أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عصام شعبان حسن - شهيد القطار.. موجز عن المأساة في مصر















المزيد.....

شهيد القطار.. موجز عن المأساة في مصر


عصام شعبان حسن

الحوار المتمدن-العدد: 6397 - 2019 / 11 / 2 - 15:31
المحور: حقوق الانسان
    


شهيد تذكرة القطار، الشاب المصري العشريني محمد عيد، يختصر جزءا من الوضع المأساوي في مصر، على مستوى البنية الاقتصادية من فقر يثقل كاهل المصريين عموما، والشباب خصوصا العاطلين من العمل، والمشتغلين بأعمالٍ هامشية. ارتفاع أسعار الخدمات الذي تضاعف خلال أربع سنوات مضت، وزيادة نسب الإعالة بين النساء والشباب، خصوصا في استمرار ندرة فرص العمل، قياسا بقوى العمل، كما أن الحادثة ببشاعتها توضح جانبا من بنية السلطوية الهرمية، من رأس النظام وحتى بعض صغار الموظفين الذين يستخدمون العنف والقهر فى تعاملهم مع الجمهور، خصوصا البسطاء منهم. ليست المرة الأولى التي يشعر المصريون فيها بالإهانة أمام قسوة ظروفهم المعيشية التي تدّعي أبواق السلطة كذبا أنها في تحسّن. وقد أوضحت تسجيلاتٌ مصوّرة سابقة إذلال عجائز في إحدى جهات صرف المعاشات. وبالمصادفة، كُشفت وقائع وانتشرت، لتكون محل نقاش مجتمعي، من فرط قسوتها. وتمثل حالة شهيد تذكرة القطار، وغيرها من حالاتٍ مماثلة، قمة جبل انتهاك الإنسانية، وصور القهر المتعدّدة والمتشابكة، قهر السلطة، الخوف من ملاحقة أجهزة الأمن، بؤس الواقع الاقتصادي. عمق المأساة في مصر سحيق، حيث انتهاك الحقوق والكرامة تحت وطأة سياسات اقتصادية تزيد الفقراء فقرا وبؤسا وخوفا أحيانا، صورة قد لا ترصدها التقارير الرسمية التي تحاول تجميل الواقع الاجتماعي والاقتصادي المعيش، عبر بياناتٍ وأرقامٍ حول نسب النمو الاقتصادي الذي ارتفع بقدر ضئيل، أو معدلات ارتفاع احتياطي العملة الأجنبية، لكنها تتجاهل نسب الفقر والإعالة والبطالة ونسب التضخم غير المسبوقة، ومظاهر العنف ومعدلات الانتحار، والعنوسة والطلاق المبكر، وكلها مؤشراتٌ مقلقةٌ تتم مقابلتها بالصمت.

كل الوقائع التي توضح المأساة المصرية، أو جانبا منها، تبدو في تبريرها فردية، أو يتم فيها إدانة الضحايا، أو تمزج بالطريقتين، كما فعل وزير النقل المصري، كامل الوزير، لما أعلن أن شهيد القطار ليس طفلا وكان يعرف تعريفة النقل. ثم ذهب بعدها إلى أسرة الضحية يقدم العزاء، ويعدهم بالتعويض والعمل، بعد أن شعر النظام أن الحادثة أحدثت صدمة للرأي العام.

أجبر محمد عيد على القفز من القطار، بعدما خيّره رئيس القطار بين دفع تذكرة القطار أو تسليمه للشرطة، وحين أعلن الشاب خلو جيبه، أجبره رئيس القطار على القفز من باب القطار، ليموت تحت عجلاته، بينما أصيب صديقه الذي واجه الموقف نفسَه. وتلخص عبارة الشاب محمد عيد الأخيرة "القطار مفهش رجاله" حالة العجز والاغتراب والوحدة، وفقدان المجتمع خاصية التضامن التي تميز بها المصريين، أي الجدعنة بتسمية أخرى. لم يجد شهيد القطار من الركاب "جدعا"، وربما لم يتخيّل الركاب أن رئيس القطار صادق في تهديده إلا حين سقط من القطار، ففزع بعضهم وبكى آخرون. ويتبدّى في الواقعة أن إحساس الشباب المصري بالاغتراب وفقدان الأمل عميق، فمن الوضع الاقتصادي إلى سلطوية النظام وعنفها، يتمدّد هذا الإحساس.. خاف محمد عيد فقفز من القطار، وهو ساخط على ركاب القطار والنظام.

