أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - فيليتسيا البرغوثي - التاريخ الاجتماعي لمدينة غزة تحت الاستعمار البريطاني (1917-1948)‏















المزيد.....


التاريخ الاجتماعي لمدينة غزة تحت الاستعمار البريطاني (1917-1948)‏


فيليتسيا البرغوثي

الحوار المتمدن-العدد: 6371 - 2019 / 10 / 6 - 22:02
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


التاريخ الاجتماعي لمدينة غزة تحت الاستعمار البريطاني (1917-1948)‏
فيليتسيا البرغوثي.‏
I‏.‏ مقدمة.‏
أراد ابن غزة، أستاذ علم الاجتماع في دائرة العلوم الاجتماعية والسلوكية في جامعة بيرزيت، الدكتور أباهر السقا ‏أن يعيد الاعتبار لمدينته، مدينة غزة، ولمكانتها الاجتماعية في التاريخ الاجتماعي الفلسطيني، ليكشف عن واقع غاب ‏عن الوعي العام الفلسطيني، بسبب تراكم الأزمات والخيبات السياسية التي حلت تاريخيا على المجتمع الفلسطيني ‏بشكل عام وعلى غزة بشكل خاص. ‏‎ ‎‏ فتلك إحدى مهام الأكاديمي الهامة، أن يزيل "الضباب" ‏‎ ‎‏ الذي تكاثف في ‏الوعي البشري عن كثير من التصورات والوقائع المجتمعية "المغلوطة"، خاصة تلك التصورات "الدخيلة" على هذا ‏الوعي، التي تراكمت بفعل عوامل خارجية، لتنتزع مشهدا وتستبدله بمشهد آخر مغاير. مهمة مجتمعية إن صح ‏التعبير، تكمن مرة أخرى في إزالة وتصحيح ما تبخر من خطابات غير دقيقة وترسب من قناعات جردت الحالة ‏الأصلية من أصالتها، لتفرمت ذاكرة وتستبدلها بذاكرة أخرى. ‏
مدينة غزة في نظر السقا، كبقية المدن الفلسطينية، خاصة فيما يتعلق بحياتها اليومية، وعاداتها وتقاليدها الاجتماعية( ‏السقا 2018 ،ص 195-207)‏‎.‎‏ إلا ان الحكم على المدينة‎ ‎وتمثلاتها في المخيال الفلسطيني و ربما العربي العام ، قد ‏شُوه بفعل طغيان السياسي وتلاحق الأزمات. فمدينة غزة لم تكن تاريخيا بائسة، أو فقيرة كما هو واقعها الآن، على ‏العكس تماما، فقد كانت مدينة ثرية بمواردها المتنوعة ومصادرها البنيوية وإرثها التاريخي والمعماري، ولكنها سلبت ‏تدريجيا من عناصر كينونتها ومن "مجدها " وسبل ووسائل رفاهيتها، وذلك بفعل الأزمات السياسية الكثيرة التي حلت ‏بالمدينة ونتجت عن صراعات متنوعة الأطراف والاهداف.‏
‏ ومن هذا المنطلق يحاجج السقا، في أن تلك المدينة سلبت تدريجيا من عناصر كينونتها، من هويتها ومن إرثها ‏التاريخي والمعماري أو سلبت تدريجيا من معظم العناصر التي كانت حاضرة بقوة وشكلت لأزمان طويلة "مجد" ‏المدينة وسبل ووسائل رفاهيتها التي بدأت في الحقبة العثمانية واستمرت حتى فترة الانتداب البريطاني(1920-‏‏1948).‏

