروف معينة وتطور بواسطة نمو هذه الظروف وتضاعفها، وهو لعين هذا السبب يقبل التغير كحال مجتمعي بتغيير هذه الظروف وتفكيكها وتدميرها وإزالة أثارها.

فالتخلف كأي حال مجتمعي ليس قدراً مطلقاً أو نتاج نفسيات وسلوكيات الشعوب، أو حصيلة لنقص رؤوس أموالها وخبراتها أو بلى مؤسساتهان بل هو عندها عملية تأريخية نشأت بدمج قسري للدول الموسومة الآن بالتخلف في التنظيم الرأسمالي للعالم بما فيه من إمبريالية وإستعمار للبلاد وإستغلال ونهب لمواردها وتجريد مجتمعاتها من أليات التطور التقدم المستقل، وتشويه وحرف مايتوافر منها لمجتمعات هذه البلدان.

ويمكن تمثل حال التخلف بفرض التبعية للخارج على أغلب مجتمعات ودول العالم بواسطة عدد من الإحداثيات منها:

1- تقسيم العمل في المجتمعات والدول رأسمالياً

2- تبعية القوى المجتمعية المسيطرة للخارج ببمصاهرة المصالح مع القوى الدولية أو بالوكالة التجارية عنها

3- إلحاق الارادات السياسية في مجتمعات البلاد الموسومة بالتخلف، بقوى السياسة الدولية

4- إقصاء القوى والمجتمعات والبلاد النافرة من التبعية

وبهذه الإحداثات قاربت الأدبيات التقدمية ذات النظرة الشمولية للتنمية إمكان التوصل تفسير وفهم موضوعي لأسس التخلف والتنمية الراهنة في العالم الطرفي المهمش من المركز الإمبريالي .

وقد تم ربط البلاد المتخلفة بالمركز الخارجي لرأس المال بالآتي:

1- تدمير الإستقلال السياسي في البلاد

2- تأسيس قطاع الإنتاج في الدول المستعمرة بالقوة كقطاع متجه للتصدير ضمن إستراتيجيات إستعمارية خارجية تابعة لدولها إعتمدت قانون التكاليف الجزئية لتوجيه تقسيمها الدولي للتخصصات والأعمال وإحتكارها السيطرة على المشروعات وإدارتها وتوزيع أعباءها وثمراتها، مما أثر بالسلب على قطاعات الإنتاج الوطنية بحرمانها من الموارد والأليات والقوى والخبرات تنمية لتخلفها.

3- توليد القطاع الإقتصادي (لحديث) لظروف إجتماعية-إقتصادية وسياسية وثقافية تمثلت في وجود طبقة رأسمالية و.. شبه إقطاعية مسيطرة على أموره وفئات أكثر رفاهاً من بقية الشعب ترتبط بالقطاع الحديث وبطبقته الحاكمة وأصحابها الخارجيين.

4- إعادة إنتاج الوضع التخلفي بفعل هيكل الأوضاع والعلاقات الإقتصادية الدولية، وتقسيمه اللامتكافيء للثروات المنتجة في العالم، بشكل يضع الدول المتخلفة المستعمرة في هامش|محيط الدول المركزية في النظام العالمي للرأسمال

وتمثلت التنظيرات الشمولية للتنمية بعدد من التفسيرات الموضوعية كما في أحوال وتنظيرات: إعتمدت على تناول موضوع المجتمع المعني بالتنمية ضمن الجغرافيا-السياسية للعالم وضمن سيرورة التاريخ الإقتصادي-السياسي لدول العالم كمجموع بشري وكجماعات قومية ووطنية وعملية حيازة الموارد فيها وتقسيمها وتوزيعها بينها على المستوى الدولي والمستوى الإجتماعي وطبقات هذا التوزيع.

وقد شملت هذه النظريات مواضيع عدداً لعلاقات "المركز والهامش"، "التبادل اللامتكافيء"، و"التبعية" و"عدم تجانس الإقتصادات" وإزدواجها المجحف المطفف. مع إختلاف في درجة التركيز على بعض إحداثيات هذه العلاقة وطابعها العام وفقأً للموقع الإجتماعي والطبقي والدولي لكل مجال موضوعي وحال ذاتي رافق هذا التنظير أو ذاك من هذه الإحداثية أو تلك في واقع العلاقات الإقتصادية الدولية.
ت‌- الإهتمام ببحث العلاقة بين التوزيع والتنمية:

تطور التنظير التقليدي للتنمية إلى درجة نقد العلاقات السياسية الإجتماعية السائدة، وإعاقتها إنطلاق قوى الإنتاج حيث إهتم بقضية التوزيع والصراع حول تقسيم الناتج الإجتماعي ومدى تأثير ذلك على حركة النمو الرأسمالي .

فقد لاحظت هذه التنظيرات أهمية الصناعة عن طريق حساب وربط المعدلات الأساسية في الإقتصاد السياسي ببعضها حيث ربطت معدل النمو بمعدل تراكم النقود وربطت معدل التراكم بمعدل الأرباح، وكذا ربط معدل الأرباح بمعدل الأجور ومعدل الأجور بأسعار السلع الغذائية الذي ربط معدله بريع الأرض. بما يمكن عرض تواليه بالشكل الخطي التالي:

الشكل (2)

(أ) ريع الأرض◄ (ب) أسعار المأكولات◄(ج) أسعار الأجور◄(د) الأرباح = (هـ) النمو


ويبين الشكل (2) متوالية تصاعدية راقية متجهة بشكل خطي من حال ريع الأرض (الذي تحدده مجموعة عوامل منها درجة النمو) إلى حال النمو بإعتباره الرافعة المكثفة لإشباع حاجات المجتمع. حيث تربط نمو المجتمع وإزدهار أحواله بعملية التصنيع بإعتبار ان الإصطناع أو الصناعة: هي الجهاز الإجتماعي الأرقى للإشباع الكثيف للحاجات.

من هذا التوال وضع النصيب النسبي لكل من الأرباح كعائد لرأس المال، والأجور عن العمل، والريع من الأرض كمقوم للنمو، حيث إختاروا الأرباح بينهما كمقوم للنمو ! مغلبين في درسهم وإختيارهم تنظيرات "التوزع الطبيعي للموارد" و"القيمة" و"النمو".


وقد توسعت تنظيرات "التوزع الطبيعي للموارد" و"القيمة" و"النمو" مع الصناعة والقضاء على الإقطاع والإستيلاء على السلطة السياسية والتحكم بها في العمل الذي جرت عملية رسملته وتسويقه بإعتباره عنصراً يتوقف على العرض والطلب فقط، حيث هاجمت التنظيرات التقليدية للتنمية "نظريات القيمة" بنظرية "الخدمات الإنتاجية" التي تعتبر عناصر الإنتاج مقتصرة على : الأرض، ورأس المال، والعمل، والتنظيم! ولكن تقدم المدرسة النقدية في علم الإجتماع، ومحاولات إعادة إنتاج تنظيرات ماركسية جديدة ذات تموضوعات تنموية جعلت التقليديين الجدد يحصرون عملية تحليل العلاقات الإجتماعية بشرح مجرد ذي نزوع جمدي لعملية توازن المنتج والمستهلك. فمن جهة نظر هذه المدارس فإن قيمة السلعة أساسها منفعتها الحدية وندرتها في السوق، وان العائدات تتحدد على أساس إضافة من أضاف الوحدة الأخيرة من وحدات العمليات الإنتاجية إلى جملة الإنتاج وليس بحجم إنتاجية العمل! فاصلين بهذا المعيار قضية التوزيع عن قضية العلاقات الإجتماعية!

فقد حبذ الفكر التنموي التقليدي تفاوت الدخول لعلاج مشكلة تمويل التنمية بتفضيله التوزيع اللامتكافيء لعائدات عملية الإنتاج لصالح المنظمين (السلطة القابضة/الإداريين/رأس المال)، وذلك بإعتبار منه لضرورة التفاوت لزيادة معدل إدخار المنظمين عن معدل إدخار سواد الناس وبالتال توفير إمكان أكثر للإستثمار والتنمية وزيادة الناتج حيث يعاد تصحيح التوزيع بعد ذلك بالضرائب والإعانات والإنفاق العام لصالح العناصر الفقيرة (قليلة الإدخار)!

فيلاحظ أن التنظير التقليدي للتنمية يقوم بعمليتي عزل مدمرتين:

(أ) عزل عملية الإنتاج عن وضعها الإجتماعي بتناول ساكن جماد

(ب) تهميش الأوضاع الإجتماعية-السياسية الطبقية المشكلة لمعدلات الإدخار والإستثمار وعلاقاتها بمعدلات الإنتاج والإستهلاك وإشباع وتلبية الإحتياجات الضرورة لأغلبية المنتجين لرفع مستوى انتاجهم وإستهلاكهم نفسه بصورة متناسقة مستدامة خالية من المجاعات والحروب المدمرة للإقتصاد.

ويكرس هذا التنظير الجمدي لعملية الإنتاج وعواملها ونتائجها:

1- تركز النمو بقطاعات معينة

2- إختيار أنماط من التصنيع لاتف الحاجات الضرورة للناس

3- إختيار تكنولوجيات متنافرة مع الأوضاع العامة

4- عدم العدالة في توزيع الخدمات العامة من تعليم وصحة

5- عدم تناسب توزيع الإستثمارات مع حاجات الناس

6- فشل السياسات المالية في توزيع الدخول

7- ألية السوق تشوه الإنتاج والتوزيع لصالح الطبقة المسيطرة

وجه هذا الوضع التنظير الإقتصادي التقليدي إلى الإنتقال لمرحلة حديثة لاتفصل في نقاشاتها عملية التوزيع الإجتماعي، للموارد والمنافع عن التنمية حيث أوجبت إعتباره مقوماً أساسياً للتنمية بتبينها عاملين أساسين يواشج وجودهما الأوضاع الواردة أعلاه:

 التفاوت في توزيع الموارد والمنافع يرفع عدد الفقراء ويضيق من فرص إعادة الإستثمار (زيادة الفقر بزيادة التخلف )

 عدم إرتفاع الميل للإدخار لإرتفاع مستوى الإستهلاك وإرتفاع الأسعار مما يضعف إمكانات الإستثمار

حيث يرتبط هذين العاملين بإنتاج التفارق في المجتمع المعني بالتنمية بين الهياكل والحاجات العامة للمجتمع والهياكل والحاجات الإقتصادية الإنتاجية والمالية النقدية والتجارية، والهياكل والحاجات السياسية المحلية والدولية والوضاع الثقافية والقيمية المحيطة بكل هذه الهياكل في مسائل القيم والإعتقادات والعدالة والحرية والتقدم والإنسان.
التنظير الجديد للتنمية:

يقوم التنظير الجديد للتنمية على تحقيق الإستقلال الوطني في تنمية المجتمعات لأحوالها بإستهدافه رفاه الإنسان في المجتمع المعني بتحقيقها في العالم الثالث، وبنفي التبعية للخارج بإعتباره إياها مصدراً للسيطرة الخارجية على الموارد الإجتماعية الوطنية وتوجيه فوائض هذه الموارد نحو مشروعات التنمية. مما يلخص بشكل ستاليني في:


التنمية = عملية وطنية إستقلالية لإنتاج الرفاه بنفي التبعية ومصادرها


ويمكن تقسيم عناصر هذه القاعدة النظرية العملية إلى:

1- توجيه فوائض هذه الموارد نحو مشروعات التنمية

2- توجه المشروعات التنموية لتلبية حاجات الناس بصورة عقلانية تبدأ بتلبية الحاجات الأكثر ضرورة فالأقل ضرورة ثم الكمالات التي يبتدأ فيها بما هو ضرورة أكثر

3- توسيع نطاقات العمل والإستثمار بتأسيس وتنويع اطر المشاركة الشعبية والحكم الشعبي لتوجيه توزيع الموارد

4- توزيع الموارد والمنافع الإجتماعية بإعتبار أكثر تقديراً لقيمة العمل وتنمية مستوياته العددية والنوعية والمعاشية

5- تناسب التكنولوجيا مع الواقع الإقتصادي الإجتماعي وطبيعة المشاكل السائدة فيه بتوسيع مجالات تشغيل السكان نوعياً وعددياً وتعزيز وإبراز الطاقات العلمية فيه بتطوير شامل لنظم التعليم والبحث العلمي وحرياتهم

6- ضرورة تنوع النضال لتحقيق هذه الأوضاع

وتشكل هذه الأقانيم الست مكونات موضوعية لتنمية فعلية للمجتمعات

28- الإهتمام بالمحيـط العالمي لعملية التنمية

أصبح وجود نظام إقتصادي دولي جديد ضرورة للتنمية لإعطاءها موقعاً مكافئاً في عملية التبادل الدولي للموارد التي تزيد من تخلف المجتمعات المستغلة والمهمشة في ظروف السيطرة الإمبريالية التي ينتجها السوق العالمي ويعززها، حيث تقصر حال الإقتصاد والتبادل الدولي للموارد والقيم المالية عن تلبية الحاجات الضرورة لمعظم السكان في معظم دول العالم، وذلك بالسيرورة العمياء للتجارة الدولية المتضخمة بالسلع والخدمات غير الضرورة لحياة ملايين الناس بل والمؤذية لوجودهم ولثقافتهم ولبيئتهم الطبيعية بمايحتويه الإتجاه العام للتجارة الدولية من تطفيف في توزيع الثروة، وذلك بكنز الموارد وإسرافها في طبقة من المجتمعات والشح فيها ومايرافقه من مجاعات وتطاحن في طبقة أخرى من المجتمعات، ومايدثه الخلل في توزيع الموارد من خلل سياسي في توزيع السلطات العامة يعزز تحكمها المختل بالتال في موارد المجتمعات ويفاقم دورته، وما يرافق خلل توزيع السلطات من فساد وجريمة دولية وتوترات سياسية وحروب بين المرتبطين بالمصالح المختلفة تزيد بتكاليفها الأمنية والعسكرية والحربية الأعباء على الموارد العامة، في نفس الوقت الذي جعلت فيه الحصارات والضغوط وأعمال الإرهاب بين الدول والجماعات هي القانون الفعلي للتعامل العالمي.

وبقيام نظام إقتصادي دولي جديد، يصبح من الممكن للبلدان الموسومة بالتخلف السيطرة على مواردها وثرواتها ووضع نظام نقدي يوفر لها السيولة الكافية لتبادل منتجاتها وتنمية تقنيات الإنتاج، ويحقق لها السواء في توزيع الموارد الدولية الضرورية بما فيها تسوية أزمة الديون الدولية التي أصبحت عائقاً لحركة التوجيه الوطني للموارد بل إنها نقلت معظم مجتمعات العالم الثالث المتحررة التي كانت تستهدف تعبئة الموارد الوطنية لتنمية أحوالها في العالم وأدرجتها في حال من العولمة والنهب الأجنبي المباشر لمواردها وحرمانها التدرجي بهذا النظام الماثل القديم للتجارة الدولية من كافة حقوق الإنسان.

ولإعاقة النظام الإقتصادي الدولي الماثل لتقدم الوجود البشري المتناسق المستدام أصبح من الضرورة تغيير هذا النظام وهي ضرورة تتصل إمكانات إحداثها بتناول عدد من المواضيع منها:

1- وعي المجتمعات المتخلفة ودولها بأهمية التغيير وإستخدام موقعها القوي في سلاسل العلاقات الإقتصادية الدولية، وهو مايمكن تحقيقه بمقرطة شاملة للعلاقات السياسية والإقتصادية.

2- التعاون بين دول المجتمعات المتخلفة لمواجهة الأوضاع اللامتكافئة في النظام افقتصادي العالمي الماثل بما يعزز فكرة الإعتماد الجماعي المتبادل على الموارد المحلية والجهود الذاتية.

فبهذين الخطوتين ربطت الرؤية الجديدة للتنمية خروج المجتمعات الموسومة بالتخلف والتائهة في صحاريه وغاباتها من حال الإحباط الدولي[الإمبريالي] المستدام لجهودها المتنوعة للوعي بأحوالها وتطوير إمكاناتها والإزهار المنسق لقدراتها في إعمار الأرض، ومشاركة بشريتها في تحقيق بداية متوازنة الأسس لتاريخ الإنسان.


29- نقد التنظيرات الجديدة للتنمية

واشجت الرؤى التجديدة لمفاهيم وتنظيرات التنمية وأحوالها العملية قيام بنية إقتصادية محورها نظام "رأسمالية الدولة" الذي تحل فيه الدولة محل رأس المال بشكل أفضل قدرة على حشد الموارد وتوجيهها بمقدار أقل من الإجحاف الإجتماعي-الإقتصادي بفضل سيطرتها الواسعة على الموارد المادية والبشرية، الأمر الذي تم إثبات فضله عملياً ونجاحه في قطاع الصناعة العسكرية في كافة الدول التي رادته في العالم مثلما تأكد نجاحه في بناء اتحاد السوفييت من عام1927 إلى عام 1936، وفي عملية بناء الصين في السنوات بين عام 1950 وعام 1970، وعملية بناء الهند الحديثة في السنوات مابين عام 1950 وعام1980 وكذلك بناء دول أوربا الإشتراكية بعد الحرب بين عام 1950 وعام 1965 بالجهود الذاتية ، وبناء كوريا بين 1955 وعام 1960، بناء كوبا في السنوات بين 1960 و1970 وبناء مصر الحديثة في السنوات بين عام 1960 و 1967، ثم إعادة بناء لاوس وكمبوديا والفيتنام في السنوات الممتدة بين 1976 و1985 ثم إعادة إعمار جنوب أفريقيا في االسنوات الممتدة بين عام 1994 و2004 وإعادة إعمار فنزويلا في السنوات الاوائل للقرن العشرين، ثم محاولات إعادة إعمار البرازيل بعد عام 2003 مما ثبت قدرة الدولة ككائن سياسي على الفعل الإقتصادي الموجب السريع.

ولكن رأسمالية الدولة في أفريقيا إرتدت بحكم العوامل الإجتماعية الطبقية الداخلية فيها وبحكم العوامل الخارجية في كثير من انحاء العالم عن إستخدام الوسائل الإدارية إلى إستخدام الأليات الرأسمالية نفسها من حيث الإعتماد على تسمية القيم وتعيينها في إطار عملية فوضوية للعرض والطلب وتبادل السلع المشروط بدفع قيمة معينة من النقود.

وإن كانت الدولة بسيطرتها الواسعة وتقيداتها الإجتماعية والسياسية أقل قدرة من رأس المال الخاص الملكية في مجال تحقيق معدلات عالية لتركيم الأرباح، فذلك لأسباب موضوعية لهذا التواضع الذي يمكن ملاحظته بسهولة في ناحيتي:
 الزمان الكاف لمراكمة الأرباح وإعادة الإستثمار
 حجم المبالغ التي تتضمنها الأرباح في الزمان المعين
فمن خلال هذه الإتجاهات تبدو قدرة الدول أقل وأضعف من قدرة رأس المال الخاص بالمقارنة مع المبالغ التي يراكمها رأس المال كأرباح والزمان الذي يستغرقه رأس المال لتحقيق هذه المبالغ بحيث نجدها أبطأ، ولكنها أكثر عدلاً بسلوكها الإقتصادي من تنظيم الإقتصاد بالإمتلاك الفردي الخاص للموارد والوسائل العامة للإنتاج والخدمات أوخصخصة ما هو حكومي عام منها ورسمتله وعولمته بالتخلص والبيع إلى رأس المال الدولي رغم ما يعرف عن إرتباطه بالمعدلات العالية الربحية للأنشطة الخفيفة وإتجاهاته النوعية والقيمية النقيضة لوجود المجتمعات في العالم الثالث، الأمر الذي أصابه بويلات المجاعات والحروب وأوبئة الديكتاتوريات الدولية والمحلية.

