أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - السموأل راجي - كُورونا، كُوبا والأُمَـــمِـــيَّة الطبيَّة















المزيد.....



كُورونا، كُوبا والأُمَـــمِـــيَّة الطبيَّة


السموأل راجي

الحوار المتمدن-العدد: 6526 - 2020 / 3 / 30 - 20:49
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


مُقدّمَة:
لِيَتَحَمّل الأزمَة الــمُتَسَبِّبُون فِيها، ويكفِي نُباحًا عن التبرُّع والحجز الذّاتِيّ الإلزامِيّ، فلو دفَعَ الـمُلُوك والحُكّام جُزْءًا فقَط من الأموَال الـمُدَّخَرة والـمنهُوبة من الشُّعُوب الـمُفَقّرة لتحسِين خدمَات مُستشفيات القِطاع العامّ الـمُخَرّب قَصْدِيًّا، ولو تمّ اتّخاذ إجراءات لفائِدة الـمُفَقَّرِين الـمُهَمَّشِين ومنحهم حتّى رواتِب أزمَة مع سَلّة غِذائِيّة وزيارات طبيّة مجانِيّة، لما غادَر أحد مقرّ سُكنَاه، أمّا أبواق الدّعاية البورجوازِيّة الصّغِيرة حامِلة شعارات "ابقَ بالبَيْت" أو الدّاعِيَة للتبرُّع أو الغاضِبَة على عُمّال وأفراد طبقَات مسحُوقة غادرُوا بيُوتهم اضطِرارِيًّا حتّى لا يمُوتُوا جُوعًا، فالأمرُ بسِيط، اذهبُوا للعيْش في منازِل أولِئك الـمنهُوبِين وامنحُوهم الفُتات الذِي تتكرّم بهِ البورجوازِيّة الكُبرَى عليكُم، ولن يغادرُوا منازِلهم الجدِيدة، فايرُوس الـــSARS Cov-2 الـمُتَسَبِّب في مَرَض الــCovid-19 والـمعرُوف اختِصارًا باسم كُورونا، بالتّأكِيد مرَض، لهُ علاجات مُتعدّدَة، ولكنّه لا يزَال عَصِيًّا إذا ما كان حامِلُه من أصحاب الأمرَاض الـمُزمِنَة أو الصُّعُوبات التنفُّسِيَّة، وخُطُورته في انتِقال العدوَى السّرِيع، وبإجراءاتٍ وقائِيّة بسِيطة مع توعِيَة هادِئة يُحَلّ الـموضُوع مع هوامِش خَطَأ أو انفِلات وارِد جِدًّا حُدُوثها، ولنَا في كُوبَا مِثال.
لَــم أندَهِش من تصرِيح وَاجهة وَكْر المافِيا الـمُسَـمّى "وزارَة الخارجِيَّة الأمِيركِيّة" بِتارِيخ 28 مارِس/آذَار 2020 الــمُنْتَقِد للتّعاوُن الطبِّي الكُوبِيّ إذ تعتقد العِصابَة أنّ أطبّاء البِعثَة يتقاضَوْن أُجُورًا زهِيدَة ويعملُون في ظُرُوفٍ قاسِية!، ولم أعلَم من قبْل أنّ الوِلايَات الـمُتّحدَة لعِبَت دوْر نقَابة أطبّاء الصحّة العامَّة، طبعًا كان الردّ الكُوبِيّ فورِيًّا حيث وصفُوا "الإدارة" الأمِيركِيّة بِــمَا تستحِقّ قائِلِين: "عِنْدَمَا تُهَدِّد الجائِحَة الجمِيع، فإنّه أوَان التّضَامُن ومَدّ يد الـمُساعَدَة لِــمَن يحتاجُهَا"؛ لا غرابَة في القهر الذِي تشعُرُ بِه طُغمَة واشنطُن خاصّة مع توالِي ارتِفاع أعلام الصِّين ولافِتات ترحِيب برُوسيَا وتصفِيق وتهلِيلٍ لأطبّاء كُوبَا في أوروبا وأمِيركا اللاّتِينِيّة وآسِيا وافرِيقيَا، وهذَا ما يدفَع للبَحْث في ما وُضِع فعلِيًّا تحت دائِرة الضّوء العالمِيّ، أي سِياسة التّضَامُن الأمَمِيّ الطبيّ الكُوبِيّة، والتِي يصِل البَعض لِتسمِيتها ديبلُوماسِيَّة الصحّة.
تَــمْهِيد:
أين السرّ؟ الحقيقة هي أنّ رأس المال البشريّ يمكنه القِيامَ بأكثَر مِـمَا يقُوم بِه رأس المَال النَّقْدِيّ، إذ لا يقتصِرُ فعلُه على مُجرّد الـمعرِفَة، وإنّـمَا يشمَل وبشكلٍ رئِيسِيّ الكفاحِيّة والضّمِير والتّضَامُن والأخلاَق الثّورِيّة والتّضحِيَة مع إمكانِيّته القِيام بالكثِير، وبإمكانِيّاتٍ ماديّة قلِيلة جدًّا "من خِطاب ألقَاه فِيدل كاسترُو يوم 20 آب/أغسطُس 2005، في تخرِيج الدُّفعة الأولَى من المتفوّقِين فِي المدرسة الأمِيركيّة-اللاّتِينِيّة للطبّ، من مسرح كارل ماركِس داخِل الكُليّة.
في نِيسان/أبرِيل من سنَة 2012، كانَ خارِج أرَاضِي جزِيرَة ثورَة فِيدِيل ورِفاقِه في حرَكة 26 آيار/مايُو، وبالتّحدِيد، 38868 مُختصّ في الصحّة من أعوان مخابِر ومُمَرّضِين وتقنِــيِّـي أجهِزَة وخُبراء صيْدَلَــــة إضافةً لِـــ15407 طبِيب من كافّة الاختِصَاصَات يعملُون في 66 دَوْلَــة؛ في افرِيقِيا، وبِصِفةٍ دائِمَة، يتواجَد قُرابَة ثلاثَة آلاف طبِيب قارّ مُوَزّعِين على 35 دَوْلَة من أصل إجمالِيّ 54 دوْلة في كُلّ القارَّة، وطبعًا إبّان أزمَة وباء الإيبُولا Ebola ربِيع 2014، تضاعَفَت الأعدَاد كمَا سنأتِي عليهِ فِيما بعد، أمّا في فينزوِيلاّ فبلَغ الأرقَام أكثر من ثلاثِين ألف، لقَد أسمَى فِيدِيل هذِه البِعثَات مُنذ ستِّينِيّات القرن العِشرِين بِــــ"الأُمَــمِــيَّة الطبيَّة"، النّقِيض الأساسِيّ لسياسة خصخصَة الطِبّ ورَسْمَلَتِه واحتِكارِيَّة انتَاج الدّوَاء وباختِصار كبدِيلٍ إنسانِيٍّ عن طِبّ من يدفَع أكثَر والعِلاج مُقابِل الرِّبح، الطبّ الإمبريالِيّ كما عنوَن بِه كتابَهُ دافِيد أرنُولد.
هذَا السُّلُوك والتوجُّه وحتّى العقِيدَة التِي أصبَحَت تُعرَف في زمَن الكُورُونا بِـــــ"الظَّاهِرة الكُوبيَّة"، والــمُسَـمَّاة في دوائِر صُنع القرار في هافانا بِــالأُمَـمِـيَّة الطبيَّة، ليسَت حدِيثَة العَهد بالـمرَّة، فمُباشرةً، وبعدَ سنةٍ واحِدَة من ثورةٍ أطاحَت بحُكم العرِيف فولجانسيُو باتِيستَا (Fulgencio Batista) الـمدعُوم أمرِيكِيًّا باعتِبَار أنّ 75% من الأراضِي والكازِينُوهات والفنادِق والموانِئ مملُوكَة من قِبَل شركَات أمرِيكِيّة والذِي رقَّى نفسَهُ مُباشرةً لرُتبَة عقِيد، وتحدِيدًا بعدَ وُقُوع أقوَى زِلزَال سُجِّل يومًا على سطح الأرض، فِي يوم الأَحَد 22 آيار/مايُو 1960، في التّشِيلِي، الحدَث الـمعرُوف عالمِيًّا باسم زِلزال فاليديفيا (Terremoto de Valdivia) والذِي عقبتهُ موجة تسُونامِي هائِلَة، تسبَّبَت فِي دمارٍ لا مثِيل لهُ، وعلى الرّغم من أنّ الرّئِيس آنذَاك كانَ خورخِي ألسّندرِي (Jorge Alessandri Rodríguez) اليمِينِيّ والـمُعادِي للثّورة الكُوبيّة، قرَّرَت كُوبَا إرسَال بعثَةٍ طبيّة للإغاثَة ساهمَت بشكلٍ فعّالٍ في العِلاج وحملَت معهَا خِيامًا وأطعِمَة ولقاحَات ضدّ موجة الملارِيا الـمُنتشِرَة، أمَّا في سنة 1963، فقَد كَان المِئات من الأطبَّاء إضافةً للإدارِيِّين فِي قِطاع الصحّة العامّة وأطقُم التّمرِيض هُم أوّل من نَزَل الجَزَائِر بعد استِقلالِها الدّامِي ليقُومُوا حَرْفِيًّا بإنشَاء منظُومة الصحّة العامّة في البِلاَد، والتِي بقِيَت مُتَطَوِّرة إلى أن أُدْخِلَت سياسات الرَّسْــمَلَة و"الانفِتاح" وهُو عمَلِيًّا اغتِيال وانغِلاق اقتِصادِيّ في بدايَة الثّمانِينَات ليشملهَا الإهمَال، ولا تزَال لغايَة هذِه اللَّحظَة بقايَا من تِلك البعثَة عامِلة ومقرُّ إدارتها في مُستشفى طِبّ العُيُون صداقة الجزائِر كُوبا بمنطقة الجلفَة، وعدد الأطبّاء الكُوبِيُّون في 2020 في الجزائِر قُرابَة 50 ألف طبيب كمَا أقرّ بذلك رئِيس البعثَة انطونيو دايز ماشادو، يعملُون بمُوجِب اتّفاقَات تمّ تجدِيدُها سنَة 2018 في ما يُعرَف بِـــــــ"النّفط مُقابِل الخدَمَات الصحيَّة".
