أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علاء الدين الظاهر - رحيل عزيز الحاج















المزيد.....

رحيل عزيز الحاج


علاء الدين الظاهر

الحوار المتمدن-العدد: 6479 - 2020 / 2 / 1 - 16:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


توفي عزيز الحاج في الثاني عشر من كانون الثاني من هذا العام وكنت اخشى ذلك لأن هاتفه النقال لم يرد على اتصالي به منذ اسابيع عدة خصوصا وهو في الرابعة والتسعين واحواله الصحية كانت في تدهور مستمر.
كانت صدمة كبيرة لي ولغيري عندما ظهر عزيز الحاج على شاشة تلفزيون بغداد عام 1969 ليقدم اعترافاته. شتمته حينها بأقذع الشتائم ولم اكن وحيدا في هذا. كان عزيز الحاج يمثل لنا شباب تلك الحقبة رمزا لمحاربة النظام البعثي من خلال فكرة الكفاح المسلح ولم نكن نتوقع انهياره بهذه السهولة. قبل بضعة سنوات اخبرني المخرج حمودي الحارثي بأن مدير الاذاعة والتلفزيون حينها البعثي (ابو العلوج) استدعاه الى مكتبه وطلب منه اخراج تلك الحلقة من الاعترافات التي كان (ابو العلوج) يقدمها بين الحين والآخر. يضيف الحارثي انه وجد شخصا قصير القامة مصفّر الوجه يجلس على الطريف البعيد عنه من الاريكة. فهم الحارثي انه عزيز الحاج.
لم يكن اصفرار وجه عزيز الحاج بدون سبب فقد قتل البعثيون تحت التعذيب شقيقه عام 1963 ورأى بنفسه اساليب التعذيب البشعة في قصر النهاية وربما كان يدور في رأسه حال سمعته بعد بث اعترافاته ونهايته كرمز من رموز اليسار الشيوعي وتشمت خصومه به وهو الذي قضى اكثر من عشرة اعوام في سجون العهد الملكي مثل نكرة السلمان وبعقوبة والكوت لحين الافراج عنه بعد ثورة 14 تموز.
لن اتحدث عن اعترافاته تلك فقد اعترف هو في مذكراته ومقابلاته بخطأه الجسيم ذاك ولنفس السبب لن اتحدث عن تعيينه ممثلا للعراق في اليونسكو لكني اجد نفاقا دائما في هذا الموضوع من قبل الشيوعيين الذين لم يفتأوا يشتمون عزيز الحاج ليل نهار بينما حصل قادتهم وغيرهم من الشيوعيين على مناصب وزارية وغيرها بعد تحالفهم مع حزب البعث. فضلا عن ان الشيوعيين اقترفوا ذنبا اكبر بل خيانة وطنية كبرى عندما بقوا على تحالفهم مع البعثيين واحتفلوا معهم بإتفاقية الخيانة العظمى التي وقعها صدام مع شاه ايران بهلوي في الجزائر. وقبلها بعام ايّدوا حرب البعثيين على الكرد وهم حلفائهم الاوليين. بل وفقا لبهاء الدين نوري اقترح سكرتير الحزب عزيز محمد جعل الحزب الشيوعي جزءا من حزب البعث. فما قياس هذا بإعتراف عزيز الحاج خوفا من التعذيب او حصوله على منصب لم يدر عليه اكثر من ألف دولار شهريا.
عندما بدأت ابحث في تأريخ الحديث وجدت كتابات عزيز الحاج عقلانية ولديه القدرة على مراجعة مواقفه وافعاله وتصرفاته ووجدته معترفا بالخطأ على عكس الآخرين وعلى قدر عال من النضوج الفكري وذكرت هذا في كتاباتي. بعدها بدأت اتصالاتنا ثم التقيت به في باريس ودهش عندما اخذته الى احدى دور الكتب باللغة الانكليزية والتي تأسست في بدايات القرن العشرين ولم يكن يعرف بوجودها رغم اقامته الطويلة هناك.
اخبرني عزيز الحاج عن التعذيب البشع في سجون العهد الملكي الذي تعرّض له هو وبقية الشيوعيين مثل قلع الاظافر والتعليق على المراوح المربوطة بالسقف. من ضمن ما اعترف لي به عزيزالحاج هو هيمنة الاتحاد السوفيتي على الحزب الشيوعي العراقي. فمثلا في عام 1960 في براغ اخبر محرر روسي في مجلة قضايا السلم والديمقراطية، اخبر زكي خيري وبحضور عزيز الحاج ومهدي الحافظ بتعيينه عضوا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي وإن عليه، اي على زكي خيري، ان يتسلم هذه المسؤولية. ايضا اخبرني عزيز الحاج بأن خط آب 1964 فرضه الاتحاد السوفيتي على الحزب الشيوعي العراقي. ويضيف انه اثناء اعتقاله عام 1969 في قصر