... في يوميات الكدح، يتشابه قطاع كبير من العمالة الهامشية في ظروف عملها، ودخلها ووضعها الاجتماعي. كان شهيد القطار يسافر من القاهرة إلى الإسكندرية، السوق الموسمي لعمالة هامشية، تبيع خلال شهور المصيف سلعا للبسطاء بمكسب محدود، إكسسوارات، ميداليات، لعبا للأطفال. يعول الشاب أسرته الفقيرة في محافظة القليوبية، لم تسمح له موجة البرد، وكذا خلو الشاطئ، أن يبيع شيئا من بضاعته، فلم يمتلك حتى ثمن تذكرة العودة. وتختصر رحلته أحوال قطاع من العمالة غير المنتظمة التي تتسّع، وتضم خريجي التعليم المتوسط وبعض خرّيجي الجامعات، خصوصا المنتمين إلى فئات شعبية فقيرة، وهم حسب مؤشرات رسمية الأكثر بطالة وفقرا بجانب قطاع من أبناء الفلاحين، بعد تدهور قطاع الزراعة.
انتحر خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، المتفوق دراسيا، محمد شتا، في يوليو/ تموز
بعد أن اجتاز كل اختبارات القبول لوظيفة دبلوماسية في وزارة الخارجية. أخبرته اللجنة حكمها بأنه "غير لائق اجتماعيا". ثم على الرغم من الثورة وأحلام التغيير، بعد "25 يناير"، "ابن الزبال لا يصلح للعمل قاضيا"، بحسب وزير العدل السابق أحمد الزند الذي قال أيضا بكل صراحة "نحن السادة وهم العبيد"، في إشارة إلى معارضي النظام الذي يتغنّى بالكادحين فى مؤتمرات الشباب، فيكرّم فتاة الإسكندرية حاملة عربة البضائع، وفتاة عربة الكبدة في القاهرة، وهما مجرد نموذجين يستخدمهما النظام للدعاية. لا يحترم الكادحين، الشغيلة، من يعملون في أعمال هامشية، دوما يُنظر إليهم بوصفهم مشروع مجرمين، يُقتلون أحيانا. وليستا منسيتين واقعة قتل أعوان الشرطة بائع شاي في مدينة الرحاب، وسائق حي الدرب الأحمر، واليوم يُقتل شهيد آخر تحت عجلة القطار، لأنه لم يمتلك ثمن تذكرة النقل.

يفترش ملايين من الشابات والشبان في مصر الأرض أو يجوبون شوارع المدن، يبيعون سلعا، من أجل قوت اليوم، أو إعالة أسر، إخوة وآباء ربما. تستخدم الدولة بعض النماذج تلك، لزوم ما يلزم، لتقول إن هناك شبابا مناضلين من أجل لقمة العيش في مواجهة شباب منشغلين بمعارضة النظام، لكن كليهما ليسا عالمين منفصلين، وإنما هما شاهدان على صور الظلم المتعدّدة، ولكن هناك من لا يريد أن يتذكّر أو يفهم أن هذا الاحتمال لا يستمر، ولا الخوف باق، ولا العيش بهذه الطريقة ممكن.