وباطِّرادٍ، تزَايدَت أعدَاد البِعثَات الطبيَّة الكُوبيّة للخارج حتّى وصَل من شارَكَ فيهَا سنة 2019 إلى حواليْ 150 ألف عاملٍ صحيّ من طبيب وأعوان مخابِر وتقنِيِّين ومُمَرِّضِين وخُبراء تصنِيع أدوية، وهُو رقمٌ مُذْهِل إذ تجاوَز أعدَاد ما أرسلَتْهُ مجمُوعة الأغنِياء الثّمانِيَة (G8) مُجـتَمِعة.
إذَا ما أردْنَا التّحقِيب التارِيخِيّ، فإنّ الأُمَـــمِـيَّة الطبيَّة الكُوبِيّة مَرَّت بِثلاث مراحِل:
- السّنوات الأولَى من ارسَاء البنيَة الثّورِيَّة للدّولَة على أنقَاض حُكْم العمِيل الـمُطاحِ بِه، وتتجلّى الـمُساهمَات أساسًا في بعثَاتٍ على شاكِلة الإغاثَة في التّشِيلِيّ أو إرسَاء منظُومة صحيّة في الجَزَائِر
- نهايَة الستِّينات إلى نهايَة السّبعِينات، وفِيها بالفِعل طوَّرَت هافانَا واحِدَة من أقوَى البُنَى الصحيَّة في العالَم بعد عوْدَة آلاف الطّلبَة من كُليّات الطبّ في الاتّحاد السُّوفياتِيّ ودُوَل حِلف وارسُو، وبِناء الـمُستشفَيَات التخصُّصِيّة والـمُختبرات ومراكِز البَحْث، لِــتُعْقَد اتِّفاقِيَّات قويَّة خاصّةً مع دُول افرِيقِيا جنُوب الصّحرَاء في التّعاوُن الصحِّي.
- فترَة التّسعِينَات والتِي سبقتهَا الـمُساهمَة الطبيَّة الكُوبيّة في إغاثَة منكُوبِي حادثَة انفِجار مُفاعل تشرنوبل سنة 1986، وفِي هذِه الفَتْرَة، طوَّرَت كُوبَا اتفاقِيّات كُبرَى جعلَت منهَا البلَد الأوّل في الاسهَام الصحِّي في أمرِيكا اللاّتِينِيّة ومنطقة الكارِيبِي رغم الــمُعارَضة الهستِيرِيّة من الولايات الـمُتّحِدَة والتِي وصَلَت لِحَدّ فَرض عُقُوبات أو الإطاحَة حتّى برُؤساء منتخبِين، إلاّ أنّها فشِلَت في القِيام بِــما تقُوم بِه هافانا خاصَّةً بعد توالِي أعاصِير مثل اعصَار أندرو (Hurricane Andrew) في آب/أغسطس 1992، اعصَار غوردن (Hurricane Gordon) في نوفمبر/تشرِين الثّانِي 1994، إعصَار جورج الذي دمّر هايتِي في أيلُول/سبتمبر 1998 والذِي لَحِقَهُ آخر أشَدّ هولاً هُو إعصار ميتش (Hurricane Mitch) في أكتوبر-نوفمبر من نفس السّنَة، ونتِيجة تِلك الـمُساهَمَة، أصبحت الكتائِب الطبيَّة (كما تُسَمّى البعثات للخارِج في كُوبا) أكفَأ وَحَدَات طبيَّة قادِرة على العمَل في ظِلّ الكوارِث الطّبِيعِيّة والأوبِئَة في العالم مِمّا انجرّ عنهُ التّوقِيع الفورِيّ على عُقُود استِفادَة من قِبَل كُلّ دُول تِلك الـمنطقَة التِي جرّبَت معنَى وُجُود فِرَق كُوبيّة تعمَل في الأحيَاء والقُرى البعِيدة ومن بيتٍ لِبيْت وتُقِيم مستشفيات سرِيعَة بنفس الكفَاءة التِي تعمَل بِها في مُستشفيات تخصُّصِيّة وقاعَات الجِراحة الـمُعَقَّدَة والطبّ الوِقائِيّ، حتّى أنّ هُناك مناطِق في افرِيقِيا وأمريكا الوُسطَى لم يَرَى سُكّانها أطِبَّاءً قبل قُدُوم وَحَدَات الطّوارِئ الكُوبيّة، ومُباشرَةً سنة 2005، تشكَّلَت رسمِيًّا إدارَة خاصَّة سُمِّيَت تَيَــمُّنًا باسم شابٍّ من نيُويُورك يُعَدُّ أحد أبطَال حرب الاستِقلال الكُوبِيّة في نهايَة القَرن التّاسع عشَر هنرِي رِييف (Henry Reeve)، وتُعرف بِـــاللِّوَاء الأُمَــمِيَّ للأطبَّاء الـمُتَخَصِّصِين في حالاَت الكوارِث والأوبِئَة الخطِيرة (Contingente Internacional de Médicos Especializados en Situaciones de Desastres y Graves Epidemias)، والتِي كتبَ عنهَا فِيدِيل كاسترُو مقالاً بتارِيخ 1 ينايِر/كانون الثّانِي 2011 ليُلخِّص عملها ، وأدعُو للاطِّلاع عليه.
شَرْق مدِينَة هافانَا، وتحدِيدًا على بُعد 19 كيلُومتر، تقَعُ محطّةً استِشفائِيّة صحيّة ومقرّات دِيبلُوماسيّة وإقامَات لبعثات طُلاّبِيّة أجنبِيّة، في منطقة تارَارا (Tarará) التِي كانَت قبل الثّورَة أكبَر مبغَى "ترفِيهِيّ" في العالَم، في ذَلِك الـمرْفَق، وابتِداءً من آذَار/مارس 1990، بدأ تدفُّق حوالي 26 ألف أوكرانِيّة وأوكرانِيّ مُعظمهُم أطفال، استقبلَ أوّل فوجٍ منهُم فِيدِيل بنفسِه، وتكفّلَت هافانا بعِلاجهِم مجانًا بِـمَا فِي ذلك الاعفَاء من تكلُفة التنقُّل، وعلى الرّغم من تفكُّك الاتّحاد السُّوفياتِيّ وفِقدان كُوبا شرِيك في التّجارة الخارجِيّة بنسبة 80% ممَّا أدَّى لفِقدان قُرابة 30% من اجمالِيّ النّاتِج الـمحلِّي الخام، فقَد واصَلت الحُكُومة الثّورِيّة التِزامهَا الـمُكْلِف جدًّا تجاه أطفال تشرنُوبل ولم تتخلَّى عنهُم إلى درجَة أنّها دفعَت تكالِيف إعادتهم لبلدهِم بعد استِكْمال علاجهم التامّ، وتولَّت أطقُم مُختصَّة تنظِيم دورَات تعلِيمِيّة وترفِيهِيّة لهُم، احصائِيًّا تمّ عِلاج مَا مجمُوعه 21،874 طفلاً و 4،240 بالغًا في كوبا ، منهم 19،497 دُون سن الرّابعة عَشَر ، وكانت أكثَر الحَالات شُيوعًا تتعلّق بمشَاكل الجهَاز الهَضميّ والغُدَد الصمّاء (Endocrine glands) وأمراض الرِّئَة.

الأمَمِيّة الطبِّية الكُوبِيّة حول العالَم
عِلاوَةً على التدخُّل الـمُباشِر والفورِيّ، يُدَرِّب الكُوبِيُّون عشرَات الآلاف من الأطبّاء والكادِر شبه الطبِّي، و يُدَرِّسُون في معاهِد وكُليّات الطبّ لِــــ15 دَوْلَة في العالَم إلى غايَة 2005، ثُمّ أصبَح العَدَد 19 دولَة في 2018، بِــمَا فِي ذلِك اليمن الجنُوبِيّ السّابِق(1976) وواصلُوا العمَل حتّى بعد اتّفاق الوِحدَة بين الشّطرَيْن الـمُوَقّع في 22 مايُو/آيار 1990، غوَايانا (1984) ، اثيُوبيا (1984) ، أوغندَا (1986) ، غانَا (1991) ، غامبِيا (2000) وغِينيا الاستوائية (2000) وهايتي (2001) وغينيا بيساو (2004) وتيمور الشّرقية (2005).