II‏.‏ المنزلق الأساس: نكبة 1948‏
مرحلة مفصلية هامة يطرحها الكاتب، ويعتبرها نقطة تحول أساسية في حياة المدينة، وبداية "لطمس" كثير من المعالم ‏‏"المدنية" والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتنموية في حياة المدينة، ألا وهي نكبة عام 1948 التي أحدثت حسب ‏ما يورد الكاتب، تغيرات "دراماتتيكية" مأساوية على حياة المدينة انعكس صداها بشكل واضح على المركبات ‏‏"السوسيو اجتماعية" وذلك تبعا للعدد الهائل من المهاجرين الذي توافد آنذاك
من المهم التوضيح أن الكاتب لم يقلل في صفحات كتابه من شأن النكبة وتبعياتها المأساوية على بقية المجتمع ‏الفلسطيني، حيث كان حريصا أن يظهر للقراء أن مدينة غزة.لم تختلف قبل نكبة عام 1948 بشيء عن أي من ‏نظيراتها من المدن الفلسطينية كرام الله ونابلس وبيت لحم، الخليل، وغيرهم، إلا بحجم المأساة التي حلت على ‏أرضها. فهي أولا واخيرا، جزء لا يتجزء من المجتمع الفلسطيني ، إلا أن وقوع النكبة أل إلى "انزلاق" المدينة لمسار ‏أكثر بؤسا عن غيرها من المدن الفلسطينية، نظراً للأعداد الهائلة من المهاجرين الذي اكتسح المدينة، مقارنة ‏بالإعداد التي هاجرت لمدن فلسطينية أخرى. "لم تستقبل أي مدينة فلسطينية العدد الهائل من المهاجرين الذي استقبلته ‏غزة."‏
من ناحية أخرى لم يرفع الكاتب من شأن مرحلة الاستعمار البريطاني، ليظهر لنا أن هناك امتيازات وسمت مكونات ‏المدينة في ظلها، بل أرود بشكل واضح ومباشر وأكد مرارا وتكرارا ان الفترة البريطانية كانت فترة استعمارية، ‏وانطبقت عليها سمات الحالة الاستعمارية بحذافيرها كما سنرى لاحقا. ‏
وهنا مفصل هام يريدنا الكاتب الانتباه إليه ، كمدخل هام للتحليل، ، قد يولد هذا الافتراض جدلا هاما، خاصة في ظل ‏غياب أو قلة الدراسات المماثلة لمدن فلسطينية أخرى، وربما في ظل غياب احصائيات دقيقة أو وجود احصائيات ‏تقديرية عن الاعداد التي هاجرت لغزة مقارنة بما هاجر لمدن فلسطينية أخرى، إلا أن كثير من الاحصائيات الصادرة ‏عن مراكز مختلفة كالجهار المركزي للإحصاء الفلسطينين أشارت إلى ان ما نسبته 24% من إجمالي المهاجرين ‏هاجر لقطاع غزة، مقارنة بما نسبته 17% هاجروا الى مدن أخرى في الضفة الغربية والبقية إلى الدول العربية ‏المجاورة. ‏
ولتوضيح ما نعنيه بغياب الدراسات الممائلة، فقد أظهر السقا أن الدراسة ليست الأولى من نوعها، لكنها الوحيدة من ‏حيث نوعية المقاربة. برأيه، ثمة جانبا أو "تاريخا اجتماعيا " أهمل في الدراسات السابقة، فجاءت تلك الدراسة لتغطي ‏هذه الفجوة البحثية، من خلال تبني "مقاربة" (سنشير لها لاحقا). مختلفة عن تلك المقاربات التي تبناها باحثون آخرون. ‏لكن ما يشهد عليه أن تلك المقاربة ألت إلى ميلاد هذ مؤلَفٍ ومصدر هام للبحث العلمي، جاء في 324 صفحة، ‏تحت عنوان: " غزة: التاريخ الاجتماعي تحت الاستعمار البريطاني"، حيث اتخذت مؤسسة الدراسات الفلسطينية على ‏عاتقها نشره هذا العام 2018، كجزء من سلسلة المدن الفلسطينية، التي حرصت المؤسسة على إصدارها، بحيث ‏يكون كتاب السقا الرقم السابع من كتب تلك السلسلة. ‏

