أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان حسين أحمد - تلّ الورد . . . رواية تستنطق الألم السوري المعاصر















المزيد.....

تلّ الورد . . . رواية تستنطق الألم السوري المعاصر


عدنان حسين أحمد

الحوار المتمدن-العدد: 6464 - 2020 / 1 / 14 - 23:07
المحور: الادب والفن
    


تُمثِّل رواية "تلّ الورد" الصادرة عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" في بيروت للروائية السورية أسماء معيكل نموذجًا للأدب الديستوبي Dystopian الذي يقف بالضد من الأدب اليوتوبي Utopian، فالأول هو أدب المدينة الفاسدة التي تعمُّها الفوضى، ويُهيمن عليها الشرّ المُطلَق، أما الثاني فهو أدب المدينة المثالية الفاضلة التي تسكن في مخيّلة الحالمين من البشر، وشتّان ما بين الاثنين. وعلى الرغم من بساطة قرية "تلّ الورد" إلاّ أنها يوتوبيا من نوع ما، فهي مدينة حُلُمية للشخصيتَين المركزيتَين اللتين تناصفتا البطولة، وتعلّقتا بها كمكان طُوباوي لا مثيل له على أرض الواقع رغم ما أصابها من دمار وخراب.
سعت أسماء معيكل منذ البدء لإحاطة القارئ بمكونات المجتمع السوري الذي يتألف من عرب وكرد وأرمن، ومسلمين ومسيحيين، وسنّة وشيعة، ودروز وما إلى ذلك من قوميات وأديان ومذاهب متعايشة منذ حقب وأزمان بعيدة، بل أن عائلة عمران راغد المعرّاوي، الشخصية الرئيسة تجمع المذهبين السنّي والشيعي تحت سقف واحد قبل أن تتفرّق وتتوزع في المنافي الأوروبية ثم تقفل راجعة إلى "تلّ الورد"، المكان اليوتوبي الوحيد الذي يتآلفون معه في حياتهم ومماتهم على حدٍ سواء.
تتمحور أحداث هذه الرواية على أهالي "تلّ الورد" لكنّ التركيز كان مُنصبًا على هذه الأسرة السورية التي تتألف من الأب راغد المعرّاوي وزوجته حسيبة لاذقاني وأولادهم الثلاثة عمران وربيع وباهرة. وبما أنّ عمران سوف يقع في حُب "كافي" فإن نطاق الأسرة يتوسّع قليلاً وينضاف إليها ولدهما البِكر "حيّان" الذي يأخذ بأحداث الرواية إلى المنفى الهولندي ويطعِّم أنساقها السردية بمعطيات ثقافية واجتماعية ودينية جديدة لا تتلاءم مع عقلية الأبوين القرويين.
وبما أنّ أحداث الرواية طويلة ومتشعِّبة فلابد من اختصارها قدر الإمكان كي نحيط بالثيمة الرئيسة للرواية وبعض الأفكار الجانبية المؤازرة. لابد من الإشارة إلى أنّ عمران المعرّاوي قد خدم في الجيش لمدة عامين ونصف العام، ثم سُرِّح من الخدمة العسكرية، وبحسب قناعته الشخصية، فـ "إن الإنسان بعد ذهابة للجيش لا يغدو رجلاً، بل يستحيل وحشًا أو يؤول ذليلاً" ومع ذلك فقد التحق في معمل الغزل والنسيج في حلب. أما شقيقه "ربيع" فلم يتابع دراسته الجامعية وإنما أصبح شرطيًا وعُيِّن في "تلّ الورد" لكنهم ما إن غيّروا رئيس المخفر وجاؤوا بآخر أمرهم بقمع المظاهرات، وعدم التهاون مع "الخونة والعملاء" حتى نُقل "ربيع" إلى الحسكة لكنه لم يذهب فسُجن داخل المخفر وتعرّض لتعذيبٍ وحشي سوف يدفعه للانشقاق والالتحاق بجماعة دينية مسلّحة تمارس سلوكًا تكفيريًا متطرفًا حتى مع عوائل المنتسبين إليها. لبس "ربيع" الزي الإسلامي، وحفّ شاربه وأطال لحيته. أما الشخصية الثالثة في العائلة فهي "باهرة" التي رفضت كل من تقدّم إليها من شباب القرية لكنها سوف تتعرض للاغتصاب وتقتل مُغتصِبها "أبو ظافر التونسي" طعنًا بالسكّين. يختفي عمران لمدة أسبوعين يتعرّض فيها للتعذيب، كما تتعرّض فيها "كافي" للاغتصاب على يد ضابط أول الأمر، ثم على أيدي الجهاديين، وحينما يتم استدعائه لخدمة الاحتياط يوافق أبواه على الرحيل والسفر إلى تركيا حيث عمل في مهن متعددة كالبناء والمداجن وأعمال التنظيف لكن معاملة الأتراك تبدلت بعد أن طالت الحرب وصاروا يعتدون على اللاجئين السوريين، وأكثر من ذلك فقد تناوب على اغتصابها ثلاثة أتراك خلّفوا في روحها جُرحًا لم يندمل. تتوفر هذه الرواية على انعطافات متعددة ربما تكون أخطرها اتخاد الوالدين قرارًا بتهريب ولدهما الوحيد "حيّان" إلى هولندا حيث تحتضنه عائلة السيد ميشيل وزوجته كوليت وأولاده الثلاثة جورج وطوني وميريانة ويربيانة تربية