خرج هؤلاء الشباب، وغيرهم في مظاهراتٍ مناهضة للتعذيب فى منطقة الدرب الأحمر والمقطم والأقصر والرحاب، وبعضهم نزلوا في تظاهرات سبتمبر/ أيلول الماضي، وهم قادرون مرة أخرى على التعبير عن معاناتهم. لا ينتمون إلى سردية المؤامرة، وربما لا يعرفون حتى تيارات السياسة على اختلافها، لكنهم ينتمون طبقيا إلى فئاتٍ موجوعة. رفاقهم هناك فى بيروت في "ثورة الموجوعين"، وكذلك في الريف المغربي المهمّش، وفي العراق يقفون، ببسالةٍ وصمودٍ وقوة، في مواجهة المليشيات ورصاصها. قبلهم كان محمد البوعزيزي في تونس. وكما كتب صاحب هذه المقال، في "العربي الجديد" سابقا، إننا أمام "بوعزيزيين" يطاولهم القمع والترهيب والتعطّل والفقر وفقدان الأمل، وقهر متعدّد الأوجه، لا تشير إليه المؤشرات الرسمية.. ماذا ننتظر من الموجوعين والمحرومين غير الصرخات والتعبير عن الألم والغضب.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,856,025,774
- تجاوز الطائفية والطبقة السياسية
- المرحلة الانتقالية في السودان.. انتصار منقوص واحتواء للمعارض ...
- فيسبوك-.. الصراع على العقول والمجال العام
- عن المفقودين والسجناء.. في مصر وغيرها
- عندما يحتفي نتنياهو بثورة يوليو
- اعتقالات مصر.. تشويه اليسار وتجريم السياسة
- مدينتي والصراع الاجتماعي في مصر
- الجيوش والثورات العربية.. السودان والجزائر نموذجين
- الخطاب الاقتصادي يكذب ويتجمل
- انتفاضة النفس الطويل في السودان.. جذور وسمات وآفاق
- لم أكن وحيداً في عيد العمال عن الرفاق والثورة والحب
- السودان والجزائر.. مواجهة خطاب الهزيمة والثورة المضادّة
- قراءة سوسيو اقتصادية في احتجاجات فرنسا
- سلامة كيلة في مصر.. الإنسان والمفكر والمناضل
- الفلاحون في مصر.. الخطاب الغائب والسياسة الواضحة
- سرية الحسابات فى مصر ما بين صراع المصالح وارتباك الإدارة
- صناعة الفقر متعدّد الأوجه في مصر
- إعلام دولة أحمد موسى وخديعة احترام القانون
- كيف نفهم الاحتجاجات الشعبية
- -نيوم- السعودي مشروع للهيمنة والتطبيع والتسوية


المزيد.....




- اليونان تستخدم كورونا ذريعة لعزل مخيمات اللاجئين
- رغم تحويلها من قبل -المالية-: أربعة بنوك لم تصرف رواتب الأسر ...
- الجامعة العربية تعقد غدا ندوة «دور المؤسسات الوطنية لحقوق ال ...
- الجامعة العربية تناقش دور المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان في ...
- هجوم صاروخي جديد في مقر السفارة الأمريكية في العراق رغم الاع ...
- كيف تسعى تونس لإعطاء هويات لجثث المهاجرين من ضحايا قوارب الم ...
- بروفيسور مريم الصايغ تعلن عن أنشطة جديدة بعيد مؤسسة الإبداع ...
- منظمة حقوقية تدين تعرض عميد المحامين البحرينيين للمحاكة الكي ...
- إيطاليا تجري فحوصات طبية للمهاجرين على متن أوشن فايكينغ تمهي ...
- رفع علم المثلية على سفارة واشنطن يثير سخرية بوتين


المزيد.....

- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان
- على هامش الدورة 38 الاعتيادية لمجلس حقوق الانسان .. قراءة في ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حق المعتقل في السلامة البدنية والحماية من التعذيب / الصديق كبوري
- الفلسفة، وحقوق الإنسان... / محمد الحنفي
- المواطنة ..زهو الحضور ووجع الغياب وجدل الحق والواجب القسم ال ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عصام شعبان حسن - شهيد القطار.. موجز عن المأساة في مصر