III‏.‏ مدينة غزة عثمانيا وبريطانيا
‏ الواقع السياسي كان وما زال يطارد أو يلاصق المدينة منذ قيامها، وكأنه "قدرها" إلا أن هذا "لقدر" إن دل على ‏شيء فهو يدل برأي الكاتب على ذاك المخزون الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي والفني والأهلي والعمراني ‏الذي جعل تلك المدينة تحت الأنظار دائما، خاصة أنظار القوى المستعمرين، والقوى الاجنبية التي لم تتوقف عن ‏صراعاتها منذ الحقبة العثمانية للاستيلاء والسيطرة على المدينة. ناهيك ان موقع المدينة، "كبوابة" لفلسطين على ‏العالم، زاد من الاطماع المحلية والاجنبية في التنافس والتصارع على إدراتها كما يورد الكاتب. ‏
تلك الصراعات، زادت من تعقيدات التركيبة والعلاقات الاجتماعية وجعلتها عرضة لكثير من الجدل. مثلا في الفترة ‏العثمانية -كما أرود السقا- أخضعت المدينة لكثير من التقسيمات السياسية والجغرافية، وحظيت سياسيا .بمسيات ‏كثيرة مثل لواء" ومن ثم "سنجقا"، "متصرفية" "متسلمية" ثم "قائمقامية"، والمدينة في تلك الفترة تغيرت حدودها ‏ومساحة وحجم نفوذها، والمدينة وأكثر من ذلك يورد السقا ما يلي " ...وجعل(ها) حسين باشا سنة 1660 ... عاصمة ‏لفلسطين" (السقا 2018، ص 30) ‏
‏ حقبة الاستعمار البريطاني، فرضت أيضا الكثير من التغيرات التي زادت من تعقيد الواقع المقد أصلا، لا سيما، أن ‏تلك الحقبة كما ذكر سابقا، جاءت امتداد او استكمالا أو "إرثا" للحقبة العثمانية التي بدأت خلالها، في نظر السقا، ‏تظهر تمثلات عائلية ووجاهات وأنماط سلطة اجتماعية (خاصة من الأثرياء) الذين كان لهم مصلحة في إدارة شؤون ‏المدينة، اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. وهذه محطة هامة من حياة المدينة، بمعنى هذا "الوعي" المبكر بتحويل تلك ‏المدينة لمدينة "ثرية" تكثر فيها العلاقات التجارية، ويتزايد منسوب اقتصادها وخدماتها وتتواجد فيها فئة حريصة على ‏زيادة ثرواتها عن طريق تملك أكبر للأراضي، وبالتالي التطلع نحو بناء أو صعود "برجوازيات" محتملة ربما بالمفهوم ‏الماركسي لصعود البرجوازيات الكبيرة والصغيرة، مع فارق غيبا النظام الرأسمالي كمحدد لحياة الناس. ‏
إذا المدينة لم تتوقف يوما من أن تكون موضوعا للصراعات السياسية بين الكثير من القوى الكبيرة خاصة في الفترة ‏العثمانية ،(ص 31) ، وهذا ما ما يفسر برأي الكاتب تأسيس العديد من الممثليات في مرحلة مبكرة، كالممثلية ‏الفرنسية. صراعات أثرت سلبا على العلاقات التجارية لتلك المدينة ومدن فلسطينة خاصة مع الدول المجاورة. ‏صراعات ألت لتعرض المدينة للكثير من الدمار والخراب وبعض المجازر التي قام بها العثمانيين أو الجنود ‏الأتراك، مما أفقدها الكثير من "إرثها المعماري" حسب ما أرود الكاتب. إلا أن المدينة في تلك الفترة حظيت ‏بإصلاحات كثيرة قامت بها السلطات العثمانية (34) . والمدينة استقطبت حضورا فرنسيا كبيرا تبرر وجوده ب"حماية ‏المسيحيين في الشرق" (ص 33)، تلك الحماية التي يرى السقا، أنها كانت "حجة" لتنازع قوى كبيرة أوروبية مع ‏السلطات العثمانية. وفي تلك الفترة، يقول السقا، سمح للأجانب بالتملك في المدينة، وبالتالي تشكلت طبقة من ‏البرجوازية، وبدأت تتراكم الثروة في أيدي "نخبة" صغيرة من المقتدرين ماليا على شراء الأراضي وبالتوالي بدأت ‏الفوارق الاقتصادية والطبقية بالظهور. كما بدات تتسرب أراض كثيرة لليهودة، كما أشار الكتاب. ‏
ورغم تراجع العلاقات التجارية في تلك الحقبة، إلا ان الكاتب أشار إلى مفارقة هامة، وهي أن الحقبة العثمانية، تركت ‏غزة منفتحة على محيطها الاقليمي العربي، (ص261) بفعل زخم العلاقات التجارية والسياسية والاجتماعية خاصة بين ‏المدينة وإقليمها المجاور. ‏
على عكس ما كان في الحقبة العثمانية، يشير الكاتب، أن حقبة الاستعمار البريطاني، جاءت - "لتقنن" الحدود و "تقيد" ‏حركة المواطنين، أي جاءت لإغلاق ما تركته "السلطات العثمانية" مفتوحا، وبالتالي فرض أنواع سلطات وعلاقات ‏مختلفة وجديدة على واقع المدينة. أما العلاقات العائلية والوجاهات التي بدأت في الفترة العثمانية، فقد استمرت في حقبة ‏الاستعمار البريطاني، رغبة من بعض الشرائح الاجتماعية في فرض نفوذها وبالتالي التحكم في إدارة المدينة عبر ‏استناد تلك الشرائح المجتمعية على عدد من "المشرعات" الدينية والسلالية او علاقات النسب"(ص 262). إلا ان ‏الهدف انتاج نظام تدير من خلاله هذه العائلات شؤون المدينة، لكنه جاء لخدمة مصالحها الخاصة أو الخاص بحجة ‏العام. ‏