وكان إعتماد تنظيرات التنمية الشمولية ونشاطاتها مرتبطاً بحال رأسماليـة الدولـة المتجهة نظرياً إلى نظام إشتراكي-ديمقراطي فإشتراكي ثم شيوعي، دون إهتمام منها بالأسس الإجتماعية-السياسية والوسائل الإقتصادية-الإدارية الأنسب لتجنب عيـوب رأسمالية الدولة والثورات المضادة فيها التي تنشأ بتكثف العلاقات الرأسمالية التي جرى تبخيرها بفعل إرتدادها إلى تنظيم المجتمع بأليات السوق.

حيث تنشأ الثورة المضادة والرجعية في الحياة الإقتصادية-السياسية وتتطور مرتدة بالمجتمع وراجعة به من حال تثوير الإقتصاد بالوسائل السياسية-الإدارية التي تعف الناس من ذل الحاجة للضرورات ولؤم التكالب عليها إلى حال يرتبط بإعادة إستخدام الأقانيم التقليدية للرسملة وتسويق الإنتاج والبشر العاملين عليها وحاجاتهم الفعلية إلى إشباع راق لضرورات وجودهم. ويسهل الرجوع لحال السوق والتخلص من المشكلات الموضوعية الجديدة لأن السوق مألوفة في الوعي باقية بذاكرة الثقافة الحية لنظام السوق القديم في الأذهان، وهي أقانيم مبادلة السلع بالنقود في إطر للعرض والطلب (الحر) مرتبط بإنتاج ومرونة أسعار البضائع والسلع في العالم التي تحددها أحوال خارجية للإقتصاد الرأسمالي العالمي وتقدمها أجهزة إعلام إمبريالية أضحت بإتساع نفثها تحدد بهيمنتها السمعية-البصرية على التفكير، صحة الوقائع والأوضاع والمعارف والنتائج المقدمة عن الواقع.

من عيـوب رأسماليـة الدولــة :

1- الإهتمام بالخدمات العامة بدرجة اكبر الأنشطة الإنتاجية، حيث يزيد الإنفاق العام عن الموارد الفعلية بنفس الوقت الذي تحتفظ فيه الدولة المزدوجة السياسة بعلاقات تجارة خارجية عادية تأخذ الجزء الأعظم من الموارد العامة لتلبية حاجات إستهلاك شرائح محدودة العدد في المجتمع مثل شرائح البيروقراطية العليا والرأسمالية الكمبرودارية ذات الطبيعة العميلة للخارج بنشاطها في تغذية رأس المال الدولي وإعاقة تقدم المجتمع للسيطرة على الإنتاج.

2- ميول بيروقراطية ضارة كتركيز السلطات حيناً أو توسيعها لدرجة الترهل إنسياقاً مع حاجات الشرائح العليا فيها إلى زيادة وتائر سلطتها أو توظيف مجموعة إجتماعية معينة ترتبط بها.

3- مركزة القرار الإقتصادي وعلاقاته بمركزة الإقتصاد ككل وتوجيهه نحو قطاعات جغرافية-سكانية معينة كالمدن الكبرى

4- الإستناد إلى نفس نمط العلاقات الإنتاجية الرأسمالي الإحتكاري الذي يحجب عن المنتجين أجزاءاً هامة من عائدات إنتاجهم المسوق حيث تصرفها الإمتيازات المباشرة وغير المباشرة للقوى المسيطرة على تقسيم العمل الداخلي في الدولة والتي غالباً ماتكون مرتبطة بشرائح العمل الذهني، أكثر منها بشرائح العمل ذي طابع الإشتغال العضلي وعمله في إنتاج سلع مادية .

5- قبض المعلومات وعدم توضيح الإجراءات الإقتصادية-السياسية الإجتماعية والثقافية للتغلب الجماعي على الأسس المنتجة للتخلف، والقبض بهذا الإحتكار على القرارات السياسية والإقتصادية بيد الشرائح المتحكمة بالإدارة بعيداً عن الحكم الشعبي وإجراءات المتابعة والرقابة الفعالة على أداء البيروقراطية التي تتحول بهذا الوضع إلى شريحة متحكمة ودولة داخل الدولة عرفت بـ: "الطبقة الجديدة" Nomenclature وهي شريحة من أصحاب المواقع العليا البيروقراطية تولد إمتيازات عينية ونقدية لأهمية وظائفها دون بقية الوظائف في الدولة !

إرتباط إجراءات المقرطة الشعبية لمجالي علاقات الإنتاج والسياسة بـ:

 خضوع الإدارة لمجالس الإنتاج،

 إنتخاب أصحاب المصلحة للقيادات بين الأكفاء،

 توزيع نسبة كبرى من العائدات للعاملين المباشرين بعد خصم المصارف الأولية، وتكاليف تجديد منشأة الإنتاج، والإنفاق على الإستثمار

 وتوسيع دوائر الإنتقاد والتنظيم السياسي، ومقرطة الحياة السياسية لصالح الشعب بتفعيل كياناته الإجتماعية-الثقافية إقتصادياً وسياسياً.


30- المصادر الموضوعيــة لتناقضات وعيــوب رأسماليــة الدولــة:

1- المصادر الفكرية لتناقضـات وعيـوب نظـام "رأسماليـة الدولـة"

(أ) الإستغراق الشديد في الموضوعية وفقد المرونة
لحد تحوير الفلسفة العلمية بمفاهيمها المادية والجدلية للتاريخ، إلى منهج صوري وإهمال التعامل الجدلي الموجب مع الآثار الواقعية في التفكير الإجتماعي للتاريخ الطويل للفلسفة الأسمية بأقانيمها الظاهرية والسكونية والجزئية وعوالم وجودياتها الدينية والإعتقادات التي تبلس وتزور واقع المظالم الطبقية في المجتمعات كقدر لم يصنعه البشر بينما تؤشر بتناقض واضح إلى أنه يمكن للفرد في هذا النظام المقدس أن يعتمد على مهاراته الخاصة في تغيير موقعه الطبقي والوصول إلى مصاف الطبقة العليا فيه بالتعليم أو بالتجارة!

وبالطبع بالإمكان تعميم هذا المنطق على الدول المكبلة والمحرومة من إمكانات التقدم كما يمكن تعميمه على الطبقات العاملة في المجتمع المقيدة وإمكانات تطورها لأجل تحسين حياتها، بشكل جماعي يعتمد -بالسيطرة على السلطة السياسية في المجتمع- السيطرة على مقاليد الإنتاج والتجارة والتعليم والثقافة، وإتاحة مواردها لأغلبية الناس.

(ب) إهمال ربط المنتجات الفكرية والتنظيرات والإصطلاحات الجديدة الرأسمالية منها والإشتراكية وإدغامها بالمصالح الشعبية. بحيث أهملت المعالجة الموضوعية للمفاهيم الجديدة وحجبت محاولاتها عن النشر ضمن منظومات الأفكار التقدمية والتنموية وبرامج عملها رغم التضخم الشديد لآليات الإعلام الإمبريالي، مما عمق حالة الإكتفاء الفكري والعزلة وأطبق الحصار والهجوم الفكري الرأسمالي على الفكر التقدمي وأنتج حالة من الإلتهاء بتقليب الدفاتر القديمة أو بالتحول الفكري من (تعقيدات) و(جمود) منظومات التفكير المتعلق بالتنمية الشعبية المستقلة إلى تيه منظومات الإستغلال، ومحاوره الليبرالية منها والجمالية الفردية أو محاوره الدينية المستخفة بالفعل الإجتماعي والكابتة له.
وتشمل التنظيرات والمعالجات الموضوعية التي يفتقدها العقل السائد: مفردات الديمقراطية والسوق والمجتمع المدني والدين. كما يشمل الفقدان التنظيرات المعالجة لها مثل:

 "التفكير العلمي الشمولي"

 "الديمقراطية الشعبية"

 "الإدارة الذاتية "

 "الحكم اللامركزي"

 "الحكم الشعبي المحلي"

 و"نسخ علاقات الإنتاج الرأسمالية لعلاقات ديمقراطية شعبية"

 "التنمية المستقلة المستدامة"

 "الإشتراكية"

 "ضرورة شيوع توزيع الثروة والسلطة في العالم ومجتمعاته"

 التوحيد والإسلام في المفاهيم ضد التطفيف في موازين العمل-الإنتاج وتوزيع موارده ووسائله وثمراته، والجهاد ضد المفاهيم الصورية والمنبتة للحياة البشرية التي تسهم في ولادة وترسيخ المظالم

 حق الناس المشترك في الموارد العامة والكسب من عمل اليد والحرمان من فضول المال والبعد عن الإلتهاء بالتكاثر صيانة للمجتمعات وبيئتها من التطفيف والتبخيس والكنز والباطل والبغي والعدوان والطغيان

 إستخلاف الإنسان عقله وجماعته في تقدير الأوضاع الإقتصادية ولوازمها من شؤون الدنيا التي تتحقق بعمران الإرض والمعاش بإحسان بنيات موازينها وعلاقات إنتاجها وتقدير جهود ومستلزمات مجتمعاتها وقضاء حوائج الناس فيها جماعة كالبنيان المرصوص تنفق العفو .
2- المصادر العمليـة لتناقضـات وعيـوب نظـام "رأسماليـة الدولـة"

(أ) إهمال القطاع التعاوني-الإنتاجي
بإهمال تطوير علاقاته مع الدولة من جهة ومع المساهمين بالإنتاج من جهة موافقة، وكذلك بفتح مجال التعامل الدولي أمامه .

(ب) عدم العناية بتشعيب ومقرطة التخطيط وإدارة الإعمال وتحويلها
بالتبسيط والتقسيم الشديد من مهام فنية معقدة إلى مهام يومية بسيطة مما يجعلها حكراً في المجتمع المعني بالتنمية على مجموعة بيروقراطية معينة. فتقسيم العمل البشري في الإنتاج والخدمات لأعمال ذهنية ذات طابع نظري، وأعمال عضلية جسمية ذات طابع مادي متعين، يلعب في الحياة الواقعية دورأً شديد السلبية في صياغة مفاهيم التعليم والتدريب المهني وفي أداء الوظائف العامة، وفي عناية العامل بالإنتاج المادي، مما يحقق نوعاً من الإنفصام بين القيم العامة والحال الماثل للإنتاج والإدارة والسياسة والأوضاع الإجتماعية والإقتصادية والثقافية العامة في الدول المعنية بالتنمية وفي مجتمعاتها

ويتحقق الإنفصام في كل دوائر الدولة والمجتمع ويمتد إلى جذورها النظرية والعملية ويتواشج فعلياً مع حالة لتجنب الصياغة الشعبية المتكاملة للتفكير الإجتماعي وللإرادة الإجتماعية للتقدم ولتشكيل الخطوات العملية لتنفيذ الخطط وزيادة فاعلية الإنتاج. وبهذا التجنب ينحصر التحكم بأليات التنمية في الشرائح البيروقراطية من المجتمع، وهي شرائح لها أوضاعها الإجتماعية والشخصية المهنية ومايحيط بها من متاعب ومزيات مادية ونفسية لها أبعادها القلقة في السياسات الدولية والمحلية، وكثيراً ماتسهم بتحويل أوضاع التنمية وضروراتها إلى حالات من الإستبداد الشخصي والفساد والتقلب السياسي والتدهور الثقافي والإجتماعي والرسملة والرجعية والموبقات الإجتماعية المرتبطة بالرسملة والرجعية من إحتكار للموارد والقيم المادية والنظرية ومايرتبط بهذا الإحتكار من إستغلال وتهميش وإنخفاض في التعليم وامراض وإنتشار ثقافة التسليع والفردية والدعارة القيمية.

..
31- نقض البنك الدولي World Bankوصندوق النقد الدولي IMF
كأكبر مؤسستين للقطاع الخاص والعام في تاريخ البشرية

نشأت المؤسستان في خضم نشاطات مختلفة لتأسيس نظام دولي جديد لأوضاع مابعد الحرب العالمية الثانية وتكوين هيئة متحدة للأمم تعمل على ترسيخ السلم والأمن في العالم بالإقرار النظري والعملي بحرية وكرامة الإنسان، مما أنتج ميثاقين ميثاق تأسيس هيئة الأمم المتحدة وإعلان الحقوق السياسية والمدنية للإنسان على مبادئي المساواة بين الناس في الحرية والكرامة، مركزاً قانونياً يواشج ما قبله من المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وويكمل بصياغته الرسمية العرف في سلوك الدول والهيئات والأفراد في أوقات السلم وأوقات الحرب، ومابينهما.

وجاءت إتفاقات بريتون وودزBretton Woods Agreements لتأسيس الهيئتين الدوليتيين المذكورتين أعلاه بشكل يتوافق في جزء منه مع سياق نشد السلام مابعد الحرب فيما يتعلق بحشد الموارد الدولية وتوجيهها إلى تلبية حاجات المجتمعات بينما يختلف مع هذا السياق في آلية هذا الحشد، وكيفة صرف الموارد المحشودة، وشروط صرفها، والطبيعة العنصرية لسياسات الإملاق والإستغلال والتمييز والتخصيص التي وضعتها وسارت عليها إدارة الهيئتان الدوليتيان .


تعارض عمل الهيئتين بالتصويت بالأسهم مع حرية وكرامة وتساو الناس

إتخاذ القرارات في الهيئتين يتم بالتصويت وفقاً لحجم أسهم كل دولة!

وبهذي القاعدة الرأسمالية لحساب الأصوات والحقوق بقدر الإسهام في رأس المال شكلت الإرادة السياسية الفعالة آنذاك في الأمم المتحدة جسمين ضدين لكل مبادئي الحرية الكرامة البشرية المتأصلة في الإنسان، وضد المساواة بين البشر وفق هذه الأصالة، حيث أعطت للدول التي كونت ثرواتها المالية بالإستعمار الحق في التحكم بتنظيم العالم لأحوال ما بعد الحرب العالمية التي سببتها سياسات الإستعمار.

وبهذه القاعدة الذهبية أضحى وجود الدول المتحررة حديثاً والساعية لتنمية أوضاع مجتمعاتها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وإنذرار نظام الإستعمار التقليدي وجوداً شكلياً، لا يقدم ولا يؤخر في القرارات الأساسية لإدارتي البنك والصندوق الدوليين، بما في ذلك قرارات زيادة الإسهامات، وقرارات توجيه الموارد وإختيار السياسات أو المشاريع الأنسب للتمويل، وقرارات التسليف بما في ذلك قواعده وأشكاله، ومواقيت الدفع والسداد وقرارات تأجيل السداد وقرارات فرض العقوبات ومقاديرها وما إلى ذلك حيث عزلت الدول الفقيرة من الإسهام الفعال في هذه القرارات بعزلها من التأثير في مثل هذه القرارات بفعل قاعدة "الأسهم الذهبية" Golden Shares التي فازت في رأس مال الهيئتين الدوليتين بـحصة الأسد إذ نالتها الدول الإستعمارية (السابقة) من حصص التأسيس.ونتيجة لتحكم الدول الإستعمارية السابقة بقرارات الهيئتين الدوليتين، إتسمت سياساتهما بالتناغم مع الإرادة الإقتصادية السياسية للدول التي يتمركز بها رأس المال في أوربا الغربية والولايات المتحدة.

ففي المجال الدولي كان هم دول المعسكر الحر هو ضمان نوع من إعانات العطالة الدولية تضع الدول الخارجة حديثاً من سجون الإستعمار خارج دائرة التحرر بإبعاد قواها الحاكمة والمهيمنة الجديدة على قطاعات الإستيراد والتصدير في تلك البلاد عن الإشتراكية والتبادل الزهيد والمتكافئي للمنافع مع الإتحاد السوفييتي والصين لضمان أرباح أعلى لقوى دول معسكر الحرية.

ثم تقدم وضع الهيئتين أكثر إلى فرض متزايد لحصص وأساليب إنتاج رأسمالية ، وإقتراح أهداف ووسائل معينة ووضع برامج معينة للتنفيذ عدوة لبرامج التخطيط الوطني، بل وتحديد لجنسيات المقاولين و البضاعة ووسائل النقل في كثير من الأحيان حيث تتحدد أسعارها بثقل الدول الرأسمالية المركزية التي تتبع لها المؤسستين الماليتين الدوليتين مما جعل أحوال وهيئات الدول النامية مطية للفساد الدولي للرأسمالية وبيروقراطيتها الدولية ومكاتب علاقاتها العامة العالمية.
ولإتسام سياسة الهيئتين بالجمود والجزئية تراكمت بلايين الدولارات المقرضة على كاهل الشعوب المستضعفة وإقتصاداتها مع تحويل تراكم لقروض لاتجاه التمويل في العالم من حال الدخول إلى الدول الفقيرة المستضعفة التي إستدانتها لدعم عمليات تنميتها وتحرر مجتمعاتها من أحوال الحاجة للضرورات والتكالب عليها إلى حال خروج الأموال إلى الدول الدائنة الإستعمارية الغنية تدعم به تشغيل وحداتها المنخفضة الكفاءة وتصعد به أرباحها. مما زاد من عجز موازين الدول المستضعفة ورفع فيها معدلات التباين الإجتماعي والإقتصادي والسياسي والتمزق والصراع القيمي والقومي والثقافي، وصعد فيها تدهور الإنتاج الزراعي والصناعي في هياكله وعائداته والخدمات، ونهض فيها بقمع الحركات السياسية والنقابية المطلبية وبأحوال الإملاق والمسغبة والفقر، مما دمر قدراتها على إدارة اليسيرة لشؤونها، وأدى بها لخصخصة مواردها وعولمتها بدرجة أعلى من درجات الإستعمار الحديث تثير النزاعات المحلية والدولية.

