أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - وديع العبيدي - الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [12]









المزيد.....



الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [12]


وديع العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 6490 - 2020 / 2 / 12 - 20:11
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


(26)
قراءة الخوئي في المتشابه والنسخ والتحريف..
أولا: المتشابه..
المنع عن اتباع المتشابه..
الآيات التالية قد منعت عن العمل بالمتشابه..
[هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ]- (ال عمران 3: 7)
والمتشابه/(المنسوخ) يشمل الظاهر أيضا، ولا أقل من احتمال شموله للظاهر، فيسقط عن الحجية.
إن لفظ المتشابه واضح المعنى ولا إجمال فيه ولا تشابه، ومعناه أن يكون للفظ وجهان من المعاني أو أكثر. وجميع هذه المعاني في درجة واحدة بالنسبة إلى ذلك اللفظ. فإذا أطلق ذلك اللفظ، احتمل في كلّ واحد من هذه المعاني، أن يكون هو المراد، ولذا يجب التوقف في الحكم، إلى أن تدلّ قرينة على التعيين، وعلى ذلك فلا يكون اللفظ الظاهر من المتشابه.
ولو سلّمنا أنّ لفظ المتشابه متشابه، يحتمل شموله للظاهر؛ فهذا لا يمنع عن العمل بالظاهر، بعد استقرار السّيرة بين العقلاء، على اتباع الظهور من الكلام. فإن الاحتمال، بمجرّده، لا يكون رادعا عن العمل بالسيرة. ولا بدّ في الردع عنها من دليل قطعي، وإلا فهي متبعة من دون ريب.
ولذلك فان المولى يحتج على عبده إذا خالف ظاهر كلامه، ويصح له أن يعاقبه على المخالفة، كما أن العبد نفسه يحتج على مولاه، إذا وافق ظاهر كلام مولاه، وكان هذا الظاهر مخالفا لمراده. وعلى الجملة فهذه السيرة متبعة في التمسك بالظهور حتى يقوم دليل قطعي على الردع.

ثانيا: النسخ..
النسخ في اللغة..
هو (الاستكتاب): كالاستنساخ والانتساخ؛ وبمعنى: (النقل والتحويل): ومنه تناسخ المواريث والدّهور؛ وبمعنى (الإزالة): ومنه نسخت الشمس الظل. وقد كثر استعماله في هذا المعنى في ألسنة الصحابة والتابعين، فكانوا يطلقون على (المُخَصِّص) و(المُقَيِّد): لفظ (الناسخ).
وقد اطلق النسخ كثيرا على (التخصيص) في التفسير المنسوب إلى عبدالله ابن عباس [619- 687م].
النسخ في الاصطلاح..
في كتب التفسير وغيرها آيات كثيرة أُدُّعِيَ نَسْخُها. وقد جمعها أبو بكر النحّاس في كتابه (الناسخ والمنسوخ)، فبلغت (138) آية.
وقد عقدنا هذا البحث لنستعرض جملة من تلك الآيات المدعى نسخها، ولنتبين فيها أنه ليست - في واقع الأمر - واحدة منها منسوخة، فضلا عن جميعها.
وقد اقتصرنا على (36) آية منها، وهي التي استدعت المناقشة والتوضيح لجلاء الحق فيها، وأما سائر الآيات فالمسألة فيها أوضح من أن يستدلّ على عدم وجود نسخ فيها.
النسخ: هو رفع أمر ثابت في الشريعة بارتفاع أمده وزمانه، سواء أكان ذلك الأمر المرتفع من الأحكام التكليفية أم الوضعية؛ وسواء أكان من المناصب الإلهية أم من غيرها من الأمور، التي ترجع إلى الله بما أنه شارع. وهذا الأخير كما في نسخ القرآن من حيث التلاوة فقط، وإنما قيّدنا الرفع بالأمر الثابت في الشريعة، ليخرج به ارتفاع الحكم بسبب ارتفاع موضوعه خارجا؛ كارتفاع وجوب الصوم بانتهاء شهر رمضان، و ارتفاع وجوب الصلاة بخروج وقتها، وارتفاع مالكية شخص لماله بسبب موته؛ فإن هذا النوع من ارتفاع الأحكام لا يسمى نسخا، ولا إشكال في إمكانه ووقوعه، ولا خلاف فيه من أحد.
ولتوضيح ذلك نقول: إن الحكم المجعول في الشريعة له نحوان من الثبوت..
أحدهما: ثبوت ذلك الحكم في عالم التشريع والإنشاء: والحكم في هذه المرحلة يكون مجعولا على نحو القضية الحقيقية؛ ولا فرق في ثبوتها بين وجود الموضوع في الخارج وعدمه؛ وإنما يكون قوام الحكم بفرض وجود الموضوع.
وثانيهما: ثبوت ذلك الحكم في الخارج، بمعنى أن الحكم يعود فعليا بسبب فعلية موضوعه خارجا، ولكن ارتفاع هذا الحكم ليس من النسخ في شيء، ولا كلام لأحد في جواز ذلك ولا في وقوعه، وإنما الكلام في القسم الأول، وهو رفع الحكم عن موضوعه في عالم التشريع والإنشاء.
امكان النسخ..
المعروف بين المسلمين وغيرهم هو جواز النسخ بالمعنى المتنازع فيه: (رفع الحكم عن موضوعه في عالم التشريع والإنشاء). وخالف في ذلك اليهود والنصارى فادعوا استحالة النسخ، واستندوا في ذلك إلى (شبهة) هي أوهن من بيت العنكبوت؛ وملخصها: إنّ (النسخ) يستلزم (عدم حكمة) الناسخ، أو (جهله بوجه الحكمة).
وكلا هذين اللازمين (مستحيل) في حقه تعالى؛ وذلك لأنّ تشريع الحكم من الحكيم المطلق، لا بدّ أن يكون على طبق (مصلحة) تقتضيه؛ لأنّ الحكم الجزافي ينافي حكمة جاعله. وعلى ذلك.. فرفع هذا الحكم الثابت لموضوعه، إما أن يكون مع بقاء الحال على ما هو عليه من وجه (المصلحة) وعلم ناسخه بها؛ وهذا ينافي حكمة الجاعل مع أنه (حكيم مطلق).
وإما أن يكون من جهة (البداء)، وكشف الخلاف على ما هو الغالب في الأحكام والقوانين العرفية، وهو يستلزم الجهل منه تعالى. وعلى ذلك فيكون وقوع (النسخ) في (الشريعة) محالا، لأنّه يستلزم المحال.
إن الحكم المجعول من قبل (الحكيم)، قد لا يراد منه (البعث)، أو (الزجر) الحقيقيين، كالأوامر التي يقصد بها الامتحان. وهذا النوع من الأحكام يمكن إثباته أولا ثم رفعه، ولا مانع من ذلك. فانّ كلا من (الإثبات والرفع) في وقته، قد نشأ عن (مصلحة) و(حكمة).
