أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد جمعة - -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (22)















المزيد.....



-خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (22)


احمد جمعة
روائي

(A.juma )


الحوار المتمدن-العدد: 6590 - 2020 / 6 / 11 - 00:32
المحور: الادب والفن
    


بلل الندى المسائي وجه الأشجار الصغيرة عند واجهة مدخل الفندق الخارجية، وقف تقي يتأمل المنظر العام للطريق الذي امتلأ بالمشاة الذين بدوا كعادتهم الدائمة التي لاحظها تقي منذ أربعينيات القرن الماضي لدى نهاية الحرب، وهي ظاهرة السرعة والهرولة وكأنها نهاية العالم، هذه الملاحظة نقلها لولده الذي أشار إليه من بعيد وهو قادم عبر شارع ريجينت وقد حجز سيارة تاكسي.
"تعلم سفيان أنهم أسرع منا على الدوام في المشي، منذ الحرب العالمية الثانية؟
لم تفت سفيان تلك الملاحظة إذ أضاف عليها.
"بعكس قيادتهم السيارات، فهم بطيئون.
في السيارة التي أقلتهما، لم يفصح سفيان عن وجهته، فقد انْشغل بتدبير السؤال لوالده مذكراً إياه بوعده.
"متى تروي قصتك تقي؟
عندما انْخَرط الأب يحك أنفه بإصبعه فَطِن الابن أن والده يبحث عن مخرج للتَنَصُّل من وعده، أدرك أن تلك القصة التي وعده بروايتها قبل التطور الأخير الذي طرأ على حالته وعودة الصورة الطبيعية للجسد مكانها قد تبقى طَيّ النسيان، كانت روايته لسيرته الشبابية ترمي إلى مشاركته الحياة من خلال فضح الأسرار وكشف المستور حتى تتحلل العلاقات وتصبح شفافة، ظلت علاقة سفيان بوالده هو بالذات من دون بقية إخوته وأخواته مفتوحة على شرفات المصارحة والعلنية، تبادلا الكثير من الأسرار والاعترافات خاصة خلال مرحلة معاناة سفيان وفراره من وجوه الأسرة والمجتمع، كان تقي الوحيد مع جميلة الذي شَرَع نافذة وأطل منها على عالم ابنه السري، فما كان من الابن إلا أن فتح هو الآخر من باب المزاح شرفة أُخرى بحث فيها عن الشفرة السرية للأب.
"أنت تتملص.
قال سفيان وهو يعتزم الوصول للحانة التي التقى فيها أنجيلا، أو كما أسماها بنفسه حانة الفتاة السوداء.
اختار سفيان المكان لكونه يضم روادَّ من مختلف الأعمار، كهولاً وعجائز وشباباً ومراهقين، كانت حانة على الطراز الاسكتلندي شعر من خلالها بأنها تقرب بين مختلف الأعمار من روادها وهذه الخصوصية انتقاها لجر والده لحديث يعود به للسنوات الخوالي، آثر هذا المكان على سواه حتى خلال سهره مع شيري، ربما لم يَفْطِن للشعور الخفي والغائر في سريرته تجاه أنجيلا، عميقة هي المشاعر المخفية تجاه إنسانٍ ما، أو مكان ما، تتسلل للأعماق من دون وعي وتقودك للأماكن، لعل هذا الحدس هو ما دفعه لزيارة الحانة ليس رغبة في أن يصادفها، لكنه الْتَوْق لمكان ترك فيه ذكريات. حينما دلفا الحانة، تلفت تقي حوله، نظر للمكان كما لو لسعه شيء، كَبحَ صدمته وسار خلف سفيان الذي لم يلحظ ردة فعله وهو يسير أمامه، التفت إليه يبحث عن طاولة، حتى سبقته النادلة التي أَظْهرت معرفتها به، قادتهما للطاولة القريبة من طاولة أخرى مستطيلة الْتأم حولها زمرة من رجال ونساء غلبت على بعضهم السمنة المفرطة وفاضت كروشهم، توقف تقي ونظر حوله، أحس بأن المكان غير مناسب وطغت عليه جلبة الطاولة المجاورة، تنبهت النادلة التي كانت ترتدي القميص الأصفر المعتاد ذات البشرة البيضاء والوجه المألوف عادة في مثل هذه الحانات، إلى أن تقي غير مرتاح للطاولة التي اختارتها لهما فأسرعت نحو طاولة صغيرة مستديرة عند ناصية تؤدي للبار، جلسا هناك وطلبا كأسي ويسكي حدد تقي نوعه "دبل بلاك ليبل" فيما رَصدَ إثنين جالسين على الطاولة تلك، تبرم تقي الذي هو بدوره رَمَقهما يحدقان به فلم يكترث.
"آمل أن تكون سعيداً معي الليلة أبي؟
تأمل وجه ابنه المتورد وقال بِلَهْجة ماكرة.
"تحاصرك الحياة عندما تُعاندها، وتُرَحب بِك في حضنها الدافئ حين تبتسم لها، طالما كررت على مسامعك أن تتقبل الأمور لأنها في نهاية المطاف سَتَتَغيّر من تلقاء ذاتها بما لم يخطر بظنك.
"جئت بحكمتك معك وهذا ما احْتاجه هنا في لندن، لطالما اخْترت قراراتي ولم أَفْطِن إن كانت صحيحة أم لا، كم أنا الآن سعيد بوجودك تقي هنا لِتُعيننيِ على الاختيار..