وبذا يمكن القول:
اإن لقاعدة الذهبية لإتخاذ القرارات وفقاً لحجم الأسهم بقيادة الهيئات المالية الدولية المفترض فيها مساعدة الدول المتحررة حديثاً على التحرر من أوضاع التبعية والإملاق تحولت لقاعدة قمع لحقوق الإنسان تهدر حرياته وكرامته في المجتمعات النامية، كما تحولت بعنفها الإقتصادي والإعلامي والسياسي ولواحقه العسكرية لقاعدة إستعمارية تهدد إستباب الامن والسلم الدوليين، مثلما تهدد بوضعها في تعارض واقعي كل من قيم ومفاهيم الربح والعقل والتشكل الحديث للحضارة الإنسانية

ويذكر هذا الوضع بالتساؤل الشهير:

ماجدوى أن تربح العالم كله وتخسر نفسك؟



32- في إلـغاء وحـل وتصفيـة البنـك الدولي وصنـدوق النقد الدولي

عبر ريكاردو هيوسمانRicardo Hausman أستاذ جامعة هارفارد Harvard University والإقتصادي الأعلى في السنوات بين 2000-1994 في بنك التنمية الأمريكي
Inter-American Development Bank الذي يقوم بدور المقاول الرئيس للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي IMF والهيئة الأمريكية للمعونة الدولية USAID في أمريكا الجنوبية عبر عما يعتقده مثيراً للحيرة وجذاباً للتأمل، حيث أنه الشخص الذي يضع سياسات الحد من تدهور أحوال الدول الأمريكية الجنوبية بما في ذلك تقليل دور الحكومة وإزالة الحواجز امام الإستثمار والتجارة.
ولكنه كيف ما كان مستغرقاً بالأمل لها فإنه الآن محتار في وضعها ؟

حيث ذكر ريكاردو: ((تبنت دول أمريكا اللاتينية لبرامج السوق الحرة المكثفة كسبيل للإصلاح، ولكن أذكر أيضاً ان مخرجات الإنتاج العام بالنسبة لإنتاجية العامل تدهورت بنسبة خمسة في المآئة رغم ذلك التبني منذ عام 1998 في نفس الوقت الذي إرتفع فيه نفس الإنتاج بنفس المعدل في بلد مثل الولايات المتحدة، وفي شيلي بلغ المعدل 3% مما يقطع بإستمرار التخلف عن الولايات المتحدة والتبعية لنشاطها ؟)). حيث شكل هذا الحديث نقداً قاسياً من قلب المؤسسة الإقتصادية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي تضاعفت هزيمته مع ما رافقه من صعود إنتقادات مماثلة ممن كانوا يشغلون مراكز مماثلة لمركز صاحبنا ريكاردو في قمة مؤسسات الإقتصاد الدولي .

كذلك جاءت نضالات سورين أمبروزو Sorin Ambroso قائد شبكة "خمسون عاماً كافية"
50Years Is Enough في قطعها بضرورة: ((إلغاء وحل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي))

وكذا جاءت مقالة كروجماب Paul Krougmap أستاذ جامعة برينستونPrinceton University :((ذهب الزمن الذي كنا نثق فيه بإستشارتنا)) ناشراً هذا المقال بـالنيويورك تايمز New York Times

وكذا عرضت في ندوة إستعداد للتظاهر ضد الهيئتان الدوليتيان مذكرة إقتصادي البنك الدولي وليام إسترلي William Easterly التي ذكرت أن: (( القروض ترتفع بينما التقدم الإقتصادي يذهب في الإتجاه المعاكس))....

وبالمقال الذي إقتطفنا منه هذه التصريحات والذي كتبه بول بلوستاين Paul Bluestein بفلسفة أسمية وروح واقعية بعنوان منذر محتدم: "صندوق النقد الدولي، معركة السياسات الجمعية" المبين في لغته الأم بإسم IMF’s Consensus Policies Fraying الذي نشره بخدمة تحرير الواشنطون بوست Washington Post في تأريخ 26 سبتمبر عام 2002 بعد مرور سنة على تدمير مركز التجارة الدولية WTC في نيويورك والعصف بأحد الأضلاع الخمسة لمبنى قيادة وزارة الحرب الأمريكية Pentagon، أورد بلوستاين مانعرضه بتصرف على الوجه الآتي:

((تستعد التظاهرات مجدداً لإكتساح شوارع نيويورك، ضداً لعقد الإجتماع المشترك لمجلس إدارتي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بعدما شغلت الناس في السنة الماضية بالهجمات الإرهابية، وفي هذا [ التجمع والتظاهر] يوجه الشكر للنمو السالب، والأزمة الإقتصادية، و إرتفاع معدلات الفقر، حيث تتوافق كثير من الدول التي إتبعت برامج الصندوق مع هذا الوعي الذي يجتاح شوارع نيويورك. وهي البرامج التي قدمها صناع السياسات في الولايات والمتحدة وقادة العالم كمفتاح للفرص في العالم الفقير بحد التضخم وفتح الأسواق وحد البيروقراطية وخصخصة التجارة؟ وقد كشف التناقض عن نفسه في بلاد كالبرازيل فشلت فيها هذه الموجهات في إخراجها من أزمتها بعد ثمان سنوات من تولي أمورها حكومة كانت شديدة الحرص على تطبيق هذه الإجراءات حيث إنهارت الأمور ويتجه عامل صناعة يساري للفوز برئاسة البلاد، كذلك في الأرجنتين التي كانت تعد نموذجاً لسياسات تطبيق برامج الصندوق والبنك الدوليين)) [تأثيل وضع الأرجنتين وأوضاع ما بعد حرب جزر المالوين التي إحتلتها بريطانيا وسمتها الفوكلاند]

ويستمر بول بتوضيح الظاهرة ومتعلقاتها وردود الفعل عليها قائلاً:
((لكن هذا لا يعني إنقلاب الجانب الأعظم من الإقتصاديين مفضلين السيطرة الحكومية على السوق الحرة، فكثير منهم يقدر دورها في توفير الأعمال، بينما ترى العديد من الدول الأفريقية وأوكسفام -كبرى منظمات الإعمال الخيرية في العالم- أن أكبر مساعدة في هذا الصدد هي فتح أسواق الدول الغنية المحصنة بالإستيراد ودعم المزارعين، أمام منتجات الدول الأفريقية، ...كذلك كثير من الدول بدأ في التغير: فبعد فتح أسواقه رأى بانه مازال يعان من غياب التمويل والإستثمار أو ترافق الإستثمار و الفساد بعمليات خصخصة المشاريع))

أما ليندزيBrink Lindsey من "منظمة أمريكا الوسطى للتجارة" CATO فقال:(( العولمة تتحول لقسوة أشد مما توقع الكثيرين. كان هناك شعور في أوآئل التسعينيات أنك إذا فتحت أسواقك وأقررت أسعارك وخصصت أعمالك فإن المستثمرين سيدقون بابك وستتمتع بمناقب النمو المتصل، ولكن المؤلم أكثر أن الحياة أكثر تعقيداً من هذا)) أما باحثي البنك الدولي دولار David Dollar و كراي Art Kraay فقد رأيا أن ((الدول المعولمة حققت نجاحات أكبر في التجارة والدخل)) بإعتناء منهما بأحوال الصين والهند بينما هما الدولتان اللتان أبقتا الجزء الأعظم من مواردهما خارج عمليات العولمة حسبما توثيق بيردسول Nancy Bairdsall خبيرة "البنك الدولي وبنك التنمية الأمريكي" رئيسة "مركز التنمية العالمية" Center of Global Development وهي نفسها بيردسول التي ردت على وكيل وزارة المالية الأمريكية جون تايلر John Taylor حين تحدث عن تأثير "الوضع الضعيف لجهاز العدالة" وتأثيره سلباً على قرارات المستثمرين بوضع أموالهم بمهب الريح بأن قالت:(( شروط المؤسسات الدولية تشبه القول بأنك إذا أردت النمو فعليك أن تصلح كل شيئ، وقد فعلت دول كالبرازيل والأرجنتين نأهيك عن مالاوي الكثير لإجابة شروط النمو فوجدت نفسها في مهب الريح.))

والكثير من الدول الآسيوية التي توفرت فيها إستثمارات أجنبية كثيرة عانت أيضاً من الإنهيار، وهروب الإستثمارات، مما غير سلوك حكوماتها من حال الترحيب برؤوس الأموال وفتح الأسواق لها إلى حال إغلاق الباب أمامها بموافقة صندوق النقد الذي قنع بعد نهاية الحرب الباردة في هذا الموضع بمقولة: There is No Need to Rush((لاداع للهرع))حسب تصريح مدير القروض في صندوق النقد الدولي هورست كوهيلر Horst Koehler. بينما ذهب كبير إقتصاديي البنك الدولي ستيرن Nicholas Stern بإتجاه مغاير لحقيقة سيطرة السوق الدولية ومؤسساتها العظمى على وضع الدول النامية بقوله: ((وضعنا كثير من التوقعات بإصلاح الدول النامية للمؤسسات ووفرنا الأموال للحكومات لتمويل إستراتيجياتـ(ها) الخاصة لمكافحة الفقر فأضحت تمتلك قرارها عوضاً عن تلقي التعليمات من واشنطن)) ! وهذا الإقرار على علاته قيم بأن ما كان يصدر من واشنطن للدول المستضعفة كان تعليمات للتنفيذ لا إقتراحات.

وفي زمن للنضالات الأممية جاءت نضالات جماعة أصدقاء الأرض Friends of Earth مع العديد من القوى النقابية والشيوعية شجنة في تصدي فعالياتها لسياسات البنك والصندوق الدوليين المدمرة للحياة الإجتماعية والبيئة، إذ تصدت الحركة الدولية لنشاطات القاعدة الفعلية والإدارة الحق للبنك والصندوق المتواضعة بشكل هيئة مالية خاصة هي "المؤسسة المالية الدولية"(IFC) International Finance Corporation وهي منظمة تقوم رسمياً بإنفاذ إدارة قروض البنك الدولي وأخاه بما في ذلك مهام أمين الخزينة والصراف في البنك وفي النظام المالي الدولي معاً بينما تقوم واقعياً كهيئة مالية خاصة للبنوك وبيوت التمويل بتقرير حجم الأموال الفعلية المتاحة للهيئتين وتحويل الإرادة السياسية لأصحاب الأسهم الذهبية بمجلسي البنك والصندوق الدوليين وصرفها إلى إجراءات مالية بنكية تشمل عمليات الإيداع والسحوب وفحص المشاريع المقدمة ومراقبة الحسابات...إلخ. حيث قامت هذه الهيئة في عام 2003 بناء على تقديرها الذاتي الخاص لـ"الآثار والعائدات" بهدر الشروط الإجتماعية والمتعلقة بحماية البيئة، وإضعافها في أحوال تقدير البنك لفاعلية وجدوى المشروعات. وهي الشروط التي إضطرت الهيئتان العامتان الدولييتان لتضمينها سياسات برامجهما بأثر نضالات الحركات المهتمة بالحقوق الإجتماعية والبيئة Environmental Movement مع إشتداد نضالاتها في الثمانينيات وشملت الشروط:"مراعاة إعادة التوطين ودعم برامج التنمية الريف" و"حماية الشعوب الأصل الأولى تاريخاً في الإستقرار بأوطانها"، كما شملت "الحماية من التلوث" و"مراعـاة التـوازن الحيـوي". وفي عام 2004 بدأت المؤسسة الإمبريالية التخلص من هذه الشروط بحجة انها (تعيق تعامل البنوك التجارية والمؤسسة المالية الدولية)!! مما يعني أن إرادة البنوك والبيوت المالية المكونة للهيئة قررت لأجل أرباحها الآنية الإستغناء عن الشروط التي تربح العالم أجمع مجتمعات أقوم وبيئة نظيفة ومشاريع إقتصادية جداً على المدى الطويل. وهي الشروط التي قررتها تضحيات ونضالات ملايين الناس عبر ألاف أعمال المنظمات المدنية. رغم تصريحات الهيئة الإمبريالية لتبرير هذه المخاطرة بحياة الأرض بـ: ان هذي الشروط تنتهك مراراً في الواقع حيث لاضير من الإقرار بانعدام نفوذها بجعلها إختيارية Voluntary بدل كونها إلزامية Mandatory !!

وفي الواقع الفعلي لإجراءات إزالة الشروط الإجتماعية والبيئية من أمام النشاط الدولي للرأسمال فقد تم تقليلها هذه الشروط عدداً ونوعاً حتى بعد أن وضعت في حالة إختيارية، وفق رغبة السيد رأس المال! بما يعني أن الأموال العامة للبنك الدولي وأخاه الصندوق ستنفق على مشاريع مدمرة للمجتمعات وبيئتها بدلاً عن الغرض المعلن لهما في التعمير والتنمية والمساعدة على النمو!!

وتجاه هذه الإجراءات أرسلت 180 منظمة مدنية تطالب بإتاحة مزيد من الوقت والشرح والتوضيح، وتأخير العمل بالإجراءات الإستغنائية لحين تنفيذ هذه المطالب، ولما لم تستجب لهذه هيئة التمويل الدولية لهذه المطالب شنت منظمات الحقوق والبيئة حملة تظاهرات ونهضات منعقدة بمطالبها ضد ماسمي "حرية التمويل" وقامت بالهجوم على مقر وفعاليات البنك الدولي في أنحاء العالم. ففي سبتمبر 2004 قادت ألف منظمة توبيخاً ضد الهيئة الدولية للتمويل في "المنتدى الإجتماعي العالمي" في مونت دي لاجيرو في البرازيل، ثم تطور النضال إلى تظاهر صريح في مانيلا في أكتوبر 2004 ، وكذلك في لندن حيث نظمت تظاهرتين في نوفمبر 2004، وكذلك سارت الأمور في نيروبي عشية ديسمبر 2004، وأيضاً في باريس حيث برزت دعوة المقاطعة والإلغاء الكامل للديون، وكذلك أيضاً في أسطمبول إذ وجه النداء بأن تتحول السياسات الدولية إلى أداة لإفادة المجتمعات المضطهدة وخطاب شؤونها بالإنصاف وحماية الإنسان والبيئة.ثم جاءت (كرنفالات) لندن 2005 لإلغاء الديون والحد من الفقر وتظاهرات هونج كونج بعدها عقدت قمة كراكاس-فنزويلا الإجتماعية لأكثر من خمسة ألآف منظمة سنة 2006 ومن كل هذه النضالات يمكن أن نحاول تلخيص أهدافها بجملة منبهة صاغها رفيقنا الهولندي صديق الأرض جانكي بروئيل Janneke Bruil في مقاله المسمى :"هيئة التمويل الدولية تحت ضغط الحصار تمدد سياسات الحماية ولكن هل ترغب فعلاُ بالتغيير؟" التي نشرها بالعدد 8 المصدر في يناير 2005 لنشرة "أخبار العدل الإقتصادي" Economic Justice News. مفيداً بإن على هيئات المال الدولية التابعة للامم المتحدة إحترام القانون الدولي ومعاهداته لحقوق الإنسان، ولحقوق العمال ولحماية الشعوب الأصل المستضعفة وكذلك حماية البيئة التي توفر لكل الناس الحياة.


33- البنك والصندوق كمنظمات تدمير شامل للحضارة البشرية

في جهة مواشجة للنضال لأجل حقوق العمال، والشعوب الأصلية، و حماية البيئة وإقرار حقوق الإنسان السياسية والإقتصادية-الإجتماعية والثقافية تال النقض كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بإعتبارهما الهيئتان الإقتصاديتان العامتان الدوليتان اللتان تطالبان بصورة مركزية مخططة بحل الهيئات العامة الإقتصادية داخل الدول وإنهاء سياسات التخطيط المركزي لكشف وتشغيل وتنمية الموارد الطبيعية والبشرية والمالية!

وسيق النقض في جهة فشل هاتين الهيئتين العامتين في مجال توفير الموارد لتنمية الدول ومكافحة الفقر حيث تحولت إستراتيجيتهما لتنمية الدول والمجتمعات عن طريق القروض والديون، فالخصخصة وحرية السوق إلى وبال منتج للتخلف والتمزق والتبعية والحروب والفقر والجهل والأمراض في معظم البلدان التي إتبعت برامجهما.

وتبدو مسالة "الديون الدولية" International Debts التي لها تاثيلها المستقل في هذا الكتاب محوراً أساسياً لنقض وجود البنك والصندوق الدوليين وسياساتهما وبرامجهما، بما تنطو عليه من إملاق ومحق.

فمع تشديد الحصار على النشاطات والدول الإشتراكية إنتظمت قوى الإستعمار القديم في حملة إستعمارية حديثة في التاريخ العالمي، بدأت زحفها منذ أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات برفع شركات النفط أسعاره بمعدلات غالية إستنزفت جميع الفوائض القليلة التي تمتعت بها بعض مجتمعات البلدان المتحررة حديثاً من الإستعمار القديم، مما أدى لعجز ميزانياتها بزيادة نفقاتها عن دخلها نتيجة أوضاع التجارة الدولية والضغوط السياسية، مما قوبل برفع المؤسسات المالية لأسعار الفوائظ على الإقتراض ومضاعفة ربا الديون مع أولى عمليات الإقراض الدولي التي قادت الدول إليها (إقتراحات) البنك والصندوق الدوليين وشروط مساعدات "الهيئة الأمريكية للمعونة الدولية" USAID في ظل ضغوط إقتصادية وسياسية وعسكرية عالية.
وكانت دول أمريكا اللاتينية التي سبق قودها إلى هذه التهلكة منذ الخمسينيات هي الضحية الأولى لرفع أسعار الفائدة رغم مواردها المعدنية والنفطية والبشرية والزراعية والصناعية، التي كانت تخضع لسيطرة التكتلات الأمريكية وتوابعها من الكمبرادوريات (الوطنية)، حيث غبنت المكسيك بعجزها عن دفع الفوائد المتلاحقة على ديونها منذ عام 1982 مما واشج تدخل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الذي قادها لهذا الوضع بمنع إشهار إفلاسها وإفلاسه بالتالي، إذ عمدت الدول ذات الأسهم الذهبية في البنك والصندوق الدوليين لضخ مزيد من الأموال إلى المكسيك لا لتقوم بإعادة سد مضاعفة لديونها بمتوالية مفتوحة لايعرف لأحد كيفية سدها، ولكنها على إحتكارها عائدات النفط كفت لقسرها على تطبيق سياسات :

1- "برنامج التكييف الهيكلي"Structural Adjustment Programme :
هو البرنامج متعدد الأشكال الذي يحدد به البنك والصندوق الدوليين السياسات العامة للدولة والإقتصاد بدءاً من نوعية جمعها الموارد إلى وجوه صرفها، ومن تنظيم التجارة الداخلية والمشتروات من الزراع و الرعاة، وتنظيم أسعار السلع الضرورية ومدى تقديم الخدمات العامة إلى فتح البلاد وحقوقها السياسية والإجتماعية والإقتصادية لعمليات الإستثمار الأجنبي والتجارة الخارجية، غض النظر عن الحاجة والضرورة إليها وبغض النظر عن آثارها السالبة لقدرات المجتمع على القيام بتنمية شاملة متوازنة تلبي حاجات الإنسان إلى الضرورات وشيئ من غيرها وتحترم كرامة كينونته وحقوقه وثقافته وبيئته.