تَسَبَّب اعصَار ميتش كما سبَق وذكَرت فِي دمارٍ هائِل، إذ كان من الدّرجَة الخامِسَة وامتدّ طِيلة 18 يومًا وتسبّبَت الأمطَار القوِيّة في فيضانَات وانهيَارَاتٍ طِينِيّة ومقتَل 9 آلاف وسُجِّل 20 ألف مفقُود فِي كُلٍّ من الهندُوراس، نِيكاراغوا، غوَاتيمالا، السّلفادور، وشِبه جَزيرة يوكاتان (Yucatán) الـمكسِيكِيّة، ناشَدَت حُكُومات تِلك الدُّوَل الـعالَم ولم تتقدّم إلاّ مُساعدَات خجُولَة بعضها من منظّمَات تطوُّعِيّة، أو الجيْش الفرنسِيّ الذِي أقام خيمَةً صحيّة ونشَر ألف جُندِيّ!!، والصّلِيب الأحمَر، والـمُساهمَة الأبرَز كانَت من كُوبَا، قبِلَت حُكُومات كُلٌّ مِن الدومينيكان وهندوراس وغواتيمالا وهايتي وبليز الـمُساعَدَة فورِيًّا رغم الانذَارَات الـمُوجّهَة من الوِلايات الـمُتّحِدَة، ورَفَضَت حُكُومة نِيكاراغوا الـمُساعَدة في البِدايَة، ولكِن بعد خِذلان واشنطُن لهَا، قبِلَت الدّعم الكُوبِيّ رغم أنّها أكبَر مُعادِي للثّورَة الكُوبِيّة، وكانت نِيكاراغوا تحت حُكم المافيُوزِي أرنولدُو ألِيمَان (Arnoldo Alemán) الـمُكَلّف بِتَبْيِيض أموَال عائِدات تِجارة الـمُخدِّرات التي تُشرِف عليهَا الاستِخبارات الأمِيركِيّة فِي أمريكا اللاّتِينِيّة، وحالِيًّا يُواصِل قَضَاء عُقُوبة السّجن لمُدّة 20 عامًا بعد قِيام حُكُومة الجبهَة السّاندِينِيّة (Frente Sandinista de Liberación Nacional) من جدِيد فِي نوفمبر/تشرِين الثّانِي 2006، وبعد أن كانَت أطاحَت بِها القُوّات الخاصّة الأمِيركِيّة وأموال الاستخبَارات في 1990، على الرّغم من أنّ مَحكَمة العَدل الدُّوَلِيّة في لاهاي أدانت الولايات المُتّحِدَة وغَرَّمَتْهَا مبلغ 17 مليَار دُولاَر بسبب تخرِيبها وأعمَال القَتْل وتموِيل عِصابات الكُونترا في نِيكاراغوا، طبعًا المبلَغ لم يُدفَع للآن.
أرسلَت هافانا لِواءً طبيًّا من ألفَيْ طبِيب مُرْفَقِين بأطقُم شبه طبيّة ومُعدّات وأدوِيَة، ليتصاعَد العَد إلى تِسعة آلاف استقرُّوا فِي الـمنَاطِق الـمنكُوبَة، وكانَت بالفِعل مهمَّة مُختلِفَة عن مهمّاتٍ شبِيهة في أنغُولاَ أو أثيُوبيا أيّام الحُرُوب، فقَد تمّ اتّخاذ القرَار بِــمُساعدَة البُلدان الـمُتَضَرِّرَة حتّى تتمكّن من مُساعَدَة نفسِها بِنفسِها في مراحِل لاحِقَة، وقد أدَّى ذلِك إلى تدرِيب الآلاف من الشّباب الأميركِيّ-اللاّتِينِيّ في كُوبا ليتحوّلُوا إلى أطِبَّاء يُعالجُون شُعُوبهم؛ وابتِداءً من سنَة 1999، وفِي حيّ السّانتا في (Santa Fé) التّابِع لبلدِيّة بلايا أي الشّاطِئ (Playa) غَرب العاصِمَة الكُوبِيّة، تأسَّسَت المدرَسَة الأمريكِيّة-اللاّتِينِيّة للطبّ (Escuela Latinoamericana de Medicina (ELAM)) لتفتَح أبوابَها لطلبَة الـمناطِق الأكثَر عُرضَة للجوائِح والكوارِث الطّبِيعِيّة، وتشترِط في قبُولهِم الأُصُول الطبقِيّة الـفقِيرَة، ونِصف مُنتسبِيها من الفتيات والنِّسَاء، فِي سنَة 2013، كَان عدَد الطّلبَة الـمُسَجّلِين 19550 طالِبَة وطالِب من 110 دَوْلَة، منهُم 91 طالِب بالمُناسبَة من الوِلايات المُتّحِدَة لم يتمكّنُوا من دفْع مصارِيف تعلِيمهم في بلادِهم، الرُّسُوم الدِّراسيّة والإقَامَة والطّعام مجانًا، وتُقدّم مِنحَة مالِيّة صغِيرَة، لتكُون بِذَلك أكبَر مدرسَة للطبّ في العالَم أقامَتْهَا دولة يومًا بشكلٍ كُليٍّ للأجانِب، إذ لا يدرُس فِيها أي كُوبِيّ، فهؤلاء لديهِم جامِعاتهم ومعاهدهم، وسنوِيًّا يُسَجّل 1500 طالِبة وطالِب جدِيد/ة، فِي حِين أنّ أكثر من 9 آلاف طالِب يدخُلُون الدّورة التّكوِينِيّة التخصُّصِيّة بعد إنهاء عامهم السّادِس وتخرّجهم، وبرهَنَت المدرسَة قُدرتَها الفائِقَة على التدخُّل والعِلاج والبحث العِلمِيّ وتوفِيرِه لمن لن يقدِر على التمتُّع بِه لولاَ ذلِك الـمَرفَق الأُمَمِيّ الضّخم، إضافَةً لما سَبَق، يُطَبِّق أكثَر من 20 ألف مُتَدَرِّب أجنبِيّ فِي كُوبَا برنامجًا تطبِيقِيًّا ميدانِيًّا في عدِيد البُلدَان المنكُوبَة أو الـمُحتاجَة حيثُ تمّ تكيِيف التّدرِيب مع الظُّرُوف الـمحليّة والاحتِياجَات الـمُحَدَّدَة لكُلّ بلد.
سِياسَة المدرسَة مُسـتَمَدَّة من النّهج الأُمَمِيّ للدّولَة الكُوبِيّة، فهِي تقُوم بشكلٍ مركزِيٍّ على تدرِيب طُلاّبٍ لم يكُن بإمكانِهِم أن يُصبِحُوا أطبّاء في بُلدانِهِم نتِيجَة الفقْر أو المحسُوبِيّة أو منظُومات التّعلِيم الطبقِيّة أو نتِيجَة ضُعف كفاءَة البُنَى التّعلِيمِيّة، وبالتّالِي لدَى عودتِهِم لأوطانِهم يستقِرُّون ويُساهمُون فِي مُكافحَة الأمرَاض ويكُونُوا حاجِزًا أو مانِعًا أو تعوِيضًا عن موجَات سَرِقَة الأدمِغَة من الأقطَار الامبريالِيَّة، وتتكوَّن داخلهم مناعَة ايديُولوجِيّة ضِدّ "طِبّ الأثرِياء" أو "القِطاع الخاصّ الرِّبْحِيّ"، أمّا من لم يتسَنّى لهُ الحُصُول على وظِيفةٍ في بلده لدَى عودتِه لنفس الأسبَاب التي منعتهُ من أن يكُون طبِيبًا لولا كُوبا، فإنّ هافانَا تُوفّر لهُ فرصَة التطوُّع في أحد كتائِبِها الطبيَّة الأُمَــمِيَّة خاصّةً فِي مناطِق التصحُّر الطبِّي، وهايتِي أبرَز مِثال على ذلِك حيثُ بلَغَت أعداد المُتطوّعِين من خرِّجِي المدرَسَة الآلاف، الرِّبْح الـمالِيّ لا يرِدُ فِي أذهانِهم.
مشرُوع "عملِيّة الـمُعجِزَة" (Operación Milagro)
كُنتُ قرأت عنهَا لدَى توقِيع اتّفاقِيَّة بين هُوغُو تشافِيز وفِيدِيل كاسترُو في 8 تمُّوز/يوليُو 2004، يومهَا قال كاسترُو بالحَرْف: "كُوبَا للجمِيع"، وقرأتُ بعض التّقارِير عنهَا، ولكن صراحَةً، لم أكُن أتخيّل النِّطَاق الهائِل للعمليّة.