وهذا النسخ لا يلزم منه خلاف الحكمة، ولا ينشأ من (البداء) الذي يستحيل في حقه تعالى. وقد يكون الحكم المجعول حكما (حقيقيا)، ومع ذلك (ينسخ) بعد زمان؛ لا بمعنى أن الحكم بعد ثبوته يرفع في الواقع ونفس الأمر، كي يكون مستحيلا على (الحكيم العالم بالواقعيات)؛ بل هو بمعنى أن يكون الحكم المجعول (مقيّدا) بزمان خاص معلوم عند الله، مجهول عند الناس؛ ويكون ارتفاعه بعد انتهاء ذلك الزمان، لانتهاء (أمده) الذي قيد به، وحلول (غايته الواقعية) التي أنيط بها.
النسخ بهذا المعنى ممكن قطعا، بداهة: أن دخل خصوصيات الزمان في مناطات الأحكام، مما لا يشكّ فيه عاقل. فإن يوم السبت - مثلا - في شريعة موسى قد اشتمل على (خصوصية) تقتضي جعله عيدا/(عيد = اجتماع) لأهل تلك الشريعة، ومثله يوم (الجمعة) في الإسلام. وهكذا الحال في أوقات الصلاة والصيام والحج.
وإذا تصورنا وقوع مثل هذا في الشرائع/(البشرية/ الوضعية)، فلنتصور أن تكون للزمان (خصوصية) من جهة استمرار الحكم وعدم استمراره، فيكون الفعل ذا مصلحة في مدة معينة، ثم لا تترتب عليه تلك (المصلحة) بعد انتهاء تلك المدة، وقد يكون الأمر بالعكس.
وجملة القول: إذا كان من الممكن أن يكون للساعة المعينة، أو اليوم المعين أو الاسبوع المعين، أو الشهر المعين تأثير في (مصلحة) الفعل أو مفسدته، أمكن دخل السّنة في ذلك أيضا، فيكون الفعل مشتملا على (مصلحة) في سنين معينة، ثم لا تترتب عليه تلك (المصلحة) بعد انتهاء تلك السنين.
وكما يمكن أن يقيد إطلاق الحكم من غير جهة (الزمان) بدليل منفصل. فكذلك يمكن أن يقيد إطلاقه من جهة (الزمان) أيضا بدليل منفصل، فإن المصلحة قد تقتضي بيان الحكم على جهة العموم أو الإطلاق. مع أن (المراد الواقعي) هو (الخاص أو المُقيَّد)؛ ويكون بيان (التخصيص) أو (التقييد) بدليل منفصل.
فالنسخ في الحقيقة (تقييد) لإطلاق الحكم من حيث الزمان؛ ولا تلزم منه مخالفة (الحكمة) ولا (البداء) بالمعنى المستحيل في حقه تعالى. وهذا كلّه بناء على أن جعل الأحكام وتشريعها، مُسبَّب عن مصالح أو مفاسد، تكون في نفس العمل. وأما على مذهب من يرى تبعية الأحكام لمصالح في الأحكام أنفسها، فإن الأمر أوضح. لأنّ الحكم الحقيقي على هذا الرأي يكون شأنه شأن الأحكام الامتحانية.
النسخ في الشريعة الاسلامية..
الشريعة الإسلامية: وضعية، بشرية، مذهبية، زمكانية، متغيرة..
لا خلاف بين المسلمين في وقوع النسخ، فإن كثيرا من أحكام (الشرائع السابقة)، قد نسخت بأحكام الشريعة الإسلامية. وإن جملة من أحكام (هذه الشريعة)، قد نسخت بأحكام أخرى من هذه (الشريعة نفسها)، فقد صرح القرآن بـ(نسخ) حكم التوجه في الصلاة إلى القبلة الأولى.
وإنما (الكلام) في أن يكون شيء من أحكام القرآن منسوخا بالقران، أو بالسّنّة القطعية، أو بالإجماع، أو بالعقل. وقبل الخوض في البحت عن هذه الجهة يحسن بنا أن نتكلم على أقسام النسخ، فقد قسموا النسخ في القرآن إلى ثلاثة أقسام..
أولا: نسخ التلاوة دون الحكم.
وقد مثلوا لذلك بآية الرجم فقالوا: إن هذه الآية كانت من القرآن ثم نسخت تلاوتها وبقي حكمها، وقد قدمنا لك في بحث (التحريف) أن القول بـ(نسخ) التلاوة هو نفس القول بـ(التحريف). وأوضحنا أن مستند هذا القول أخبار آحاد وأن أخبار الآحاد لا أثر لها في أمثال هذا المقام.
فقد أجمع المسلمون على أن (النسخ) لا يثبت بخبر الواحد كما أن (القرآن) لا يثبت به. والوجه في ذلك أن (الأمور المهمة) التي جرت (العادة) بـ(شيوعها) بين الناس، وانتشار الخبر عنها على (فرض وجودها)، لا تثبت بخبر الواحد؛ فإن اختصاص (نقلها) ببعض دون بعض بنفسه، دليل على كذب الراوي أو خطئه.
وعلى هذا فكيف يثبت بخبر الواحد، أن آية (الرجم) من القرآن. وأنها قد نسخت تلاوتها، وبقي حكمها. نعم.. قد تقدّم أن عمر الخطاب [584/ 634- 644م] أتى بآية (الرجم)، وادّعى أنّها من (القرآن). فلم يقبل قوله المسلمون، لأنّ (نقل) هذه الآية كان منحصرا به، ولم يثبتوها في المصاحف، فالتزم (المتأخرون) بأنها آية منسوخة التلاوة باقية الحكم.
ثانيا: نسخ التلاوة والحكم.
ممثلا بنسخ التلاوة والحكم معا، بما تقدم نقله عن (عائشة) [؟/ 619- 632/ 678م] في الرواية العاشرة من نسخ التلاوة في بحث (التحريف)، والكلام في هذا القسم كالكلام على القسم الأول بعينه.
ثالثا: نسخ الحكم دون التلاوة.
وهذا القسم هو المشهور بين العلماء والمفسرين، وقد ألِّفت فيه كتب مستقلة، ذكر فيها الناسخ والمنسوخ. منهم أبو جعفر النحاس (ت 949م)، والحافظ المظفر الفارسي، وخالفهم في ذلك بعض المحققين، فأنكروا وجود المنسوخ في القرآن. وقد (اتفق الجميع على إمكان ذلك)، وعلى (وجود آيات في القرآن ناسخة) لأحكام ثابتة في الشرائع السابقة، ولأحكام ثابتة في صدر الإسلام.
ولتوضيح الصحيح في هذا المقام، نقول: إن (نسخ) الحكم الثابت في (القرآن)، يمكن أن يكون على أقسام ثلاثة..
أولها: إن الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بالسنة المتواترة، أو بالإجماع القطعي الكاشف عن صدور النسخ عن النبيّ. وهذا القسم من النسخ لا إشكال فيه عقلا ونقلا. فان ثبت في مورد فهو المتبع، وإلا فلا يلتزم بالنسخ، وقد عرفت أن النسخ لا يثبت بخبر الواحد.
ثانيها: إن الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بآية أخرى منه ناظرة إلى الحكم المنسوخ، ومبينة لرفعه، وهذا القسم أيضا لا إشكال فيه، وقد مثلوا لذلك بآية (النجوى).
ثالثها: إن الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بآية أخرى غير ناظرة إلى الحكم السابق، ولا مبينة لرفعه، وإنما يلتزم بالنسخ لمجرد التنافي بينهما، فيلتزم بأن الآية المتأخرة ناسخة لحكم الآية المتقدمة.