النهاية التقى بأحد المعتقلين الشيوعيين الكرد من كركوك وسأله عن جرائم كركوك لعام 1959 فأجابه الاخير بأنهم تصرفوا كشوفينيين وليس كأمميين واعترف له بقيام الشيوعيين بتلك الجرائم. هذه امور ينكرها الشيوعيين ويلقون باللوم على غيرهم. كما اخبرني عزيز الحاج ان الشاعر محمد مهدي الجواهري جاء الى بيت نوري عبدالرزاق في براغ في 8 شباط 1963 وكان عزيز الحاج موجودا. كان الجواهري فرحا مستبشرا بإنقلاب 8 شباط وبمقتل عبدالكريم قاسم (الكاذب) الذي اذاعه الانقلابيون صبيحة الانقلاب (بينما كان الزعيم حينها حيا يرزق وفي بيته) وإن الجواهري غيّر موقفه من الانقلاب فقط بعد ان طال القتل الشيوعيين.
بقينا على اتصال مستمر وكان يرسل لي مقالاته بالبريد الالكتروني وكنت اقوم بتصحيحها او اضافة او حذف بعض الامور منها واعيدها له وينشرها كما ارسلتها له. وفي بعض الاحيان عندما كنت اعتقد انه يصعب اقناعه بالتعديلات كنت اتصل به تلفونيا ونناقش الامر بإسهاب ثم يقبل التعديلات. لكن لا بد ان اقول انه في بعض الامور كان عنيدا وكأنه لا يزال بعقلية التصلب التي سادت الخمسينيات والستينيات. كان يكره ايران بدرجة غريبة وكان يبرر هذا بنظامها الاسلامي ولم افلح في ان اغيّر رؤيته عنها، رؤية بالاسود والابيض. فمثلا يمكن ان نرفض حرب اردوغان على الكرد وعلى تدخله في العراق وسوريا لكن لا يمكن ان نرفض دعمه للفلسطينيين مهما كان رأينا بحماس. وما يصح على اردوغان يصح على ايران. بل الاسوأ كان عزيز الحاج يصطف مع السعودية في كل موضوع يخص ايران. في عدة امور اخرى كان يتصرف بنفس العناد من دون ان يدرك ان السياسة والحياة عموما ليست دائما بالاسود والابيض. وقد انتقدته لأنه ظلّ يصر لوقت طويل على ان ايران كانت وراء جريمة حلبجة النكراء وكان يبرر ذلك بأنه اعتمد على احد التقارير الاميركية والتي قالت إن لم تخني الذاكرة بأن لدى ايران ايضا قدرات محدودة على انتاج الاسلحة الكيماوية وكانت الغاية من ذلك التقرير هو التمويه على جريمة صدام حسين الحليف لاميركا حينها. اتذكّر ايضا ان احد الصحافيين الاميركيين سأل احد المسؤولين في وزارة الدفاع الاميركية عن قدرات ايران في السلاح الكيماوي فكان جواب الاخير بأن الايرانيين نجحوا في تسميم قواتهم They only succeeded in gazing themselves. ورغم استخدام تعبير (قدرات محدودة) في التقرير الاميركي إلا ان عزيز الحاج بقي يلوم ايران إلى ان اقتنع في النهاية بأن صدام كان مسؤولا عن جريمة حلبجة. ورغم اقامته الطويلة في فرنسا كان يعاني من عدم فهم كامل للديمقراطيات الغربية حاله في ذلك حال معظم العراقيين والعرب. فكان يستغرب عدم اقدام الحكومات الغربية على اعادة المهاجرين الذين يقترفون الجرائم ويسيئون التصرف الى بلدانهم ولم افلح في إقناعه رغم تعاطفي معه في هذا الموضوع، لم افلح في اقناعه بأن انظمة الدول الاوربية ليست انظمة حكم شمولية بل تطورت لتحمي حقوق الانسان من خلال مؤسساتها وإن القضاء يبت في في هذه الامور ولا يسهل على حكومة ان تمرر قانونا بمثل ما يتصوره ويرغب به.
بقيت اوضاع العراق تقلقه. كان في اتصالاتنا يسألني عن رأيي بالاوضاع في العراق والمنطقة وكنت ولا زلت متشائما عنها واقولها له. توقف عزيز الحاج عن الكتابة بعد ان ضعف بصره بالتدريج. وبعد ان ضعفت حالته الصحية في السنة الاخيرة اكتفيت في اتصالاتي بالسؤال عن صحته واوضاعه وتجنبت اعطاء اي آراء سياسية متشائمة تزيد من تدهور صحته.
رحل عزيز الحاج مخلفا تأريخا وطنيا لوّثه اعترافه التلفزيوني عام 1969 وإنتهت معه حياةٌ مرّت بحقبٍ عديدة من تأريخ العراق دفع فيها سنوات في السجن والتعذيب الجسدي. فقدتُ برحيله صديقا عزيزا متواضعا. دفن في باريس اتمنى ان لا يكون قبره بعيدا عن قبر قطته المحبوبة اليه (ريمي).