قبل التّوقِيع، كانَ مشرُوع مُكافَحَة الأميَّة الكُوبِيّ الضّخم "نعم أنا أستطِيع" (Yo, Si puedo) في عددٍ كبِير من البُلدان يُواجِه صُعُوبات، فالكثِير مِمَّن أمكنهُم التعلُّم نِسبِيًّا لم يتمكّنُوا من القِراءة بسبب ضُعف البَصَر، وآخرِين سيُحرمُون من التعلُّم بسبب أمراض الشبكِيّة وغيرها مثل الماء الأزرَق (Glaucoma) أو عتمة العين (Cataract)، أو الرّمَد وغيرها من الأمرَاض الـمُمْكِن علاجها بتدخُّلٍ جِراحِيّ، قرَّرَت الحُكُومة الثّورِيَّة عندهَا وَضْع برنامَج لإعادة البصَر لمن بالإمكَان عِلاجُه، بدعمٍ من الحُكُومة البُولِيفارِيّة التِي وضَعَت بُنُودًا أخرَى في الاتِّفاقِيّة تشمَل تدرِيب الآلاف من الكوادِر الفِينزوِيلِيّة وتكوِين أطبّاء وإقامة مراكِز صحيّة وبِنْيَة تحتِيّة كامِلَة لِــمَا يُعرَف بِـــ"طبّ الفُقراء" حيثُ يكُون العِلاج بأكملِه مجانيًّا، ثُمّ أُضِيفت للاتّفاقيّة عِلاج الأسنَان والعِظام وأمراض الحمْل والتّولِيد، وتُقدّم سَلّة غِذائِيّة كُلّ شهر للمُحتاجِين مِمَّن تلقّوْا العِلاج، لكنّ المشرُوع شَمِل كُلّ بُلدان أمرِيكا اللاّتِينِيّة وحوض الكارِيبِيّ مِمَّن لا يتذَيَّل للولايات الـمُتَّحِدَة، وتُقدّم أرقَام المُنظّمة العالميّة للصحَّة في تقارِيرها الخاصَّة بِطبّ العُيُون (Ophthalmology) انجَازَات لا يُمكِن تصدِيقها مُقارنَةً بِجرائِم الطبّ الرِّبحِيّ:

- في بُولِيفِيا وحدَهَا، أُجْرِيَت أكثَر من 600 ألف عمليّة جِراحِيّة مُنذُ 2006، وبعضُهَا شَــمِل مُواطِنات ومُواطنِي دُوَل أخْرَى مُجاوِرَة
- 15 ألف مُواطنة ومُواطِن من الباراغوِاي استعادُوا بصرَهُم
- 400 ألف شخص من هايتِي شملهم البرنَامج ليكُون أكثَر اتِّساعًا ويستفِيدُوا من طبّ الأسنَان والعِظام والجهاز الهضمِيّ وأمراض النّساء والأطفَال.
- 90 ألف عمليَّة جِراحِيّة في نِيكاراغوَا
- 1،5 مليُون شخص مُستفِيد من البرنَامج في فينزوِيلاّ
أعلَن مُدِير مُستشفَى العُيُون في هافانا بتارِيخ أكتُوبر/تشرِين الأوّل 2011، أنّ أكثر من مليُونَيْ شخص من 34 دوْلَة منهَا أقطَار افرِيقِيّة، أُجْرى لهُم جرّاحُو العُيُون الكُوبِيُّون عمليّات استعادُوا إمّا بصرهُم بعدهَا، أو شُفِيَت عُيُونهم، والدّعم الفينزوِيلِّي، جعَل 100% من هذِه العمليّات مجانِيّة، ومعهَا أدوِيَة ومُساعدَات غِذائِيّة ومُتابعَة عِلاجيّة شامِلة تستمِرّ 6 أشهُر للحالاَت الفقِيرة أو الـمُعْدَمَة.
اللِّوَاء الطبِّي الأُمَمِيّ:
أنْجَز أفرَاد هذَا اللِّوَاء مُنذ تأسِيسِه 14 مهمَّة، وشرَع مُنذُ انتِشَار الكُورونا في مهمّتِه الجدِيدة، وقد حدَّد فِيدِيل أهدَاف تأسِيس هذِه القُوّة الطبيَّة أثنَاء خِطابِه بتارِيخ 19 سبتمبِر/أيلُول 2005 أمام خرِّيجِي مدارِس وكُليات الطبّ بقولِه: "لا يقتصِر هَدَفُه على مُساعدة بلدٍ مُعَيّن فحْسب، بل على التّعاوُن الفورِيّ مع أفرادٍ مُدرّبين تدريبًا خاصًّا في أيّ بلدٍ يُعاني من كارثة، ولا سيما تلك التي تُواجه ويلات كبْرَى مثل الأعاصِير والفيضَانات أو غيرها من الظّوَاهر الطّبيعيّة الخطِيرة".
ومِن أبرَز مُساهمات اللِّواء الطبِّي الأمَمِيّ أعمال الإغَاثَة في باكِستان إثر زِلزَال كشْـمِير في أكتُوبر 2005 وكانَ عدد أفرَاد بِعثَة الإغاثَة 2564، لكن أبرَز مهامِّه على الاطلاَق، والتِي لَن تُنسَى، كانَت في هاييتِي.
لَعِبَت ولا تزَال كُوبَا دَوْرًا مِحْوَرِيًّا لا يُمكِن إنكارُه، فقط يتمّ تجاهُله في وسائِل الإعلام الـعالَمِيّة، في هذَا البلَد الـمنكُوب حَرْفِيًّا من العواصِف والأعاصِير والتّفقِير المنهجِيّ الـمُمتدّ لعُقُود طوِيلة بسبب القمْع الدّامِي والفسَاد والمُوالاَة للولايَات الـمُتّحدَة، لدرجَة أنّ 54% تحت خطّ الفَقر الـمُدقَع، فبعدَ زِلزَال بدايَة سنَة 2010 الذِي أودَى بِحياة 250 ألف شَخْص، والتدخُّل الإغاثِيّ الكُوبيّ، انتشَر وبَاء الكُولِيرَا مُنذ مطلَع أيلُول/سبتمبِر من نفس السّنَة لتُعلَن 150 ألف إصابَة في بضعة أيّام ووفَاة 3333 مُصَاب، وفِي كِلا الكارِثَتَيْن، الدّور الطبِّي الكُوبيّ وحجمُه في هايتِي جعل كُلّ جُهُود ما يُسَمّى بالـمُجتمَع الدُّوَلِي لا تُناهِز 1،2% مِـمَّا قامُوا بِه، لقد كان تواجد الكتائِب الطبيَّة كبِيرًا مُنذ اعصَار جورج 1998، وعِند الزِّلزَال، عملِيًّا تواجَدَ 340 طبِيب كُوبِيّ كُلّهم يُشَغِّلُون الصحّة العامّة، وتَعَزّز التّواجُد بوُصُول خرِّيجِي المدرسَة الأمريكيّة-اللاّتِينِيّة للطبّ التِي سبق ذِكْرُها، وطلبَة السّنوات النّهائِيَّة لِـمُكافَحَة الكُولِيرَا حيثُ ساهمُوا فعليًّا في إيقاف الوَبَاء وإعداد كادِر شبه طبِّي من المحليِّين وتوزِيع أدوِيَة وعِلاج 22 123 بشكلٍ مُباشِر، وبعد عودَة فائِض الطّاقم اثر استكمال مهامِّه، وتحدِيدًا في أبرِيل/نِيسان 2011، كانَ هُناك 1117 عُضْوًا في اللِّواء الأُمَمِيّ منهُم 923 كُوبِيًّا و194 خرِّيجًا من المدرسَة، قامُوا هُناك بفحص مليُونَيْ مرِيض وأجْرَوْا 36 ألف عملِيَّة جِراحِيَّة وساعدُوا في 35 ألف حالَة وِلادَة، واستفَاد من تواجُدهم 460 ألف مُواطِنة ومُواطن من هايتِي في إطار برنامَج إعادة التّعلِيم والتّأهِيل الاجـتِـمَاعِيّ، في هذِه المرّة أيضًا، كانَت الـمُساهمَة الكُوبيّة أكثر من مُساهمَات كُلّ الأقطار الصّناعيّة وجُهُود الأمم الـمُتّحدة والصّلِيب الأحمَر مُجتمعِين، وعلى الرّغم من ذلك، لا وسِيلة إعلامٍ تتحدّث عنها، الأمر الأكثَر أهميّة على الإطلاَق، تعمَل كُوبَا على إقامَة بنية تحتِيَّة صحيّة وإعدَاد منظُومة صحّة عامَّة مُتكامِلَة تُنَفِّذُها أطقُم طبيّة من هاييتِي ذاتها تخرّجُوا من المدرسَة الـمذكُورة، و115 من كُليّة الطبّ في سانتياغُو كوبا، وتمّ تموِيله من دُفُوعاتٍ قدّمتها الحُكُومة البُوليفارِيّة