2- برنامج الإصلاح المالي:
وهو النسخة المالية والنقدية من برامج التكييف، ويتضمن أشكالاً مجزأة للحسابات غالية عند الجمع ومجحفة ومبخسة عند الصرف، وتنفصل بأحوال جمعها وصرفها عن القدارات الفعلية والحاجات الضرورة لسواد الناس، إذ تميل إلى التعامل مع الدولة كمتجر لتصريف البضائع والخدمات الأجنبية يديره القطاع الخاص الذي يحول لأجير تابع للمؤسسات الدوليةن بينما تهمل كون الدولة هيئة إجتماعية، لمواطنيها حقوق فيها وفي التنمية، وفي العدالة الدولية .
وتميل برامج الإصلاح النقدي إلى عدد من الإجراءات منها:
 سيطرة صندوق النقد والبنك الدوليين على الإقتصادات الوطنية
 فك سيطرة البنك المركزي على الأوضاع المالية والنقدية للدولة
 ربط العملة الوطنية بالسوق الدولية ووفق سعر الدولار في ظروف الولايات المتحدة لا وفق ظروف المجتمع المحلي ودولته [= تعويم العملة ]
 تخفيض الخدمات الضرورة ونفقات تقديمها
 تخفيض الأجور الحقيقية
 زيادة الضرائب على الأنشطة المحلية وإعفاء الإستثمارات الأجنبية
 إدخال التمويل الأجنبي كمكون أساس لمشروعات الإقتصاد (الوطني)
 توجيه المدفوعات لدفع فوائد الديون الخارجية وسد نفقات المشروعات المرتبطة بالمؤسسات الدولية [حصص الإستثمارات الأجنبية في النفط والرخص الدولية للهاتف النقال، والتكاليف الإدارية للهيئتان الدوليتان ]

وتواشج سياسات التكييف الهيكلي والإصلاح المالي إدامة الفقر البنيوي في هياكل الإنتاج وعلاقاته وفي مجتمعات الزراع والعمال والنساء والشعوب الأصلية وهامش المدن والأرياف، وتتواشج إدامة الفقر البنيوي مع إدامة الفقر الظاهري للسكان الذين يقل دخلهم بهذه السياسات عن كفاية حاجات العيش. وينعقد هذا التواشج مع صرف الموارد عن تلبية حاجات السكان الضرورية وتحقيق تنمية شاملة متوازنة بقيام السياسات الهيكيلية للهئيتين الدوليتين بتوجيه الموارد الوطنية في جملة البلاد التي تتبع هذه البرامج حيث تدرج بها في عملية سياسية إقتصادية وإعلامية معولمة مديمة للديون والتبعية الدولية كمصدر رئيس لـنمو قطاع الأعمال الدولية الكبيرةInternational Big Business Growth وهو القطاع الذي تتمركز فيه رؤوس المال المصرفية والصناعية التجارية والإعلامية في شبكات مصالح مشتركة، تتحد مع قوى الدولة الأمريكية والأوربية المعرفية والتنظيمية والإستخبارية والعسكرية مكونة بنشاطها الجغرافي المتسع عالمياً وبتمركزها الإداري الأمريكي والأوربي حالة من التركز والنشاط الدولي لرأس المال المصرفي والصناعي والتجاري المعروفة بـالإمبريالية وإنفراده بها بتقرير مستويات الحياة في العالم من أسعار النفط والمواد الغذائية وأسعار المصنوعات إلى تقريره مستويات توفر الدواء، وإجهاض الأجنة أو تشكيلهم، نأهيك عن تقرير أعمال رأس المال لحجم ثقب الأوزون، وتقرير الشركات لمصير وحدة العراق.

وتتواشج نشاطات ورؤوس أموال هذه "الشركات متعدية الحدود" المعروفة بـإسم الشركات متعددة الجنسيات في مجموعات مصالح وشبكات خفية ما يظهر منها قد يكون مجرد قمة جبل الثلج إذا أشرنا إلى أن البنك الدولي يجني لها من إصلاحاته مبلغاً زهيداً قدره في السنة الواحدة يزيد على ثمانون بليوناً من الدولارات وهو مبلغ يساو عشرة أضعافه من السندات والقروض ويزيد تمثل الأرباح الصافية لعمليات البنك والصندوق التي لا تدفع عليها مؤسسات "هيئة التمويل الدولية" IFC أي ضرائب لأي جهة. وذلك رغم كل الجعجعة الأمبريالية في الإعلام عن مبادئي الديمقراطية، وسيادة القانون، ومشاركة المواطنين، وتساو الفرص وتداول الحكم، وإحترام حقوق الأقليات! وبهذا الوضع الديكتاتوري الدولي لأصحاب رؤوس الأموال تبقى مقومات حياة الناس ومجتمعاتهم ودولهم في جميع أنحاء العالم في يد حفنة رأسماليين لم ينتخبهم أحد للسيطرة الفعلية على وجود العالم.

وبعد الفترة الطويلة من الإستعمار القديم وما أحاقه بالدول الأفريقية والأسيوية والأمريكية الجنوبية من تخلـف Underdevelopment ومن رسوف في التبعية Dependency وما عاجلها به بعد الإستقلال من ضغوط سياسية وإقتصادية وعسكرية أضحت الدول الأفريقية تدفع إلى المؤسسات الدولية العامة نأهيك عما تدفعه للخاصة أضعاف ماتصرفه على التعليم والصحة: فدولة كساحل العاج على سبيل المثال تدفع لمؤسسات الديون مايبلغ إثني عشر ضعفاً عما تدفعه في شؤون الصحة وعلاج المواطنين، خدمة منها لفوائد قروض سابقة أخذتها وفق توجيه المؤسسات الدولية من ذات المؤسسات الدولية لتعيد أضعاف أضعافها إلى نفس المؤسسات الدولية، وهو مايماثل شكلاً حديثاً من العبودية والإقطاع والرسملة الدولية يتعامل مع الإنسان الأفريقي أو الأسيوي أو الأمريكي الجنوبي كتابع له، أو بغل، أو مهمش.

وهذا الوضع المهين لكرامة الإنسان والمضاد لتساويه في الحريات والحقوق يواشج وضع الدول وتقييمها بتراتيب الإمبريالية ومؤسساتها، فما يسري على الدولة يسري على مجتمعاتها وما يسري على مجتمعاتها يسري على الفرد فيها دون خيار حقيقي له في الأمر.

فالدول الخاضعة لهذه الشروط تسمى ناجحة ومتعاونة والدول المتململة توسم بأنها منتهكة لحقوق الإنسان أما الدول الرافضة جملة أو تفصيلاً لهذه الشروط والأوضاع المقعدة لقدرات مجتمعاتها ومواردها والتي تعتد بها كسلطة وطنية فإنها توصم بأنها متمردة ومارقة وداعمة للإرهاب وتجابه بصنوف من الضغط والحصار والتمزيق.

وفي الواقع الفعلي، تتفاقم التمايزات الطبقية والثقافية في المجتمعات جراء سياسات فتح الإمبريالية للبلاد المستعمرة سابقاً كأسواق ضعيفة القدرات وإتاحة مواردها لقوى السوق الدولية وآلياتها الضخمة ويرتبط تفاقم الأوضاع الطبقية والثقافية بعملية مفتتة ومؤذية لتماسك العناصر الإقتصادية-الإجتماعيةالسياسية والثقافية لمجتمع هذه السوق المستضعفة حيث تقلقل حركة الإستثمارات والسلع والأسعار أحوال الإستقرار النسبي لقوى المجتمع القديمة والحديثة، كما تقلقل منظومات العلاقات التي كانت تربط كل منهما بالدولة والعالم


34- وضع القوى القديمة السابقة في الوجود لظهور الرأسمالية

فحلاً لأزمات إرتفاع أسعار الموارد في دول المراكز الرأسمالية وزيادة لأرباحها فإن حركة الإمبريالية لتسليع الطبيعة والموارد الإقتصادية للمجتمعات البشرية في انحاء العالم تسير بقوة في إتجاه ضد وعدو لتواشج الوجود الإجتماعي في أرياف الدول ونواحيها، وهو التواشج المتمثل بحالات الإقطاع القبيلي والبداوة وروابطها بالدولة المحلية بمنظومة الشيوخ والإدارة الأهلية وهي الروابط التي تجدل المنافع بين قادة الحكومات المحلية وقادة الدولة بكل مجتمعاتها.

فالمنظومات الرأسمالية الدولية الإستعمارية الجديدة المسلحة بالألآت وأساليب الإدارة من بعد ووكالات الإستثمار تميل لتدمير وإزالة مصفوفات القيم التقليدية في حياة المجتمعات البشرية وطبيعة عيشها وإنتاجها لمستلزماته وتشمل ثلاث رواكز هي :

الأعداء التقليدين للرسملة في الثقافة الريفية:
 الأحوال السياسية لإقرار الناس في الريف لحاكميتهم بالقناعة الذاتية

 الأحوال التقليدية لثقافة إمتلاك الأرض أو الثروات الحيوانية التي تعفي الناس من طغيان السوق الرأسمالي وتحرم عليه طاقاتهم ومواردهم.

 الأحوال الإجتماعية للعمل الطبيعي (غير الهادف للربح) بما فيه من مؤسسات وصلات رحمية وتراحمية عشائرية تواشج أحوال ومفاهيم جماعية تكوين الثروة والنفع بها في حدود الجماعة، والحياة الكفائية.

فوفقاً لتصاعد إنتاج الألآت وإستهلاك الطاقة في المراكز الرأسمالية تتصاعد مشاريع إستخراج العدو ن، والحاجة لبناء السدود بما تتضمنه من إخلاء مناطقها من السكان. و على ذلك تبسط الأمثلة مما إرتبط بإخلاء مناطق مأهولة من السكان ونزحهم عنها في شمال أوربا، وكندا، والبرازيل، ونيجيريا، وجزيرة العرب، وفي شمال وجنوب وغرب السودان، فبعد إمتهان حقوق سكان المناطق المستثمرة في الحكم والتنمية يدمر إستقرارهم وتشوه هوياتهم .

من ناحية وضع القوى الحديثة المواشجة للرأسمالية الداخلية أو الخارجية
في لغة السياسة والثقافة، يوشج (تحديث) الحياة بتحريرها من الإقطاع وبذا تميز القوى الحديثة في المجتمع بمواشجة نشاطها حالة رأس المال ونشاطه الداخلي أو الخارجي لتملك الموارد، وسيطرة رأس المال بهذا التملك على الموارد والوسائل المحلية للإنتاج وثمراته وبالتال سيطرته على موارد حياة الناس وأسس عيشهم، وهو تواشج يرتبط بإزدهار البرجوازية الكبيرة، وتدهور أحوال فئات البرجوازية الصغيرة، والطبقات الكادحة، التي تضطر لقبول الإنتاج بنظام العمل المأجور ونيلها من ثمرات سعيها فيه مايقل من الكفاف. وبذا، تتفاقم الممايزة الطبقية والثقافية بين الناس في مجتمعات المدن بتضاعف سياسات فتح البلاد المستعمرة سابقاً كأسواق ضعيفة القدرات وإتاحة مواردها لقوى السوق الدولية وآلياتها الضخمة رغم التدهور العام لأقسام البرجوازية الصغيرة والطبقة العاملة، وبذ يرتبط هذا (التحديث) بتدمير منتظم تمارسه الأوضاع الإمبريالية ضد تماسك كافة العناصر الإقتصادية الإجتماعية-السياسية والثقافية لمدن وعواصم هذا السوق المستضعف.

فحركة الإستثمارات الرمزية [ = شيكات مدفوعة في الخارج] بتركزها في الإنتاج قليل العمالة لإصطناع الأجهزة السمعبصرية والإتصالات اللاسلكية، والبرامج والنشرات الألكترونية، بأسعاره الغالية التي تسمح بتكديس أرباح ضخمة، تدمر المراكز القديمة لإنتاج للسلع الحياتية من الملح والمواد الغذائية والصابون والنسيج والحرف المتعلقة بها حيث يتحور المستوى المحلي من الإنتاج الرأسمالي بضغط الإرتفاع العام للأسعار وهجرة المهنيين إلى الحرف والبلاد الأكسب إلى حالين هما:

 تحول الإستثمار الصناعي والتجاري إلى مجالات اربح له ولوكانت اقل ضرورة للمجتمع أو إلى مجالات تقليدية مثل تجارة الأراض والعقارات

 رفع الأسعار ومنافسة قدرات السوق الإمبريالية بقدرات فردية محلية



وبتركز الإنتاج والتملك الدولي المتزايد للموارد وضعف الأوضاع المحلية لمجابهته يتزلزل استقرار علاقات وقوى مجتمعات المدينة، ويتبدد نمطها الخاص للطبقات مع تكثف الصراع المعتاد لطبقة البرجوازية المتملكة والمتحكمة وطبقة الناس الكادحة والمستغلة. وفي هذا الصراع الاممي.تدخل العناصر الدولية والريفية طرفاً أصيلاً.


35- خطر تدمير الطبقة العاملة الصناعية على الحضارة

1- تعريف الطبقة العاملة الصناعية

تعرف الطبقة العاملة بالحرمان والكد، فإضافة لحرمانها من ملكية موارد ووسائل العمل، وحرمانها من السيطرة الكاملة على الموارد والألآت الداخلة في العملية الإنتاجية التي تقوم بها، وحرمانها من أعظم عائدات عملها، وحرمانها من إمكانات تقرير مستوياته وأجزاء هامة من قراراته الفنية، فإن طبقة العمال في المصانع بقيامها بمباشرة عملية الإنتاج والجمع والتشغيل المباشر للمواد والألآت بيديها تتميز بكل ما سبق عن فئات المهندسين التي يتيح لها وضعها السيطرة الفنية على كامل عملية الإنتاج بالتشغيل والوقف والتعديل كما تتميز الطبقة العاملة بهذا الحرمان والقهر عن فئة الموظفين والمديرين الذين يتعاملون مع الأوضاع النظرية لقوى العمل الصناعي ومواده وحساباتهما وأوضاعهما، كما تتميز طبعاً عن الطبقة الرأسمالية المالكة لوسيلة الإنتاج وموارده ولعمل الطبقة العاملة وثمراته.

2- الضرورة الموضوعية للطبقة العاملة الصناعية لتنمية الإنتاج ونقله من المستوى الزراعي-الرعوي المفكك لحال تنمية متكاملة متوازنة مستدامة
بحكم الوضع الفاعل العضوي للطبقة العاملة بعمليات الإنتاج الصناعي الحديث والتركيب التاريخي لها في العملية التصاعدية لتطور إنتاج المجتمعات من أحوال الرعي والزراعة وبالوضع الذاتي الجسيم لمعاناتها وقدراتها وأمآلها وبشرط إكتساب طلائعها للوعي بوضعها ومهامها حيث تبقى الطبقة العاملة الصناعية بهذه الأوضاع الطبقة الأصلح في الناس لفك القيود السياسية-الإقتصادية والإجتماعية-الثقافية التي تكبل تلبية الناس ضرورات عيشهم وعمران حياتهم وثقافتهم.

وتتمثل هذه القيود في عدد من الأوضاع المحلية والدولية التي يمكن تبينها في احوال الدول النامية ومجتمعاتها ، وهي أوضاع تتمثل في ثلاث مستويات هي:
 التبعية الإقتصادية للمراكز الرأسمالية المحلية والدولية
 ديكاتوتوريات البرجوازية المدنية والعسكرية
 أوضاع الهيمنة الإجتماعية والثقافية للطبقات المسيطرة
وهي قيود يضعها التنظيم الرأسمالي لحركة المجتمعات وهو تنظيم مأزوم بتمركزه وإستغلاله المشوه للموارد المادية والبشر وتهميشه العشواء لحاجات وقدرات قطاعات المجتمع، وتأزيم حركاته العشواء لأسواقه.

وموضوعية قيادة الطبقة العاملة الصناعية للنشاط الإجتماعي تتجاوز أهمية قيادتها المهنية للعمل والإنتاج بعتباره قاعدة الحياة، غلى أهمية أكثر موضوعية تتمثل مع فكها للقيود السابق ذكرها إلى قيادة عملية تنمية شاملة للحياة الإجتماعية تنقلها من حال التفكك السياسي-الإقتصادي الإجتماعي الثقافي إلى حال تنسيق شمولي بين الموارد والحاجات والإنتاج ونظم توزيع الموارد والأعمال والثمرات والسياسات والنظم المهنية والسياسية اللازمة لهذا التنسيق.

فبوقوعها في قاعدة الإنتاج الصناعي لتحول المجتمعات والبلدان وتقدمها من حال الكفاء المعيشي المنفرد لبعض المجموعات والتكالب والحرمان لبعضها الآخر، إلى حال الإشباع العامة للحاجات الضرورة، ومن حال الإنتاج الرعوي والزراعي والصناعي المفكك والمذبذب والعشواء إلى حال الإنتاج المتكامل الذي يتيح للإنسان أبسط المنافع وشي من أعظمها من موارده وأعماله، دون وصاية من قوى تعمل لصالحها الخاص، ودون سلب لكرامته أو هدر للحسن المبين في عمران تناسق وجوده ووجدانه وعقله ووعيه وشعوره .

ولكن هذه الطبقة التي تحقق المعان الحقيقة للحضارة بإعمار الأرض والموارد وقضاء حاجات الناس وأمنهم من الجوع والخوف وعدل توزيعها الجهود والثمرات والمنافع بميزان معاملات المجتمع القائم بـعيار الحق (من كل حسب عمله لكل حسب حاجته) المضاد للتطفيف وبإحسانها عمران البنى النظرية والعملية للإنتاج والتوزيع والثقافة، وإكرامها وجود الإنسان بهذا الوصل والتنسيق بين جهوده وإشباع حاجاته والتكوين التاريخي المتطور لطبيعة وجوده ووجدانه وعقله ووعيه وجمالياته، تبقى هذه الطبقة العاملة الصناعية رغم كل هذه المؤهلات والآمال عرضة للتدمير والتشويه بالتغلغل الرأسمالي الجديد في المدينة الظالمة لها وبالإجتياح الرأسمالي المعولم لإمكاناتها النمطية، حيث تزيد السياسات المحلية أو المعلومة للإصلاح الجزئي حرمان الطبقة العاملة من أعظم ثمرات تعلمها وكدحها ومضاعفتها الجهد والنفع الإنساني بدوائر الألآت وخدماتها للحد الأقصى الذي تتيحه أوضاع رأس المال ومصالحه. حيث يتحول وضعها الآني من حال الإستغلال والإستلاب إلى حال الحرمان من العمل والتهميش المادي والمعنوي لإحتياجاتها بل وتدميرها.

وقد بدأت الخطى الظاهرة لهذا التدمير في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن العشرين برشوة القطاعات الأوربية والأمريكية من الطبقة العاملة العالمية وأجزاء هامة من الطبقة الوسطى بفوائض إستنزاف العالم الثالث.

ومع تفاعلات أزمة الديون الدولية في أمريكا الجنوبية وبداية إنهيار النظم الأفريقية التي إرتبطت بفرض سياسات الإصلاح النقدي والتكييف الهيكلي الإمبريالية حتى الإنهيار الأول للجنيه الإسترليني، وتصاعد الثورات الآيرلندية والعمالية في بريطانيا في 1986 وإنتشار الإضرابات في أوربا الرأسمالية ضد مقدمات الخصخصة، إنتقلت قوى الإمبريالية من حال رشوة القوى الإجتماعية إلى نزع حقوق العمال وإمتصاص إمتيازات الطبقة الوسطى والتخلص من أوضاع التأمين الداخلي للمجتمعات الرأسمالية في الحرب الباردة [فور بدء تفكيك إتحاد السوفييت] .

وكانت نظم التأمين الإجتماعي في دول المراكز الرأسمالية توفر إحتياجات مجتمعاتها للعمل والمعيشة ورعي قطاعها العام ضمن نشاطات الرأسمالية في الأعمال التجارية والمصرفية المحلية والدولية وإزهار صناعات الألآت والسيارات والأجهزة المنزلية التي قلت مرونتها بتقدم الصناعات الأسيوية وتشبع الأسواق وضعف مواردها الرسمية مما دفع وصعد سياسة شطب سيطرة المجتمعات على الموارد الوطنية وإستعمار البشر والبلاد بسياسة (تحرير الأسواق) وبسياسة (حرية السوق) والتمدد الإستعماري الحديث لقطاع الأعمال الكبيرة في دول العالم ومجتمعاتها.