IV‏.‏ حالة استعمارية وليس انتدابية.‏
الفترة التي استهدفها الكاتب هي حقبة الاستعمار البريطاني، وهنا لفت السقا الأنظار إلى حقيقة هامة ربما يجهلها ‏الكثيرون، وانا منهم، ، لأخذنا بالمسيات التي تلقى علينا دون أدنى تمحيص. وربما يسجل للكاتب الأسبقية في خلق هذا ‏النوع من الوعي والخطاب، حيث أفرد مساحة لا بأس بها من كتابه للتفريق بين مصطلحي "انتداب" "واستعمار" . فلا ‏يمكن إنكار أن معظمنا، نتداول "أباً عن جَد" انتداب حين نوصف تلك الفترة، أو حين نريد توصيف الظرف السياسي ‏الذي خضع له المجتمع الفلسطيني في الفترة التاريخية المذكورة. إلا أن للسقا رأي آخر هام واكثر دقة. ( أنظر السقا، ‏‏2018، ص 15) ‏
‏.ففي نظر السقا، خصعت مدينة غزة كبقية المجتمع الفلسطيني لحالة استعمار وليس" انتداب"، وافتراضه هذا قائم ‏بنظره على انتفاء "الشرط القانوني لفرض الانتداب"( ص 16). يرى السقا - وأعتقد أن الكثيرون يتفقون معه في ‏هذا - أن التوصيف الأدق لتلك الحقبة هو استعمار، لأن تداول كلمة انتداب يعني بشكل مباشر وغير مباشر، تهذيبا ‏مقصودا وربما ممنهجا من قبل المستعمِر البريطاني للمهمة الاستعمارية التي قام بها هذا المستعمِر في تلك الحقبة. ‏فمثلا يرى السقا أن هذا السمتعمِر، تحت مسمى انتداب قام على سبيل المثال لا الحصر، بخدمة المشروع الصهيوني ‏عبر ما يسمى "إعلان وعد بلفور". الإعلان المشؤوم الذي مهد للاستعمار الصهيوني لفلسطين فيما بعد. ‏
‏ من ناحية ثانية وفي نفس السياق، أشار السقا أن الالتزامات القانوينة والفكرية و حتى الأخلاقية التي من المفترض ‏أن تلازم قانونيا وأيديولوجيا وأخلاقيا، حالة الانتداب لم تكن حاضرة أو كانت مغيبة تماما. من ناحية ثالثه يقول الكاتب، ‏إن هذه الحالة انطوت على كثير من "التصورات والممارسات الفوقية والعنصرية " من قبل المنتدّب" أو الممستعمِر، ‏بمبرر بث روح "الحضارة أ و"تحضير" الفلسطيني والغزاوي. (ص 17). ‏
‏ " ...إن غياب الحضور السكاني الاستيطاني البريطاني المكثف، وحصره في الجيش والموظفين الإدرايين وبعض ‏المجموعات البريطانية، لا يعني أن الحالة التي عاشها المجتمع الفلسطيني لا تنظبق عليها الأوضاع الاستعمارية، ‏فالاستعمار البريطاني جعل من الأرض المنتَدب عليها أرضا لاستعمار واستيطان من مجموعات سكانية-إثنية مغايرة ‏للمجموعات الأصلية-وهو أعطاها الحق وسهّل حضورها، وشرعن وجودها عبر وعد استعماري لأرض لا يمتلكها، ‏وطبق سياسية استمرت ثلايثن عاما من الهجرة اليهودية المستمرة" (ص19-20)‏