والتحقيق: أن هذا القسم من النسخ غير واقع في القرآن، كيف وقد قال الله: [أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا]- (النساء 4: 82).
ولكن كثيرا من المفسرين وغيرهم، لم يتأملوا حق التأمل في معاني الآيات الكريمة، فتوهموا وقوع التنافي بين كثير من الآيات، والتزموا لأجله بأن الآية المتأخرة، ناسخة لحكم الآية المتقدمة، وحتى أن جملة منهم جعلوا من التنافي ما إذا كانت إحدى الآيتين (قرينة عرفية) على بيان المُراد من الآية الأخرى؛ كالخاص بالنسبة إلى العام، وكالمقيد بالإضافة إلى المطلق.
والتزموا بالنسخ في هذه الموارد وما يشبهها، ومنشأ هذا قلة التدبر، أو التسامح في إطلاق لفظ (النسخ) بمناسبة معناه اللغوي، واستعماله في ذلك. وإن كان شائعا قبل تحقق المعنى المصطلح عليه، ولكن إطلاقه مبتني على التسامح لا محالة.
وعلى كل فلا بد لنا من الكلام في الآيات التي ادعي النسخ فيها. ونذكر منها ما كان في معرفة وقوع النسخ فيه وعدم وقوعه غموض في الجملة.
[وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]- (البقرة 2: 109)
فعن ابن عباس وقتادة والسدي، أنها منسوخة بآية السيف/(التوبة 9: 5، 20)؛ واختاره أبو جعفر النحاس.
والالتزام بالنسخ ـ هنا ـ يتوقف على الالتزام بأمرين فاسدين..
الأول: أن يكون ارتفاع الحكم المؤقت بانتهاء وقته نسخا، وهذا واضح الفساد. فان النسخ إنما يكون في الحكم الذي لم يصرح فيه لا بالتوقيت ولا بالتأبيد. فإن الحكم إذا كان موقتا ـ وإن كان توقيته على سبيل الإجمال ـ كان الدليل الموضح لوقته، والمبين لانتهائه من القرائن الموضحة للمراد عرفا، وليس هذا من النسخ في شيء. فإن النسخ هو رفع الحكم الثابت الظاهر بمقتضى الإطلاق في الدوام وعدم الاختصاص بزمان مخصوص.
وقد توهم الرازي [1149- 1210م] أن من النسخ بيان الوقت في الحكم الموقت، بدليل منفصل وهو قول بين الفساد، وأما الحكم الذي صرح فيه بالتأبيد، فعدم وقوع النسخ فيه ظاهر.
الثاني: أن يكون أهل الكتاب أيضا ممن أمر النبيّ بقتالهم، وذلك باطل. فانّ الآيات القرآنية الآمرة بالقتال إنما وردت في جهاد المشركين ودعوتهم إلى الإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر. وأما أهل الكتاب فلا يجوز قتالهم إلا مع وجود سبب آخر من قتالهم للمسلمين، لقوله: [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]- (البقرة 2: 190)
أو: إلقائهم الفتنة بين المسلمين، لقوله: [وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ]- (البقرة 2: 191)
أو: امتناعهم عن إعطاء الجزية للآية المتقدمة.
وأما مع عدم وجود سبب آخر، فلا يجوز قتالهم لمجرد الكفر..
وحاصل ذلك: أن الأمر في الآية المباركة بالعفو والصفح عن الكتابيين، لأنهم يودون أن يردوا المسلمين كفارا - وهذا لازم عادي لكفرهم - لا ينافيه الأمر بقتالهم عند وجود سبب آخر يقتضيه، على أن متوهم النسخ في الآية، قد حلّ لفظ الأمر من قوله: [اعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]- (البقرة 2: 109)
نسخ الصلاة..
ذكر القرطبي، وذكروا في وجه (النسخ) أن النبيّ وجميع اتباعه، كانوا (مخيّرين) في الصلاة إلى أية جهة شاؤوا/(؟!)؛ وإن كان الرسول، قد اختار من الجهات جهة بيت (المقدس)؛ فنسخ ذلك بالأمر بالتوجه إلى خصوص بيت الكعبة. ولا يخفى ما في هذا القول من الوهن والسقوط.
والصحيح أن يقال أنها دالّة على عدم اختصاص جهة خاصة بالله، فانه لا يحيط به مكان؛ فأينما توجه الإنسان في صلاته ودعائه وجميع عباداته، فقد توجه إلى الله.
نسخ الصيام..
[أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ]- (البقرة 2: 187)
نسخت آية الصوم: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]- (البقرة 2: 183)
وجه النسخ: أن الصوم الواجب على الأمة في بداية الأمر كان مماثلا للصوم الواجب على الأمة السالفة. وأن من أحكامه أن الرجل إذا نام قبل أن يتعشى في شهر رمضان لم يجز له أن يأكل بعد نومه في ليلته تلك، وإذا نام أحدهم بعد المساء حرم عليه الطعام والشراب والنساء، فنسخ ذلك.
وقد اتفق علماء أهل السنة على أن آية التحليل ناسخة. ثم اختلفوا فقال بعضهم: هي ناسخة للآية السابقة، فانهم استفادوا منها أن الصوم الواجب في هذه الشريعة مماثل للصوم الواجب على الأمم السالفة؛ قال بذلك أبوالعالية، وعطاء، ونسبه أبو جعفر النحاس إلى السدي أيضا. وقال بعضهم: إن آية التحليل ناسخة لفعلهم الذي كانوا يفعلونه.
ولا يخفى أن النسخ للآية الأولى موقوف على إثبات تقدمها على الآية الثانية في النزول. ولا يستطيع القائل بالنسخ إثباته. وعلى أن يكون المراد من التشبيه في الآية تشبيه صيام هذه الأمة، بصيام الأمم السالفة، وهو خلاف المفهوم العرفي، بل وخلاف صريح الآية. فان المراد بها تشبيه الكتابة بالكتابة، فلا دلالة فيها على أن الصومين متماثلان لتصح دعوى النسخ، وإذا ثبت ذلك من الخارج، كان نسخا لحكم ثابت بغير (القرآن).
آية القتال..
[اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ]- (البقرة 191)
قال أبو جعفر النحاس: وأكثر أهل النظر على هذا القول أن الآية منسوخة، وأن المشركين يقاتلون في الحرم وغيره. ونسب القول بالنسخ إلى قتادة أيضا.
والحق: أن الآية محكمة ليست منسوخة. فإن كان ناسخ الآية هو قوله: [فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ]- (التوبة 9: 5)
فهذا القول ظاهر البطلان. لأن الآية الأولى (خاصة). و(الخاص) يكون قرينة على بيان المراد من العام. وإن علم تقدمه عليه في الورود، فكيف إذا لم يعلم ذلك؟ وعلى هذا فيختص قتال المشركين بغير الحرم، إلا أن يكونوا هم المبتدئين بالقتال فيه، فيجوز قتالهم فيه حينئذ.
وإن استندوا في نسخ الآية إلى الرواية القائلة أن النبيّ أمر بقتل ابن خطل، وقد كان متعلقا بأستار الكعبة؛ فهو باطل أيضا..
أولا: لأنه خبر واحد لا يثبت به النسخ.