فبعد ان أكملت السياسات لإمبريالية دورتها بإضعاف العالم الثالث على كافة المستويات السياسية والإقتصادية والنقودية بما أوصل دوله إلى حالة العجز والإفلاس الشامل عمدت سياسات السوق إلى السيطرة على دول العالم الثالث بـبرامج الخصخصة Privatization التي مثلت الخلاصة السياسية الدولية لـبرنامج برادلي Pradly Program في عام 1989 المنذر بتبديل الديون الدولية بقدر (فعال) من الأصول الإقتصادية في العالم الثالث.

وقد مثل هذا الحل الأمريكي-البريطاني القديم لأزمة الرأسمالية في قطاع التمويلات الدولية حلاً ربوياً تقليدياً كان وزير مالية فرعون قد سنه قديماً لتجريد الفلاحين خلال السنين العجاف من مخزوناتهم ومن حيواناتهم ثم من أراضيهم، محولاً بهذه الحيلة الأعطيات التي كانوا يقدمونها لفرعون إلى فروض واجبة عليهم، قبضاً لحريتهم في الإنتاج والترحل أو الإقامة في الأرض وإستعباداً لهم. كما يشبه الحل بعض مافي مسرحية شكسبير الشهيرة "تاجر البندقية" Merchant of Venice العدوة للإقطاع وربويته حيث إقترح المرابي شايلوك أن يدفع المدين عند عجزه رطلاً من لحمه البشري إيفاءاً لدينه!.

فبذات السياق الإستعبادي طابقت الخصخصة حال تملك المرابي من المفلس أنفس ماعنده، مما يتكرر بالوضع التمهيدي لعولمة موارد المجتمعات وقواها وإخضاعها لرأس المال الدولي وشركاته الكبرى وتشكيلاته وأوضاعه الإمبريالية، لبعث إنتعاش في أوصاله المتصلبة.
وبهذه الأوضاع المجحفة وديونها وخصخصتها وعولمتها صرفت الطبقة العاملة الصناعية في معظم بلاد العالم الثالث من حال التأهب لقيادة تقدم المجتمعات من التكالب إلى التناسق، ووضعت في حالة الدفاع عن النفس وهي الحالة التي ربطها أرنستو شي جيفارا بـالإنهزام لفقد القدرة فيها على المبادرة والإنكفاء على ردود الأفعال.

بيد ان الأقسام الطليعية من الطبقة العاملة والأحزاب الشيوعية والحركات الثورية والحقوقية في امريكا وكندا وفي الهند والصين وفي البرازيل وبوليفيا وأوروجواي والأرجنتين وبيرو والمكسيك وفي أوربا الرأسمالية المركزية وفي جنوب أفريقيا وشرقها أخذت تتبين الخطر الداهم لهجوم الرأسمالية الدفاعي على نطاق العالم -رفس الذبيح- لإحتلاله مناطق شاسعة وأسواق كبرى تضم ألاف الأقوام والشعوب القبائل التي تفتقر قواها لأدنى مقومات الحياة، مما يجعل إنفاق قوى الإستعمار بتركزاته ونزاعاته أو قبضها مصدر خسارة بنيوية مزمنة تشج احوال الخصخصة والإستعمار الحديث بالإنتفاضات الداخلية المحتجة والمطالبة والهجمات الإرهابية التي تتأجج بحمق سياساته العسكرية ضد الدول والمجتمعات المستضعفة.

من هذا التناول يمكن تأثيل نتيجة بسيطة وهي أن تغلغل واجتياح الإمبريالية السياسي والعسكري لدول العالم لضمان حرية رأس المال في الدول المستقلة حديثاً يحطم جملة المنظومات الداخلية للعلاقات السياسية-الثقافية التي تربط قوى المدينة وأفرادها ببقية مجتمعات الدولة وبالدولة في ذاتها وبالعالم كله في آخر الأمر حيث تستبدل الدولة بثقب ملتهب .


3- علاقات الإنتاج في المدينة:
يتراجع دور الإستغلال المنتظم وعقوده الكافية لإدارة شبه منتظمة لعجلة السوق إلى حالة من تشغيل العمال بنظام اليوميات والحصص الإنتاجية والمقاولات الباطنية التي يخضع معظمها للتغييرات السالبة في الآجال الزمنية للإنجاز والآجال الزمانية للدفع

وبتفكك علاقات العمل الرأسمالية في المدينة وما يتبعه من تفكك العلاقة الضرائبية ، تتفكك الصلة المنتظمة بين المواطن والدولة التي يزداد توحشها ونهمها لجمع الضرائب لسد حاجات موظفيها في ظل الخفض الدولي لنشاطاتها المثمرة، وتتحول تدرجاً من حال الدولة الفاعلة إلى حال الدولة الحارسة التي تقوم عبر ميزانياتها المتناقصة بمهام الرئاسة والسفارة والضبط والقضاء والدفاع

بيد أن أهم مايصيب الطبقة العاملة بالدمار هو الحال الأحدية التي تجد نفسها فيه بدمار وجودها وقدراتها الإتصالية، حيث تفقد روحها المدنية وتتجه أقسام منها للتبرجز او للتريف العقلي بحثاً عن مخرج بينما تتجاه الأقسام الأكثر طليعية فيها وموضوعية في التفكير إلى الإستعانة بقوى الريف الكادحة والمهمشة وقدراته الحربية في نضال مشترك منظم ضد الأوضاع المحلية والدولية التي فرضت عليها عادة ما يبتدئي سلما ثم يجبره عنف البرجوازية المحلي والدولي على التحول إلى العنف الثوري.


36- تلازم النهب والإستضعاف

ربط العديد من الكتاب تصاعد المكننة والتأليل في الإنتاج والتصنيع للتجارة بالحاجة إلى ضبط الأسواق الوطنية للمال والصيرفة وتأسيس مصرف مركزي في كل بلد يقوم النقود ويرصد العملات. وكان هذا الإحتياج قد مثل مسألة ملحة فيما قبل الحرب العالمية الأولى ومابعدها وهي الفترة التي شهدت تفاوتاً وتضارباً في النشاط بين مصالح الإقتصادات المركزية لرأس المال فاتت بها حال المرابحة إلى ضدها من إنهيار للإقتصادت وخسران المضاربات والقيم.

ففي أواخر القرن التاسع عشر مولت المصارف الكبرى ذات الصلة بالشركات النفطية الأكبر في العالم كشركة إستاندرد أويل أوف كاليفورنيا Standard Oil of California التي يملكها آل روكفلرRokflers وشركة النفط الروسية التي كانت ملكاً لآل روتشيلد Rotchailds وآل نوبل Noble عمليات حفر قناة بنما وقناة السويس التي أشرف عليهما المهندس ديسيليبس Dissilebesثم إتجه آل روتشيلد لتمويل الحكومة البريطانية (ديزرائيلي) لشراء أسهم في قناة السويس بينما كان بنك آل روتشيلد الفرنسي يمول مشروعات الخديوي إسماعيل المظهرية التي هدفت لجعل مدن مصر تماثل في هيئتها مدن فرنسا وعواصم أوربا، دون ان تكون لها نفس المستعمرات!؟ وهي المشروعات التي تراكمت فوائدها الباهظة على الخزانة المصرية حتى وضعت مصر برمتها تحت إشراف صندوق الدين، وبيعت أراضيها وأسهم الصناعات التي أسسها محمد علي باشا إلى كبار متمولي هذه المصارف وأقارب سادتها مما قاد -مع أسباب أخرى- لتفتت وتناقض الإرادة الوطنية والسياسية العثمانية والمصرية حتى وضعت مصر تحت الإحتلال المباشر لبريطانيا وتحطمت درة الخلافة الإسلامية.

ومذاك الزمان بقى المجتمعان المصري والتركي رهن الإستضعاف عدا مصر إبان سنوات توجهها الإشتراكي الأقل من تسع 1958-1967 التي نقلت مصر بقوة التخطيط، والتأميم-تأميم قناة السويس والمصارف ومراكز التجارة الأجنبية- والتوسع في التصنيع والخدمات العامة من حال الأسية والمعية إلى حال الدولة الزاهرة.

ومع تصادم مصالح القوى الأوربية والأمريكية وبنوكها في بنما والمكسيك واكوادور وكولومبيا وفنزويلا نشبت الحروب والإنقلابات في تلك البلاد وراح الملايين من السكان ضحايا لها ففي أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن الـ 20 نشط في أمريكا الجنوبية ويتمان بيرسون Weetman Pearson المعروف بـ لورد كاودرايLord Cowdray مؤسس صحيفة الفاينانشيال تايمز Financial Times The ومجلة الإيكونوميـست The Economist اللتين مازالاتا تحددان الرأي الإقتصادي لسياسي العالم الرأسمالي- إذ قام ويتمان بتثبيت مصالح النفط البريطانية بتحالفه مع حاكم المكسيك هورتاHuerta ومصالحاً يرتبط تمولها بــآل روتشيلد مما أحنق آل روكفلر الذين كانوا تابعين لآل روتشيلد في جهة ومنافسين لهم في جهة ضد: فدفعوا من مركزهم الضخم في الولايات المتحدة الإدارة الأمريكية إلى الحديث عن (حقوقها) في ماوصف بـ"الفناء الخلفي للولايات المتحدة"، وفُتحت تسهيلات تجارية ومصرفية لألمانيا التي بلغت جملة المدفوعات الأمريكية إليها في دائرة الحرب العالمية الأولى 30.000.000.000 $ ثلاثون بليون دولار قدمتها البنوك الأمريكية لإستثمار ألمانيا إقتصاداً وسياسة تهديد: لحد التغلغل الأوربي في أمريكا الجنوبية وخطره على مصالح التمدد الأمريكي. و بهذه السياسة الخشنة بين رأس المال الوكيل المتطلع (روكفلر) ورأس المال الأصيل (روتشيلد) والسلوك الأمريكي الحاجم حرية تمدد الرأسمالية الأوربية في أمريكا الجنوبية تشكلت "مبادئي ويلسون" حول "حق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي" وهي المبادئي السياسية التي نشأت بعد إتحاد الرأسمالية المصرفية والصناعية في الولايات المتحدة في ليلة عيد ميلاد المسيح (ع) عام 1913 وتأسيسها المصرف المركزي هناك بإسم بنك الإحتياط الإتحادي أساساً موضوعياً لإبدال متكامل لأليات الإستعمار القديم في العالم بآليات الإستعمار الحديث، وكان لينين بوضوح وعبقرية فذة قد نبه إلى هذه التحولات العميقة في بنية الرأسمالية والإستعمار بكتابه "الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" Imperialism is a High Stage of Capitalism وهو أحد الكتب المأذزة للماركسية اللينينية بإضافته الأبعاد الدقيقة لتشكل قوى وأليآت الإستعمار الحديث إلى فعالياتها في التنظير والنضال للثورة والتحرر في مجالات الإقتصاد الإجتماع السياسة والثقافة الوطنية والأممية والإنسانية.


وإتجاهاً من حالة تدافع قوى رأس المال المصرفي والتجاري-النفطي في آسيا إلى حالة الإتحاد قام إسرائيل بير جوزيفIsrael Beer Joseph البارون باول يوليوس دي رويترز Paul Julius de Reuters Baron عمود تأسيس "وكالة رويترز للانباء" سنة 1851 قام البارون المالي المذكور في عام 1872 بالتعاقد على النفط الإيراني ماداًً نفوذه من إيران عبر بحر قزوين إلى باكو في كزخستان جنوب روسيا حيث كانت مصالح آل روتشيلد وغيرها من مصالح الرأسمالية اليهودية في تلك المناطق الإسلامية، كانت تعاني من النشاط الإرهابي للشيوعيين بقيادة ستالين. وقد إكتمل ذاك التنسيق بين المصالح النفطية في تلك المناطق بقيام وكيل آل صموئيل في الإستانة المهندس قولبيكيان Gulbekian مستشار الحكومة العثمانية في باريس ولندن منذ عام 1897 إلى 1914 بتنسيق المصالح المالية والنفطية البريطانية والألمانية بتعاقدات على نفط المناطق الروسية والإيرانية والعراقية مدغماً لها في شركة شل Shell التي تملكها مصالح العائلتين الملكيتين البريطانية والهولندية والبنوك النافذة الرابطة إقتصاداتهما والبنك الألماني الذي تربطهما بالعائلتين علاقات تاريخية وبعد ذلك الدغم تم التقدم بهذه القوة الراهبة إلى مفاوضة قيصر روسيا.


ولكن، رغم إستعار الضغوط والحروب الألمانية والبريطانية واليابانية والعثمانية ضد روسيا رفض القياصرة الروس الواحد تلو الآخر عرض الإحتكار المقدم من الأخوة كرامازوف آل روتشيلد وآل نوبل وآل روكفلر لتولى أمور النفط الروسي معاً والعرض المقدم من بنوكهم لتأسيس بنك مركزي روسي (يشرف على المجال المالي للنفط) بان يأخذ من القيصر سلطته الإقطاعية في تنظيم أمور الأموال في بلاده، ويضمن لأولياء البنك ميز وضعهم في روسيا ونفطها وسيطرة مصارفهم الدولية وعائلاتها على إقتصاد روسيا وإقتصاد العالم. وإزاء هذا الرفض بيعت الأنصبة اليهودية الكبرى في النفط الروسي وأشترى آل روتشيلد وآل نوبل بعائداتها أسهماً في رويال دوتشة شل Royal Dutch Shell التي تولت معظم نفط الشرق الأوسط.

وكان ذلك إيذاناً بمقدم أحداث رهيبة فرضها تطور المصالح والأهداف والنشاطات الرأسمالية وتوسعها من حالة الصراع الفرنسي البريطاني والألماني إلى حالة إمبريالية أعظم دخلت فيها قوى الرأسمالية الأمريكية بقوة إلى ميدان الصراع الإمبريالي.

وبمفارقة الإمبريالية والرأسمالية اليهودية لميادين الإستثمار في روسيا أضحى الإقتصاد الروسي معزولاً والحكم القيصري فاقداً لأي معني مع تقدم المصالح الإمبريالية حوله وتزايد الحاجات الأساسية للسكان داخل روسيا وتفاقم معاناتهم من القمع الداخلي والإستضعاف الدولي.

وبهذا الوضع الأزوم كان تنظيم وإندلاع وإنتصار الثورة الشيوعية بتنظيم وقيادة لينين وستالين وقت وقف أحبار الحزب الإشتراكي الروسي تورتسكي وكامنييف وزينوفيف منائيين هذه الثورة الشيوعية في أولها قبل دخولهم فيها بعد إنتصارها دخول بنو أمية في الإسلام بعد الفتح وفق مشورة مشير معاوية الحكيم: إبن آثال المعروف بكعب الأحبار. حيث كان أحبار التنظير والحزب الإشتراكي الذي تجاوزه البلاشفة إلى الشيوعية قد جهدوا أولاً لإحتواء الثورة الشيوعية ولكنهم هزموا بقوة نضال البلاشفة بقيادة لينين وستالين وتركيزهم البرمجي الآجل لمهام التقدم الحزبي والإجتماعي الذي أفشل توجهات الإشتراكيين بقيادة تروتسكي وأولياءه المناشفة. الذي ركزوا باقي جهدهم على تسميم الثورة من الداخل وحصارها من الخارج بتفكيكها وتشتيتها وبعد صدها النازية وإنتصارها عليها في الحرب العالمية الثانية إستعانوا في قتلها بأسلوبها البرمجي والجمعي المتصل.

وكان ماكفادن McFadden Louis رئيس لجنة البنوك والعملات Banks & Currency Committee إبان العشرينيات والثلاثينيات قد كشف محاولات الإحتواء هذه بشهادته أمام الكونغرس المسجلة في مضابطه بتأريخ 1934-06-15 التي فصل فيها الدور (البريطاني) لإعادة تسليف الأموال الأمريكية للسوفيت لتمويل بناء سد دينابستوري Dniepestory Dam الذي بدأ به السوفييت التصنيع الثقيل. ورغم حذق الشيوعيون بقيادة لينين في التعامل مع القوى الإمبريالية المحيطة ببلادهم والتي تدخلت قواتها لإلحاق الهزيمة بالشيوعيين فقد عجلت هزائم أحبار الإشتراكية ثم محاولتهم إغتيال لينين ووفاته بصعود ما هو أخطر وهو الخط النضالي الصارم لقيادة ستالين عملية التطوير المتناسق لأوجه الحياة في الإتحاد السوفييتي حتى هزيمته ألمانيا ودعمه التحرر الوطني لأغلب بلاد العالم، ودعوته لقيام نظم دولية إقتصادية وسياسية وإعلامية جديدة.

ولا شك أن أحوال تعطيل الشيوعية وتدميرالإتحاد السوفييتي من بعد قد إرتبطت بمواصلة المصالح الإمبريالية محاولاتها إستضعاف شعوب المنطقة على مختلف دياناتهم ونهب ثرواتها النفطية والطبيعية الأخرى والبشرية. مما يرتبط بحرمانها هذه الشعوب من الإمكانات الموضوعية العملية والنظرية للتحرر والتقدم وقبضها في النظام الإقطاعي الحديث للسيطرة العائلية على مصادر الطاقة وأسعارها من جرانادا إلى تخوم الصين ومن بحر قزوين إلى موزمبيق وأنقولا ومن فنزويلا إلى عدن إضافة إلى تحكمها في إصدار النقود والتحديد السوقي لقيمها.

وفي هذا الصدد فإن ثالث أجزاء كتيب "تاريخ النقود" يرصد بحذق تمويل مصالح آل روتشيلد قسماً من جهد ألمانيا في الحرب العالمية الاولى وكذا تمويل بنك آل روتشيلد في فرنسا French Rothschild’s Bank قسماً من جهد فرنسا الحربي وكذلك تمويل بنك آل روتشيلد ببريطانيا British Rothschild’s Bank لجهدها الحربي. وفي إطار هذه التمويلات والترسملات الحديثة نبه الكتيب بقوة إلى أن عميل آل روتشيلد ج. ب. مورجانJ. P. Morgan البنكي الأعظم في العالم قدم يومياً عشرة ملايين دولار[حسابي] للخزانة العامة الأمريكية لمدة ستة أشهر دعماً لجهدها الحربي بينما جنى منها آل روكفلرRockefellers وبرنارد باروخ Bernard Baruch رئيس مجلس التصنيع الحربي حوالى 200.000.000 مآئتي مليون دولار! ويرصد جاري آلن Gary Allen إن العائلة المالكة الروسية التي عارضت تحكم الرأسمالية العالمية بأموال روسيا|القيصر، واجهت ثورة إشتراكية كان أول داعميها بنك شيسChase Bank لكون الثورة برأي البنك حينذاك "أداة أمثل لضبط الإقتصاد العالمي".