توقف وإلتقط نَفّسه، رفع رأسه ونظر للسقف فيما بدأ أحد المغنين في المقدمة يدندن بجيتاره، تنهد واستطرد.
"أحياناً لا أشعر بسلام مع نفسي حين أختار من دون حكمة شخصاً آخر صِنْوك، هل أنا قاصر أبي؟
"رشف الأب من كأسه وحدق في امرأة متوسطة السن مَرَّت من حوله وفاح عطرها، ثم التفت نحو الآخر ورد عليه بنبرة بطيئة.
"عندما تتعدد الخيارات ابني تشعر بالظمأ لواحد من الأشياء، ولكن لا تريد أن تتنازل عن بقية الخيارات، عندئذٍ تسلب سعادتك بالاختيار، باستطاعتنا الشعور بالسلام من خلال إنهاء الحرب الضارية بداخلنا، بداخلك سفيان.
ضحك واستأنف بسرعة.
"أنْتَ صَحَبتني هنا للترفيه وسماع أخبارك، أم لجدل تنظيري؟
رفع سفيان كأسه وأشار لوالده بالنخب وهو يبتسم.
"في صحتك تقي أحكم رجل في بلادي..
ثم اسْتَدرك متسائلاً.
من أين جئت بكل هذه الحَصافَة؟ حَدْثني عن جزء من تجربتك يَفْضَح سرك الجسيم، ودي أعرفك حين كُنْتَ في مثل عمري.
ضحك الأب وقال وقد احْتَسى بقية كأسه.
"هل بالامكان نؤجل هذا الاعتراف حينما نكون وحدنا بمكان هادئ بصالة الفندق، أو بجناحي مسترخيَيْن؟ مع هذه الجلبة ابني لن تعرف سري.
بدأ المكان يمتلئ بالرواد، راح بعض كبار السن والكهلة يغادرون تدريجياً وبدا تدفق الفتيان والفتيات، كما بدأ اثنان يغنيان بصوت معتدل وإن طغى صوت الجيتار.
"ماذا تفعل أمي هناك؟
وقبل أن يجيب اعتذر سفيان، نهض وجلب كأسين آخرين، فيما كان الأب يراقب بعض الرواد وحركاتهم، كان يتأمل بعض النساء حوله.
"والدتك كعادتها كثيرة الانتقاد وقليلة الفعل، لكنها متماسكة وتعمل على حفظ الأسرة وهذا هو المهم.
"هل سألت عني؟
حَكَ تقي أنفه فابتسم الابن.
"جميعهم يسألون بصدق، لكنهم معذورون في عدم تأقلمهم مع الصدمة، والآن سيستعيدون توازنهم بعد أن تصدمهم مرة أخرى وتتزوج.
غرق سفيان في موجة ضحك وشاطره الأب بالرغم من اسْتغرابه للأمر ما دعاه العودة لسلسلة الأسئلة المؤجلة منذ وصوله.
"ماذا يمنع زواجك طالما هناك فتاة جميلة ومتفاعلة ومنخرطة معك في علاقة؟ أين الصدمة؟
مط الابن شفتيه ورَنَا لبرهة بفكره كما بدا متروياً في الرد، وقد ظل مبتسماً ثم قال بنبرة راكدة وبكلمات منتقاة.
"الزواج بعد صدمتين متوازيتين وفي وقت قصير، مسألة تقي بحاجة لتدقيق وتمحيص وتأمل، حتى الآن لم أفكر معها بصوت عالٍ في هذا الموضوع ولم ينطرح البتة بيننا..
صمت برهة ثم استدرك وهو يتنهد كأنه لم ينتهِ من مُسَوّغه.
"الفتاة تعيش مع شقيقتها هنا وأنا لم أقرر أين سأعيش؟ رأيت تقي كيف أنا بحاجة لذَريعَة للرد على سُؤالك المُعقد؟
بدا يتعالى صوت الرواد مع توارد كؤوس الشراب وتسارع حالة الثمالة بين أوساط الشباب منهم فيما بدت الفتيات أكثر اتزاناً، نهض سفيان مستئذناً للتدخين في الخارج، فنهض خلفه والده مبدياً رغبته هو الآخر في سيجارة الليلة. نادَى سفيان النادلة التي يعرفها وأشار إليها بأنهما سيدخنان ويعودان لتحتفظ بالطاولة والشراب، لأن هناك من ينتظر طاولة من الواقفين عند البار منذ فترة.
في الخارج كان الهواء أنْقى وأصْفى، ورائحة الصنوبر تنبعث من خلفية ساحة الفناء للحانة، حيث سلسلة من الأشجار مع سياج من الورود، بالإضافة لكوخ صغير بدا لحارس الحانة، لسعة باردة سرت في جسم الأب وهو ينفث دخان سيجارته بتريث وهدوء بعكس سفيان راح يشفط الدخان بِضَراوَة.
"أفزعتني لِلتَّو سفيان بقولك لم تُقَرر أين سَتَعيش؟ وهل هناك مكان غير البحرين؟ أنت الآن نَجَوْت من سقَمك الذي أنْهَكَك الفترة الماضية وانْعَتقْت مُعافى، فما عاد أمامك سوى العودة، لهذا السبب أنا حَضْرت هنا، لأعود معك ابني.
أطلق تقي زفرة حادة بعد أن سحق عقب السيجارة بقدمه فيما ظلت السيجارة في يد الابن.
"لا تتسرع أبي، هناك علاقة تشدني للفتاة أشعر معها بالتزام وأطْمَع ألا أخسرها، لهذا السبب لا أود التسرع في أي خطوة وأنت تعلم الزواج من أجنبية وتداعياته إذا لم تكتمل الصورة.