ثانيا: لأنه لا دلالة له على النسخ. فأنهم رووا في الصحيح عن النبيّ قوله: (إنها لم تحلّ لأحد قبلي، وإنما أحلّت لي ساعة من نهارها). وصريح هذه الرواية أن ذلك من خصائص النبيّ. فلا وجه للقول بنسخ الآية؛ إلا المتابعة لفتاوى جماعة من الفقهاء. والآية حجّة عليهم.
[يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]- (البقرة 2: 217)
قال أبو جعفر النحاس. أجمع العلماء على أن هذه الآية منسوخة، وأن قتال المشركين في الشهر الحرام مباح، غير عطاء فانه قال: الآية محكمة، ولا يجوز القتال في الأشهر الحرم.
وأما الشيعة الإمامية فلا خلاف بينهم نصا وفتوى على أن التحريم باق. صرح بذلك النووي [1233- 1277م] في التبيان: (2/ 207) وجواهر الكلام: (21/ 32)، وهذا هو الحق.
وما ذكره النحاس فهو غريب جدا، فان الآية علقت الحكم بقتل المشركين على انسلاخ الأشهر الحرم.
وإن استندوا فيه إلى إطلاق آية السيف وهي قوله:
[إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ]- (التوبة 9: 36)
فمن الظاهر أن (المطلق) لا يكون ناسخا لـ(لمُقيَّد)، وإن كان متأخرا عنه.

ثالثا: التحريف..
[القرآن ألف ألف وسبعة وعشرون ألف حرف. بينما القرآن الذي بين أيدينا لا يبلغ ثلث هذا المقدار، وعليه فقد سقط من القرآن أكثر من ثلثيه]- (السيوطي في الاتقان (1/ 121))
وقوع التحريف في القرآن، مانع من العمل بالظواهر، لاحتمال كون هذه الظواهر، مقرونة بقرائن تدل على المراد، وقد سقطت بالتحريف.
أن (الروايات) الآمرة بالرجوع إلى القرآن، بأنفسها شاهدة على عدم التحريف.
وإذا تنزلنا عن ذلك، فان مقتضى تلك (الروايات)، هو وجوب العمل بالقرآن. وإنْ فُرِض وقوع التحريف فيه. ونتيجة ما تقدم لا بدّ من العمل بـ(ظواهر) القرآن، وأنه الأساس للشريعة، وأن السّنة المحكية لا يعمل بها إذا كانت مخالفة له.
يطلق لفظ (التحريف) ويراد منه عدة معان، على سبيل الاشتراك. فبعض منها (واقع في القرآن) باتفاق المسلمين؛ وبعض منها لم يقع فيه باتفاق منهم أيضا؛ وبعض منها وقع الخلاف بينهم. وتفصيل ذلك..
الأول: نقل الشيء عن موضعه وتحويله إلى غيره ومنه:
[مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلً]- (النساء 4: 46)
ولا خلاف بين المسلمين في وقوع مثل هذا التحريف في كتاب الله، فإنّ كل من فسر القرآن بغير حقيقته، وحمله على غير معناه فقد حرفه. وترى كثيرا من أهل (البدع) و(المذاهب الفاسدة)، قد حرفوا القرآن بتأويلهم آياته على آرائهم وأهوائهم.
وقد ورد المنع عن التحريف بهذا المعنى، وذم فاعله في عدة من الروايات. منها رواية (الكافي) بإسناده عن الباقر [677- 733م]، أنه كتب في رسالته إلى سعد الخير: [وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه، والجهال يعجبهم حفظهم للرواية، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية].
الثاني: النقص أو الزيادة في الحروف أو في الحركات..
مع حفظ القرآن وعدم ضياعه، وإن لم يكن متميزا في الخارج عن غيره..
و(التحريف) بهذا المعنى واقع في القرآن قطعا. فقد أثبتنا فيما تقدم عدم تواتر القراءات. ومعنى هذا أن القرآن إنما هو مطابق لإحدى القراءات؛ وأما غيرها فهو إما (زيادة) في القرآن وإما (نقيصة) فيه.
الثالث: النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتين، مع التحفظ على نفس القرآن..
و(التحريف) بهذا المعنى قد وقع في صدر الإسلام. وفي زمان (الصحابة) قطعا. ويدلّنا على ذلك (إجماع) المسلمين على أن عثمان [576/ 644- 656م] أحرق جملة من (المصاحف)/(645م)، وأمر ولاته بحرق كلّ مصحف غير ما جمعه. وهذا يدلّ على أن هذه المصاحف، كانت مخالفة لما جمعه؛ وإلا لم يكن هناك سبب موجب لإحراقها، وقد ضبط جماعة من العلماء (موارد الاختلاف بين المصاحف)، منهم: عبدالله بن أبي داود السجستاني [844- 923م]، وقد سمى كتابه هذا بـ(كتاب المصاحف). وعلى ذلك فـ(التحريف) واقع لا محالة، إما من عثمان أو من كتّاب تلك المصاحف.
ولكنا سنبين بعد هذا إن شاء الله تعالى أن ما جمعه عثمان كان هو (القرآن) المعروف بين المسلمين، الذي تداولوه عن النبيّ يدا بيد. فـ(التحريف) بالزيادة والنقيصة، إنما وقع في تلك المصاحف التي انقطعت بعد عهد عثمان. وأما (القرآن) الموجود فليس فيه زيادة ولا نقيصة.
وجملة القول: إن من يقول بعدم تواتر تلك المصاحف -كما هو الصحيح - فـ(التحريف) بهذا المعنى، وإن كان قد وقع عنده في الصدر الأول؛ إلا أنه قد انقطع في زمان عثمان. وانحصر المصحف بما ثبت تواتره عن النبيّ. وأما القائل بتواتر المصاحف بأجمعها، فلا بدّ له من الالتزام بوقوع (التحريف) بالمعنى المتنازع فيه في (القرآن)، وبضياع شيء منه.
وقد مر عليك تصريح الطبري، وجماعة آخرين بالغاء عثمان للحروف الستة التي نزل بها القرآن، واقتصاره على حرف واحد.
الرابع: التحريف بالزيادة والنقيصة في الآية والسورة، مع التحفظ على (القرآن)، والتسالم على قراءة النبيّ إياها.
والتحريف بهذا المعنى أيضا واقع في القرآن قطعا. فالبسملة -مثلا- جمع قسم منهم أنها ليست من (القرآن)، بل ذهبت (المالكية) إلى كراهة الاتيان بها قبل (الفاتحة) في الصلاة اليومية، إلا إذا نوى المصلي الخروج من الخلاف.
وأما الشيعة فهم (متسالمون) على جزئية (البسلمة) من كلّ سورة غير سورة (التوبة).
وإذن فالقرآن المنزل من السماء قد وقع فيه (التحريف) يقينا، بالزيادة أو بالنقيصة.
الخامس: (التحريف) بالزيادة: بمعنى أن بعض (المصحف) الذي بأيدينا ليس من الكلام المنزل.
و(التحريف) بهذا المعنى (باطل) بإجماع المسلمين، بل هو ممّا علم بطلانه بالضرورة.
السادس: (التحريف) بالنقيصة: بمعنى أن (المصحف) الذي بأيدينا لا يشتمل على جميع (القرآن) الذي نزل على محمّد. فقد ضاع بعضه على الناس.
و(التحريف) بهذا المعنى: هو الذي وقع فيه الخلاف فأثبته قوم ونفاه آخرون.