وقد ثبت كولن سكوسنColen Skousen هذا الحال الذي تمازجت فيه صناعة الثورات بصناعة الثروات بكتابه القيم "الرأسمالي العاري" بنغم من قصة "الإمبراطور العاري"،ووثق الحادثة رئيس لجنة البنوك والعملات في الكونغرس Banks & Currency Committee إبان العشرينيات والثلاثينيات النائب الجمهوري لويس ماكفادن McFadden Louis T وذلك بشهادته الضافية الموثقة أمام الكونغرس الأمريكي التي سجلت مضابطه وقائعها وبياناتها بتأريخ 1934-06-15 إثر فتح الكونغرس لتحقيق حول "أسباب الكساد الكبير"The Great Depression . ففي شهادة لويس ماكفادن أمام الكونجرس عن خدمة الممولين السابقة للثورة الشيوعية في روسيا ودعم بعضهم لها بالمال وأثر هذا الدعم والنظام المصرفي الذي قام عليه في توافر الأموال في الولايات المتحدة أكد لويس جدلية هذه السياسة مفصلاً الدور (البريطاني) في عملية تسليف الأموال الأمريكية للسوفيت لتمويل بناءهم سد دينابستوري Dniepestory Dam الذي دعم به السوفييت عملية التصنيع الثقيل مستقوين به في عملية التنمية والتقدم إلى مواجهة الإستعمار القديم.

وفي جهة ضد كان "مؤتمر باريس للسلام"Paris Peace Conference يشرع بتأسيس "عصبة الأمم" و"المحكمة الدولية"متجهاً إلى سد حاجة رأسمالية البنوك العالمية إلى مؤسسة مالية دولية تقيها شر التضارب أو تجني بها من إحداثه منافع جمة. مما ظهر بعذاك سنة 1929 حيث قام مورجان وكيندي وروكفلر وباروخ بتحويل أسهمهم إلى ذهب، مباشرة قبل حدوث "الإنهيار الكبير" للبورصة الأمريكية والإقتصاد العالمي، لسبب من "بنك الإحتياط الإتحادي"Federal Reserve Bank بشهادة رئيس لجنة الكونغرس للعملات والبنوك بتاريخ 15 يونيو1934 أكد بها إن: (( ماحصل ليس صدفة ولكنه تدبير محكم إستهدف التحكم فينا بتفليسنا وإستعادة أوربا للذهب الذي فقدته لدينا مقابل تمويلها في الحرب)) وعلى هذا النول المميز لخيوط المصالح العامة والرأسمالية جرت شهادة ميلتون فريدمانMilton Friedman رائد "المدرسة النقودية" لفهم الإقتصاد وأشهر حائزي "جائزة نوبل للإقتصاد" مدققاً بواقعة سحب بنك الإحتياط لثلث النقد المتعامل به من التداول كسبب هام من أسباب ذلك الإنهيار.

ويمكن بذلك فهم بعض إتجاهات قيمة الإنهيار وهي 40,000.000.000$ أربعون بليون دولار، بفحص تحول بعضها إلى ارباح في أياد أخرى حيث يسهل فهم الإرتفاع في ثروة شخصيات مالية محترمة مثل كينيدي من$04,000,000 أربعة ملايين دولار سنة 1929 إلى 100.000.000$ مآئة مليون دولار سنة 1934 ؟ فلابد لهذه الأحداث من عناصر محركة ويمكن فهم بعض عناصر الأزمة بدرس خطوات التكوين العصري الأمريكي للنقود التي تشكل عصب الإقتصاد العالمي وتتضمن:

1- عملية إصدارالنقود بقوانين (مرنة):
 تتم الخطوة الأولى في هذه العملية بعرض طلبات بيع|شراء السندات المزكوة من لجنة حرية السوق في مجلس بنك الإحتياط الفدرالي، حيث يشتري البنك محاسبياً -على الورق- السندات المدفوعة كقيمة من البنوك البائعة، وذلك بدفعه مقابلاً لها يصل إلى عشرة أضعاف ما تقدمه تلك البنوك للبنك من سندات مشتراة محاسبياً في شكل قروض وسندات أخرى. أي مبادلة السندات الرخيصة بسندات غالية.

 الخطوة الثانية والأخيرة تتم بكنز النقود المحصلة من بيع السندات إلى الجمهور واكثره شركات مالية حيث تأخذ البنوك الأموال السائلة من المؤسسات والأفراد بتقديمها فائدة للأموال المودعة عندها أي عند البنوك لتستخدم النقود المودعة في شراء سندات أخرى من جديد في عملية تدوير وإعادة تدوير للاموال- السندات تستنفذ قدرة البنوك والجمهور حيث تخفض بكل مليون دولار عشرة ملايين من القروض المحاسبية وتضحي الحالة ديناً عاماً متراباً ممتداً في الناس والأزمنة والبلدان يمثل مايمكن تسميته بـ "الأزمة العقلية للرأسمالية".

ورغم الإنهيارات المالية وآثارها الوخيمة من بؤس وحروب فإن أباطرة الرأسمالية العالمية وكبار مرابيها ساروا عراة لا يستر شيء طمعهم لمزيد من الأرباح مثل الامبراطور الذي سار عارياً بين الناس حيث إستمرت خطى تكوين مشروع مصرفي يشمل العالم كله بتكوين مصرف مركزي للولايات المتحدة الأمريكية يمثل بشخصيته القانونية ودوره الموضوعي ومكانته في إقتصاد الخمسون دولة|ولاية States أمريكية -آنذاك- اليد العليا غير الخفية لتجارة المال، وهو عصب الحياة. وحين عرض المشروع في مرته الأخيرة على الكونغرس لإقراره نال معارضة ضارية من العالم والنائب الجمهوري اليهودي المقدام: شارلس ليدنبيرج Charles Lindbergh الذي جهر برأي قاطع ضد سلطان البنوك، وهو: ((هذا القانون يؤسس أضخم كيان مالي على وجه الأرض وحينما يوقع عليه الرئيس فإن الحكومة الخفية لسلطة المال ستكون مشروعة. والناس قد لايعرفون بذلك عاجلاً، ولكن يوم الحساب سيأتي خلال السنوات القادمة.. وهذا التشريع البنكي هو إرتكاب لأكبر جريمة قانونية في العصر الحاضر.

فلإغلاء الأسعار ورفعها فإن البنوك المكونة لبنك الإحتياط الإتحادي ستقوم بخفض الفوائد المالية التي تطلبها على سحب الأموال وستقوم بمد آجال القروضExpansion of Credit مما يرفع أسعار الأسهم، ولكن عندما يتكيف رجال الأعمال مع هذه الشروط فقد تتأثر النزاهة بمجرد رفع لأسعار الفائدة في منتصف العمل)) [ = نتيجة زيادة الإلتزامات عن العائدات] هذا يسبب مشكلات صعود الأسواق وهبوطها وتراجعها بخضها برفق بخفض أسعار الفائدة أو بعنف بمجرد رفعها خاصة مع تملكـ معلومات عن الاوضاع الإقتصادية والمعرفة المسبقة بالتغيرات القادمة وإتجاهها للأعلى أو إنحطاطها إلى أسفل.

وهذا الأمر غريب: فالمصدر الأعظم للمخاطر الآتية هو في يد الطبقة المميزة أكثر من أي حكومة وجدت، وقد صمم النظام بشكل خاص لجني أكبر قدر من الأرباح من أموال الآخرين للطبقة المميزة التي يعرف أفرادها قبلاً متى يحققون أو يوقفون إضطراباً لمصلحتهم. وبسيطرتهم هذه فإن التضخم والكساد يعملان سواء لأجلهم ))

كذلك إزاء نفس القانون صرح رئيس الولايات المتحدة ودرو ويلسون Wilson Woodrow بقوله : (( نحن مقدمون على ان نكون أحد أسوأ الأحكام التي تسيطر على الحكومات في العالم المتحضر: إنها لم تعد حكومة الرأي الحر أو حتى حكومة بتصويت الأغلبية، بل حكومة برأي ونفوذ أقلية طغاة .......بعض النافذين في الولايات المتحدة في قطاع التجارة والصناعة خائفون من شيء، يعرفون أن هناك سلطة في مكان ما منظمة ودقيقة وراصدة ومتغلغلة مكتفية بذاتها وطاغية تجعل همسهم ضدها صعباً))

وفي صدد الفاعلية الدولية لأمركة النقود وبنكنة أمريكا فكاتب "بنكيو أدلوف" Adlof’s Bankers يعتقد إن رأس المال العالمي الذي إستلم ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى وكان يتحكم في مواردها ومرافقها العامة قد سمح بصعود النازية أولاً كسوط توجيه ثم بعد فشل هذا التوجيه سمح للنازية بقبض السلطة كبديل لـ"حكومة بيرونيجن" Government Bruening وهي الحكومة التي رفضت الإنصياع لموجهات البنوك الدولية التي أغدقت على ألمانيا عشرات البلايين من الدولارات حسب تقدير محسوب لماكفادين رئيس لجنة النقود والبنوك في الكونغرس الأمريكي والذي رأس هذه اللجنة الهامة أثنى عشر من السنين:

فحين أضحت الثلاثين بليوناً التي مولت بها البنوك ألمانيا في خطر صعدت تسهيلاتها المالية لدعم الصناعة الحربية في المانيا وفي الدول الأوربية الأخرى وفي الولايات المتحدة ولما إحتدمت الحرب أبقت الرأسمالية الدولية بعض أعمالها الإستراتيجية في صناعات الحديد والحاسبات سراً في ألمانيا تحت توكيلات متنوعة لتستفيد بإمكانات تطورها، بينما أفادت في جهة الحلفاء بالميزانيات المفتوحة لدعم المجهود الحربي.


2- كنزالذهب:
كان الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت Franklin D. Roosevelt قد أنفذ في عام 1933 قانوناً يدول به أموال أمريكا بدلاً عن كينونتها البنكية، أي إن النقود تصدر عن الدولة وليس عن البنك المسجل كشركة في "منطقة كولمبيا" (DC) وبمقتضى ذاك القانون يسلم الأمريكيون ما يملكونه من ذهب وفقاً لسعر الفائدة الأدنى عدا العملات التذكارية مقابل أوراق نقدية التي يصدرها لهم بنك الإحتياط. وقد حفظ ذاك الذهب بعد إعادة سبكه في قلعة نوكس Fort Knox حتى عام 1935 مع إحتدام الحرب حيث إرتفع سعر أوقية الذهب من مبلغ 22.66$ دولار إلى 35$ دولار وحظر بيع الذهب عدا ما كان أجنبي الملكية مما أوجب على طالبيه آنذاك الإبحار إلى لندن لنيله.

وفي نهاية الحرب الثانية كانت القلعة تحتوي حوالى70 % سبعون من المآئة في المآئة من ذهب العالم الذي إستخرج معظمه من الدول المستعمرة كجنوب وغرب أفريقيا والهند ومن دول أمريكية جنوبية. ولكن مع إضطرام التحرر الوطني في جهة وإنتقال دول الإستعمار الى حالة حديثة منه في جهة ضد، قامت الولايات المتحدة إبان عام 1971 بإلغاء نفاذ وسريان قاعدة "تأسيس العملات وحق مبادلتها بالذهب" المعروفة Currencies Gold Base & Exchange أي بمصادرة ذهب وحقوق وحريات الدول المتحررة حديثاً فيه، وبنفس المبدأ حرمت الدولة الأمريكية من ذهبها الذي بيع معظمه لمضاربين به في أوربا بينما كان رقباءه ينفون حدوث مثل هذا البيع لهذه الكمية.

وفي سنة 1981 كون الرئيس الأمريكي ريجانRonald Reagan مفوضية عرفت بإسم "مفوضية الذهب"The Gold Commission قررت فور مباشرتها عملها: ان الخزانة الأمريكية لاتملك ذهباً، إذ يملكه فعلاً "مجلس الإحتياط الإتحادي" (البنك المركزي) مقابلاً لسندات الدين التي طبعها وأصدرها للحكومة الأمريكية لتواجه بها الدين الداخلى وفوائده مماإضطرد كثيراً إبان الحرب العالمية الثانية ومابعدها.

يمكن بمثل هذا التقرير القول بان هيئة البنك المركزي قد إستولت على أكبر مخزون للذهب في العالم مقابل طباعة سندات.


3- التأسيس الكبير للديون الدولية:
مثلت الحرب العالمية الثانية المفرخ الكبير للإنتاج البنيوي للديون الدولية التي تؤزم كيان المجتمعات المهمشة في العالم.

حيث إنعقدت الأحجام الراهنة التي بلغتها الديون في إقتصادات العالم بإستثمار البنوك الدولية لمأساة ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى وتصعيدها النازية. فنتيجة لهذه الحرب تسجل موسوعة تاريخ القرن العشرين ان دين الولايات المتحدة كان قد إرتفع إلى ستة أضعاف بينما إرتفع دين اليابان إلى مايربو على ثلاثة عشر ضعفاً ونصف الضعف، بينما إرتفعت ديون فرنسا إلى حوالى ستة أضعاف وكندا إلى مافوق الاربعة أضعاف، وهي نسب لا بد إنها أفرحت المضاربين وكلاء وعملاء البنوك الدولية إذ جمعوا منها أرباحاً فاحشة مثلت إمكانات إضافية لتعزيز نفوذهم الفعلي وسلطاتهم الإقتصادية، والتحكم بها بعد الحرب في الموارد النقدية لتلك الدول المركزية وفي موارد الدول التابعة لها.

4- عولمة رأس المال المصرفي وتحكيمه في موارد المجتمعات:
في كتاب "المأساة والأمل" Tragedy& Hope بين أستاذ الإقتصاد في "جامعة جورج تاون" كارول كواجيلي Carroll Quigley ((أن قوى الرأسمالية المالية لها أهداف في إصطناع نظام تحكم خاص مالي عالمي يسيطر على النظام السياسي في كل دولة وجملة الإقتصاد الدولي، يتحكم بشكل إقطاعي فيه بواسطة البنوك المركزية التي تنشط بتناغم يقوم على تعاهدات خاصة تنشأ من الإجتماعات الدورية والمؤتمرات، حيث يمثل نشاط "بنك التسويات الدولية" في بازل في سويسرا أساس هذه السيطرة والتحكم لأنه يتكون من بنوك العالم المسيطرة على حكوماته بتحكمها في حجم الدين الداخلي وسعر تبادل العملات وتقريرها بالتالي مستوى النشاط الإقتصادي ومستوى الفاعلية السياسية في هذا النشاط ))

وكان " بنك التسويات الدولية" Bank of International Settlement قد تأسس بتكتل مقصود في سويسرا لعصبة البنوك الطاغية في دول مراكز الرأسمالية مزامنا تأسيس "عصبة الأمم" و"المحكمة الدولية" بعد الحرب العالمية الأولى مما إرتبط بتطور إندغامات البنوك مثل إندغــام كل من بنك شيسChase Bank و"بنك مانهاتن"Manhattan Bank التابع آل واربورج مكونين معاً "بنك شيس مانهاتن" Chase Manhattan Bank الذي إتحد أيضاً و"بنك كميكال" Chemical Bank في دغم متوال لأكبر بنوك شارع المال Wall Street في نيويورك مما جعل البنك المركزي الأمريكي المسمى ببنك الإحتياط الإتحادي(FRB) ومجلسه الإداري مجرد واجهة لمصالح تلك البنوك، والبنك الأكبر حجماً في "بنك التسويات الدولية". فمع تأسيس هيئة الأمم المتحدة إتبعت الدول الإستعمارية بتأسيسها كل من "البنك الدولي" و "صندوق النقد الدولي" كافة النظريات المرفوضة في عام 1684 وفي عام 1913 لتأسيس البنوك الخاصة ذات النشاط الشمولي فمثلما قنن بنك الإحتياط الإتحادي "حق طباعة السندات" التي يستول بها على الأموال الحقيقية، فقد أعطى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لنفسهما نفس (الحق) في إصدار سندات حقوق السحب الخاصةSpecial Drawing Rights المعروفة بإختصارها SDR وهي مقومة بالذهب تماماً كما كانت النقود البنكية. وحين أوقفت المبادلة بالذهب في 1971 كان صندوق النقد قد أصدر وحدات منها قدرها 30.000.000.000 $ ثلاثون بليون دولار، ورغم هذاالوقف فإن المضاربين يقبلونها إذ تعطيهم وسيلة لقيادة إقتصاد العالم.

وبإدارة هذه السندات للإقتصاد العالمي للسوق الحرة التي يأكل فيها القوي الضعيف وصل الغالب من العدد في دول العالم إلى الحالة الراهنة من الديون والفقر والتخلف، فبلغت ديون الدول الأفريقية ماقدره نصف ترليون دولار كرست تفكك القيم والتعطيل عن العمل والتدهور في التعليم وفي العلاج، محققة دماراً واسعاً لمقومات الإنتاج منتهية بها إلى دمار لا شك في أن إستمراره سيقود العالم بكامله بروابطه معها إلى أهواله.

ففي أغسطس 1985 عقد "إئتمار هافانا" الشهيرلنقاش "الديون الخارجية" وفيه عن الثورة لأجل الحرية تحدث لويس لأجنيسيو سيلفيا دي لولا الذي أنتخب بعد إنصرام عشرين سنة على حديثه ذاك رئيساً للبرازيل قال:(( يمكن أن أقول أن الحرب العالمية الثالثة قد بدأت فعلاً، صامتة، وهي التي تحطم البرازيل وأمريكا الجنوبية وكل العالم الثالث: فبدلاً عن موت الجنود يموت أطفال وبدلاً عن ملايين الجرحى هناك الملايين من المعطلين عن العمل، وبدلاً عن دمار الجسور هناك توقف المصانع، والمدارس والمستشفيات والإقتصادات الداخلية، وهي حرب الولايات المتحدة ضد كل أمريكا الجنوبية والعالم الثالث.... حرب الديون الخارجية التي تشكل أمضى أسلحة الإمبريالية القاتلة أكثر من القنبلة الذرية والمدمرة أكثر من شعاع الضوء المركز، ومعظم هذه الديون قادم من بنوك خاصة لاتملك حقيقة سوى 10% من سندات الدين التي تصدرها من لا شيئ والتي يموت الناس الآن بالملايين لدفعها!))


وتأثيل حالة الديون في العالم ومؤسساتها، وجزريتها بالحضارات القديم التي قامت بـتصور تراتبي فاصم للوجود والأعمال والقيم، يستلب الحقيقي منها لصالح الغيبي الذي يحول رأساً للأمور ورب لها، له وكيل ملك لمؤلاته وأمواله، يطغى بالأعمال (الناظمة) للموارد والمقادير والثمرات على سير العمل والكدح، بينما تقوم فيه الأشياء برئاسة المؤولات إليه، رئاسة لم تزل باقية بل وأضحت لها مؤسسات وأزمات وحروب أعظم.







37- مؤسسات النظام العالمي للتمويل

الهيئة الدولية للتمويلIFC:

أهم مكوناتها"بنك التسويات الدولية" BIS الذي تأسس في بازل بسويسرا سنة 1930 كــبنك لبنوك العالم حيث تتكون الهيئة القابضة، البنك، من الولايات المتحدة وخمس وعشرون دولة أوربية وأستراليا وكندا واليابان وجنوب أفريقيا التي كانت عنصرية، ويتم التصويت فيه بحجم الأسهم التي يملكها كل عضو. لأداء وظائف اربعة هي:

 تشكيل بنك مركزي للبنوك يقبل إحتياطها بإيداعات مقدمة منها يستخدمها لدعمها ويستثمرها لآجال قصيرة وبذا يبقى مسيطراً عليها .

 تحقيق التضافر المالي بين البنوك المركزية وبينها ككل والمؤسسات المالية الدولية الأخرى. ولما كانت الأخيرة هي الكثر تمويلاً فإنها تبقى الأكثر تأثيراً على قرارات الهيئة وبنوكها المركزية

 التصرف كعميل أو وكيل في الأمور المالية الدولية وإتفاقاتها والتقدم فيها بمهام التنظيم والرأي المقرر مما يحولها سلطة سياسية مطلقة تتحكم دون إنتخاب بهذا التفويض في قرارات تهم إحتياجات بلايين البشر .