"كانت لي علاقة مع فتاة أجنبية وأنا في مثل سنك وأعرف تعقيداتها لكن عبارتك لا أعرف أين سأعيش أرعبتني وكأنك تتخلى عن البحرين.
رد سفيان وهو يتهيأ إلى العودة للداخل بعدما ألْقى سيجارته على الأرض من دون أن يُكْمِلها.
"وإن لم ترغب هي بالزواج؟ حتى ولو أحَبَتني ماذا لو لم تَرد المجيء معي للبحرين؟ هل مررت بذلك من قبل؟
دلفا للداخل وإذ بهما قد فوجِئا بطاولتهما وقد احتلها شخص خَمْسيني، كثيف اللحية، مترهلاً عند أسفل العنق، ذا بشرة وردية داكنة، فيما كأساهما ظلا مكانهما.
أشار سفيان لوالده بالمكوث على مسافة، تقدم بتريث نحو الطاولة وقبل أن يهم بالحديث مع الجالس عليها إذ بالنادلة تقوم بالمهمة وتعتذر من الشخص الذي سرعان ما ترك الطاولة من دون مقاومة.
"حدثني عن حكايتك التي تبدو ميلودرامية بحسب زمنكم الرومانسي.
ضحك الأب ورَشَف من كأسِه وقال متردداً في البوح.
"يبدو أنك تجرني للمحظور سفيان..
ثم استطرد ومازال مبتسماً مع لمحة على وجهه تَنْم عن رغبة مَكْبوتَة منذ عقود تُغْري بإلإفراج عما يعتمر في نفسه، بدا له مناسباً لو يفتح شرفة حياته ويطل منها على مشاهد للزمن الطويل من الاحْتفاظ بذكريات يخشى الرحيل من دون اسْتعادتها مع إنسان ما حميم في هذا الكون، رأى الوقت مناسباً، غير أن المكان والازعاج قد يحدان من شهوة إِفْشاء أسرار هذه الذكريات المنزوعة الصلاحية، إلا أنه عَزَم على الْوُلُوج لها والتغلغل في سراديبها المحفورة في قاع صدره المغلق بالشمع الأزرق، كما عبر مرة لسفيان وهما يمزحان منذ فترة في البحرين.
"للأسف انتهت صلاحية المعلومات المخزنة، ولكن بإلامكان سرد بعض الذكريات الطفيفة التي..
قاطعه سفيان وقد أمسكه من معصمه.
" تقي نحن وحدنا هنا في لندن، تفصلنا محيطات عن شفيقة.
توقف ثم استطرد بنبرة تهديد.
" لن أُخبرك شيئاً عن أنجيلا وشيري، ما دمت تتمسك بِسرِيتك.
"سنكمل حديثنا في الفندق، يبدو أَنَكَ تُفَضْل العودة لشرفتك الملكية.
أثناء خروجهما من بوابة الحانة، صادف وجود ماثياس الضخم منتصباً يدخن السيجار وأحاطت به امرأتان صغيرتان، حالما شاهد سفيان هرع مرحباً وقد بدا متفاجئاً بوجوده مع الرجل حوله، فما كان من سفيان إلا أن قدمه له ولكن لم يستطع أن يعرف ماثياس لوالده. وقبل أن يَنْصرِفا، سأله ماثياس.
"هل مازلت تلتقي أنجيلا؟
حين ابتعدا التفت الأب مندهشاً ومتسائلاً بنبرة مستغربة.
"كل ساعة تمر عَلَيَّ مَعكَ أكتشفك من جديد، من هذا الحائط المنيع ماثياس؟ وأَنجيلا؟
ضحك الابن وتظاهر بِخُيَلاء وقال بنبرة غَطْرسَة.
"حتى تعرف ابنك حق المعرفة، دعنا نبحث عن سيارة أُجْرة ثم نفتح خزانة الأسرار الدولية، ألن نفضح العلاقات مع الأجنبيات؟
"والمحليات أيضاَ.
"الله وَأَكبَّر تَقي نُوفَا.

****
في ضوء القمرالذي لم يزل يَنْبَجس ويَخْتَفي، وضع الأب قدماً على الأخرى واستلقى على مقعد الخيزران الوثير، أحاطت به شجرتان عبقتا الرائحة الزكية، وُضِعتا في أصيصين، وبجانبه على المقعد الآخر قبع سفيان وقد انشغل بوضع بعض المازات الطازجة التي انْتقاها تقي من المطبخ الليلي الداخلي لخدمات الغرف، فقد اعتاد خلال زياراته المتعددة للمكان على نسج العلاقات مع كافة أقسام الفندق معتمداً الإكرامية في النفاذ إليهم لنيل أفضل خدمة خلال إقامته، اعتمد هذا الأسلوب خلال كل سفراته وقد عززت هذه الطريقة من مكانته أيْنما ذهب، فلم يبخل قط على توفير سبل الراحة القصوى له ولمن حوله، استقل سفيان هذا المناخ وراح يُضْفي متعة العيش بعد أن شَحَّ على نفسه. كان الطقس معتدلاً وإن مال لبرودة توخز العظم بعد مدة من المكوث في المكان، تدثر الأب بمعطف أسود طويل، فيما اكتفى الابن بقميص قطني محكم لفصل الربيع اوالخريف، كان الطقس ينذر بتصاعد البرودة حين توقف الكلام عند سفيان الذي سأل الأب عن السنة التي وصل فيها لندن أول مرة.