في فينزوِيلاّ وحُكُومة لولا دا سيلفَا في البرازِيل ومنحَة صِينِيّة تمثّلَت في تموِيل تكالِيف الأبنِيَة، في سنَة 2011، كان عدد الطّلبَة الهايتِيِّين الذِين درسُوا طيلة 9 سنوات الطبّ لحدّ الاختِصاص في كُوبا مجانًا وبكفالةٍ تامّة من حُكُومة هافانا 625 وسنة 2019 أعدادهم فاقَت الألفَيْن ، وللآن لا يزال هُناك فرِيقُ طبيّ كُوبيّ تعزّز مُؤخّرًا في إطار مُكافحَة كورونا بقُدُوم 348 طبِيب ومُمرّض ومعهُم أدوِية الـ Interféron alfa-2b وأجهزة تنفُّس إضافيّة ومُعدّات تعقِيم، وتمتلِك الجزِيرة المعدُومة إلى وقتٍ قرِيب حالِيًّا 4 مُستشفيات تعاوُنِيّة و2 مستشفيات تخصُّصِيّة مع 15 مركز اسعاف سرِيع كُلّها مجانِيّة ويعمَل فيها أطبّاء هايتِيُّون مع رفع كفاءة المُستشفيات القدِيمَة ومنها مبانِي كانَت تعُود للحقبة الاستعمارِيّة في القرن الثّامن عشَر ، وباختِصَار، في 11 سنَة من التدخُّل الطبِّي الكُوبِي فِي واحدة من أفقَر بُلدان العالَم، ارتفَع أمل الحياة عِند الوِلادة من 54 عامًا سنة 1999 إلى 65 عامًا، وانخفَضَت وفيّات الأطفَال عند الوِلادة من 80 طفل لكُلّ ألف وِلادة سنة 1999، إلى 31 طفل لكُلّ ألف وِلادة، وانخفَضَت حالات وفيّات الأطفَال فوق سِنّ الخامِسَة من 135 وفاة لكُلّ ألف طِفل، وكان الرّقم الأعلى عالمِيًّا، إلى 55 وفاة لكُلّ ألف طفل فوق سنّ الخامِسَة وغالبيّتهُم في الوضع الحالِيّ مِمَّن يحمِلُون أمراضًا وراثِيّة أو التقطُوها من الرّحم أو ناتِجَة عن التلوُّث؛ وسُجّلت في عشر سنوات، من 1998 إلى أواخِر 2007 أكثر من 10 ملايِين زِيارة للأطبّاء، وأكثر من 4 مليُون زِيارة أطبّاء للمنازِل، وأُنقِذَت بتدخُّلات طبيّة استعجالِيّة حياة 210,852 مرِيض، والأرقَام مُتوفِّرة في تقارِير مُنَظّمة الصحّة للبُلدَان الأمرِيكِيّة (Pan American Health Organization (PAHO)) وهِي أضعاف ما ذكرتُه وأكثَر دلالَة، علـمًا وأنّ الـمُنظّمة مقرّها واشنطُن ومُعادِيَة لكُوبا لكنّ الأرقَام لا تكذِب، علمًا أنّ أطبّاء اللّواء الأُمَمِيّ يتوغّلُون في المناطق الجبليّة والقُرَى النّائِيَة ويتنقّلُون باستمرَار ونصف دوامهم فقَط يُقَضّى في مُستشفيات العاصِمَة.
تقَع تيمُور الشّرقِيَّة كمَا يدُلّ اسـمُها في الجانِب الشّرقِيّ لجزِيرة تيمُور الإندُونِيسِيّة وتضُمّ بِضعة جُزر قرِيبَة، خضَعَت للاستعمار البُرتُغالِيّ واستقلّت في 1975 لتحتلّها إندُونيسيَا وناضَل أحرارُها بِـالسِّلاَح ليحصُلُوا على استِفتاء تقرِير الـمَصِير في 1999 وتتحوّل لدَولة "ذات سِيادة" سنة 2001، خرجَت من سنوات الحرب التحرُّرِيّة مُدَمّرة وبِــبُنَى اقتِصاديّة تابِعة بالكامِل لإندونيسيَا، وتعُدّ أكثر من مليُون ساكِن، عند اعلان الاستِقلاَل لم يكُن في البِلاد أكثر من 47 طبِيبًا فقَط لا غيْر وشعب فَتَكَت بِه الأمرَاض وتأثِيرات الحرب، تقدَّمَت الحُكُومة الفَتِيَّة بطلبٍ رسمِيّ إثر لِقاء جمع بين وزِير الخارجِيّة الكُوبيّ ورئِيس الوزراء الجدِد في العاصمَة المالِيزِيّة على هامِش قمّة لدُول عدم الانحِيَاز إلى كُوبَا لطلب الـمُساعَدَة، نُظِّمَت كتِيبَة طبيَّة من 300 طبِيب وصلَت بدايَة سنَة 2004، ولِـمُدّة خمس سنوات، أجْرى أطبّاء الكتِيبَة 2،7 مليُون فحْص واستِشارة ومُتابعَة لِـمَرْضى تتكرّر زياراتهم حتّى في منازِلهم، وتُقدِّر حُكُومة تيمور الشّرقِيّة أنّهم خِلال هذه الفترة أنقذُوا حياة 11 ألف شخص بتدخُّلات جراحِيّة عاجِلة تحت خِيام القَصَب، ولم يُغادرُوا رغم الأزمة السّياسيّة سنة 2007، وفي السّنة التي سبقتهَا حالة الاضطِرابات التي عصفت بالبلاد والنِّزاع الحاصِل بين قُوّات الجيش وقُوّات الشُّرطة. وفي سنَة 2008، بلغَ العَدد الإجمالِيّ للكُوبيِّين 350 يعملُون في قطاعاتٍ صحيّة مختلفة، ولا يزالُون للآن، كمَا قامَت كُوبَا بتعلِيم أساسِيّ وتدرِيب مهنِيٍّ لِـــ870 تيمُورِيًّا و100 ميلانِيزِي وميكرُونِيزِيّ في هافانا، وأُعِيدُوا لبلادهِم بهدف تكوِينهم أكثَر فأكثَر داخِل وطنهم وفي خِدمَة شعبهم، وبنفس الهدَف، أُعِدّت مدرسَة طبيَّة في البلد سنَة 2005، يُدِيرُها ويُدَرِّسُ فِيها كُوبِيُون، وبحُلُول سنة 2018، كان عدَد الأطبّاء التيمورِيُّون الذِين تخرّجُوا من الجامعات الكُوبيّة ألف طبِيب، وتمّ القضَاء على الملارِيا التي كانَت مُنتشرة، وتمّ التحكُّم في انتِشار السُلّ وانخفضَت مُعدّلات وفِيّات الرُضَّع، ويمتلِك ذلك البلَد الصّغِير حاليًّا واحِد من أعلى مُعدّلات التّأطِير الطبِّي في آسيا برقم طبِيب واحِد لكُلّ ألف ساكِن.
التّعاوُن بين كاسترُو وتشافِيز
في دِيسمبر/كانون الأوّل 1999، وبعد تواصُل أمطار لم تتوقّف شهرًا كامِلاً، وتحدِيد يومَي 15 و16 من الشّهر، نزلَت كميّة أمطَار بحجم 791 ملّليمتر تسبَّبَت في فيضانات وسُيُول غَمَرت كُلّ وِلايَة فارغاس (Vargas) في أقصَى شمَال فينزوِيلاّ، نتجَت عنها انزِلاقات طِينِيّة وانهيارات تُربَة، لتُخَلِّف ما أصبح يُعرف بِـــ"تراجِيديا فارغاس" حاصِدَةً أرواح أكثر من 20 ألف، وإصابَة 100 ألف بجُرُوح، وعشرات الآلاف من الـمُشرّدِين، في غضُون أسبوع واحِد ، 450 طبِيب وعامِل فِي قِطاع الصحّة كانُوا في الـميدَان، بعد ذلِك بأربع سنوَات، كانَت بلدِيّة مُحَرّر كاراكاس (Libertador de Caracas) تصرُخ طالِبَةً التّأطِير الصحيّ إذ كانَت أقلّ بلديَّة مُغَطّاة طبيًّا ومُستفِيدة من أيّ خِدمَة طبيَّة، وطُلِبَت الـمُساعَدَة من مُتخصّصِين فينزوِيلِّيين لكنّهُم رفضُوا خوفًا على سلامتهم الشّخصِيّة من ناحِيَة كما قالُوا، ونِكايَةً في الرّئِيس هوغو تشافِيز الذِي فشلت محاولة الانقلاب المدعُوم من جمعِيّة الأطبّاء ضدّه سنة 2002، فالتَـمَس الأخِير مُساعدة كُوبا التي أرسَلَت 53 طبِيب عائِلة في ابرِيل/نِيسان 2003.
