أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - سارة في توراة السفح: الفصل الثاني عشر/ 5



سارة في توراة السفح: الفصل الثاني عشر/ 5


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 6464 - 2020 / 1 / 14 - 23:07
المحور: الادب والفن
    


انطلق موكب التشييع إلى المقبرة الصغيرة، تغمره شمس الظهيرة الربيعية، المخلفة ظلالاً بلون الحِداد على جوانب جدران منازل الحارة. كون الرعد اخترق أكثر من مرة سكونَ السماء، المتكاثفة فيها السحب، حثّ المشيعون الخطى خشيَة أن تداهمهم الأمطار. ذلك سبق وجرى قبل نحو أسبوع، حينَ كان الكثير من أولئك الناس في الطريق إلى المقبرة نفسها، لوداع شقيقة حمّاد، حيث غرقَ قبرها بالماء وعادوا هم مبتلّين مرتعشين ـ كما حال القطط المتشردة، التي يفاجئها المطر وهيَ هائمة في الدروب أو على أسطح البيوت.
مساءً، وكان القمرُ هذه المرة مَن ينتهك حُرمة السحب ويصبغها باللون الأرجوانيّ، جرت ترتيبات العزاء عقبَ الإفطار؛ لأن الوقتَ منتصف شهر الصيام، تقريباً. دُعيَ المعزون إلى كراسٍ جُعلت في حلقة بأرض ديار منزل الفقيد، المحتفظ بلاطها بعدُ بالبهاء والجدّة. سلمى، الزوجة الأولى لحمّوكي آغا الكبير، أدخلت بدعة البلاط إلى المنزل وما لبثت أن انتشرت في بيوت الموسرين بالحارة. لما توفيت، قدم والدها إلى العزاء مع بدعة جديدة؛ بجلبه شيخاً حسن الصوت كي يتلو آيات الذكر الحكيم. ابن نيّو، بدَوره، اتفق اليومَ مع شيخ من الحارة، بوطانيّ النسب، على إحياء أمسية عزاء أبيه بترتيل الآيات القرآنية. مع برّه والده حتى لحظة طلوع روحه، أحس عليكي آغا الكبير بأن عبئاً ثقيلاً انزاحَ عن كاهله. لقد وتّرته هذه الفكرة، ولم يسلو عنها سوى بحضور الزعيم لتقديم العزاء. إذاك، تذكّر وعدَ الرجل لأبيه الراحل أن يُرسل أحدهم إلى مازيداغ كي يطلب من عليكي آغا الصغير العودة إلى الشام مع أسرته بعدما انتفت أسباب الخلاف بينهما.