"خرجت من البلد بفرمان عثماني من قبل جدك الكبير عبدالرحيم المرجاني للدراسة، فرض لا مفر منه عشية هزيمة المانيا النازية، انتصر أسيادنا الإنجليز حينها طبعاً، فما وجدت نفسي في أتون الخراب والدمار والأنقاض والمعاقين والمبتورين، ولن أطيل عليك التفاصيل، سألتني متى؟ كان ذلك بالتحديد على ما أذكر في أكتوبر من عام 1945، كانت الحرب قد وضعت أوزارها كما يعبرون في يونيو وأنا جئت هنا في أكتوبر، منها بدأت قصتي مع معشوقتي في لندن إفيلين.
أرخى تيار الهواء البارد الآتي من طرف الشرفة الغربي حالة من الخدر على الاثنين تضاعف مع احتساء الويسكي فَانْساب الحديث كأنه شلال ينهمر من بين الصخور، توقف الأب وتطلع في أفق السماء ثم عاد يروي الحديث.
"حينما انْدَمَجت مع الإنجليز هنا ونمت وأكلت وشربت معهم، غَطست في عالم عقلاني بعكس العالم الذي جئت منه، أفكاري تَغَيَّرت فَغَيرت مصيري كله، لو لم آتي هنا بالذات عشية انتهاء الحرب لوجدتني الآن مختلفاً عقلياً ونفسياً واجتماعياً، لقد اكتسبت تحمل المسؤولية مع ما فَرَضتهُ عَلَيَّ من تحمل العواقب.
"هل قاسيت من حيث العيش والوحدة والشعور لإرضاء جدي المرجاني؟ لن أثقل عليك بالأسئلة يمكنك التوقف إن شئت أبي؟
ابتسم الأب ورفع رأسه للسماء يتنفس وقال وقد بدا شعوره منفتحاً على الحديث مُقتنصاً هذه الفرصة لاستعادة الماضي.
"كم أب هناك الآن مع ابنه في العالم يعيشان هذه اللحظة مثلنا؟ منسجمان في هذه الشرفة المطلة من أجمل فندق في لندن على السماء، يحتسيان الويسكي وَيُفَضْفضان لبعضهما، على العموم أنا سعيد بوجودي قُرْبك، لا تعرف كم عانيتَ وأنا أتخيلك هنا وحدك تعاني.
"أنا أسعد أبي، لكن أرجوك لا تَفْر من ذكرياتك، ولا تحشرنا في الأجواء الآنية، إرْجَع للوراء لقد شوقتني لماضيك.
اعْتدل الأب في مقعده وشد المعطف للأمام ثم احتسى من كأسه وتناول قطعة من الجبن الأبيض واسْتأّنف الكلام.
"قد تستغرب لو قلتُ لك من الممكن أن أفشل في حياتي لو خَضَعت للنزوات أو انهرت أمام الضغوط هنا، كان الأمر في البداية قاسياً وغليظاً والناس مُتَحَجِرون بعد الحرب وفقدوا إحساسهم، حينها بغتة سقطت في حفرة غَمِيقَة، شعرت بأن نهايتي قَرُبَت وسوف يبتلعني العالم هنا أو هناك في البحرين لو عدت.
"ماذ حدث لك تقي؟
صمت برهة يبحث عن مفردات أو يختار الكلمات والأفكار، أشعل سيجارة فقرب الابن منه المطفأة.
"سأعترف لك سفيان ولكن لا تبحث عن التفاصيل، سَأوجز لك القصة، كما عَلمت من قبل عشت في منزل السيدة إيما البرت، وتعرفت على ابنة أختها وكانت صغيرة وجميلة وأنا قادم من عالم بدائي في ذاك الوقت، وأمام الوحدة والعزلة والليالي الباردة مع الجليد يحاصرك بالأيام ويمنعك من الخروج إلا للكلية الجامعية، وأمام إغراء تلك الفتاة وتدعى إيفلين شَبَكَت معنا علاقة سرية في البيت الذي أَعيش فيه، وسأختصر القصة بأني وجدت نفسي على حين غِرَّة أُحَملُ الفتاة.
"هووب.
"عُسْر المعاناة وعَناء التعاسة ومُكابدَة الشكوك التي انْزلَقت وتَعَثَرت فيها أني فقدت الثقة في العالم، قبل أن آتي هنا وقعت ضحية تجربة مماثلة في البحرين مع فتاة تُدعى جوري أثناء الحرب هناك، أوْقَعتني في فخ حَمْل أيضاً، أنا أتعرض لذات التجربة هنا، كيف تراني وقتها أُواجه مصيري؟
"هل عرف جدي عن جوري حينها؟
راح تقي يحك وجهه فيما ظل يسحب في المعطف، ما أَوحَى للابن ببرودة الآخر، قفز من مكانه وجلب له بطانية وضعها على كتفة وظهره.
"لم يعرف عبدالرحيم بقصتي مع جوري وإلا حبسني، لكنه شَكَ أني، وبصراحة مقيتة أقولها لَكَ يا سفيان، كُنْت أرتاد وقتها منزلاً للدعارة تَعَرَفت فيه على جوري هذه وأوقعتني في فخها، هل تصدق وَلَعْت بها حد العِشْق.
رَجْرَج سفيان رأسه، وسكب بقايا كأسه دفعة واحدة ونظر نحو والده وسأله بنبرة المتشوق كما لو يتابع فيلماً مثيراً.
" كيف تخلصت من جوري أولاً ثم ماذا جرى مع إفيلين؟
سرح تقي بعيدأ، نظر للسماء التي كانت وقتها رمادية، بدا الفندق هادئاً ولا صوت للجلبة في الخارج من خلال الشرفة، تغير وجهه وهو يطفو بذهنه نحو تلك الحقبة من زمن جوري.
