أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد لفته محل - أزمة العراق الاجتماعية المعاصرة















المزيد.....

أزمة العراق الاجتماعية المعاصرة


محمد لفته محل

الحوار المتمدن-العدد: 6390 - 2019 / 10 / 25 - 03:39
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


مر العراق على مدى تاريخه بأزمات عديدة داخلية وخارجية (احتلال، مجاعات، حروب اهلية، اوبئة، صراعات سياسية) وآخر ازمة اجتماعية سياسية لازالت فاعلة الى الآن بدأت من تشكيل العراق الحديث على يد الاحتلال البريطاني واستلام النظام الملكي للحكم، وتضخمت الازمة باستلام نظام "صدام حسين" للحكم، وتفرعت المشكلة وتعقدت لاحقا بعد احتلال العراق على يد الامريكان وقيام النظام الطائفي العرقي. والمشكلة التي اعنيها هي مشكلة التمثيل السياسي لمكونات المجتمع والانفصال بين المواطن والحكومة، والنرجسية الاجتماعية بين المكونات.
قيل وكتب الكثير في تقييم او نقد هذه الازمة السياسية الاخيرة. لكني سأركز على فترة نظام الحكم الطائفي الذي نشأ على يد الاحتلال الامريكي للعراق واستمر ما بعد انسحابه الى الآن. مستعرضا ومحللاً التصورات الشعبية والنخبوية للازمة من منظور الاجتماع السياسي.
ابرز نقد شعبي لنظام الحكم الطائفي هو التعبير العامي المألوف الذي اسمعه على السنة العامة: "مشكلتنا كثرة الاحزاب والبرلمان" وانه يجب تطبيق الاعدام بالشوارع بحق المذنبين و"الغاء الاحزاب والبرلمان" "لان احنا ما نجي الا بالخوف" و"وما يفيدنا الا قائد قوي" او "مايفينا الا الحزب الواحد"، ويفهم كثير من العامة ان الديمقراطية هي معناها الفوضى. فقد سخر الكثير من العراقيين مبتسما من الانفلات الامني والمروري بعبارة "هي هاي الديمقراطية". وترى بعض النخب السياسية بان الديمقراطية التوافقية هي المسؤولة عن فشل النظام السياسي ويجب ان تحكم الاغلبية سياسيا لضمان نجاح الحكم. بينما يرى اخرون ان النظام الرئاسي هو الحكم الافضل للعراق. والبعض يبسط مشكلة صدام بتجويع الشعب او قتل رجال الدين ومنع الطقوس الشيعية!.
هذه ابرز الآراء الاجتماعية والسياسية التي اسمعها او ارصدها من الشارع او وسائل الأعلام او وسائل التواصل الاجتماعي. وعندما احلل جميع الانتقادات السابقة الشعبية والنخبوية اجد ان جميعها تعبيرات مختلفة او ملتوية عن الدعوة الصريحة لنظام استبدادي. وهذا ليس مستغرب فحب "صدام حسين" واضح عند معظم الجمهور السني واقل منه وضوحا عند الجمهور الشيعي، وملتوياً عند معظم الساسة والجمهور الشيعي كما ذكرتها اعلاه. فجميع مطالب "الغاء البرلمان والاحزاب واقامة نظام رئاسي وتطيق الاحكام العرفية (اعدام وخوف واحتكار السلطات) وحكم الاغلبية المذهبية هي جميعها صفات اي حكم استبدادي وهي ذاتها صفات النظام الصدامي الانموذج الامثل للاستبداد. وحتى اثناء النقد الشعبي يبقى حب نظام "صدام" موجودا مثل "صحيح هو ظالم بس جان سبع، ما يخاف".
وهذه الظاهرة رصدها سابقا "هنتغتون" في الانظمة التي زال عنها الاستبداد السياسي، وظهرت بعدها موجة من "الحنين الى الاستبداد". اما انا فأرى ان الاستبداد هو جزء من تركيبنا الاجتماعي فالنظام الابوي، والتمييز الاجتماعي النرجسي (المذهبي أو الديني أو القومي أو العرقي) بين مكونات الجماعات العراقية، والفشل في قيام نظام مؤسسات بيروقراطي يمنع تجاوز القانون والدستور من قبل اي سلطة؛ يؤسس للاستبداد السياسي. وهذا "الحنين للاستبداد" ارى انه دفاع المجتمع عن بناه الابوية ونرجسية مكوناته وسلطته التقليدية (بحسب مفهوم فيبر)، لأننا مجتمع سلفي ذو تضامن آلي. فتفكيرنا الاجتماعي بالأزمة هو جزء من الأزمة وليس حل لها. وعليه لابد من طرح تصورات جديدة لفهم الأزمة.
ان مجرد اعتقاد اي شعب على انه منقسم او يميز بين فئاته الاجتماعية تمييز سلبي (نرجسي) يكون هذا الاعتقاد وحده كافيا لإحداث هذا الانقسام فعليا. يعززه تاريخ متخيل شفهي او مكتوب، رسمي او غير رسمي، وصورة نمطية، وتفسيرات مسبقة عن الآخر كجماعة. وتجسد هذا الانقسام في الحالة العراقية رغم وحدة الدين (الاسلام) والوطن حيث تمثل بالجغرافيا والسكان على اساس ديني أو مذهبي أو قومي، فالجنوب اغلب فئات من الشيعة العرب، وغرب العراق اغلب فئاته من السنة العرب، والشمال اغلب فئاته من الاكراد السنة، وحتى في المحافظات المختلطة تبقى هذه الفئات غالبا متكتلة في احياء ومناطق سكنية خاصة بها. وهناك كلمات تورية اجتماعية للتمييز على اساس الجغرافيا اذ يكفي الاشارة الى الفرد بكلمة "من الجنوب" ليعني انه شيعي او "من الغربية" ليعني انه سني، او "من الشمال" ليعني انه كردي. وتتداول هذه الفئات الاجتماعية صور نمطية سلبية مثل اتهام الشيعة بالتبعية او الاصل الايراني، واتهام السنة ب"الوهابية" او "التكفيرية"، واتهام الاكراد بالعمالة لتركيا أو للكيان الصهيوني. وجميها تتهم بعضها بالخيانة وقلة الشرف وكلها تعتقد انها وحدها "الفرقة الناجية". وجميعها تحالفت تاريخيا لفترات من اجل مصالح مشتركة مؤقته او خطر يهدد كليهما. والحروب الاهلية بين المذاهب والقوميات تملأ صفحات التاريخ العراقي. مع التأكيد ان هذه الانقسامات الاجتماعية ليست قدر، انما حالة مرت بها دول عديدة استطاعت اجتيازها مثل حالة الولايات المتحدة والهند وغيرها.