مسيحية، ويُحرِّفان اسمه من "حيّان" إلى "حنّا"، وها هو قد نجا من الموت وعاش في بلده الجديد "ولكن لابد أن يُميت معتقداته وثقافته لكي يعيش" ويسدّد ثمن الضريبة المفروضة عليه. وعلى الرغم من أهمية التركيز على محنة الأبوين وما عانياه من ظروف شاقة تفوق قدرتهما على التحمّل إلاّ أن محنة الابن لا تقل أهمية عن محنة الأبوين المُهاجرين اللذين اكتشفا فجأة أنّ ابنهما حيّان قد ترّبى تربية أوروبية لا تنسجم مع التقاليد الاجتماعية السورية بشعره الطويل، وأذنيه المزيّنتين بالأقراط، والإسوارة التي تطوّق معصمه كما البنات، وحينما تبدأ أمه بقصّ شعره بعد لمّ الشمل يشرع في البكاء مثل صغير فقدَ شيئًا عزيزًا عليه فينفر من والديه ويهرب من أمستردام إلى مدينة لاهاي على دراجة، ويذوب شيئًا فشيئًا في عالَم المشرّدين. أما "ربيع" فقد تبيّن أنه راقد في المستشفى وليس مع "الحور العين في الجنّة" وإنما بُترت ساقه ولديه العديد من الرصاصات في الظهر والعُنُق والحوض، ويعاني من شبح الأطراف المبتورة، وقد أدرك بأنه لم يعد رجلاً لكنه أيقنَ بأنه كان "خسيسًا ودنيئًا" حينما جوّع أبيه وعذّبه، وقدّم لأمه العَلَوية ورقة الاستتابة كي تخرج من الفرقة الضالة وتلتحق بالفرقة الناجية، وقال عن شقيقه عمران بأنه "ولّى الدُبُر" و "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، كما طلب من أخته "باهرة" أن تكون زوجة للتونسي الذي اغتصبها من قبل.
يبدو أن الروائية أسماء معيكل قد اشتغلت كثيرًا في هذه الرواية على الشخصيات النسوية وخاصة "كافي" و "باهرة" حتى أنها أوصلت الأولى إلى مرحلة الأسطورة بحيث جعلت من جسدها خريطة موشومة بالأفاعي والعقارب السامة بينما انقطع عمران في مرحلة مرضها وانهيارها النفسي إلى ملذاته الشخصية، وأفلامه الإباحية، وتورّط بتهريب العملة طوال مدة انتظاره الطويلة في إستانبول. وحينما يئس من إرجاع ابنه إلى بلده قرّر أن يعود مع "كافي" إلى "تلّ الورد" عسى أن يموتا هناك وتحتضن جسديهما إلى الأبد. وبما أنّ القوانين الهولندية لا تسمح لهما بالمغادرة فينبغي أن يهرب مع كافي مثلما هربا من بلادهما، وهنا تكمن المفارقة حيث يدفعان كل ما لديهما من نقود ومصوغات ذهبية كي يصلا إلى "تلّ الورد" في رحلة شاقة مليئة بالمصاعب بعد أن تُصاب زوجته بسرطان الدم وتنطفئ بين يديه قبل أن يطأ أرض القرية التي اختلفت رائحتها. ومن هول الصدمة لا يتعرّف على أخته باهرة التي لم تتعرف هي الأخرى. فلقد مات أبوه منذ وقت طويل، وفقدت أمه الذاكرة، وبدأ يبحث عن مساحة كافية لدفن زوجته التي أحبّها من الأعماق. وتأكيدًا للمناخ الديستوبي الذي أشرناه إليه في مستهل المقال لم يحضر أحد لمجلس العزاء بعد أن أصبحت الحياة كابوسًا مروِّعًا، وتحوّلت القرية إلى مقبرة جماعية، ومع ذلك فقد سيطرت عليه الهواجس بأن شقيقه "ربيع" لم يمت، وجارهم "الدهلوج" فقدَ عقله بعد أن سقط أحد البراميل المتفجرة على بيته، وأنه بدأ يأكل أشلاء البشر حينما لا يجد جيفة حيوان، وأنّ حَبّة اللشمانيا قد انتشرت في "تلّ الورد"، وأنّ الأطفال تشوّهت وجوههم، ثم تُوقظه "باهرة" من الكابوس الجائم على رأسه وتوبِّخه لأنه يريد أن يغادر ويتركها وحيدة، عند ذلك يخبرها بأن "حيّان" لم يمت بداء عضال كما أخبرها لحظة وصوله، وإنما ضاع في هولندا لأنه لم يرضَ بالعيش معهما. وفي الختام ترسم أسماء معيكل النهاية بطريقة مُعبّرة حينما يُصاب عمران بالشلل ويصبح رخوًا فيطلب منها أن تأخذه سحلاً إلى بيته وهما يستذكران أشياء كثيرة ويردِّدان أغاني الوالد:
"خضرة يا بلادي خضرة رزقك فوّار / محروسة بعين القدرة تبقى هالدار".
إن رواية "تلّ الورد هي أوديسة سورية بحق استنطقت ثورة الشعب السوري من خلال أسرة صغيرة تشظّت داخل البلاد وخارجها على أمل النجاة بأقل الخسائر، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن أشداق الموت كانت مفتوحة على سعتها فالتهمت الجميع دفعة واحدة مُذكِّرة إيانا بمقولة كفافي الشهيرة: " إذا خرّبت حياتك هنا، في هذا الركن الصغير، فهي خراب أينما حللت".





