أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وسيم بنيان - انا ورودان














المزيد.....

انا ورودان


وسيم بنيان

الحوار المتمدن-العدد: 6619 - 2020 / 7 / 15 - 22:44
المحور: الادب والفن
    


جلست في القطار الذي سيتحرك بعد 20 دقيقة،وأجلست صاحبي إلى جانبي بعد أن هيأت له المكان جيدا.بدا لي وقد استقر أخيرا في مقعده على يميني، متعبا وشاحبا يبدد بمنظره أي محاولة للحوار والمشاركة في الحديث بشكل قاطع.
وبما أني كنت متحررا من طفيليات الغباء التي تنخرأحيانا قشرة عقلي،لذت بالصمت ولم أسع لمضاعفة كآبته وهمومه.
فتحت حقيبتي مزدوجة اللون،لأنتزع من أحشائها قطعة طعام لفت بإتقان.ابتعتها من المحطة قبل صعودي.ولما تأكدت بأن صاحبي قد اصر على التوحد والخلوة لم اطلب منه ان يشاركني طعامي المتواضع.وعلى أي حال لم اشعر بأي تغير في وزن معدتي،حيث أن الوجبة الغذائية معدة لإشباع قطة على اكثر تقدير. اتكأتُ على حقيبتي المليئة بأثاثها الدائم، اضافة إلى كنزة صوفية كنت أحيانا استغني عنها حسب مزاج الطقس.فألقيها داخل الجدران السود الباهتة،واغلق عليها الباب الرمادي الباهت هو الآخر.وثمة غرف صغيرة خلف الباب تسكن إحداهن محفظتي الجلدية، والأخرى استأجرها نقالي بشكل بشع. لأنه لم يمارس وظيفته بشرف، حيث يتأخر بالخروج من حجرته في اكثر الأحيان، وأنا في أمس الحاجة أليه للرد على اتصال ما.فأحاول سحبه بالقوة وحينما انتزعه أخيرا من مكانه يكف عن الصراخ ويفوت علي إجابة المكالمات الواردة.مما حداني أن ارميه خارجا في إحدى نوبات الغضب غير أسف على حجرته الشاغرة.ويفصل بين الحجرة الشاغرة التي تأن ألان تحت ضغطة كوزي والحجرة المسكونة بالمحفظة ممران صغيران جدا،ينام في الأول قلمي الحبر شامخا بلونه الفضي اللامع، بينما شغل الآخر قلما من الرصاص  وقد استظل الجميع بسقف الباب الكبير المزود بسقف ثانوي سري يشغله باستمرار أحد الكتب المعدة للقراءة، بينما ينام الدفتر في حجرة الاستقبال الكبيرة في وسط البيت ناعما بدفئ الكنزة.
 قطع القطار محطات كثيرة غاسلا نوافذه الزجاجية بالرذاذ المطري المتكاثف من ورائها وكأنه يحاول أن يثير صاحبي.لكن محاولته ضاعت هباء العواصف إذ لازال غاطا في صمته مبتلعا حبل الفراغ متدليا فيه إلى قاع هاويته السحيقة.عدت انظر أليه بقلق ضاعف تدفقه دندنة القطرات،وعواء العواصف تزامن مع حركةالقطار المزلزلة فوق السكة المبتلة. وقد دفن الظلام دفتي القطار داخل فكه، وأبقاني تحت رحمة ضوء المقطورة المركز بشكل مقرف.
ظل صاحبي ملتصقا بالنافذة بينما تسلط بمقدمة بدنه أمام ناظري.احسبه متماهيا مع الظلام وغير منفصل عنه،وان كان يسبح في ضوء العربة.توقف القطار في محطة جديدة وتوقف معه المطر إذ يبدو انه يأس من صاحبي أخيرا،فهو لم يغير من جلسته الأولى، وظل متكئا على قدمه الخشبية الوحيدة.نظرت إلى كنزته الجلدية كانت متحاثة من الحواف،وهي جاثمة بلونها البني الغامق على ركود صاحبي وقد ناسبت كآبته. وفي أعلى الردن الأيسر ارتدى قفازا جلديا ثنائي اللون جميل الطراز، لكنه ساكن بشكل ملفت.وقد ادخله بين قضبي السلة الحديدية في أعلى العربة فتدلى وكأنه ثعبان يحاول أن ينقض على أي حركة مباغتة تحاول أن تعكر مزاج صمته.واستراح القفاز الأيمن على حافة المصطبة العليا خلف رأسي، ومن تحت الكلاب الحديدي على جانب العربة انحدرت قبعته الصوفية ذات السحنة الزرقاء الشاحبة، وقد غطت كل ملامح وجهه فلم يبدو منه أي اثر. والتف على عنقه حبل عريض هو الوحيد بألوان مشعة وزاهية،وتحمل انطباعات عن الحياة.فوجئت بهذا التناقض وتساءلت عن السر في ذلك فعللته حينها بكون صاحبي بارع في الاحتفاء بكل رموز الموت فقط.انه يصر على أن يخنق رقبته بحبل زاه لأنه قرف حياته ومستعد للشنق بكل رحابة صدر.توقف القطار في محطة تالية وهي كبيرة مُلئت بالمصابيح الكهربائية وتزاحم الناس وقوفا وجلوسا على مصاطبها بانتظار القطار الذي سيقلهم إلى مساكنهم.صحا الطقس وقد ازداد نقاء والتمعت قطرات المطر على زجاج العربة،وكأنها شظايا من ماس .هبت شحنات حركية في سكون القطار إذ صعد لمتنه بعض الأفراد الجدد.جلس منهم في نفس العربة التي شغلتها وصاحبي،إضافة إلى شخص استغل الرحلة بسرقة غفوة طويلة انفلتت منه ولابد خلال ساعات النهار، شخصان وجلس في العربة التي تقابل مسقط نظري بعض الأفراد أيضا.تركت صاحبي غارقا في سكونه لاتحسس الجو الحركي من حولي. فثم حركات صوتية غريبة تنثال في المكان، وقريبا مني تثاءب كيسا مهسهسا بقوة بعد أن حمله صاحبه وألقاه إلى جانبه بحدة. صدح مكبر الصوت منبئا عن المحطة التالية، وعدت إلى نفسي وقد شعرت بلسعة في معدتي ومرارة في ريقي أحدثها الطعم اللاذع لقطعة الطعام، المنتمية لصنف الوجبات السريعة.لكني لم اندم على ابتياعها على أي حال.فبالنسبة لي من المناسب أحيانا أن اكسر الصمت بأي معول مهما كان سيئا.فلابد أن أزعج سكون الصمت وأزلزل بشاعة الفراغ قبل أن يزعجني ويبتلعني في أحد أفاعيه الخطيرة.
عاد القطار إلى مواصلة سيره مجلجلا بعجلاته سكون الليل، وبدأت روائح الأعشاب والأشجار المنقوعة تعطر انفي برطوبة صافية وعذبة،حفزته ليعب من عبقها بعد أن فتحت النافذة قليلا،وما زال صاحبي يواصل صمته المطبق.استمرت الجلجلة منحدرة واخيرا أعلن مكبر الصوت بلوغ المحطة الأخيرة خلال دقائق.ارتديت قبعتي الزرقاء الشاحبة وكنزتي الجلدية التي ضاعت بقعها المنقشعة تحت ذراعي،وافلت القفازين من
كميها وارتديتهما.بينما لففت رقبتي بشال مشع الألوان،إذ يجب الاحتفاء بكل شيء حتى وان كان برمز يذكر بالموت شنقا. فالموت لازما ولابد منه لتستمر الحياة،وما علي سوى أن أعيشها بكل تفاصيلها وتناقضها أرحت أخيرا شريط حقيبتي الأسود على كتفي،وأمسكت القبضة الخشبية المعقوفة لمظلتي،واتجهت خارج القطار.
وجدتُ باستقبالي رياح عذبة لفتني بالندى من كل اتجاه ...