 رصد حركة النقود والبحوث الإقتصادية. مما يعطي للمؤسسات الخاصة داخل هذه الهيئة مزية الإنفراد بمعلومات متقدمة عن المؤسسات الخاصة الأخرى خارجها التي تدفع الضرائب، إضافة إلى إمتيازها على كثير من المؤسسات العامة بقدرتها على كشف الأصول والمواقف الإقتصادية لمختلف الأطراف وقت قيامها بتقرير التمويل أو رفضه.


معاهدات بريتون وودز Breton Woods
سميت وفق الإجتماع الذي عقد سنة 1944 في بريتون وودز في ولاية نيوهامبشير وأوجد صندوق النقد الدوليIMF للتحكم في النظام المالي الدولي والتعامل المصرفي مع الدول التي تعان صعوبات مالية في مدى قصير كما أوجد البنك الدولي للإنشاء والتعمير IBRD للتعامل كوزارة مالية دولية تعمل وفق قواعد النمو الطويل المدى وهو البنك الذي عرف لاحقاً بـإسم البنك الدولي ومجموعاته. وهي المجموعات التي تضم:
 .جمعية التنمية الدولية International Development Association
أسست مع تفعيل حلف الطلسي في عام 1960 لتمويل المشاريع والبرامج الرأسمالية في الدول الفقيرة التي يقل دخل الفرد فيها عن مبلغ معين يمثل الحد الرأسمالي العالمي للفقر وتتمول الجمعية أساساً بموارد الدول الإستعمارية السابقة وهي حوالى 30 دولة وبعض الدول النفطية ، مع نذر من البنك الدولي نفسه.

 مناوبو جمعية التنمية الدولية IDA Deputies :
يجتمعون حسب الحال لتسيير الجمعية ويرفعون قرارهم لمجلس حكام البنك، كهيئة مداولة سياسية.

 الهيئةالمالية الدولية (IFC) International Finance Corporation
وهي الهيئة المختصة بدعم التمدد الرأسمالي داخل البلاد النامية بالإستثمارات والقروض التي تقوم الهيئة بتمويلها من عائداتها الخاصة ومن تمويل الحكومات وبتمويل البنك الدولي.

 وكالة ضمان الإستثمارMultilateral Investment Guarantee Agency
أسست في عام 1988 لضمان الإستثمارات من المخاطر السياسية و (توجيه) حكومات الدول النامية بما يرفع عائدات الإستثمار.

 اللجنة الخاصة Interim Committee
أسست اللجنة الخاصة لمجلس الحكام لشؤون النظام النقدي العالمي في عام 1974 للقيام بتوجيه إدارة النظام النقدي الرأسمالي العالمي والتعامل مع مهدداته حيث تقوم اللجنة الخاصة بأداء مهمة الهيئة التنفيذية للمانحين بشاغري وظائف عليا ولجنة أربع وعشرينية بما ينتخب من الدول الأعضاء وبممثلي المجموعات الداخلية لصندوق النقد ومديره التنفيذي .

 منظمة التعاون الإقتصادي والتنميةOECD
Organisation for Economic Cooperation and Development
أسست عام 1961 في باريس مع تفجر استقلال المجتمعات المستعمرة وتكوينها دولاً وإقتصادات تختلف جذرياً في أسسها ومقاصدها عن أسس ومقاصد الدول والإقتصادات المواشجة للنظام الإستعماري العالمي القديم.

وتشبه المنظمة في طبيعتها السلطوية التنفيذية منظمة التعاون الإقتصادي الأوربي التي أسست في 1948 كهيئة مشرفة على تنفيذ مشروع مارشال الأمريكي لتعمير بعض دول أوربا التي توجد فيها قوات أمريكية. وتضم عضوية الـOECD 25 دولة فيها الولايات المتحدة وأوربا الغربية والملحقات البريطانية كندا وأستراليا ونيوزيلاند إضافة إلى اليابان وكلها دول ذات تاريخ حافل في الاستعمار.

وقد ميزت هذه الدول والمنظمات نفسها في جميع المؤسسات المالية العالمية بنظام التصويت وفق الأسهم وتهدف المنظمة إلى ضمان دولها أعلى مستويات النمو والتشغيل المستدام ورفع رفاه العيش فيها وضمان "إستقرار الأموال فيها"" بـ(الإسهام في تنمية "الإقتصاد العالمي" و..."تنظيم إعانة الدول الأقل نمواً"). ويمكن تأثيل هذه الأهداف التي خطتها المنظمة لدولها ومجتمعاتها بأنها نوع من الحفاظ على الثروة التي جمعتها دولها من عائدات الإستعمار، وذلك بتدعيم التنظيمات والمشاريع الرأسمالية دولياً وإعادة السيطرة على المجتمعات المتحررة.

 المساعدة الرسمية التنمويةOfficial Development Assistance ODA
أسستها لجنة مساعدة التنميةالخاصة بـ OECD لتضمن أن كل تحويل مالي يحمل الفاعلية الإقتصادية والرفاه لدول المنظمة، وانه صحيح الهيئة يحمل لها عائداً لاتقل نسبته في المائة عن خمس وعشرون.


 لجنة مساعدة التنمية DAC Development Assistance Committee:
لجنة تنسيق وإدارة خاصة بــمنظمة التعاون الإقتصادي والتنمية OECD Economic Cooperation & Development Organisation of فهي تنسق للمنظمة وتقرر لها أحوال ومهام "المساعدة الرسمية للتنمية" Official Development Assistance سواء في جهة حجم التمويل أو تقدير الضمانات أو جهة مصدر التمويل وطريقة دفعه سواء أكان من: "منظمة التنمية والتعاون" أو "منظمة الدول المصدرة للبترول" OPEC، حيث تعمل اللجنة كإستشاري قروض. وهو الدور القديم لعميل المرابي في النظام الإقطاعي إذ يقوم بجس الضحية وكشف ظروفها وقدراتها.

 لجنة التنمية Development Committee
(اللجنة الوزارية لمجلس حكام البنك الدولي وصندوق النقد الدولي)
تنعقد لتقرر لمجلس الحكام نقل موارد حقيقية للدول النامية أي لتقرير نقل اموال فعلية وليس سندات أو تسهيلات دفع وقد أسست في 1974 وتتكون من24 مديراً ينتخبون لعامين من بين وزراء مالية الدول الحاملة لأعظم الإسهامات المالية في الهيئة الدولية فقط. وهي الدول الأعضاء في مجلس المديرين التنفيذيين اي ممثلي الهيئة القابضة.


الهيئات السياسية لأعمال البنك والصندوق الدوليين وقواهما:

 مجموعة الخمسة Group of 5:
تصم الدول الصناعية التي تكون عملاتها حقوق السحب الخاصة وهي فرنسا والمانيا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة .

 مجموعة السبعة Group of 7((G7
وهي المجموعة الأشهر التي تجتمع سنوياً وقد إنضمت لها روسيا بعد حل اتحاد السوفييت وتضم إضافة لفرنسا، والمانيا، واليابان، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة كل من كندا وإيطاليا

 مجموعة العشرة Group of 10
أسست في عام 1962 بتخصيص صندوق النقد لحق السحب وتضم وزراء مالية فرنسا، والمانيا، واليابان، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة كل من بلجيكا وهولندا والسويد وإنضمت لها سويسرا في عام 1984 وبقي إسمها على حاله القديم. وتهدف المجموعة لدعم صندوق النقد بعملاتها عند الحاجة وهو نوع سياسي من دعم القطاع الخاص .

 نادي باريس Paris Club
نشأ خلال عام 1956 في باريس بتسمية للإجتماع غير الدوري لحكومات رأس المال القارضة لإقرارالقروض أو ضمانها، وهو حال سياسي ينعقد لفرض الإلتزام بـ"شروط الإستقرار المالي للعملات الدولية" أي عملات الدول الإستعمارية المكونة للنادي. وقد كللت التجارة الدولية وتمويلاتها المزدوجة عمل "نادي باريس" بالنجاح بتفليس معظم الدول النامية ووضعها في مقصلة الديون.

 شروط تورنتو Toronto Terms
قررتها المؤسسات المالية والدول المسيطرة على التجارة والتمويل في العالم إبان عام 1988 تجاه الدول ذات الدين الثقيل وهي معظم دول العالم. وتتلخص هذه الشروط في إلغاء حقوق المجتمع الخارج من الإستعمار القديم في إدارة إقتصاده وتوجيه موارده وقواه وتسليمه إلى (قوي السوق) فيما أصبح يعرف بعمليتي الخصخصة والعولمة.
 مجموعة الـ24Group of
أسست قبل رفع أسعار النفط بتدبير من مؤسسة روكفلر وهنري كيسنجر والولايات المتحدة وتتكون من وزراء مالية الدول الرأسمالية المركزية الأربع وعشرون مضافاً إليهم ثمانية ممثلين لكافة الدول الأخرى في العالم وتجتمع بإنتظام مع إنعقاد دورة اعمال البنك للقيام بـ

 تكييف موقف دول رأس المركزية في دورات إنعقاد البنك

 تقرير الوضع التنموي والمالي لبقية دول العالم!

 مجموعة الـ77Group of :
تأسست المجموعة في الجزائر في 15 يونيو 1964 بعد عقد من السنين من تأسيس "حركة عدم الإنحياز" وصدر الإعلان الرسمي بها في ختام مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD 1967 في جنيف وقد قر أسمها رغم إرتفاع عضويتها إلى مائة وإثنان وثلاثون دولة منها الصين والهند وجنوب أفريقا والبرازيل وماليزيا هي تعمل كتجمع وأداة تفاوض لأمور تنميتها في الأمم المتحدة، ولها قمة كل خمس سنوات.

 مجموعة الـ30 Group of
مجموعة خاصة لكبار المصرفيين ورجال المال والأعمال والإقتصاد جمعهم عام 1979 المدير المتقاعد لصندوق النقد الدولي يوهانس فيتيفيين Johannes Witteveenبعد سنتين من تقاعده، و بشكل غامض تجتمع هذه المجموعة غير المنتخبة مرتين وأكثر كل سنة لغرض مفتوح هو مناقشة أمور العالم الإقتصادية وتقرير كيفية التعامل معها!

 مبادرة برادي Brady Initive
وضعت عام 1989 بواسطة وزير المالية الأمريكي نيكولاس برادي Nicholas Brady وتمركزت حول مبادلة الدول المركزية في النظام الرأسمالي العالمي لديونها على الدول المستضعفة بأصول إنتاجية وخدمية في إقتصادها بشرط تخلي المجتمع|الدولة المعني عن سيطرته على هذه الأصول، بعد تقويمها بواسطة القوة المصرفية الإمبريالية القائمة على مبادلة الديون النقدية بالأصول الثابتة!

• إتفاق الجات ومنظمة التجارة الدولية GATT/WTO
أسس الإئتمار العام للتجارة والتعرفة الجمركية GATT في عام 1947 كمقدمة لتأسيس منظمة عالمية تجارية فظل حتى التسعينيات حالة متلاحقة من الإتفاقات والمفاوضات، بسكرتارية ومكتب في جنيف تمحورت أعمالها حول الحصص التجارية والشروط التفضيلية بين الدول الساعية للتحرر ودول الإستعمار القديم والحديث المتحكمة في تصنيع وتجارة العالم وتمولاته، وإستمر التنازعات والإتفاقات الجزئية فيها حتى أقرت عضويتها المكونة من مآئة وخمسة عشر دولة في عام 1995 تأسيس منظمة التجارة الدولية (WTO) تحت تأثير الحصار والضغط الرأسمالي العالمي.

وتقوم قوانين منظمة التجارة الدولية التي حضرتها قوى ذات صلة وثيقة بالإدارة الأمريكية لما يسمى بـ: "النظام العالمي الجديد" والقوى الطاغية في "الجمعية الملكية للشؤون الدولية" في بريطانيا، على فتح المجالات الوطنية في كافة دول العالم للتملك الخاص، في وقت تتباين فيه موازين القوى المالية في العالم بين قطاعات فرض عليها النظام التجاري والمالي الدولي الوقوع تحت طائلة الديون وقطاعات مركزت حكوماتها سيطرة رؤوس الأموال في العالم المستعمر بالحروب ثم بالإنقلابات والقيود التجارية والمصرفية والديبلوماسية والهيمنة الثقافية.

وبتناول التناقض بين تعمير الإنسان للأرض ومجتمعه وذاته في جهة ونظم رسملة الموارد والخيرات والإتجار والتكسب بها بين إختلالات الموارد والقيم في جهة ضد مع حالة تكون رأس المال وآلة الديون في العالم ومؤسساتها، وطول جذورها في الحضارات القديم وإرتباطها بـتصور فاصم للوجود والأعمال والقيم، يستلب الحقيقي منها لصالح الغيبي الذي يحول رأساً للأمور ورب لها، له وكيل ملك لمؤلاته وأمواله، يطغى بالأعمال (الناظمة) للموارد والمقادير والثمرات على سير العمل والكدح وإفادة منتجيه بثمراته، إذ تقوم الأشياء عند تبادل المنافع بين الناس برئاسة المؤولات إليه رأسمالية ما أنزل الله بها من سلطان، لايبقي ولايذر في نهمه للربح والكنز والتكاثر.
فمع شدة دهورة أمور العالم وإنحطاط شان ثلاث أرباعه لصالح ترسمل قلة من الناس في ربعه الباقي، تبدو خطورة التناول الكافر لما بين الطبيعة والمجتمع والإنسان وحاجاته للموارد وإنتاجه لها وتوزعه الجهود والخيرات والثمرات، حيث أثمر هذا الكفر وتطفيفه وزوره خبثاً تفضحه كثير من الوقائع والتقارير التي نذكر منها:

 تقرير نادي روما Rome Club Reports
 تقرير الحوار بين الشمال والجنوب South-North Dialog
 تقرير هيئة تقدير قيام نظام إقتصادي عالمي جديد NIES
 تقارير التنمية البشرية Human Devlopment Reports
 تقرير لوجانوLogano Report
38- تقرير لوجانو The Lugano Report

"تقرير لوجانو" هو بحث سري في مستقبل الإقتصاد العالمي ونظامه السوق الحرة. وقد نظم البحث بواسطة قوى النظام العالمي وحررته مجموعات عمل. ويقترح التقرير بشكل صادم(حلولاً) للتفاقم المدمر لأزمة توزع الموارد في العالم إبان القرن الـ21. ويقول التقرير :

((قصد تقريرنا ليس الصدم أو الإثارة ولكن حقائق العالم جلية وواضحة ومنها ان السوق في نشأته وتطوره يقترب من حكمة الخلق بفرزه اللأصلح من الأعمال والبشر، رغم المآس التي يخلقها في جانب منه والتي تذكر بتناول القديس توماس الأقويني لأعتقاد القديس أغسطين بحكمة وضع الشيطان في سيرورة هذا الخلق الإصطفائي.

وإذا كانت الرأسمالية تفضل لاهوتاً (فقهاً) فهو السوق، بما فيه من حركية ودقة وتناغم وحكمة، بما يمكنها كقدرة متعالية ان تخلق من الشيطان نفعاً، وتخرج من الحطام الميت ماينفع الناس، بما يوازن بشكل دقيق كل سيئاتها ويدفعها بحسناته. غن لحظة إختبار هذا الإعتقاد هي وقت التساؤل عن فوائد السوق ونظمه الحريات ومدى إستعداد قواه المائزة لقبول تنازلات جسيمة عن مزياتها.

 فهل البيئة والمجتمع المتحضر يتوائمان حاضراً ومستقبلاً ؟

 هل يتضائل تقديم الثقافة الغربية من خمس عشر إلى عشرة إلى خمسة من المائة في المآئة من الناس في العالم؟

 هل يتوجب على أعزم وأكثر الأفراد والأمم إنتاجاً التضحية بأرباحهم لأجل مصلحة أضعف وآخر المنتجين تقديماً للإنتاج؟

 أيجب على الدول الدافعة الإنتاج مؤامة سلطاتها مع موقعها ونشاطها؟

 أنجيب بـ لا على كل هذي الأسئلة الحاكمة تحليلنا وتقريرنا وإلتزامنا لمصالحنا؟


لا شك أننا نتأثر بوضع البيئة وتدهورها وبفوضى إجتماع البشر فإذ نعتني بدولة الرفاه العالمية وإقتراب الناس منها فإنا نحذر من الأحدية قوة وثقافة. لذا فتنبيهنا مثل تنبيه ميكافيللي قروسطييه إلى أهمية إحقاق الإمارة بكل شيء وإلا فقدت. ولا شك في أن قوانا تفضل البقاء. فبأي تكلفة هذا البقاء؟ وإذا كانت راسمالية القرن الواحد وعشرون لا تصمد للتغييرات السكانية وظروفها فمن الواجب المبادأة بالحد من هذه الظروف والتغييرات.

ولايجب أن يقبض أصحاب الضمائر على هذا التصريح كدعوة فاجرة للتطهير العرقي، فاللغو غير مستحب في بداية عمل كهذا. ونحن لسنا حراك أدلوجي ولانكره شعبا بعينه ولا ديناً في ذاته ولا عرقاً. وتصريحنا محايث ومسالم لا يقصد أذية أحد. كما إنا لا نتحدث عن جنة مزعومة ننفرد بها بينما يذهب فيها أعداء اليهود والرأسمالية إلى الجحيم! لا، فأهدافنا هي :

 خلق بيئة إقتصادية تضاعف فرص الأفراد في النجاح والسعادة

 تأمين حياة الإنسان والكائنات الأخرى

 تدعيم المجتمع المتحضر والثقافة الغربية

1- في خلق بيئة إقتصادية:
يتطلب هذا الهدف تحقيق الرفاه لأكبر عدد ممكن، فإن كان السوق الحر لا يحققه اكثر من غيره فلا يجب إبداله بما هو اقل منه.