"كانت قد اخْتفت فجأة من الدنيا كلها، بحثنا عنها شهوراً عِدة من المحرق إلى المنامة، لم أَتْركَ وسيلة إلا وظفتها لمعرفة مصيرها، كان وقتها بعض فتيات الهوى يَخْتَفَيّن بسرية ثم تظهر بَعْضَهُن وبعضهن يتم فقدهن، وأُخريات وُجِدْنَّ جثثاً هامدة في البحر.
نظر الأب لساعته، وعلى إثرها نظر الآخر لساعته.
"الوقت متأخر، ثم أني لا أستطيع أن أُجاريك في الشراب، منذ فترة لم أَشرب هذه الكمية، لكن فيما يتعلق بجوري لن تصدق ماذا اكْتَشَفت عند عودتي من لندن بعد أربع سنوات ونصف؟
وَثَب سفيان من مقعده وبيده الكأس وهز رأسه متسائلاً بِلَهَف.
"لا تقل وجدتها جثة في البحر.
"أَبدً.
"ماذا؟
طرق الرجل يفكر بعيداً، بدا صافي الذهن، ماهراً في إخْفاء ما يريد وفضح ما يرغب، نظر سفيان لوالده بحميمية وقد رأى في ملامحه الثاقبة صفحات من ركام ذكريات سحيقة غائرة في العظم، رَنَا نحوه وغابت الابتسامة اللطيفة عن وجهه وحلت مكانها نظرة تأمل تستدرج الآخر للبوح.
"أنت حائر تقي بين جوري وإفيلين، أيهما تلفت انْتباهك وتتذكرها أعمق في هذه اللحظة؟
تشاغل الأب بالتفكير في فضاء غير محصور بالمكان، انتبه للصمت الذي ساد، كسره فجأة بالقول مبتسماً.
"امرأة واحدة لا تكفي واثنتان فوق الحاجة.
هز رأسه كأنه ينكر ما قام به لكنه سرعان ما عاد وأرْدف بنبرة حائرة.
"كانت جوري قريبة جداً من مشاعري وحين غادَرْت أخذت إفيلين المكانة ذاتها، ومع الوقت راحت كل منهما تتبادل مكانة الأخرى، ربما اسْتقر الأمر مع إفيلين أكثر وأهدأ، مع جوري كان الوضع كالطوفان، لكن الإنجليزية ببرودها خلقت من حولي نهراً ساكناً.
مرة أخرى انْتصَب سفيان محاولاً تغيير نمط الحديث الذي مال للكآبة التي ولدتها ملامح الأب وهو يغوص في داخله ينبش سنين العمر.
"أميل لسماع قصة إفيلين.
قطع سفيان لحظة فرار نظرة والده في الأرجاء، حين فضل سماع حكاية إفيلين، لمح فلول السنوات تتراقص على قسماته الهادئة، بدا وجهه كالطفل ساكناً ومفرطاً في الارتخاء كأن كل تلك الذكريات الصارمة التي أشْقَته عبر الزمن تَشَكلَت في سماء وردية ما زال يتذوق متعة عذاباتها.
"لن يفوتك شيء من قصتها، جوري شكلت ملحمة من حولي.
رد الابن بنبرة إصرار.
"مازلت أميل لإفيلين، أشعر أنها من روضتك.
سرح الأب ثانية واستدرك بعد ومضة تفكير.
"عندما تضيق الخيارات حولك تأكد أن ثمة خياراً واحداً قد نسيته وهو الذي يحررك من القيود، هذا ما جرى لي مع أفيلين.

***

كانت إفيلين متجاوزة ولعها به، تجاسرت حتى بعد الحمل وترفعت عن الإذعان لشغفها وقهر شعورها بمجاراة رغبتها في الاحتفاظ به، تغاضت فترة عن التودد إليه، ثم تجاهلته إثر تهديد خالتها إيما له بعد اكْتشافها العلاقة، تركته، ثم جثت عند باب غرفته مفصحة عن رغبتها فى البقاء معه حتى بدون زواج، بدأت متعلقة به كلما زاد أهلها في الضغط عليها، كاد يفقد توازنه وتختل حالته عند التخرج لدى بلوغ سنته الأخيرة، حين رأى ابنته منها التي دعتها جيني، زاد ولعه بالمرأة والبنت ذات العينين الخضراوين والزرقاوين معاً، ضحك في سره وقد تَخَيَّل عبدالرحيم المرجاني، حينما قضى الشهور في حريق داخلي متخيلاً الرجل يُحدق فيها وماذا سيرى في تلك العينين؟ هل يعترف بأن هاتين العينين لحفيدته؟
حين حل موعد العودة للديار وتراءت له سماء البحرين تأخذ لها طابع القوس قزح من خلال عيني ابنته جيني، حينما تداعت الذكريات تزهو بألوان البحر والسماء والأشرعة ونكهة السواحل، حين أجفل عند تناهي همسات النساء في المنازل العتيقة وهن ينتحبن على الغاصة الذين انزلقت بهم النعوش الملفوفة بقطع القماش لتستقر في جوف البحار البعيدة عن الديار، هذه الصور المستمدة من ذاكرة أحياء المحرق وقت كان يغزوها من أجل جوري، أعادته الذكرى بالديار لدى هبوب رياح الشمال الإنجليزية حين بدأت تلوح في الأفق ملامح العودة بعد سنوات الدراسة، وقبل أشهر من إنتهاء مهمته التي سخرها له المرجاني، زاد شغفه بالعودة وانتهز فرصة الاستعداد لها ليبدأ بالتخطيط للمهمة التي تنتظره بعدما أنجز ما عليه، لم يبق سوى عقبة تغض مضجعه وتجعله يتقلب الليل على فراشه فاقداً عقله بالتفكير في كيفية الخروج من مأزق إفيلين وابنته منها.