في رحلة من لاهاي الى دودرخت؛عام 2008،الساعة 12 ليلا.



#وسيم_بنيان (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هكذا اغرد7
- كورونيات2
- كورونيات
- هكذا اغرد6
- جغرافيا الصراع: قراءة في قراصنة الكاريبي
- مغزل العارفة او اميرة العبث
- توحش قبل الكتابة
- شظايا من سيرة الانا
- موسيقى الحلم
- نصف روزنامة لحبيبتي
- خريف الرسام
- غثاء
- ثغثغة
- هواجس
- خياطة
- غراب وردي
- موج القطرة
- مفارقات: نحو محراب علي
- حمى باردة
- شاعر


المزيد.....




- نجم مسلسل -فريندز- يهاجم احتجاجات مؤيدة لفلسطين في جامعات أم ...
- هل يشكل الحراك الطلابي الداعم لغزة تحولا في الثقافة السياسية ...
- بالإحداثيات.. تردد قناة بطوط الجديد 2024 Batoot Kids على الن ...
- العلاقة الوثيقة بين مهرجان كان السينمائي وعالم الموضة
- -من داخل غزة-.. يشارك في السوق الدولية للفيلم الوثائقي
- فوز -بنات ألفة- بجائزة مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة
- باريس تعلق على حكم الإعدام ضد مغني الراب الإيراني توماج صالح ...
- مش هتقدر تغمض عينيك.. تردد قناة روتانا سينما الجديد على نايل ...
- لواء اسرائيلي: ثقافة الكذب تطورت بأعلى المستويات داخل الجيش ...
- مغنية تسقط صريعة على المسرح بعد تعثرها بفستانها!


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وسيم بنيان - انا ورودان