والحرية القائمة الآن بنظام السوق لاتحقق السعادة والآمان لأغلبية الناس ولا يتوقع افضل من ذلك في المستقبل حيث يزيد عدد الناس. فالسوق بأوضاعه لا يتيح لجميع الناس في أفضل الدول تحقيق أقصى مايريدون، ووفقاً لهذه الأحكام فإن السوق يأخذ الأفضل، ويترك المتبقي، وكمه مجهول اليوم، وغالبهم سيكون من الذين يتمتعون بإستعداد ومهارات وتعليم أفضل وحظ في ظروف الولادة والذين قدرت منظمة العمل الدولية عددهم من البلايين التي تسكن العالم ببليون واحد فقط. [سيحلون محل جميع البشر في كوكب الأرض نفسه حتي يصل هذا الإصطفاء الغبي إلى إبقاء بضعة أفراد وفق القاعدة نفسها ]

2- في تأمين التوازن الحيوي:
يرتبط مفهوم "التوازن الحيوي" بالمفهوم الأعمق للبيئة Deep Ecology ، وقوام دياليكتيكيته وتدافعه المنضفر هو ان تفتح الإنسانية والثقافات مرتبط بزيادة عدد السكان بينما تشكل الزيادة نفسه تهديداً بانقراض وجود الكائانات الأخرى مما يسبب يدوره إنقراض الجنس البشري !؟
وإذ لم يفصح البيئون الأعمق عن الحد الأنسب للمحافظة على الوجودين الطبيعيين، أو كيف أو بمن يتحقق هذا التوازن، فمع ذلك فلم يقبض عليهم للتحريض على إبادة الجنس البشري(The Deep Ecology Platform 1985)


3- في بقاء وإزدهار الثقافة الغربية:
منذ حروب الإغريق فالرومان وحتى حروب الإستعمار فإن عمل الحملات للسيطرة على الأرض والموارد والبشر الذين تشكل الثروات من عملهم المسيطر عليه بالقهر وتعاون العملاء من الملوك المحليين، كان يشكل المصدر الأساس لثراء الأمم، ولكن هذا العمل يعد اليوم بلا قيمة بل وضار، وميزاته يمكن التوصل إليها بطرق أخرى منها الإستغناء عن السكان غير المفيدين

وكانت الحركة الشمولية في بريطانيا Enclosure Movement قد دعمت ألآف المزارعين والسكان الهوامل اللامتخصصين وبقى المجتمع يؤمن نفسه ضد المجاعات التي حذرت منها المالتوسية، ويجد بالهجرة إلى أمريكا وأستراليا متنفسات لضروعه من إهلاك الزرع، مما لا سبيل له اليوم، فالعالم كله قد تم إكتشافه، وحالات إستعمار الهند وأفريقيا لا سبيل لها الآن، وعدم الحال الشباب الذين يذهبون نخوة إلى الجندية، ولم تعد الحركات الخيرية ممكنة، ولا الثورة الصناعية، في وقت تهدد فيه المخلفات العصية وجود المدن، فكذا تهدد المخلفات الإجتماعية أفكار السوق وحريته. ولذا في الوقت الماثل، حيث يستحال ضبط الإدارة والقيام بسيطرة شاملة على المجتمع، مادامت عوامل الضبط والتنظيم محايثة: يبقى عامل زيادة السكان الهوامل ناشطاً فاعلاً منحازاً لا بطرح كيفية إسراع زيادة السكان بل بطرح مسألة كيفية إبطاء زيادة السكان؟ لا من حيث الكلفة الأقل بل من حيث عدم إستعمال أي وسيلة، ودون أي سلطة. أي على العكس مما أستعمل في أوشفيتيز.
وهنا تبدو أهمية الإدارة غير المباشرة فالضحايا لايتم إختيارهم إذ يحصدهم التهميش الفقر والإهمال. وهو حال ينشأ مع تخفيض دور الدولة في علاقات الأفراد وحكمها بمصالح القطاع الخاص، وإرتباط ضبط السكان ونفعهم بالموجودين منهم لا بمن سيولد منهم، فالإستراتيجيات الفاعلة تقوم بفاعلية وجود الحاضرين ومصالحهم لا بتنظيم أدلوجي أو مصالح آجلة، ففي نقاش بمثل هذه الأقانيم تبتعد مسألة الإنقراض [كفعل جرميٍ] إذ تدفع الطاقة الأخلاقية والمالية لمصالح السكان الفاعلين هذه الإستراتيجيات إلى النجاح.

والحزب الناجح هو الذي يتخذ هذه الإستراتيجيات محركاً له ويرتبط بطاقة وإسهام العناصر الفاعلة في السكان التي يتوجب عليها دعمه في القرن21 حيث يكون الإختيار [في مسائل الوجود والموارد] بين الإنضباط والفوضى .

فالطريق الوحيد إلى الرفاه الأعظم للعدد الكبير من السكان في الرأسمالية يرتبط بتخفيض هذ العدد وهو أمر توصلنا إليه بعد وزن دقيق للبدائل. فإذا لم تتخذ قوى الحكم إجراءاً محدداً لهذا الوضع وإغرقت نفسها في النقاش اللانهائي حول انفراط الإجتماع وإنهيار البيئة، والبقاء المتآكل للحضارة، فرسالتنا هي: ان للنهايات المختلفة أسباباً تخلقها، وإزاء هذا الوضع فعلى الثقافة الغربية ونظام السوق الحرة الإختيار بين نهاية ونهاية.))
إنتهى ملخص التقرير.



وفقاً لهذا التقرير يمكن الإشارة إلى أن منطق الكنز والربح الرأسمالي القائم على الكفر بين حاجة الناس إلى إستخدام وإنتاج الموارد وتوزع جهود البشر لأجلها وإقتسامهم في إعمارها المهام والثمرات قد أنتج المنطق الذي يستغن عن خمسة بلايين من البشر لصالح بليون محظوظ منهم، وعن تسعمآئة وتسع وتسعون مليوناً من البشر لصالح مليون واحد من المحظوظين منهم، وهكذادواليك بمنطق متماسك الشكل والمضمون النظري قائم على حق قلة من الناس في الإنصراف عن من هم حولها. إنصراف برجواز المدن في مساكنهم عن المعذبين في الأرض. بيد أنه يرتبط في النطاق العالمي بالتهميش والإفقار وإزالة الدولة، وهي عوامل تهدد إمكانات الإستثمار والربح في العالم الأول قبل أن تهدد وجوده.

ظروف إعداد تقرير لوجانو ونشره:
كان ملخص هذا التقرير قد نشر في مجلة "نيو إنترناشيوناليست"NI الأمريكية البريطانية في عددها القرني في يناير 2000 مرفقاً بإجابة الإقتصادية السياسية سوزان جورجSuzan George على أسئلة ثارت لإسهامها في كتابة هذا التقرير وعن أسلوبه الصادم وجرأته على حقوق الإنسان وقيم العيش الإنساني المشترك فقالت مايثير التساؤل أكثر:

((كتبته لأن النقد الواضح للرأسمالية وأزماتها من مجاعات وديون وإصلاحات هيكلية تسببهما لم يجدي، فكان لابد من تشريح الموضوع لنرى الطريق الإقتصادي الذي نسير فيه. ورغم أن العديدون يروجون للتجديد والمالتوسية فقد رأيت إزاء تآكل الإنسانية والبيئة الإسهام في كتابته رغم خطره الذي قد أتعرض له، فحذرت من نشره بتوسع وبينت خطره إن قنع بمواضيعه الكثير من الناس))

ولأن بنية الرأسمالية عدوة لإستقراء التاريخ فاإن لتقرير الخيال يغفل إمكانات التنمية المتوازنة التي تمكن من تحقق أسساً مادية تنظم موضوعية التعادل الطبيعي للموارد والسكان دون مس بقيمة الإجتماع الإنساني والعيش المشترك بين البشر ككائنات إجتماعية بطبيعتها هي أبعد عن تحقيق كرامة وجودها بتخلص بعضها النهم من بعضها الجائع ببرنامج غير مباشر للإقصاء والإملاق والإبادة.

وتقوم التنمية المتوازنة، القائمة بإزالة الإستئثار بالتملك الخاص لموارد ووسائل الإنتاج والخدمات وإشاعة هذا التملك لكل الناس، بدور موضوعي في الضبط العقلاني للإنتاج والإستهلاك بتخطيطهما لتلبية الحاجات والضرورات التي تحتاجها حياة العدد الغالب من السكان أولاً ثم الحاجات الأقل ضرورة لهم ثم الكمالات الأولية فالثانوية ووفقاً لملكية المجتمع لموارد الإنتاج ووسائله الرئيسة وتحكمه في توزيع أعباء الإنتاج من جهة وتوزيع ثمراته المادية والروحية من جهة أخرى على كافة أفراد المجتمع وفق قاعدة من كل حسب جهده ولكل حسب حاجته.

فبقسط الموارد والجهود بين الناس حسب الحاجة الطبيعية والضرورية لأفرادهم وقدرتهم على العمل والإبداع يتحرر توزيع الموارد والمنافع في المجتمع من حالة الإثرة والإختصاص الإناني، ويرتقي من جنون الربح ومضاعفة الأرباح، ويحد جملة من تفاقم عملية تبادل المنافع بالنقود، وبالتالي من إستنزاف المتربحين للموارد والجهود الإنسانية في تلبية مستوى من الإستهلاك يضر تصاعده واللهث لإجابته بقضية وجود الإنسان من ناحيتين هما ناحية الإضرار بيبئته، وناحية المحافظة على وجود الإنسان نفسه وإرتقاءه في مجتمع عادل كريم.

ففي عالم تمتلك الناس فيه موارد بلادها وخيرات إنتاجها وثمرات كدحها المادية والثقافية بالنضال والتعاضد المنظم ترتقي أحوال الحرية والعقلانية والصداقة بين الشعوب، وتندثر أفكار الإختصاص بثمرات إنتاج الأخرين والتكالب عليها لدرجة التفكير في تهميشهم حتى الموت.


.39- مدى تكثف النضال المدني الإجتماعي وتحوله إلى نضال إشتراكي؟
رسالة من مونتي لاجيرو

في يناير 2005 عقد ملتقى للمنظمات المدنية والإجتماعية المسمى بإسم الملتقى الإجتماعي العالمي World Social Forum جاء ذلك الإنعقاد في حديقة مارهينو Marhino Park في مونتي لاجيرو في البرازيل التي كانت قد إنتخبت مناضلاً شيوعياً عمالياً هو سيلفيا دي لولا رئيساً لها كختم يصدق على فشل كافة محاولات الرأسمالية لخمسمائة سنة بكافة وسائل الإستعمار القديم والحديث في تحويل تلكم البلاد من غابة زاخرة بالثروات والبشر المبهمين إلى مجتمع متوازن.

حضر الملتقى مندوبي حوالى 155000 مآئة وخمساً وخمسون ألف بعثة من مآئة وخمس وثلاثون دولة، إستعرضوا شتى القضايا في جملة خمس أيام. مما دعى هيلاري واينرايت Hilary Wainwright الناشطة البريطانية في مجال المنظمات الإجتماعية إلى نقد تركيبة الإجتماعات الدولية الفضفاضة من حيث قلة فعاليتها، مقلة من النار أهمية الشرر الذي ينشرها في الهشيم.إذ كتبت هيلاري في صحيفة اليسار البريطاني مورننغ ستار [نجمة الصبح] Mornning Star في عددها المصدر في الخامس من أبريل 2005 مبينة مؤخذات شتى على أسلوب هذه الإئتمارت الفضفاضة منها: إن البعض كبعثة إتحاد النقابات الإيطالية وكذلك بعثة جنوب أفريقيا شعر أمام (الإتساع الهائل) بالإحباط من هذا الترهل.

وقد آخذت هيلاري الإلتقاء نفسه بالغموض الذي عم الأفراد من كثرة المندوبين والمداخلات في أيام محدودة، بدلاً عن الوجز والدقة والوضوح فيما وصفته بالحاجة إلى الإيضاح النظري والعملي لمواضيعه وأدواته على مستوى الحال السياسي والإقتصادي في وقت يذهب فيه الملايين في كل دولة إلى النوم جوعى.
ولكن الوضوح السياسي المنشود تبدد رسمياً بخطاب رئيس البرازيل اذ ألقى خطبة حزبه حزب العمال الإشتراكي الثوري بشكل آثار الجدل حول إتجاه مداخلته حيث كانت بعنوان حيوي غامض وشجن هو:
(كيف نقوي الحركة التقدمية ونفعلها كقوة تغيير في الواقع؟)
فمفردة "في" التي وضعنا تحتها خطاً دون بقية العنوان سلبت شيئاً من صرامة عزمه لتغيير الواقع. فبوضع حرف الجـر (في) في العنوان أضحى الواقع سيداً على التغيير. وبهذي المفردة ذات الحرفين ثلمت امكانات التمييز بين جهتين لفاعلية المجتمع وسياساته هما:

 أسلوب الثورة الشاملة كطريق وحيد للتغيير الجذري الشامل للواقع وأحواله الإجتماعية-السياسية الذي يرتبط بمفاهيم الحشد والنضال وكسر السلطات والبنى.

 أسلوب الإصلاح بالتغييرات الجزئية بأمل أن تؤدي مراكمتها لتغيير شامل دون نظر للتخريب المقابل الذي يحدثه نشاط الراسمالية العشواء ويكرسه في تناسق البنى الإجتماعية كافة وثلمه لما تحقق من إصلاحات، وتحويله النشاط الإجتماعي والإنساني إلى ساقية جحا.

وكان أهم ما في عرض هيلاري للإنتداء تناولها تكييفه لتاريخ عرض المواضيع والمناقشات والخطوط العامة والتعقيبات:ففي "إنتداء مومباي" تكونت لجنة سياسية تكفلت بتحديد وعرض المواضيع في الإنترنت فجاءت المواضيع مستغرقة مصبوبة بلا حيوية. كذلك كان أسلوب الخطابة في هذا الخضم يعيق التعمق في المواضيع. ومن تدافع الأسلوبين رجحت أحياناً فوائد المحادثات الفردية المباشرة .

ومنذاك تكونت جمعية عامة بمثابة لجنة مركزية وضعت جدولاً عالميا للنشاطات المدنية الإجتماعية في العالم منها تخصيص يوم 19 مارس للتظاهر العالمي ضد الحرب على العراق، وأيضاً 17 أبريل يوماً لنضال الزراع والكادحين ضد الإمبريالية، ويوم 8 يوليو يوماً دولياً للنضال ضد الديون وضد تكتل الدول الرأسمالية الأضخم الثمانية G8، ويوم 17 أكتوبر يوماً لأجل المرأة من ريودجانيرو إلى بوركينا فاسو. فهي مقررات عامة حشدية، تحن للبرمجة، وتفتقد الطبقة والقوى الطبقية المنظومة.

وكان الجانب الموجب للملتقى هو تمثيله جزءاً حيوياً من النشاط الأممي لعملية بناء حركة جماهيرية عالمية تؤطر بها قيادات المنظمات الإجتماعية حركة الجماهير لتتأطر بها في المستقبل القريب المنظور بحكم التكوين والمصالح الأساسية للمكونين حركة عالمية ضد الإمبريالية والعولمة. وبفعل القمع الإعلامي حيناً والضجيج والتزييف الإعلامي حيناً أخر فإن الغباش يسود الرؤية المتكاملة لطبيعة هذه الحركة التي تمثلت أجزاء من بدايات بعض جذورها في الفلسفات الدينية القديمة وما إرتبط بها من رؤى تناهت في القرن العشرين إلى أشكال مدنية (أوربية) تتحدث عن الثورة الإنسانية بأدوات سميت بـ(اللا سياسية) بفهم فيلسوف للحياة من خلال المنظار المسمى بـ: "علاقة الشكل والمضمون" وهو منظار يرى به البعض شكل الموضوع شيئا جوهرياً هاماً في الحياة بينما يرون الموضوع الذي يأخذ منه هذا الشكل قسماته ويكسبه شيئاً من صفاته بناء داخلياً قليل الأهمية لا مجال للتعامل معه في الحياة إلا من خلال وجوده المتعين وشكله وتعبيره. لذا فهي ترى السياسة لا كممارسة إجتماعية للتعامل مع الموارد الإجتماعية والإقتصادية وفق منظومة مبادئي وأهداف بل تراها في شكلها (الأخير) تسلطاً وسلباً لحرية الفرد في تقرير شؤونه.

فكثير من الرؤى التي ترفض (السياسة) أو (التحزب) أو (الأممية) كشكل لممارسة الخيارات الإجتماعية وتنبذه لصالح مفاهيم إسمية وعلموية وتكنوقراطية ومدنية وفنية ورياضية ومفاهيم حرية الفرد ونضالية الحفاظ عليها تجاه قوى الإحتكار، تضع ضدين لبعضهما حال العلاقة بين وجود الإنسان ضمن نظام عام للذكور والإناث يتميز بتسلسل قوى ومهام معينة لإجابة حاجات الفرد إلىالأكل والشرب والكساء والسكن والعلاج والتنقل والدفاع التي تكفل لأفراد المجتمع الوجود في الحياة في جهة وحال الحرية النسبية للناس والأفراد في التعامل مع الطبيعة والشكل الإجتماعي لها ولقوانينها في جهة ضد، ولكنها حالة في الواقع تؤسس فريقاً سياسياً مشتت القوى والرؤى غالباً ما تستثمر القوى الإحتكارية وجوده لصالح إضعاف الحركات الثورية في جهة وفي زيادة إستثماراتها للبشر في جهة تضاعف سلب عمل| مضمون المجتمعات وغربة أفرادها وتزيد تشييئ الإنسان وتجعله شكلاً فارغاً من الحياة.

--------------------------------------------------------

• المراجع محفوظة لتجاوزها عشرات الصفحات
• هذا النص جزء من مسودة كتاب "تأثيلات" لمؤلفه المنصور جعفـر






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,647,209,228
- ما بعد الإيمان
- نقاط في علاقة المعرفة والمنطق والفلسفة والعلم والسياسة
- المنصور جعفر
- عزل الوضع السياسي عن المصالح الإجتماعية قاد إلى النفوذ الأجن ...
- محجوب شريف
- خزريات بابل ينشدن الزنج والقرامطة
- هوية الأزمة في موضوع أزمة الهوية: عناصر أولية
- المسألة اليهودية في السودان
- أفراح الحزب والدموع دجلة وفرات على وجه العراق
- إدانة الهجوم الدموي لجمهورية مصر العربية على لاجئين من السود ...
- أناشيد إسماعيلية لخزريات بابل المعاصرة
- قيـامـة النبي في كـوش
- الوقت العصيب العراق
- من الجهود المبذولة لحل الحـزب الشيـوعي وتصفيه وجوده العلني ا ...


المزيد.....




- كاتالونيا: أرتور ماس يتهم مدريد باستغلال السلطة
- جدل حول لوحة بابتسامة موناليزا.. عمل لدافينشي أم خدعة بمئات ...
- تعرف على "بريسبين" في دقيقة بتقنية الفاصل الزمني
- الصين تصدر قانوناً يوسع حق المواطن في مقاضاة الحكومة
- تنظيم الدولة يقتل المزيد من أفراد عشيرة عراقية
- التقارير المقدمة للجنة الوطنية المشرفة على إنتخاب أمناء الفر ...
- الجيش الاسرائيلي: سقوط قذيفة على اسرائيل أطلقت من غزة
- داعش يعدم -حاكمه الشرعي- في الحويجة ويلزم الطلبة بالتوجه إلى ...
- تقرير: ألف إسلامي بألمانيا على صلة بالإرهاب
- بنغلاديش تشهد اظلاما تاما لانقطاع الكهرباء بسبب عطل فني


المزيد.....

- قانون حركة الرأسمال / محمد عادل زكى
- كيف نفهم، كعرب، إيران؟ / محمد عادل زكى
- فهم حركة العصر الجديد / صبري المقدسي
- العولمة و الديمقراطية و الارهاب / اريك هوبزباوم
- الشرق الأوسط الكبير : خروج العرب من التاريخ / محمود الزهيري
- أزمة حوار الحضارات : مابين خرافتي التقريب بين المذاهب الديني ... / محمود الزهيري
- تحالف الأضداد. فنزويلا نموذجاً / محمد عادل زكى
- الرأسمالية ... بين التغيير أو الإنهيار.... (1) / علي الأسدي
- انحطاط الرأسمالية مصر نموذجا / سامح سعيد عبود
- نقد نظرية التخلف / محمد عادل زكى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - المنصور جعفر - العولمة والخصخصة في تأثيل الفكر التنموي