"كيف أُطفئ هذا الحريق؟
لاح له في أفق السماء شبح عبدالرحيم المرجاني، من أبرز رجال أعمال حقبة الحرب والاحتلال، تنامت ثروته إبان الحرب العالمية الثانية بفضل حاجة البلد وقوات الاحتلال للكثير من السلع التي كان يستوردها من الهند والعراق عن طريق البصرة، ولشدة حرصه على حفظ هذه التجارة وتنميتها اكتسب خبرة نفسية واجتماعية مكنته من نسج شبكة واسعة بين ضباط وجنود القوات البريطانية في البلاد، لم يتردد حتى في رشوة بعضهم بشيء من الهدايا المحلية الصغيرة التي كان يَنْفَحها على سبيل المكافأة نظراً لتسهيلهم أموره حتى بلغ عتبة مستشار الحكومة.
برع المرجاني في إتْقان العمل وحَذَق فيه حتى بلغ عشية نهاية الحرب العالمية الثانية من تأسيس شركته الخاصة التي أطلق عليها مجموعة المرجاني وشملت أعمالها عدة مجالات منها الآلات والأصباغ ووكالة للسيارات، صار اسم المرجاني مقروناً بالتجارة والمال، وكان وقتها يعاني من بعض الأمراض التي كانت في البداية بسيطة حتى بدأ ينتابه القلق على أمواله أكثر من صحته، كان هوسه بالمال يتغلغل لروحه التي انْفَصلَت عن كل الكائنات من حوله، وهذا ما دفعه ليعول على ابنه الوحيد الذي اشتم فيه الذكاء والفطنة الغريزية للنجاح وهو تقي الذي رغم رعونته في العلاقات وانفعالاته الحادة السريعة وتطرفه العاطفي لكن الأب رأى فيه شجاعة وجسارة في مواجهة الآخرين والتعاطي مع الحوادث، كانت نظرته لتقي تتمحور حول جرأته وفطنته ومن هنا دأب على مراقبته وتحفيزه ومن ثم توجيهه نحو عالم المال والتجارة عبر ابْتعاثه للدراسة بالجزر البريطانية مباشرة بعد نهاية الحرب، وقد سهلت له علاقاته مع قوات الاحتلال سرعة توجه تقي إلى هناك قبل حتى أن ينقشع دخان الحرب. كان عبدالرحيم قد رهن حياته وثروته وأعماله بنجاح تقي في الدراسة والعودة مخفوراً بالشهادة والخبرة المكتسبة من بلاد الإنجليز.
حينما عاد تقي في إجازة منتصف السنة الأخيرة من دراسته مع أمل احتفاء المرجاني به كأول طالب بحريني ينال تلك الشهادة من جامعة بريطانية حينذاك، واجه الرجل صدمته التي كاد يتوقف معها قلبه عن النبض حينما وضع الابن أبيه أمام الأمر الكارثي وهو يعترف له بأنه متزوج من فتاة بريطانية وأنجب منها فتاة وجاء يستأذنه في تسهيل عبورها البحار معه لتستقر هنا في البحرين، واجهه بالأمر مضيفاً عليه التزامه بحمل المولودة اسمه راضخاً منذ بداية السنة الأولى وقد اضْطر لإخفاء الأمر طوال الوقت احتراماً والتزاماً منه لمشيئة الأب في ضرورة إكمال دراسته، وقف أمام المرجاني بعد يوم من وصوله المنزل إثر رحلة شاقة بالطائرة عبر الهند وعَقِب هبوط اضطراري بالمنطقة الشرقية من السعودية، انتصب أمام والده دون ذعر نزعه عنه قبل حضوره، ورد عليه إثر توبيخ الأب له قائلاً بنبرة استسلام لا يغلفها الخوف.
"أردت تحمل المسئوليتين، مسئولية إكمال دراستي ومسئولية الاعتراف بخطئي الذي ولد عن نزوة ما لبثت أن أصبحت واقعاً، لقد أكملت دراستي بتفوق غير مسبوق أبي، لكني أمامك أتحمل تبعات ما اقترفته.