***
حياء ابن نيّو، منعه من مفاتحة الزعيم بشأن وعده لأبيه الراحل، مقدّراً كل مرة أن مشاغل الرجل تمنعه من التفرغ للموضوع. آثر انتظار موسم الحج، الذي سيحل في بداية الصيف، علّ أحد الحجاج القادمين من موطن الأسلاف يحمل رسالته لأخيه في رحلة الإياب. ولكن هوَ ذا الحاج حسن، يُرسل إليه عصرَ أحد الأيام ابنه الثاني، سلو، المقترب حثيثاً من عقد عمره الثاني: " والدي، يا عم، يرغب بأن توافيه إلى المضافة "، قالها الشاب ذو العينين الزرق والملاحة الملحوظة. كان هذا يعمل مع شقيقه الكبير، موسي، المتعهد وكالة الأعمال الزراعية لآل شمدين. قبل ذلك، أعطى الشاب إشاراتٍ تدل على كرهه نيل العلم. لكنه لم يبرع، مثلما أمل شقيقه الكبير، في التعامل مع المزارعين.
ثمة في المضافة، ما لبث الزعيم أن استقبل عليكي آغا الكبير بابتسامة مضطربة. تدفق في الحديث، متكلماً عن تراكم أعماله نتيجة كبر حجم الحي، وبالتالي، ازدياد عدد المحتاجين للعون الماديّ. ظن الضيف أن الرجل يذكّره بضرورة تقديم المساعدة، فأوقف حديثه بالقول: " نعم، علينا واجب التخفيف عنهم بقدر المستطاع، وإني رهن الإشارة لتقديم ما عليّ "
" أنت لم تقصّر في واجبك قط، ولم يكن ذلك هدف الحديث "، رد الزعيم ثم أضاف بعد لحظة: " عنيتُ أن مشاغلي منعتني من التفرغ للتفكير بكيفية تنفيذ وصية المرحوم والدك، التي أعتبرها ديناً عليّ. إن تكليفَ شخصٍ بالسفر إلى مازيداغ، كما تعلم، ليسَ بالأمر اليسير ويحتاج وقتاً. على ذلك، أقترح أن ننتظر قدومَ أحد الحجاج من تلك الأنحاء كي نحمّله رسالة لأخيك. ما رأيك؟ "
" رباه، كأنك كنتَ تقرأ أفكاري! "، هتفَ عليكي آغا الكبير وهوَ يُداعب لحيته القصيرة وكان قد تركها تنمو مذ يوم وفاة والده. أوضح بعدئذٍ ما قصده، بالقول: " انتابتني نفس الفكرة، وذلك قبيل وصول دعوتك إليّ للحضور "
" وإذاً اتفقنا على هذا الحل، أليسَ كذلك؟ بفضل السكك الحديدية، سيصل الحاج المطلوب إلى الحجاز في خلال بضعة أيام، ومثلها في العودة. أي أن رسالتنا، كما أتمنى، يُمكن أن تصل لأخيك قبل حلول الخريف "
" ولو تأخّر أخي للشتاء؛ فكما تفضلتَ، فإن السفرَ سيكون سهلاً وسريعاً بركوب القطار "، قالها عليكي آغا الكبير في نبرة حارة تشي بشدة حماسه. لقد مضت ثلاثة أعوام على رحيل أخيه الكبير عن الشام، وترك غيابه حسرةً كبيرة كان يجد صداها لدى الأب في حياته.
بينما آمال الأخ الملول تزهر في فصل الربيع، منتظرةً الثمار على الصيف، كانت الأجواء السياسية تتلبّد في عموم السلطنة وبالأخص في قسمها الغربيّ: زمرة من الشبان المتحمسين، بعضهم من الضباط، كانوا قد أسسوا جمعية سرية تدين بأفكار الثورة الفرنسية، وظلوا طوال أعوام عديدة يحفرون بصبر تحت الأسس الهشة للخلافة وذلك لتقويضها؛ أو على الأقل، لفرض العمل بالدستور العثمانيّ، الذي تم تعطيله منذ ما يزيد عن الثلاثة عقود. كانوا بدَورهم ينتظرون الصيفَ، وتحديداً شهر يوليو/ تموز، الشاهد على قيام ثورة باريس الحمراء.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,681,811,450
- سارة في توراة السفح: الفصل الثاني عشر/ 4
- سارة في توراة السفح: الفصل الثاني عشر/ الحلقة 3
- سارة في توراة السفح: الفصل الثاني عشر/ 2
- سارة في توراة السفح: الفصل الثاني عشر/ 1
- سارة في توراة السفح: الفصل الحادي عشر/ 5
- سارة في توراة السفح: الفصل الحادي عشر/ 4
- سارة في توراة السفح: الفصل الحادي عشر/ 3
- سارة في توراة السفح: الفصل الحادي عشر/ 2
- سارة في توراة السفح: الفصل الحادي عشر/ 1
- سارة في توراة السفح: بقية الفصل العاشر
- سارة في توراة السفح: الفصل العاشر/ 3
- سارة في توراة السفح: الفصل العاشر/ 2
- سارة في توراة السفح: الفصل العاشر/ 1
- سارة في توراة السفح: بقية الفصل التاسع
- سارة في توراة السفح: الفصل التاسع/ 2
- سارة في توراة السفح: الفصل التاسع/ 1
- سارة في توراة السفح: بقية الفصل الثامن
- سارة في توراة السفح: الفصل الثامن/ 2
- سارة في توراة السفح: الفصل الثامن/ 1
- سارة في توراة السفح: بقية الفصل السابع


المزيد.....






- حروف من الشرق / عدنان رضوان
- شبح الأمراض النادرة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- ديوان النفي المطلق / السعيد عبدالغني
- ديوان الحضرة / السعيد عبدالغني
- ديوان الحاوى المفقود / السعيد عبدالغني
- ديوان " كسارة الأنغام والمجازات " / السعيد عبدالغني
- أثر التداخل الثقافى على النسق الابداعى فى مسرح يوهان جوتة / سمااح خميس أبو الخير
- زمن الخراب (رواية) / محمود شاهين
- طقوس الذكرى / عبد الباقي يوسف
- مسرحية -كلمات القرد الأبيض الأخيرة- وجدلية العلاقة بين الشما ... / خالد سالم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - سارة في توراة السفح: الفصل الثاني عشر/ 5