النّجاحَات الباهِرة لمجمُوعة صغِيرة من الأطبّاء قامُوا بزيارة كُلّ بيتٍ في البلديّة ونظّمُوا مركز رِعايةٍ أساسيّة ومحطّة عِلاج استِعجاليّة مفتُوحة على مدَار السّاعة، جعَلَت تشافِيز يُقرّر تـعمِيم المُبادرَة وتحوِيلها لبرنامج مُتكامل يشمل كُلّ البِلاد، وحسْب هوغو تشافِيز نفسَهُ في حدِيثٍ تلفزِيّ، في نوفمبر 2010، يعمل أطبّاء اللّواء الأُمَمِيّ الكُوبِيّ فِي 6172 عِيادة للطبّ العامّ في المناطق الشّعبيّة، وفي 3019 عيادة طِبّ أسنَان وجِراحة فم، و459 مصحّة لطبّ وجِراحة العُيُون، و514 مركزًا للتّشخِيص والفَحْص الشّامِل (Bilan de santé)، و599 غُرفَة إنعاش وإعادة تأهِيل و28 مركزًا مُتطوّرًا للفحص والتّصوِير بالأشعّة والموجَات فوق الصّوتِيّة، مُضافٌ لكُلّ ما سبَق أنّ 51 ألف فينزوِيلِّي تلقّوْا علاجهُم وأجروا عمليّات جِراحِيّة في كُوبا ذاتها خاصّةً من مرضَى السّرطَان الرّئوِيّ إذ سجّلَت كُوبا سنَة 2008 براءة اختِراعٍ للقاحٍ ضدّ سرطان الرِّئَة الـمُتقدّم وزادَت تسجِيلاً ثانِيًا لبراءة اختِراع لقاحٍ أكثر فعاليّة للمرَض ذاته سنة 2013، ومنه اشتقّت أدوية تقوية مناعة الجهاز التنفُّسِيّ وصدّ هُجُومٍ فايرُوسيّ مثل كورونا؛ وكحصِيلة، قرأها تشافِيز أيضًا في أبرِيل/نِيسان 2012، يُقدَّر أنّ أطبّاء اللِّواء الأُمَمِيّ قامُوا بِــــ740 مليُون اجراء طبيًّا مجانِيًّا من فحص واستشارة ومتابعة مرضَى وتطعِيم وجِراحة وتولِيد وطبّ وقائِيّ ومدرسِيّ وزيارَات لمناطق القبائِل وغيرِها، وأنقذُوا حياة مليُون ونِصف فينزوِيلِّي بدُون تدخُّل طبيّ كُوبيّ كانوا بحكم العادَة سيمُوتُون أو يكُون مصِيرهم الإهمال كمَا كان الأمر من قبل؛ وإعدادًا للـمُستقبل، دخَلَت فينزوِيلا في مُحاكاة للمدرسة الأمريكيّة اللاّتِينِيّة للطبّ في هافانا، وسَعَت لتكوِين 30 ألف طبِيب في جامعات البِلاد استقدَمَت لتدرِيسهم أساتِذَة من كُوبا، وفِي فبرايِر/شباط، تمّ تخرِيج أوّل دُفعَة بِـــ8،150 مُتخصِّصًا في الطبّ الـمُجـتَمعِيّ الشّامل (médecine intégrale communautaire)، وبعدهُم 6300 طبِيب يستكمل الدّورة التّدرِيبِيّة بعد تخرّجه من السّنوات السِتّ، ووفقًا لتشافِيز في نفس الخِطاب، يدرُس 22604 طالبًا في مختلف اختِصاصات الطبّ بِـمَا في ذلك الجِراحات المُعقّدة وعمليّات زرع الأعضاء والجِراحة عن بُعد، مِـمَّا سيُشكّل بِلا جِدال منظُومةً صحيّة عامّة مجانِيّة يستفِيد منها الـملايِين وتُشكّل الدِّرع الحقِيقِيّ في مواجهة أيّ فايرُوس أو وباء مثل كُورونا، فأرقام 30 مارِس/آذار 2020 تقول أنّهُ من أصل 129 مُصاب بالCOVID-19، تماثَل للشّفاء 39 مرِيض وعادُوا لمنازِلهم، والحالاَت الثّلاث للوفيّات نتجَت عن معاناة سابقَة للمُصابِين بالسُلّ.
وعلى الرّغم من ضَخَامة أعدَاد الأطقُم الطبّية العامِلة في الخارِج، فإنّ علاقَة طبِيب/مرِيض تبقَى في كُوبا هِي الأفضَل عالمِيًّا، إذ يُسجّل تقرِير البنك الدُّوَلِيّ أنّ لكُلّ ألف مواطنة ومواطن في داخل كُوبا يعمل 6،7 سنة 2010، وقد زادَت التّغطِيَة حالِيًّا رغم العدد المهُول الذِي يزداد للأطقُم العامِلة خارِج البِلاد، كما أن الحُصُول على الخِدمة الطبيّة في كُوبا أفضَل من كندا والولايات الـمُتّحدة حيثُ تكُون مثل هذه الخدمَات في الـمُدُن الكُبرَى في حين أنّ أرياف جزِيرة الثّورة تعُجّ بِهِم بِـمَا فِي ذلك أطبّاء الاختِصاص وتُنظّم زِيارات دورِيّة لأكثر المناطِق بُعدًا مع العِلم أن لا وُجُود لِقِطاعٍ خاصٍّ مع أهميّة وكفاءَة كبِيرة للكادِر شبه الطبِّي حيثُ يقُوم الـمُمَرّضُون الكُوبيُّون في مناطق الكوارِث بِــما يعجزُ عنه أطبّاء في مصحّات خاصّة، وكُلّ هذَا بالـمجَان.
من أحدَث البرَامج الأُمَمِيّة الطبيّة الكُوبِيَّة هُو الـمَسْح العامّ للمُكوّنَات الوِراثِيّة لسُكّان دُول "التّحالُف البُولِيفارِيّ لشُعُوب أمرِيكِـــيَّــــتُـــنَا" (Alianza Bolivariana para los Pueblos de Nuestra América A.L.B.A)، وبدأ أوّلاً في كُوبَا نفسها حيثُ أُخِذَت عيِّنَات الحمض النّوَوِي قَصد الدِّراسة في الـمُختبرات ومراكِز الأبحاث التِي لا تُحْصَى بحْثًا عن أيّ مُؤشِّرات لأمراض وراثِيّة، ثُمّ شَرَع الـمِئَات من الـمُختَصِّين في عِلم الوِراثة وعُلمَاء النّفس الاجـتِماعِيّ وأعوان مخابِر مُتنقّلة في جمع عيّنات أحماض نووِيّة من كُلّ الـمُستفِيدِين من الكشف الطبِّي الـمجانِيّ الكُوبِيّ في فينزوِيلاّ في سنَة 2008، وبالفِعل النّتائِج مُبهِرة، فقَد تمّ التعرّف من خِلال المخابِر على 600 ألف حالة يحمِل أصحابها في مُكوّناتهم الوراثِيّة أمراضًا تجعلهم من ذوِي الاحتِياجات الخاصّة مُستقبلاً، وآخرِين ناقِلِين مُحتملِين لأمرَاض السُكّرِي أو الأمرَاض النّادِرة عند الوِلادة، واستجابَت حُكُومة كاراكَاس للمخاوِف رغبةً منها في الحِفاظ على صحّة مُواطِناتها ومُواطنِيها وتقرَّر التدخُّل العِلاجيّ الوِقائِيّ لكُلّ هذه الحالاَت حتّى لا يتحوّلُون إلى ذوِي احتياجَات مُستقبلاً، أو للحيلُولة دُون نقلهِم لأمراض مُزمنة؛ لم يكُن الهدَف من هذَا البرنَامج مُجَرَّد التَّــرَف العلمِيّ ومن ثَمَّة الدِّعاية الاعلامِيّة لهُ، فهذَا لا يُوجَد في أذهان الكُوبيِّين، ولكن كان وَضع خارِطَة وراثِيّة لكُلّ مُواطن وتحدِيد ملفّ طبيّ لهُ يُسَهّل أيّ عمليّة عِلاج مُستقبلِيّة يتلقّاهَا ويُجنّب الأطقُم الطبيّة كثرة التّحالِيل والكُشُوفات وإضاعة وقتٍ قد تكُون فيه الثّانِيَة الواحِدَة فارِقًا بين الحياة والـمَوْت، كما أنّهُ يستهدِف التعرُّف على الأسبَاب الخاصَّة لكُلّ حالة إعَاقَة حالِيّة أو مُحتَـمَلَة في الـمُستقبَل والتّحدِيد الدّقِيق للـعِلاج النّاجع لكُلّ حالة.
انطِلاقًا من سنة 2009، دُوَل الــALBA الأُخرَى استفادَت من الـمَشْرُوع، إذ توجّه 71 ألف مُتخصّص كُوبي ومعهُم نُظراءهم من كُلّ البُلدان المعنيّة لتدرِيبهم ميدانِيًّا، إلى 3،8 مليُون منزِل في أدغال وأرياف فينزوِيلاّ، وبوليفيا ونيكاراغوا وسان فنسينت وجزِيرة غرانَادا، وتمّ تقدِيم النّتائِج في يوليُو/تمُّوز 2011: 1،017،464 شخص في هذِه الأقطَار هُم من ذوِي الاحتِياجَات الخاصَّة، الحملة في بولِيفِيا سُمِّيَت باسم موتو ميندِيز (Moto Méndez) أحد أبطَال حرب الاستِقلال في القرن التّاسع عشَر، والنّتِيجَة قُرابة 83 ألف يشتكُون حالات إعاقَة جسدِيّة أو ذِهنِيَّة؛ في الإكوادُور، اتّخَذَت الحملَة اسم "مهمّة التّضامُن مانويلا اسبِيجو" (Manuela Espejo) على اسم صحافيّة ومُمَرِّضَة ومُناضلة نِسوِيّة وثورِيّة اكوادُوريّة تُوفِّيَت سنة 1829، والهدفُ مُماثِل وهُو اجراء دِراسات علميّة بيولوجيّة نفسيّة اجتـماعِيَّة وتقدِيم الـمُساعدة العلاجيّة، قام خِلالهَا 229 مختصّ كُوبيّ و129 اكوادُورِيّ بزيارَة 1،286،331 منزِلاً وقريَة وتجمّع سُكّان أصلِيِّين في أقسَى المناطق وأكثرهَا بُعدًا عن الـمُدُن، وتمّ تحدِيد 294،611 حالة احتِياجٍ خاصّ، ومن هذِه الحالات 135254 تلَقّوا في الـمُعدّل 3 استشارات طبيّة وكشُوفات ومُساعدَات ومنهَا ما نُقِل لكُوبا قصد العِلاج والقَضَاء على إعاقته.