بدت تلك اللحظة أمام الأب وكأنها نهاية الحلم، حتى مع نتيجة التفوق برزت الواقعة أمامه وكأنها اختبار وضعه القدر فيه ورأى من خلاله مصير الأموال والأعمال بين يدي الابن، كانت هناك فتاة وشابان في العائلة غير تقي ولكن الأب قد وضع رهانه في الابن الأصغر الذي بدا له أفطن من غيره وها هو القدر يمتحنه بمواجهة وضعٍ لم يدر بخلده، لم يكن أمامه تلك الليلة إلا أن يتجرع بضعة كؤوس من الويسكي الإيرلندي الضاري الذي دأب أحد الضباط الإنجليز على تزويده به بين فترة وأُخرى، ومنه استمد تقي ولعه بالشراب من قبل أن يسافر للدراسة حينما كان يتسلل لغرفة الأب ويبحث عن الزجاجات المفتوحة ويجرب احتساء بضع قطرات وقد صادف أن ضبطه الأب وأنبه ولكن ما لبث أن عاود الابن الكرة، قام بعدها الأب بإخفاء الزجاجات من الغرفة، كان يدرك طبيعة العاطفة الجياشة والشرسة لتقي ورغم ذلك تمسك بالرهان عليه في أن تؤول إدارة الأموال والتجارة إليه لكونه المؤهل لذلك الحمل، فقد كان أخواه بسيطين وعفويين ورأى فيهما طبيعة انقيادية لتقي الذي بدا منذ الطفولة وما بعدها مهيمناً على شقيقيه وخشيتهما من سلوكه الذي يَتَجَلَّى في لحظات الغضب عدوانياً، ولشدة ما عانت جوري من هذه العدوانية التي لاحت في ضربه لها مرات عدة. كانت تلك الأمسية التي اعترف بها تقي خانقة ولكنها حررته من مأزق العلاقة بالأب وخشيته أن تتحطم تلك الروح التي يحملها تجاه المرجاني، لم يرد تقي أن يفقد الأب ثقته فيه وهذا ما دفعه بعد أيام من عودته حينما تسنت له الفرصة لدى رؤية والده يركب السيارة مع السائق، سارع بحركة مباغتة منه ونزع المفتاح من يد السائق وقاد السيارة بدلاً منه نحو العمارة التي يقع فيها مكتبه، كان المرجاني قد تعمد تجاهله خلال الأيام المنصرمة، وجدها الابن فرصة وهو يقود السيارة لكسر حاجز الصمت بينهما حيث بادر تقي بالقول بنبرة واثقة وهو يقود السيارة وينظر في المرآة للأب القابع في المقعد الخلفي كعادته حينما يركب السيارة.
"السيارة بحاجة لصيانة، يبدو أنها من فترة لم تتم صيانتها.
كانت تلك لفتة ذكية منه لعلمه مدى تعلق الأب بالسيارة واهتمامه بها، التقت عينا الإثنين في المرآة وسرعان ما سرح الأب نحو الخارج متجاهلاً عبارة الآخر، الذي ما كاد يشعر بخيبة أمل من تلك الحركة حتى فاجأه صوت الأب بنبرة هادئة جافة ولكنها جاءت متفاعلة مع ردة فعل غير متوقعة.
"كيف صرت تفهم في السيارات؟
فرصة سقطت من السماء على رأسه، اعتدل في جلسته وركز نظره بين الطريق والمرآة ثم رد على أبيه بلهجة تعمد أن يغلفها بثقته من نفسه رغم ما ارتكب من حماقة في نظر والده.
"تعلمت هناك أشياء كثيرة منها مشاكل السيارات.
رد الأب بسرعة وبنبرة ساخرة وجد فيها تقي رغم تهكم الآخر فرصة في إذابة الجليد الذي ذَكَرهُ بجليد الصباح الذي يسد عادة باب غرفته قبل أن يخرج في الصباح باكراً للكلية.
"ألم تتعلم أيضاً أن تتحكم في غرائزك وتركز على ما يهمك؟ كيف أعتمد عليك بعدما خيبت أملي؟ الحياة ليست مجرد فقاعة ولا ورقة لعب، الدنيا ليست شراع سفينة تبدله كلما تبدل اتجاه الريح، تعلم أن تقف على مستقيم ولا تنحرف عنه مهما تبدلت الريح، وما فهمته من ورطتك أنكَ لم تواجه رياح التغيير بصرامة؟
"ما تأمرني فيه سأنفذه، سأصلح خطئي كما تراه لكن دعني أختار مصيري مع تعهد مني ألا يؤثر ذلك على أدائي العملي، اخْتبرني يا أبي وسأكون عند حسن ظنك، لقد أفادني ما وقع لي، اسْتفدت من خطئي هذا بأن جعلت منه وسيلة للعمل والإستثمار في لندن، سَيوفر عَلَيَّ ذلك الكثير بحصولي على الجنسية البريطانية وهي جواز مرور للأعمال.
تلك العبارة الأخيرة من كلامه والمتعلقة بالجنسية البريطانية والأعمال غيرت فجأة من مزاج الرجل وأعادت رسم خريطة حساباته التي انعكست في تغير ملامحه لأول مرة منذ عودة تقي المرجاني، لم تخطر ببال الرجل ورقة الجواز البريطاني، قَوَّضَت الفكرة موقفه رأساً على عقب وظهر وجهه المالي الحقيقي الذي يقيس به المصالح بعيداً عن العواطف، صمت لوهلة وكأنه يتجنب إبراز التغيير في الموقف بحسب المصلحة ولكنه لم يصمد أمام شعوره بالزهو وهو يدرك بأن هناك من سيمثله في لندن ويملك الجنسية البريطانية، حتى إنه فكر في مد مصالحه إلى هناك من خلال بيع وشراء بعض العقارات والمصالح.
"هل نلت الجنسية بالفعل؟
"انْتهَيت من الإجراءات الأخيرة وقد صدرت الإقامة الدائمة منذ سنة ونصف السنة وسوف يصدر الجواز هذا الشهر لدى عودتي.
سرح المرجاني من نافذة السيارة، كان هناك تيار هواء خفيف راح يداعب شعيرات رأسه البيضاء، كان يرتدي بذلة سوداء وقميصاً بني اللون على غير عادته في الصباح حينما يرتدي الثوب والغترة والعقال، بدا الأمر لتقي بأنه على علاقة بمزاج الرجل أو بمن سيقابل من أصحاب المصالح، اعْتاد عبد الرحيم المرجاني مقابلة أفراد العائلة الحاكمة بالثوب والغترة ومقابلة أفراد الجيش البريطاني بالبذلة الرسمية وهذه الازدواجية كان ينظر لها تقي باعتبارها تفسيراً لشخصية الرجل الذي يعرف من أين تؤكل الكتف.