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,819,635,738
- الله هو الحقيقة والحقيقة هي الله؟
- حرب حزيران في الذاكرة: هزمتنا النسوان
- شر البلية ما لا يجعلك تفكّر
- العرب لا يقرأون والحرب اليمنية
- هل كان نوري السعيد فعلا داهية؟
- انقلاب 17 تموز 1968
- إضافة ل عمالقة الرياضيات في التعليم الثانوي
- بعض عمالقة الرياضيات في التعليم الثانوي
- بائس من زمن البائسين، هادي خماس ومذكراته
- مستوى حكام العراق منذ 1968
- العبرة بين بيع الاوهام والاكاذيب والحقيقة
- يان (يوهانس) آرتس استاذ الديناميكية التبولوجية في دلفت
- الدكتور لو
- الذكرى الستون لثورة 14 تموز
- مصيبة مصائب العراقيين بهؤلاء
- توضيحات عن ما كتبه الصحفي عبدالستار البيضاني عن الزعيم عبدال ...
- 8 شباط 1963 جرحٌ لا يندمل
- الشفاء من عند الله والرزق من عند الله وكيف تقتل عقلك
- المحاضرة الاخيرة
- بعض الخرافات الدينية: تعال فهّم حجي احمد اغا


المزيد.....




- هدية لحليمة بولند تتسبب في انتقادات لاذعة لها والأخيرة ترد.. ...
- حشرات تستعد لـ-غزو- العالم بعد 17 عاما من وجودها تحت الأرض ( ...
- أردوغان: رفع الإجراءات الاحترازية الاثنين المقبل
- مرسوم ملكي بحريني بشأن مجلس الوزراء
- رياضية سعودية تروي سبب إيقاف خدماتها... فيديو
- شبح الإفلاس يخيم على شركات الاتحاد الأوروبي
- الـ-R0- ينخفض لأدنى مستوى... الصحة السعودية تبشر المواطنين ب ...
- السيسي ورئيس قبرص يرفضان التدخل العسكري الخارجي في ليبيا
- اكتشاف مادة فضائية مفقودة بعد بحث دام 30 عاما!
- بوتين أمر وزارتي الخارجية والدفاع بالتفاوض مع سوريا حول منح ...


المزيد.....

- الأوبئة والربح وشركات الأدوية الكبرى: كيف تدمر الرأسمالية ال ... / جو أتارد
- موقف الثورة البلشفية من مسلمى شعوب الشرق / سعيد العليمى
- كارل ليبكنخت وروزا لوكسمبورغ / محمود الصباغ
- هجرة العمالة من المغرب العربي إلى أوروبا هولندا نموذجا: دراس ... / هاشم نعمة فياض
- قراءة نقدية لأطياف ماركس فى طبعته التفكيكية / سعيد العليمى
- الجذور الحضارية والمجتمعية للتسلطية في سورية القسم الأول / محمد شيخ أحمد
- كتاب اللامساواة لبيكيتي-ماركس الحديث / محمود يوسف بكير
- المسألة السورية؛ محاولة للتأسيس- في الدولة / محمد شيخ أحمد
- قضية بناء الحزب - الإنتقال من الطور الحلقى الى الطور السياسي ... / سعيد العليمى
- غيتس قتل الملقحين / بيل غيتس


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علاء الدين الظاهر - رحيل عزيز الحاج