بتقديري ان مشكلة العراق العامة هي اجتماعية. فالتمييز والانقسام الاجتماعي جغرافيا وسكانيا وهوياتيا (على اساس الهوية) التي نسخت نفسها من المجتمع الى السياسة عبر نخب هي ابناء من هذه الجماعات النرجسية المنقسمة وتحمل قيم اجتماعية مثل "انصر خاك...". وهذا كان اشد العوائق في ابرام عقد اجتماعي يساوي بين المكونات الاجتماعية او يجعلها تستبدل هويتها الفرعية بالهوية الوطنية او المواطنة. وهذا ايضا ما دفع دول الجوار والاقليم الى انتهاز هذا الانقسام والتدخل في شؤونه الداخلية بحجج شتى مثل الدفاع عن مكون ضد مكون. وبسبب فشلها في الاتفاق على عقد اجتماعي بينها، ظلت هذه الجماعات لاتعترف بالسلطة السياسية الرسمية التي انحازت لمكون على المكونات الاخرى وتعمل (المكونات) على تدميرها او نهبها او التعامل معها وفق المثل "حجي كليب" (تستفيد منها ماليا مع عدم الاعتراف بها) وتلجأ لقوة مسلحة تحميها من قوة الدولة العسكرية (البيش مركة، الحرس القومي، فيلق بدر، فدائيو صدام، جيش المهدي، عصائب اهل الحق، النقشبندية، انصار الاسلام، الحشد الشعبي وفصائله) وقد وجد الامريكان في هذا الواقع الاجتماعي افضل تمثيل له بالاعتراف به ديمقراطيا على اساس المكونات، ودفع النائب الامريكي "جو بايدن" (الذي اصبح لاحقاً مستشار الرئيس الامريكي "اوباما") الى تقسيم العراق الى ثلاث اقاليم وفق التقسيم الاجتماعي كمقترح للخروج من حربه الاهلية.
ان عدم ثقة المكونات ببعضها البعض امنياً وتكوينها ميليشيات تحميها من الآخر الحاكم او غير الحاكم قاد الى وجود سلطة موازية للحكومة الرسمية تنتقص من هيبة الدولة وسيادتها القانونية تعمل باستقلال عنها واحيانا تتحالف مع الحكومة مع عدم تبعيتها الكاملة، واحيانا تفرض على الحكومة امر الواقع او تغض الحكومة الطرف عن كثير من ممارساتها اذا كانت من ذات المكون الاجتماعي او الحزبي بينما تصف كل ميليشيا مختلفة معها مكوناتيا او سياسيا بالإرهاب وتقاتلها بالجيش الرسمي او غير الرسمي (الميليشيات التابعة لها).
وهكذا فإن جميع المظاهرات التي تحتج على الحكومة الرسمية وتطالب بتغييرها، فإنها تهاجم الحلقة الاضعف، والحكومة الرسمية ممكن ان تعطي اصلاحات بسهولة، بينما يبقى اساس المشكلة هو السلطة الموازية للميليشيات وهي الحلقة الاقوى. وقد كشف تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) كم ان الدولة ضعيفة وهزيلة امام قوة الميلشيات العسكرية وقواعدها الشعبية. وحين فشل المتظاهرين في تغيير الواقع السياسي عام 2015 (بسبب الخطأ في تشخيص العلة) انتابهم اليأس سريعا، وتحول كثير منهم الى الثورة المضادة بالدعوة الى اليأس من التغيير السياسي "طلعنا مظاهرات وكلشي مفاد" او "كلشي متغير". وما دامت هذه الميليشيات مدعومة شعبيا واقليميا فان الأزمة ستبقى على حالها ما لم يُسحب هذا الدعم الاجتماعي الذي يمنحها شرعية الوجود، ويفسح المجال للتدخل الخارجي بتمويلها. فالاعتقاد الاجتماعي لدى الشيعة ان هذه الميلشيات حمتها وجوديا من الانقراض وحمة اعراضها "حماة الاعراض"، وما دام السنة يعتبرون ميلشياتهم (القاعدة، النقشبندية، داعش، الخ) هي من تحميهم من الخطر الايراني، فان هذا الاعتقاد الذي يتجسد بالولاء والتعاطف والمساعدة والانتماء احيانا، يعطي الشرعية الاساسية لهذه السلطة الموازية الاقوى. وسحب هذا الدعم يجعل وجود هذه الميليشيات ضعيفا ان لم يكن معدوما حتى لو توفر الدعم الخارجي، ولنا في نموذج "الصحوة" التي ازالت "تنظيم القاعدة" من مناطقها خير دليل على ذلك. ومالم تتفق هذه الجماعات العراقية كمجتمع على تحديد مفهوم الوطن لنحدد مفهوم الخيانة الوطنية واستبشاعها اجتماعيا، واحترام القانون والاعتراف به كسلطة وحيدة عليا، فإننا سنبقى نراوح مكاننا، وهذا كله بسبب انقسامنا الاجتماعي الناتج عن التمييز النرجسي لبعضنا البعض، وفشلنا في ابرام عقد اجتماعي لتكوين مجتمع سياسي ومدني سليم ومستمر يعيش الجميع في ظله بسلام وعدالة نسبية ومساواة.
والسؤال اذا كانت السلطة الموازية (الميلشيات) اقوى من السلطة الرسمية الظاهرة، ما الذي يمنعها من ازالة هذا الديكور (الدولة الرسمية) والظهور المباشر كقوة حاكمة؟ بدل الالتجاء للقناع والتخفي؟. واعتقد ان المانع هو الخوف من سحب الشرعية الدولية عن هذه السلطة الغير معترف بها كنموذج سياسي، لان سلطة الميليشيات غير معترف بها دوليا. وسحب الشرعية السياسية عن العراق يعني المقاطعة الشاملة والركود الاقتصادي الشريان المهم لهذه الميلشيات، ويقزم اذرعها السياسية داخل البلد او خارجه. في حين ان بقاء الحكومة الورقية يوفر لها الاعتراف الرسمي الدولي والقيام بسلوكها الطفيلي بامتصاص دم البلد وخيارته.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,612,323,371
- -رائد جورج- مسلة العراق الموسيقية
- دراجة ال-تكتك- بين الاستهجان والامتهان في المجتمع العراقي
- اجتماعيات العشيرة العراقية
- الثقافة الغذائية الصحية
- آداب قضاء الحاجة في المجتمع العراقي المعاصر
- العيد في المجتمع العراقي المعاصر
- المعتقدات الاجتماعية حول الدم في المجتمع العراقي
- الصلة التاريخية بين الدين واللعب
- الدكتور سليم الوردي الباحث العلمي الرصين
- صيام رمضان في المجتمع العراقي المعاصر
- دفاعا عن الدولة العراقية وليس الحكومة
- صورة الشخص الغريب في المجتمع العراقي الحديث
- سوسيولوجيا الدين عن الدكتور حاتم الكعبي
- تجربة رحلتي مع السادس اعدادي
- اجتماعية النظافة في المجتمع العراقي
- المجتمع العراقي والنظافة
- مدخل لفهم المجتمع العراقي المعاصر
- اجتماعيات الحرام في المجتمع العراقي
- عام على جريمة (الدارسين)
- هو الذي عاش وشاف (عزيز علي رائد المنولوج العراقي)