"لا أستطيع أن أُطَلْقها ولا أستطيع أن انْفَصل عنها ما دامت ترعي ابنتي الصغيرة وهذا عيب الشرط الذي وقعته مع خالتها ووثقته.
لم يكن يتوقع تقي من والده أن يقول شيئاً لم يخطر على باله كتلك العبارة الصاعقة التي نزلت على رأسه كقنبلة يذكر صوتها جيداً منذ وصوله لندن قبل سنوات حينما تم تفجير بعض القنابل التي لم تنفجر خلال الحرب والتي ألقت بها الطائرات الألمانية.
"هل هي جميلة؟
ابتسم الابن في سره وأدرك أن الرجل وقع في الفخ، رد بعبارة يكسوها الخيلاء.
"أجمل من الجمال أبي.
"تقدر أن تجلبها معك البحرين إن شئت، من يعلم؟ قد تكون حفيدتي إنجليزية وتحدث فرقاً في العالم، الله يضع سره في أضعف خلقه، إتكل واحْضرها مع ابنتك، ماذا أطْلَقت عليها؟
"جيني.
رد الأب وكأنه قرر منذ الآن التدخل وتقرير مصير حفيدته.
"جميلة، اسمها جميلة وسنصدر لها جوازاً بحرينياً أيضاً.
سرح الأب وانْفرجت أسارير الابن وتبدى له عبدالرحيم المرجاني ملاكاً بعد أن كان حارساً للفضيلة الأرضية، كاد يفزع وهو يتخيل ابنته الصغيرة ذات الوجه البرتقالي الشكل والبشرة البيضاء كالحليب والعينين السماويتين اللون، تهيئها وهي تجلس في حضن جدها المنامي الذي ينتمي للعاصمة المنامة بما تمثله من وجه البلاد المدني فيما تبدو الصورة غرائبية بين حضارتين وعالمين وثقافتين، رَجفَ قلبه لوهلة وكاد يفلت المقود من يده وهو يتحين فرصة التوقف عند باب العمارة، كانت هناك بعض الأخشاب والمواد المغلفة بأكياس الخيش تسد الطريق وتضيق بالمكان، حينما توقفت السيارة وخرج منها عبدالرحيم لاذ الابن بالفرار بعيداً عن واجهة المكان، توقف عند فسحة فارغة على بعد أمتار من العمارة، أشعل سيجارته وفتح نافذة السيارة وهمس لنفسه بعبارة حملت البهجة.
"أصْبحْتُ أملك العالم.
في اليوم التالي ذهب تقي لمركز الاستعلامات التابع لمقر جيش الاحتلال بتوصية من والده وهناك قابل أحد الضباط وسلمه صيغة التلغراف الذي سيرسله للندن وفيه "عبارة"welcome to Bahrain Evelyn
كانت تلك البرقية إلى إفيلين تبشرها اسْتِجابَة الرجل الكبير لشغف ابنه وهو ما يعني بداية حقبة تقي المرجاني، في تلك اللحظة طفا فجأة على سطح ذهنه طيف جوري.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,853,799,694
- تجليات روائية، تشيخوفية
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (21)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (20)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (19)
- -خريف الكرز- رواية مُنعت في بعض الدول. ج (18)
- -خريف الكرز- رواية مُنعت في بعض الدول. ج (17)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (16)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (15)
- PDF الرواية والمثلث المُحرم...!
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (14)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (13)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (12)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (11)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (9)
- -خريف الكرز- رواية مُنعت في بعض الدول. ج (9)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (8)
- هل يكون الكاظمي بوابة الساعدي القادم أم يصبح أتاتورك العراق؟ ...
- ثورة كورونا في طور التشكل...
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج(7)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج 6)


المزيد.....




- بلاغ حكومي: المغرب سيتخذ ما يلزم للدفاع عن أمنه القومي وعلى ...
- هاشالو هونديسا: الفنان الإثيوبي القتيل الذي غنى للحرية
- فيلم فرنسي من عام 1947 تنبأ بشكل غريب بواقعنا الحديث
- كشف الحالة الصحية للفنان العراقي إحسان دعدوش عقب إصابته بكور ...
- المعارضة تستفسر عن مصير الشطر الثالث من دعم كورونا
- بعد سقوط 80 قتيلا.. الجيش الإثيوبي ينتشر في شوارع أديس أبابا ...
- العثماني يقفل باب التوظيف
- الطاقم الطبي المعالج للفنانة رجاء الجداوي يعلن دخولها مرحلة ...
- القوانين الانتخابية..عبد الوافي لفتيت يلتقى قادة الأحزاب الس ...
- أول فنانة عربية تصل إلى مطار بيروت بعد فك الحظر


المزيد.....

- ( قراءات في شعر الفصحى في أسيوط ) من 2007- 2017م ، دراسة نقد ... / ممدوح مكرم
- دراسات فنية في الأدب العربب / عبد الكريم اليافي
- العنفوان / أحمد غريب
- العنفوان / أحمد غريب
- السيرة الذاتية لميساء البشيتي / ميساء البشيتي
- السيرة الذاتية للكاتبة ميساء البشيتي / ميساء البشيتي
- الوجه الآخر لي / ميساء البشيتي
- لغز إنجيل برنابا / محمد السالك ولد إبراهيم
- رواية ( الولي الطالح بوتشمعيث) / الحسان عشاق
- سارين - محمد إقبال بلّو / محمد إقبال بلّو


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد جمعة - -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (22)