آراء المسلمين في (التحريف)..
الشائع بين المسلمين عدم وقوع (التحريف) في القرآن. وأن الموجود بأيدينا هو جميع القرآن المنزل على النبيّ، وقد صرح بذلك كثير من الأعلام. منهم: رئيس المحدثين الصدوق محمد بن بابويه [918- 991م]، وقد عدّ القول بعدم (التحريف) من معتقدات الإمامية.
ومنهم: شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي [1201- 1274م]، وذلك في أول تفسيره: (التبيان)؛ وقد نقل القول بذلك عن شيخه علم الهدى السيد المرتضى [966- 1044]، واستدلاله على ذلك بأتم دليل. ومنهم: المفسّر الشهير الطبرسي [1073- 1154م] في مقدمة تفسيره: (مجمع البيان).
ومنهم: شيخ الفقهاء الشيخ جعفر [1156- 1228ه] في بحث القرآن من كتابه (كشف الغطاء)، وادّعى الإجماع على ذلك. ومنهم: العلامة الجليل الشهشهاني (ت 1870م) في بحث القرآن من كتابه (العروة الوثقى)، ونسب القول بعدم التحريف إلى جمهور المجتهدين. ومنهم: المحدث الشهير المولى محسن القاساني (ت 583ه) في كتابيه: (الوافي) و(علم اليقين). ومنهم بطل العلم المجاهد الشيخ محمد جواد البلاغي [1856- 1933م] في مقدمة تفسيره (آلاء الرحمن)..
وقد نسب جماعة القول بـ(عدم التحريف) إلى كثير من الأعاظم. منهم: شيخ المشايخ المفيد [948- 1022م]، والمتبحر الجامع الشيخ البهائي [1547- 1621م]، والمحقق القاضي نور الله التستري [1549- 1610م]، وأضرابهم.
وممن يظهر منه القول بـ(عدم التحريف): كلّ من كتب في (الإمامة) من علماء الشيعة وذكر فيه المثالب، ولم يتعرض لـ(التحريف). فلو كان هؤلاء قائلين بـ(التحريف)، لكان ذلك أولى بالذكر من إحراق (المصحف) وغيره..
وجملة القول: أن المشهور بين علماء الشيعة ومحققيهم، بل (المتسالم) عليه بينهم هو القول بعدم (التحريف). نعم ذهب جماعة من المحدثين من الشيعة، وجمع من علماء أهل السنة إلى وقوع (التحريف). قال الرافعي [1880- 1937م]: فذهب جماعة من (أهل الكلام) ممّن لا صناعة لهم إلا الظنّ والتأويل، واستخراج الأساليب الجدلية من كلّ حكم وكلّ قول إلى جواز أن يكون قد سقط عنهم من (القرآن) شيء، حملا على ما وصفوه من كيفية جمعه. وقد نسب الطبرسي في (مجمع البيان) هذا القول إلى الحشوية من العامة.
أقول: سيظهر أن القول بـ(نسخ التلاوة) هو بعينه القول بـ(التحريف). وعليه فاشتهار القول بوقوع النسخ في التلاوة - عند علماء أهل السنة - يستلزم اشتهار القول بالتحريف.
روايات التحريف بالنقص..
روى نافع أن ابن عمر قال: (ليقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله؟ قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر)- (السيوطي في الاتقان (2: 40))
وروى عروة بن الزبير عن عائشة قالت: (كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبيّ مائتي آية، فلمّا كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا ما هو الآن)- (السيوطي في الاتقان (2: 40- 41))
وروت حميدة بنت أبي يونس. قالت: (قرأ علي أبي - وهو ابن ثمانين سنة - في مصحف عائشة: إن الله وملائكته يصلون على النبيّ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، وعلى الذين يصلون الصفوف الأوَل. قالت: قبل أن يغير عثمان المصاحف)- (السيوطي في الاتقان (2: 40- 41))
ـ وروى أبو حرب ابن الأسود عن أبيه. قال: (بعث أبو موس الأشعري إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل. قد قرؤوا القرآن. فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم، فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب العرب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فانسيتها، غير أني قد حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فانسيتها، غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم، فتسألون عنها يوم القيامة)
وروى ابن أبي داود وابن الانباري عن ابن شهاب، قال: (بلغنا أنه كان أنزل قران كثير، فقتل علماؤه يوم اليمامة، الذين كانوا قد وعوه، ولم يعلم بعدهم ولم يكتب).
وروى أبوسفيان الكلاعي: أن مسلمة بن مخلد الأنصاري قال لهم ذات يوم: أخبروني بآيتين في القرآن لم يكتبا في المصحف، فلم يخبروه، وعندهم أبو الكنود سعد بن مالك، فقال ابن مسلمة: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ألا ابشروا أنتم المفلحون. والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون).
وقد نقل بطرق عديدة عن ثبوت سورتي الخلع والحفد في مصحف ابن عباس وأبي بن كعب: (اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكافرين ملحق).
وبيان ذلك..
أن نسخ التلاوة هذا إما أن يكون قد وقع من الرسول، وإما أن يكون ممن تصدى للزعامة من بعده. فإن أراد القائلون بالنسخ وقوعه من الرسول، فهو أمر يحتاج إلى إثبات. وقد اتفق العلماء أجمع على عدم جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد، وصرح بذلك جماعة في كتب الأصول وغيرها/(الموافقات لأبي اسحاق الشاطبي(و 1388م): 3/ 106)،
بل قطع الشافعي [767- 820م] وأكثر أصحابه، وأكثر أهل (الظاهر) بامتناع (نسخ) الكتاب بالسنة المتواترة. وإليه ذهب أحمد بن حنبل [780- 855م] في إحدى الروايتين عنه. بل إن جماعة ممّن قال بإمكان (نسخ) الكتاب بالسنة المتواترة، منع وقوعه/[الآمدي [1156- 1233م] في: الإحكام في أصول الأحكام (3/ 217)].
وعلى ذلك فكيف تصح نسبة (النسخ) إلى النبيّ بأخبار هؤلاء الرواة؟. مع أن نسبة (النسخ) إلى النبيّ، تنافي جملة من الروايات التي تضمنت، أن الاسقاط قد وقع بعده. وإن أرادوا أن (النسخ) قد وقع من الذين تصدّوا للزعامة بعد النبيّ، فهو عين القول بـ(التحريف).
وعلى ذلك، فيمكن أن يدعى، أن القول بـ(التحريف): هو مذهب أكثر علماء أهل السنة. لأنهم يقولون بجواز (نسخ التلاوة). سواء أنسخ الحكم أم لم ينسخ. بل تردد الأصوليون منهم في جواز تلاوة الجنب ما نسخت تلاوته، وفي جواز أن يمسه المحدث. واختار بعضهم عدم الجواز. نعم ذهبت طائفة من المعتزلة إلى عدم جواز نسخ التلاوة.
ومن العجيب أن جماعة من علماء أهل السنة، أنكروا نسبة القول بـ(التحريف) إلى أحد من علمائهم، حتى أن الالوسي [1802- 1854م] كذب الطبرسي [1073- 1154م] في نسبة القول بـ(التحريف) إلى (الحشوية)؛ وقال: إن أحدا من علماء أهل السّنة لم يذهب إلى ذلك.