المزيد.....




- وزير المالية الأردني: لا ضرائب جديدة في ميزانية 2020
- علاء مبارك يرد على شائعة وفاة والدته: أخبار كاذبة
- إيران تقول إن الاحتجاجات انتهت.. والوقائع تثبت العكس
- لمحاسبة المتورطين.. بومبيو يدعو الإيرانيين لإرسال صور القمع ...
- حتى لا يقتلك الملل.. زواج رومانسي رغم بعد المسافات
- انتخابات بريطانيا.. لهذه الأسباب أصوات المسلمين حاسمة
- نتنياهو متهم.. خمسة أسئلة تشرح لك كل شيء
- الجيش الليبي يعلن تقدمه في عدة مواقع جنوب غربي العاصمة طرابل ...
- الشرطة الفرنسية تجري اختبارات جينية على 67 كلبا لكشف لغز مقت ...
- ارتفاع جديد في حصيلة ضحايا السجائر الالكترونية


المزيد.....

- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وسَلْبِيَّاتُهُ (1) / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وَسَلْبِيَّاتُهُ (2) / غياث المرزوق
- مدخل اجتماعي لدراسة الإلحاد في المجتمع العراقي المعاصر* / محمد لفته محل
- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد لفته محل - أزمة العراق الاجتماعية المعاصرة