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,714,410,892
- نساء الهلباوي: سيرة روائية لجلاّد دنشواي بعيون نسائية
- تقرير عن السرقة. . شخصية منشطرة وأنداد لا مرئيون
- أب سينمائي. . . ثنائية البوح والكتمان
- أم البلابل. . نص سيري يُمجد المكان المُستلَب
- الشهداء يرقبون من المطعم التركي ما يحدث في المنطقة الخضراء
- رحَّالة . . تآزر الوثيقة التاريخية مع الخيال المجنّح
- سيرة اللقطة السينمائية وتجلياتها منذ ولادة الفن السابع وحتى ...
- أرواح صغيرة. . رحلة من جحيم الحرب السورية إلى -جنّة- المخيما ...
- مْباركة فيلم يرصد المهمّشين ويغوص في قاع المدينة المغربية
- الفنان حميد شكر . . . فيكَرات تائهة تُطلق العنان لمخيّلة الم ...
- طفلان ضائعان لسلام ابراهيم قصص ترصد وحشة المنفى وتستدعي الحن ...
- طيور الأحواز تحلّق جنوبًا.. رواية واقعية لم تنجُ من الخيال
- نوتة الظلام . . مَصفاة لتكرير النفوس الحائرة
- ربيع التنّومة: سيرة مدينة مُنتفضة، وشخصيات مُثقَلة بالعُقَد
- مراجيح الناثر بدر شاكر السيّاب. . دمامة اللغة بعيدًا عن وهج ...
- فيلم نباح يرصد تفكّك الأُسَر المهجّنة في بلدان الشَتات
- صمتُكَ كثيرٌ وظهيرتي لزجة: شطحات شعريّة تخرق المسكوت عنه
- البنتُ التي لا تحِّبُ اسمَها رواية تُراهن على قوّة الخيال
- وردة الأنموروك رواية تستعيد الإبادة الجماعية للأرمن
- إكس عدرا ترصد قصص الناجين من الموت الممنهج لنظام الأسد


المزيد.....




- في الذكرى الـ55 لاغتياله.. مالكوم إكس وموسيقى جاز المسلمين ا ...
- رانيا يوسف تعلق على تصنيف أحدث أفلامها (18+)
- بعد خرجات مفضوحة للدفاع المفوض عن بوليساريو .. تبون ينزع قنا ...
- بالفيديو... سقوط مجدي يعقوب على المسرح بحفل تكريمه
- رئيس الحكومة: زيارات الجهات داعمة للتنزيل الفعلي للجهوي
- معارك عنيفة بالجوف وقائد العمليات المشتركة يدعوا المواطنين ا ...
- لا تصدق كل ما تشاهده.. هذه بعض أكاذيب صناع أفلام هوليود
- رئيس الحكومة: مصرون على بذل مجهودات لرفع جهة كلميم واد نون ع ...
- شون كونري...الجوهرة السينمائية التي سيخلدها التاريخ
- بعد 15 عاما... المسلسل الأمريكي -فريندز- يعود بحلقة خاصة


المزيد.....

- ماتريوشكا / علي مراد
- الدراما التلفزيونية / هشام بن الشاوي
- سوريانا وسهىوأنا - : على وهج الذاكرة / عيسى بن ضيف الله حداد
- أمسيات ضبابية / عبير سلام القيسي
- حروف من الشرق / عدنان رضوان
- شبح الأمراض النادرة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- ديوان النفي المطلق / السعيد عبدالغني
- ديوان الحضرة / السعيد عبدالغني
- ديوان الحاوى المفقود / السعيد عبدالغني
- ديوان " كسارة الأنغام والمجازات " / السعيد عبدالغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان حسين أحمد - تلّ الورد . . . رواية تستنطق الألم السوري المعاصر