مع انك قد عرفت أن القول بعدم التحريف هو المشهور بل المتسالم عليه بين علماء الشيعة ومحققيهم، حتى أن الطبرسي قد نقل كلام السيد المرتضى بطوله، واستدلاله على بطلان القول بالتحريف بأتم بيان وأقوى حجة.

التحريف والكتاب..
والحق بعد هذا كله أن (التحريف) بالمعنى الذي وقع النزاع فيه، غير واقع في القرآن أصلا بالأدلة التالية..
[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ]- (الحجر 15: 9)
وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد]- (فصلت 41: 41- 42)

خلاصة..
ظرفية تعليمات القرآن..
المصلحة = الظرفية الزمكانية.
المصلحة الزمكانية = تأكيد زمكانية الإسلام
زمكانية القرآن = تقييده في منطقة الحجاز مكانا، ولزمن مقيّد أمدا.
الاسلام الحجازي الصحراوي = نفي كون الاسلام لكلّ زمان ومكان.
الشريعة: ظرفية زمكانية في تفصيلها وتفسيرها.
الله: ثابت لا يتغير ولا يتبدل، ولا ينال منه شيء.
الشريعة الإلهية: شريعة ثابتة بلا تبديل ولا تغيير ولا نسخ.
الشريعة تقوم على (ثوابت أساسية) مثل (الوصايا العشر في شريعة موسى)، وهي ثوابت إلهية.
أما الشرائع والنصوص العارضة للتبديل، فهي تتبدل بفعل البشر، وهاته الشرائع والنصوص بشرية، ولا يليق أن ينسب التبديل والتغيير والنسخ لله المطلق. و(الشبهة): التي يتهم بها الخوئي أهل الكتاب، إنما موردها (نفسه)، وقرينة الآخرين أن النسخ والتبديل تخدش الطبيعة الالهية الثابتة المطلقة، والحكمة الالهية العارفة الجامعة بأسرار الكون والأرض على مدى الأزمان.
ولا يغفل غافل، أن (اللاهوت الكتابي)، أعمق وأوسع وأسمى بكثير، من سذاجة (علم الكلام) الإسلامي، ومناوراته اللغوية الظاهرية. والخلاصة الحتمية، ان ظاهرة النسخ القرآنية والإسلامية، تأكيد لبشرية وضع القرآن وتصنيع الشريعة!. وهو أمر أكبر من أن يعترف به مسلم، مهما كان مركزه الديني، خوفا على حياته، وطمعا في فقه المكاسب والمغانم.
يمكن اعتماد منطق (الأمد المقيّد والواقعي) في جانب (المتشابه) من الشريعة الإسلامية، من نفس المنظار، على (كلّ) الشريعة الإسلامية، واعتبارها استنفذت أغراضها وظروفها، ولذا وجب (رفعها) وحفظها في الأرشيف. فلا سيف اليوم ولا قطع رقاب وتصليب من خلاف، وإنما اليوم: ثمة (غازات وفيروسات)، يمكن استخدامها لقتل المخالفين والكافرين.
لكن هاته الأسلحة الحديثة ليست في أيدي المسلمين، وإنما في أيدي أعدائهم. والمصلحة العامة توجب وضع شريعة جديدة، تنسخ الشريعة الصحراوية من جذرها، سيما وأن المسلمين، هجروا الصحراء، لاهثين وراء حضارة الغرب الكتابي وفضلاته!. وفي كتاب ابن اسحاق إشارة لظرفية (الإسلام) وتقييده الزمني.
(النسخ) في أصله، ظاهرة قرآنية، مكانها في (القرآن)، وليس السنة والحديث. والقرآن ليس الشريعة، وإنما يمكن أن تكون جزء محدودا منه. علما أن الشريعة الإسلامية ليست من (القرآن)، وإنما هي في الأغلب من مصانع الرواة والمحدثين وأعمدة المذاهب والطوائف، وهم فيها مختلفون.
ومذهب الخوئي الآخذ بظرفية القرآن الزمكانية، والآيلة بحسب العقائد الايرانية: [لكل زمان ومكان نبيّ/ إمام]، وهي قاعدة الإمامية الأثني عشرية/(ولاية الفقيه)؛ فأن ظاهرة النسخ بحسب ذلكم، هي ضرورة من جهة وعادية التراتب والتكيّف مع العصر والمكان.
ولذا يستخدم الفقيه لفظة (الشريعة) ويسمها بـ(المقدسة)، بدل (القرآن) كدستور جامع للإسلام. فـ(الشريعة) كما هو واضح، هي بشرية يدوية، يتحكم بها المرجع الديني/ الإمام/ وكيل المهدي/ الوليّ الفقيه، حسب اجتهاده وطبيعته ، وحسب بلد التطبيق. فتجد شريعة الولي في ايران، غيرها عما في عراقستان أو لبنان أو أفغانستان.
وهذا هو جوهر قراءة أحمد القبانجي/ (مواليد النجف 1958م) للإسلام المحمّدي، بوصفه صورة للحياة الصحراوية في ظرفها البيئي والزمني. فالكر والفر والمغانم المادية والرقيق وتجارة الرقيق وفقه النكاح وجهاد المتعة، التي بلغت ذروة ازدهارها في العهد العباسي [750- 1258م]/(أسواق النخاسة/ تجارة الرقيق)، تترجم ثقافتها المحلية والزمنية. ولكن تلك الظروف والملامح الثقافية تراجعت واضمحلت مع الزمن.
أما العامل الجديد الذي يورده الخوئي، فهو (المصلحة).
ما هيّة المصلحة، وتعريفها اجتماعيتا ودينيا. هل هي (البراغماتية) بالمفهوم الغربي؟.. وهل مصلحة (المجتمع) أو أم مصلحة الطبقة السيادينية، ممثلة بالسادة وأهل البيت عند (الشيعة)، أم الإقطاع الديني عموما، كما في عراقستان؟..
هي الحاجات المجتمعية المتبدلة المتغيرة بحسب تطور مظاهر الحياة وتعقيدها. وفي لغة الاقتصاد، الحاجة متغيرة متطورة متزايدة بالتدريج وباستمرار. ففي كل عام أو خمسة أعوام تحتاج الدولة/(المجتمع)، إلى تطوير وتوسيع مؤسسات التعليم والصحة والادارة والاقتصاد والسجون والترفيه، لتلبية تزايد الحاجات وبالتناسب مع النمو الدمغرافي والحضاري.
ويشكل التطور الحضاري والمدني والعمراني جزء من الحاجة والمصلحة، لكل مجتمع بشري. وهذا يشكل تحديا تاريخيا زمنيا للاسلام النابع من بيئة بدوية تحت حضارية، لجأت بنفسها للهروب من الصحراء إلى حواضر الشمال والغرب المجاورة لها، مما يتقدمها حضاريا وعمرانيا، ويختلف عنها ثقافيا ومدنيا.
وفي هاته الحيقية، كان احتلال أعراب نجد والحجاز، لبلدان الشمال والغرب الأفريقي، جناية بحق الحضارة والتمدن والانسانية، عندما فرض الأعراب سلطة السيف وعقلية الصحراء، على مخترعي الطوب والتقويم والرياضيات وعلوم الفلك، بله الكهنوت والدين والماورائيات.