توجُّه أُمَمِيّ تضامُنِيّ انسانِيّ
تتعدّد البرامج الطبيّة الصحيّة الكُوبيّة، ولن يكفِي مقال مهما كان طُوله للإلمَام بِها، يكفِي القول أنّ عدد الـمراكز البحثِيّة والمُختبرات المختصّة ومراكز انتاج واختراع اللّقاحَات في كُوبا هُو أكثَر من عدد حانَات بعض الدُّول حتّى يتسنَّى الفهم، لدرجة أنّ البعض يمزَح أحيانًا فيقُول أنّ الكادر الطبِّي وشبه الطبيّ من تقنيِّين وممرضِين وأعوان مخابِر وباحثِين ومختصّين في الصيدلَة (الصّيدليّ في كُوبا صانع دواء وليس تاجِر أدويَة فهناك تُعطَى مجانًا) جعلت أكثر من 600 ألف كُوبي في حُك الطّبِيب أو شبه طبِيب، وأيّ برنامج من هذه البرَامج قد تعجَز عنهُ دُول من مجمُوعة الثّماني فكيف بدولةٍ صغِيرة في الـمساحَة وعدد السُكّان (109,886 كم2 و11،2 مليُون ساكن) تجترِح مثل هذِه الـمُعجِزات ولا تزَال لليوم حيث يُطالب نُوّاب فرنسيُّون رئِيس وزرائهم طلَل الـمُساعدة من الكُوبِيِّين وكذلك يفعل بعض الإسبَان، و65 حُكُومة في العالَم حجزَت طلبات حُصُول على الدّواء الذِي أثبت فعالِيّته في علاج كورونا، وعندمَا تبحث وتجِد أنّ مُستويات التّعاوُن تعُود إلى نصف قرنٍ وأنّهُ على امتِداد 20 سنَة فقَط تمّ انقَاذ ملايِين الأرواح بمجهود طبيّ كُوبيّ ستكُون النّتِيجة حالة من عدم التّصدِيق أو الاندهاش في أفضَل الأحوَال، ففي حالة افرِيقيا الجنُوبيّة فقَط، لا يزَال 5500 طبِيب وعامل في الصحّة من كُوبا يعملُون في قلب الأحيَاء الفقِيرة والقُرى الـمُهملَة، ولكن الأهمّ، تخرَّج 40 ألف افرِيقيّ من جامعات طبّ هافانا درسُوا مجانًا، ولغاية اليوم، لا يزَال 3 آلاف طالِب يدرُسُون في ذلك المَعْلم الضّخم، تلك المدرسَة التي تُنتِج الأدمِغَة وتزرعها في أوطانهَا وتنزعُ عنهم تلوُّث هاجس الطبّ الرِّبحي، أثناء زِيارته إلى هافانَا في 26 تمُّوز/يوليو 1991، تحدّثَ نيلسُون ماندِيلاّ عن التّضامُن الكُوبِيّ فقَال: "لقد جِئتُ هُنا حامِلاً امتِنانًا لا يُوصَف للدُّيُون الهائِلَة من مُساعدات لا تنتهِي قدّمها لنا الشّعب الكُوبِيّ في الوقت الذِي أدَار لنَا الكثِيرُون ظُهُورهم لنا". أمّا في أنغُولا، فالإحصائيات تقُول أنّه لغايَة 2005، 85% من الأطبّاء الأنغُولِيّين درسُوا في هافانا وللآن هناك بِعثَة طبيّة قارّة كوبِيّة في لواندَا، وفِي كلِمَة، نِصف مليُون كُوبيّ من أطبّاء ومُدرّسِين وأساتِذَة جامعات درّسُوا وقدّمُوا علاجات وحتّى بنوا جُسُورًا ومعاهِد وطُرُقات ومُستشفيات في المُوزمبِيق، زامبِيا، نامِيبيا، أنغُولا بين 1975 و1989؛ وكانُوا أبطال مُقاومة والقَضَاء على ايبولا في مرحلة لاحِقَة، ووزّعُوا لقاحَات وأدوِيَة مُنتَجَة في مختبراتهم وتمنع الولايات الـمُتّحدة على الدُّوَل الـمُتذَيِّلة لها استِيرادها ومنها لقاحات ضدّ أنواع من السّرطانات ولقاحات ضدّ الايدز، الخ.
تخضَع الجزِيرة لحِصارٍ اقتِصادِيّ أمرِيكِيّ مُنذ 19 أكتُوبر/تشرِين الأوّل 1960 لغاية هذه اللّحظَة، وبعض الآرَاء تقُول أنّ حُكُومة هافانا من خِلال هذا التّعاوُن الطبّي والبعثات الانسانيّة للعالَم قد خلَقَت قُوّة ديبلُوماسِيّة ناعِمَة جعلَت منهَا كُتلة ضَغط دُولِيّة، حتّى أنّ أقطارًا كانت قد قطعَت العلاقات معها بأوامِر من واشنطُن أعادت الرّوابِط الدِّيبلُوماسِيّة، لن أتحدّث عن السّياسَة الدُّوليّة ولو أنّ النّهج الأُمَمِيّ الطبّي الكُوبيّ هُو سياسيٌّ للنُّخاع مثلمَا أنّ طِبّ الأثرياء والقِطاع الخاصّ والرِّبح في تجارة الأدوية والكشُوفات وفحص المُعانِين من المرَض هُو سياسِيٌّ أيضًا وللنُخاع، ولكنّ بنفس الرُّؤيَة لا تعترف كُوبا بالكيَان الصّهيُونِيّ ولغايَة اللّحظَة هناك فلسطِينِيُّون تصلهم رواتبهم من هافانا، كمَا أنّها سانَدَت كُلّ من ناهَض الامبرياليّة وقاتَل ضدّهَا، والطّابِع الانسانِيّ للـمُساعدات والبعثات الطبيّة لا يُمكِن انكارُه، فأوّل بعثة كانت للشِّيلي مع حُكُومة تُعادي الثّورة ولا تربطها روابِط ديبلُوماسيّة مع الحُكم الجدِيد في هافانا، في 1972 أيّام حُكم عصابَة سوموزا لنِيكاراغوا، أرسلت فرق إغاثَة على الرّغم من العداء الشّدِيد بين الحُكُومتين إثر زلزالٍ دمَّر العاصمة ماناغوا، على الرّغم من أنّ أنستاسيو سُوموزا (Anastasio Somoza Debayle) قام بتدرِيب مرتزقَة لمهاجمَة كُوبا واستُخْدِمَت موانئ وشواطِئ نيكاراغوا للهُجُوم على الجزِيرة في خلِيج الخنازِير في 15 أبرِيل/نِيسان 1961، كما لم تتردّد كُوبا في ارسال 22 طِنًّا من الامدَادَات الطبيّة الطّارِئَة بعد زلزال 1986 للسّلفادُور ثُمّ لِواء طبِّي ضخم لمُكافَحَة حُمّى الضَّنَك (dengue) التي تفشَّت هُناك سنَة 2000، رغم أنّ الأنظِمَة العسكرِيّة الـمُتعاقِبَة وقتها في السّلفادُور كُلّها مُوالِية للولايات الـمُتّحِدَة وتُعادِي بشكلٍ مقِيت هافانا.
فِي سنة 2010 فقَط، قُدّم تقرِير عن مُساهمَة اللّواء الطبِّي الأمَمِيّ في الخارِج للجنة المركزِيّة للحزب الشُّيُوعيّ لسنة 2009 في الخارج، تحدِيدًا في 37 دوْلَة: تمّ انقَاذ 1،6 حياة بشرِيّة، وُصِف العلاج لِـ85 مليُون مرِيض (19،5 مليون منهُم تلقّوا زيارات في المنازِل أو المدارِس أو أماكِن العمَل) وتمّ تطعِيم 9،2 مليُون والـمُساعدة في وِلادة 768858 حالة ولادة عسِيرة.