تغير (المصلحة) كخلفية تبرر (النسخ) زمنية مكانية، تنحصر في واقع يثرب السياسي والاجتماعي، ولكنها لا تمسّ واقع العراق أو مصر أو الشام وغيرها من البلاد الواقعة تحت نير البداوة. بمعنى، ان هذا التبرير، ينافي مبدأ (عالمية الإسلام) في الزمان والمكان.
فمصلحة العراق أو الشام أو مصر، تختلف عن مصلحة نجد أو الحجاز، في وقت وقوع (النسخ). ولعلّ هذا الخلاف يبرر ظهور المذاهب والفرق والطوائف، في ظل التعسّف الإسلامي المتقاطع مع الحضارة والاجتماع والتمدن. والبلدان الزراعية والصناعية عموما، التي احتلها (الأعراب)، لا تحتاج أن يكون (رزقها تحت رمحها) كما عند البداة.
من منطلق هذا التحجر/(وليس التحضر)، دعا ابو اسحاق الحويني/ (مواليد كفر الشيخ 1956م)، للقيام بغزوة، غزوتين كلّ عام، لسدّ حاجة مصر من الغنائم والسبايا الإفريقية؛ دون أن يردّ عليه أحد من أبناء زمانه. لأيس هذا هو ما فعلته (داعش)/[2014- 2017م] و(بوكو حرام)/(2002م- ؟)، فكيف كانت الحصيلة.
وما موقف (الحويني) إذا قامت جماعة أخرى بغزو مصر والتمكن منها، بفضل أسلحة ومعدات أكثر تقدما.
عندها سترتفع عقيرة الشكاوى والماناداة بالمبادئ الغربية للتحرر والاستقلال وحقوق الانسان وتقرير المصير. أرجو للاسلاميين والاسلامويين أن يخرجوا من (ثلاجات التاريخ) ويتخففوا من عفن السراديب، فهم لا يستغنون عن مستشفيات الغرب، رغم أنهم يعظون فوق المنابر مجنا، بـ(الشفاء النبوي والتداوي ببول البعير وبول النبي).
الفقيه المسلم بحاجة للجلوس في البيت، أو سراديب الحضرة، ولا يتكلم في أمور العصر أو يتدخل في السياسات والحاجات العامة، لكي لا يرجم بالنفاق والكذب. ليعش سلفيته إلى أبعد حدّ بنفسه، ولا يدعو لها أو يعظ بها، أو يفرضها على سواه. أرأيت أنهم يقولون ما لا يفعلون، ويفتون بما لا يدرون، ويهرفون بما لا يعرفون. وعلى الدولة العربية والمجتمع الحيوي، أن يضع حدودا صارمة، لتلك الاستعارات السلفية المنتهية الصلاحية، والمنافية للحضارة والحداثة.
عراقستان [2003م- ؟].. على غرار يثرب المهاجرين، هما ضحايا سلطة الفقيه والحكم الديني المتخلف، الذي تجاوزته (اليمن) منذ نهاية الدولة الحميرية، التي كان ملوكها (كهّانا)؛ وهي التي أوحت لمحمّد الشاب، ببناء دولة عربية يحكمها في صورة (الكاهن) أو (النبي).
لكنه استكره سمت الكهانة اليهودية، واستمرأ سمت (النبوّة) على غرار دولة مسلم بن حبيب الحنفي في اليمامة/(القطيف اليوم).
والمفهوم المسيحي للنبوّة أكثر بساطة من المفهوم اليهودي التقليدي. وهو يرتبط بالعلاقة والامتلاء بالروح القدس، كعلاقة شخصية، وليس سلطوية على الغير. لكن محمّد ذهب بها للتطرف والمغالاة. ويمكن العثور على استخدام لفظة (روح القدس) في (القرآن) و(الحديث) وشعر حسان بن ثابت [554- 674م].
نعم.. ليس من العدل السماوي ولا البشري، الحكم على مجتمعات حوض المتوسط، لاتينية الثقافة رومانية الحضارة والامبراطورية، الخضوع لسياسات ووسائل بدوية فظة ودون حضارية، لا أمس، ولا اليوم. وفيما يرفض المسلمون المهاجرون في بلاد الغرب، الخضوع لأقانيمها وأنظمتها العلمانية، التيفصلت (الدين) عن السياسة العامة، فلا يجوز لهم، بالمقابل، فرض تعاليم (عقائدهم) البدوية الأدنى حضاريا، على سواهم.
وإذا كان المسلمون منذ القدم يحسدون عالم الغرب، ويترجمون ذلك بالعنف الهمجي والقرصنة، فكيف يبررون إذلال جماعة متحضرة متمدنة، بأيدي جماعة أدنى منها في الحضارة والثقافة والتمدن. ها السؤال يواجه اليوم وغدا، كل البلاد العربية وغير العربية، خارج محيط شبه الجزيرة العربية، المربض الأصلي لظهور الإسلام المحمّدي.
ولعلّ الحاصل في العراق، منذ (2003م) وما سامه من تخلف مدني وثقافي على كل مستوى وقطاع، هو صورة تقريبية، لجناية العقلية الصحراوية على المجتمعات الأكثر تقدما وتحضرا منها. ولعلّ وصف ابن خلدون [1332- 1406م] التبريري لذلك، شفرة ذات حدّين. فالقوة والعصبية سمة بارزة للجماعات البدائية في سلّم الحضارة؛ والعكس بالعكس.
فاستمرار الإسلام في عالم غير بدوي وغير صحراوي، يخالف أقانيم الحياة والوجود والطبيعة والعصر، ويجعله أشبه بـ(تاج على ميتة)*. فهناك شيء ميّت داخل كلّ مسلم، يثقل كاهله ويعيق حركته مع العصر. وهذا ما يجعل (الإسلام) العامل الرئيس لتخلف مجتمعاته عن ركاب الحضارة العصرية.
(القبلة) موضوع كتابي مستعار من (أهل الكتاب)، وهم أكثر سبقا من ظاهرة الإسلام؛ وذلك أنهم السابقون في بناء (بيت المقدس) للاجتماع الدوري فيه، والتوجه نحوه في عباداتهم عندما يكونون خارج (أوروشليم)، وإليه يتجه نصارى الغرب، كما في طريقة بناء كنائسهم المتجهة شرقا.
أما تغيير (القبلة)/(نسخها) في القرآن، فقد استعقب أمرين: أولهما: خلاف محمّد مع يهود يثرب وخيبر، فاتخذ (القبلة) أداة لتمييز أتباعه من غيرهم، والأمر الثاني: وقوع الصلح بينه وبين قريش، وأراد أن يتخذ (قبلة الكعبة) أداة لاستمالة أهل مكة، واجتماعهم مع المسلمين في (وحدة القبلة)، وقد حدث ذلك في العالم الثامن للهجرة/(فتح مكة).
أما الأمر الواجب معرفته، والمُضمّر لدى كثيرين؛ فهو أن (النسخ) والتبديل، لم يقتصر على (القبلة) وانما على المنظومة الاسلامية، التي تشمل كلّ الفروض الدينية، والتي كانت قريبة من الفروض والطقوس اليهمسيحية/(النصرانية) قبل (فتح مكة)، وحتئذ، لم يكن (الإسلام) غير فرقة يهودية عند البعض، وفرقة مسيحية عند آخرين، و(يهمسيحية) عند طرف، وكما هو واقعه وظاهره القرآني لليوم.
أما انشقاق المسلمين عن (أهل الكتاب)، فمردّه رفض هؤلاء الاعتراف بنبوّة محمّد ومزاعمه؛ فانقلب (التابع) إلى زعيم سياسي مسلح، يقهر الآخرين على اتباعه بالسيف والعنف والدم. وهو ما يفضح عدم صلته بالدين والواقع الديني وسلوك الأنبياء الذي سخر دعاواه، لربط نسبه بسلاسلهم، عبثا.
ولولا السيف وعصابات البلطجة والدم والترهيب، ما أتبعه أحد. وهذا معنى ومغزى ما يوصف بحروب الردّة، الشائنة بسمعة الديانة والصلة الالهية. ذلك فضلا عن تسخير (دين) لغرض سياسي، هو بناء دولة وسلطة سياسية وعوائل حاكمة، بالافتراء على ربّ العالمين. إذن، شمل النسخ جملة الإسلام الأول، وليس القبلة والصلاة فحسب. وما إسلام اليوم، غير الإسلام المنسوخ، النسخة العنفية الرديئة، وليدة يثرب من جهة، وصنيعة ما بعد محمّد من صحب وأهل بيت ورواة مناهضين.
مسألة نسخ الفروض والعبادات/(الإسلام الأولي)، والتي عرض لها كثير من المؤلفين المعاصرين، والمتقدمون في (ظاهرة النسخ)، تؤكد أن (إسلام يثرب) نسخ (إسلام مكة)، و(إسلام خلفاء محمّد) نسخ (إسلام محمّد). فكل ما جاء بعد محمّد هو (إسلام منسوخ) يختلف عمّا سبقه. وأدلة ذلك واضحة في القرآن والحديث، عند قراءاتها بشجاعة ومن غير التواء.
هاته المسألة التي لم يمعن الفكر الإسلام السابق والمحدث، التوقف عندها مليا، كتوقفه في فقه النساء والمواريث، يتعلق بدعاية العرب السلبية عن اليهودية والنصرانية، وقولهم، أن (نصرانية بولس) نسخت (نصرانية المسيح). وأن النصرانية والانجيل الشائع، هو (محرّف)، عن الأنجيل الأصلي.
منبع هاته الفكرة هو واقع بداية الإسلام نفسه، والذي يأتي في مقدمة ظاهرى وتاريخ النسخ، التي سبق ذكرها في الفصول الأولى من هذا الكتاب، كما وردت لدى ابن البارزي (مواليد حماه 645م) بقوله: أوّل النسوخ: الصلاة الأولى، ثم القبلة الأولى، ثم الصوم الأول، ثم الزكاة الأولى، ثم الإعراض عن المشركين، ثم العفو والصفح عن أهل الكتاب، ثم المخالطة في الحجّ، ثم العهد الذي كان بينه وبين المشركين/(وهذا يشمل جملة الإسلام الأول/(المكي)، وإبداله بخلافه).
(النسخ) هو الرفع، هو الإلغاء، هو (التبديل)؛ هو (التحريف).
فلا غرو.. أن تظهر اليوم تيارات إسلامية مكيّة سلمية فحسب؛ وليس مجرد (قرآنية)، لأن القرآن جامع بين فكرين متناقضين. ولا بدّ أخيرا، من إنصات لأصوات المثقفين والباحثين المعاصرين، التنويريين، الساعين لإرشاد الناس وإنقاذ القطيع من شفرة الجزار.
إستمعوا أخيرا لصوت العقل، من غير خوف، ومن غير حكم مسبق. فبالعقل: (تعرفون الحقّ، والحقّ يحرركم)!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أبو القاسم الخوئي [1899/ 1970- 1992م] المرجع الشيعي الأعلى السابق في النجف. من مواليد (خوي)/ أذربيجان الغربية، والده علي أكبر بن هاشم بن مير قاسم بن بابا الموسوي الخوئي [1285- 1371هـ] من تلاميذ عبدالله المامقاني [1290- 1351ه] فيي النجف/ العراق. أتمّ والده دراسته الحوزوية وعاد إلى موطنه، وفي اضطرابات حادثة المشروطة/(1905م) عاد إلى النجف، وبعد عامين التحقت به عائلته. كان عمر ابي القاسم الخوئي ثلاث عشرة عاما عندما وصل النجف والتحق بالدراسة الحوزوية حتى تخرج من مرحلة السطوح العالية. وفيي الحادية والعشرين التحق بالدراسات العليا على يد شيخ الشريعة الاصفهاني [1266- 1339ه]. عمل في التدريس قرابة ستة عقود. اولى شئون المرجعية بعد وفاة محسن الحكيم [1889- 1970م]. وله عدد كبير من التلاميذ، منهم علي السيستاني [1930/ 1992م- ؟]، وكيل المرجعية من بعد الخوئي. من مؤلفاته: معجم رجال الحديث/(24 مجلدا)، البيان في تفسير القرآن، وغيرها.
* تاج على ميتة: مسرحية من تأليف هنري دي مونترلان.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,722,275,962
- الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [11]
- الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [10]
- الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [9]
- الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [8]
- الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [7]
- الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [6]
- الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [5]
- الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [4]
- الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [3]
- الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [2]
- الناسخ والمنسوخ وما وراءهما- [1]
- أنا لا أعبد موتى
- بصراحة.. لا غير//2
- بصراحة.. لا غير..
- أين ينظر العرب؟.. (5)
- أين ينظر العرب.. (4)..
- أين ينظر العرب.. (3)
- أين ينظر العرب؟.. (2)
- أين ينظر العرب؟.. (1)
- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ...


المزيد.....




- بابا الفاتيكان يلغي مشاركته في قداس بسبب وعكة صحية
- عشرات آلالاف يؤدون صلاة الفجر في معظم المساجد في فلسطين المح ...
- انتبه.. قد تسيء للنبي محمد دون أن تدرك ذلك
- السديس: تعليق دخول زوار المسجد النبوي والمعتمرين مؤقتاً لكبح ...
- فيروس كورونا: الشعائر الدينية معلّقة حتى إِشعار آخر
- “مصر للطيران” تعلق على قرار الحكومة السعودية بتعليق الدخول ا ...
- تبون يصلي في المسجد النبوي (صور)
- شاهد: فيروس كورونا ينشر الرعب بالنجف ويشل حركة السياحة الدين ...
- شاهد: فيروس كورونا ينشر الرعب بالنجف ويشل حركة السياحة الدين ...
- كورونا بإيران.. إجراءات للتحكم بالفيروس ووفاة رجل دين وإصابة ...


المزيد.....

- المنهج التأويلي والفلسفة الهرمينوطيقية بين غادامير وريكور / زهير الخويلدي
- مستقبل الأديان والفكر اللاهوتي / عباس منصور
- للتحميل: التطور - قصة البشر- كتاب مليء بصور الجرافكس / مشرفة التحرير ألِسْ روبِرْتِز Alice Roberts - ترجمة لؤي عشري
- سيناريو سقوط واسقاط الارهاب - سلمياً - بيروسترويكا -2 / صلاح الدين محسن
- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن
- ارتعاشات تنويرية - ودعوة لعهد تنويري جديد / صلاح الدين محسن
- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - وديع العبيدي - الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [12]