سُئِل بعض قادَة الحِزب الشّيُوعي الكُوبيّ إن كان الهدَف من كُلّ هذَا النّشاط الضّخم كَسْب أصوات الدُول في الأمَم الـمُتّحدة، فكان الردُّ بسُخرِية: "فليفعَل الآخرُون ما نفعَل وليحصُدُوا هم الأصوات"، لو جرّب أيّ صحفِيّ أو باحِث أو سياسِيّ وإن كانَ مُعادِيًا بسبب غبائِه للتوجُّهات الأمَمِيّة أيّ طبِيب أو عامل صحّة أو باحث أو عون مختبرات أو صانع أدوِيَة كيف يُمكِن فعل ذلك، ومن بادَر ومتى، فإنّ الإجابات مُجْـمِعَة أنّه فيديل، مُنذ فِرار 6 آلاف طبيب كُوبي سنة 1959، ونجاح البعثة الأولَى للشِّيلِي وللجزائِر، قرَّر أنّ التّعلِيم والصحّة والغِذاء هِي مُكوّنات الوِحدَة الوطنيّة وباعث الوطنِيّة، لن يُدافع مُفَقّر عن بلاده أو يرَى أنّها وطن، ولا يُمكِن لشعب يُعانِي أفراده المرَض أن يتطوّر اقتصاديًّا، ولا يُمكِن التـمتُّع بجدَارة أن يكُون الإنسانُ إنسانًا إذا لم يقضِي على ذهنِيّة طبّ الرِّبح ولم يُقدّم الـمُساعدة لمن يحتاجها، وأهمّ شرَف هُو انقاذ الأرواح، كثِيرًا ما يستحضِر فيدِيل في كتاباته الضّخمَة نِداء كارل ماركِس: "أزيلوا استغلال الإنسان للإنسان تزيلوا استغلال أمّة لأخرى. ويوم يزول تناحر الطبقات داخل الأمّة يزول أيضا تعادي الأمم فيما بينها." البيان الشُّيُوعي، الفصل الثّانِي البرُولِيتارِيُّون والشُّيُوعيُّون.
يُعَبِّر الدُّستُور الكوبيّ عن التِزام البلد بـ "الأممية البروليتارية [...] وبالصّداقة الأخويّة والدّعم والتعَاوُن والتّضامن لشُعُوب العالم، وخاصّةً في أمريكا اللاتينية ومنطقة البَحر الكاريبي".
من ناحِيَة الـمَرْدُودِيّة الـمالِيّة، تتراوَح ايرَادَات الخدَمَات الطبيَّة في الخارِج والبعثَات القارّة وحاصِل اتّفاقيّات التّعاوُن الشّامِل بين 3 إلى 8 مليَار دُولاَر سنوِيًّا، وتلجأ هافانا لعقد اتّفاقِيّات مُقايضَة مثل اتّفاقيّة الجزَائِر 2018 "النّفط مُقابل الصحّة"، في بدايَة انتِشار كورونا، تولّت أجهزة الـمعلُومات مُراقبَة الوضع في اقلِيم وُوهان الصّينِيّ الـمُهدّد بالانقِراض، وعند اكتِشاف علاج أكثر من 80% من حالات الإصابَة، وجدُوا أنّ العقاقِير الـمُعتمدة في العلاج إمّا مُصنّعة بالكامِل أو بالشّراكَة مع كُوبا، مع وُجُود حوالي 4 آلاف خبِير صحّة ومختبرات وأبحاث طبيّة كُوبِيّ في الصِّين، في 30 مارِس/آذَار 2020، تلقّت كُوبا طلبات من أكثَر من 60 دولَة للحُصُول على علاجَات أو التمتُّع ببعثات طبيّة مُباشرة، هذَا هُو النّهج الأُمَمِيّ وتلك هِي السّياسَة الانسانِيّة الـمُنحازَة لكُلّ مُضطهد والـمُناهِضَة لتحقِيق الرّبح على حسَاب آلام البَشَر، النّقاش في هذه اللّحظَة في هافانا العلنِيّ هُو كيفِيّة إيصال الغِذاء اللاّزم لكُلّ منزِل كوبِيّ إذا ما اقتضَت الضّرُورة اعلان الحجر الصحِّي لتجنّب انتِشار العدوَى.
خِلال نِصف قَرن، خدَم الأُمَمِيُّون الكُوبيُّون في أكثر وأشدّ مناطق العالم فقْرًا وتلوُّثًا، توجّهُوا لمناطِق رفَض العالَم بأسرِه الذّهاب إليهَا، أسّسوا مئات الـمُستشفيات ودَرّسُوا عشرات آلاف الأطبّاء وبنوْا منظُوماتٍ صحيّة لأكثر من 15 دوْلَة وكانُوا فعليًّا مسؤُولِين عن رفاهِيّة صحيّة مجانِيّة لأكثر من 70 مليُون شخص في أفقَر مناطق الكوكَب، هذِه الـمُساهمَة تُغفلها ببراعة وسائِل الإعلام وأربَاب الطبّ الخاصّ الرِّبحِيّ وتتجاهلها الحُكُومات لأنّها بالفِعل مُخجِلَة لهُم وجالِبَةً لهُم العار على الاتّجَار بآلام ومُعاناة النّاس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع لإعداد هذا البحث كثِيرة جدًّا كلّها رسمِيّة من احصائِيّات وزارات صحّة وتقارِير منظّمات دُوَلِيّة مُخـتَـصّة وتقارِير البنك الدُّوليّ وُصُولاً لدراسات جامعيّة كوبيّة أشرتُ للكثِير منها ويُمكن العُثُور عليها أيضًا في مصادر أخرى لم أطّلع عليها لأنّها أرقام رسميّة، مع أحادِيث ولقاءات صحفيّة لرؤساء دُول وحُكُومات منشُورة.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,856,356,146
- لا تدعهُ يمُرّ، ابحَث عن حلٍّ حتّى يمُرّ فقط للعمَل!
- كورُونا العرَب وكورونا كارَاكاس
- آل سعُود ،طفيليَّات أصبحَت سرطانًا
- مُقترحَات برنَامج عمَل لمبادرة توحِيد اليسار العِراقيّ
- مرّة أُخرى،نشِيد الأُمميّة عنوانٌ لذكرى الفاتح من آيار/مايُو
- بعضٌ من الأخلاق الشُّيُوعيّة
- الأرضِيّة التّكتِيكِيّة للأُمَمِيّة الشُّيُوعيّة
- المُشاركَة والمُقاطعة فِي انتِخاباتِ اليَمِين
- مُنَاجَاةٌ ليْلِيّة مع سُورِيَا
- كاسترُو يرُدّ على أوبامَا
- يومٌ أمَمِيّ للمَرْأة
- مَشْهَد أرعَب الوِلايات -المُتَّحِدَة-
- إلى الباجِي قايِد السِّبسِي : استحِي
- بِبساطَة حول تُونِس
- الشّعبُ المُوَحَّد لا يُهزَم أبدًا
- في ذِكرَى ثورةالفاتِح من نُوفمبِر 1954، الجزَائِر على المِحَ ...
- توكّل كرمَان فِي بيرُوت
- رَضْوَان المَصْمُودِي رجُل المُوسَاد
- آخِر نِداءات سالفادُور آللِّيندِي
- أيَادِي مَوَّلت القاعِدة ومُشتقّاتها


المزيد.....




- السعودية تعلن ضوابط موسم الحج: منع لمس الحجر الأسود.. والجمر ...
- الهند.. حي فقير يعطي درسا في المعركة ضد كورونا
- خبراء يشرحون حاجة المغني كاني وست لتدشين حملة ترشحه لانتخابا ...
- كيف يحتفل أبناء الأثرياء برفع الحظر؟
- أهداف مباراة برشلونة وفياريال (4-1) في الدوري الإسباني... في ...
- وزير الري المصري: مفاوضات سد النهضة لم تصل إلى نتيجة حتى الآ ...
- -الإصلاح- اليمني: الحوثيون يقتحمون منزل رئيس كتلتنا البرلمان ...
- الهند.. الصواعق تقتل 147 شخصا خلال عشرة أيام
- اتساع رقعة الفيضانات في الصين
- أردوغان: أحبطنا المكائد ضدنا بشرق المتوسط.. وأول مفاعل نووي ...


المزيد.....

- قراءة في كتاب إطلاق طاقات الحياة قراءات في علم النفس الايجاب ... / د مصطفى حجازي
- الافكار الموجهه / محمد ابراهيم
- نحو تطوير القطاع الصحي في العراق : تحديات ورؤى / يوسف الاشيقر
- الطب التقليدي، خيار أم واقع للتكريس؟ / محمد باليزيد
- حفظ الأمن العام ، و الإخلال بالأمن العام أية علاقة ... ؟ / محمد الحنفي
- الوعي بالإضطرابات العقلية (المعروفة بالأمراض النفسية) في ظل ... / ياسمين عزيز عزت
- دراسات في علم النفس - سيغموند فرويد / حسين الموزاني
- صدمة اختبار -الإيقاظ العلمي-...........ما هي الدروس؟ / بلقاسم عمامي
- السعادة .. حقيقة أم خيال / صبري المقدسي
- أثر العوامل الاقتصادية و الاجتماعية للأسرة على تعاطي الشاب ل ... / محمد تهامي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - السموأل راجي - كُورونا، كُوبا والأُمَـــمِـــيَّة الطبيَّة