V‏.‏ مقاربة اجتماعية تنطلق من الميدان اليومي "الذاتي" و "الجماعي" ‏
‏"التاريخ الاجتماعي" همش لفترات طويلة، ربما لغياب غير مقصود، لعلماء الاجتماع عن واقع تلك المدينة، غياب ‏البحث الذي ينطلق من الأرض أو الميدان ليرمم المشاهد التي "عفى عليها الزمن" ‏
لن اتطرق إلى قضايا فنية من نوع مثلا لماذا اختار الكاتب ان يتحدث عن المدينة لا عن القطاع، فقد استوفى السقا شرح ‏هذا البند في بداية كتابه، (أنظر/ي الفصل الأول من الكتاب ص 11-15) إلا ان اختياره للمدينة كما يقول اختصر ‏عليه فرصة الوقوع في "متاهات" التصنيفات التي سببتها التقسيمات الجغرافية والسياسية المختلفة التي خضع لها ‏القطاع في فترات تاريخية معينة، وبالتالي فإن اقتصار البحث على المدينة، جاء نابعا من قناعة الكاتب بأنه لا يجب ‏التعامل مع قطاع غزة "كما لو انه مدينة واحدة". فالتحليل "السوسيولوجي" كما يشير السقا، يتطلب وجود مسافات ‏تفصل جغرافيا تاريخ المدينة ومكوناتها الاجتماعية عن غيرها من المدن والمواقع الجغرافية الواقعة في نفس الدائرة ‏الجغرافية. ‏
‏ "التاريخ -الاجتماعي" حسب السقا، يعنى بقراءة اليومي والفردي والجماعي، الذي نجح السقا في الكشف عنه من ‏خلال دراسة مكثفة وتفصيلية لبعض "التراجم" "كالمناقب" والأخبار" او السير الذاتية و "الطباع"،. (ص 11-14)..‏
من هنا و تيمنا بعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو (1930-2002) اختار السقا ان تنطلق مبادرته من الميدان الذاتي ‏واليومي والفردي والجماعي للمجموعات السكانية، حين استند في الحصول على معلوماته بشكل كبير، وحسب ما أرود ‏على أرشيف الأهالي والأرشيف البريطاني والفرنسي وأرشيف بلدية المدينة، قدم لنا الكتاب من خلالها قراءة للتاريخ ‏الاجتماعي للمدينة مستقبا من مما كان سائدا من تفاعلات وممارسات يومية بين المركبات الاجتماعية المختلفة ، ‏‏"كالتركيبة السوسيو اقتصادية" للمدينة، والتركيبة التعليمية والثقافية ، و "عادات المدينة الاجتماعية"، والإنماط ‏الاستهلاكية" والبنى الدينية وعلاقات الطوائف المختلفة، والبني و"الحراكات السياسية" الخ: ‏
‏"هذه القراءة هي جزء من الاهتمام التخصصي السوسيوتاريخي الذي يقوم على إعطاء دور مهم لتاريخ العلاقات ‏الاجتماعية والأشكال الاجتماعية وعلاقات القوة" (ص 24) ‏

VI‏.‏ غياب "الحداثة" المٌستحقة
دونا عن نظيراتها من المدن الفلسطينية، كيافا وحيفا، غابت فكرة الحداثة عن مدينة غزة رغم وجود ميناء هام فيها، ولكن هذا ‏الميناء غزة بقي"مبتورا" كما وصفه السقا ، وغير مؤهل "بسب عدم تطور مرفأ المدينة" من شأنه أن يعمل بشكل دائم ‏على تطوير وتفعيل أو تنشيط حركة التجارة (265). ومن هنا، يرى السقا، أن هذا الإهمال لتطوير المرفأ، أفقد ‏المدينة الكثير من الامتيازات "الحداثية"، بل أقصى المدينة تماما عن موضوع الحداثة، الذي استحق لمدن اخرى ‏طورت مرافئها. ‏
‏"البنى الخدماتية" في تلك الفترة،كالمياه، والإنارة ووسائل التنقل، كانت وافرة، وعليه فإنه من الخطأ الحكم على مدينة ‏ثرية بمواردها ووصفها بمدينة الفقر والبؤس. فوفرة المصادر، كانت كفيلة بوضع غزة في مستوى اقتصاد لائق أو ‏مقبول، على غرار كثير من المدن الفلسطينية. رغم أن الفروقات الطبقية أو الاجتماعية كانت عالية جدا في المدينة، ‏وذلك بسبب سيطرة شرائح سكانية وامتلاكها للأراضي ورغبتها في إدارة شؤون المدينة كما ذكر سابقا ( ص 153-‏‏173).‏
‏ " لم تعان غزة تاريخيا يوما في تلك الحقبة من مشكلات في مواردها المائية" (ص 153) ‏
من ناحية ثانية، لفت السقا النظر إلى حقيقة هامة تتعلق "بالتغيرات الحضرية" التي طرات على تلك المدينة في الحقبة ‏المدروسة، خاصة بعد ان فقدت المدينة خلال الفترة العثمانية الكثير من إرتها الحضاري (131-134). دور الأهالي ‏في عملية التنمية المحلية للمدينة كان طاغ خاصة في إعادة عمران مدينة غزة مثل فتح شوارع جديدة وإصلاح أخرى ‏وإنشاء أحياء جديدة والمبادرة بترقيم تلك الشوارع. إضافة إلى دور البلدية في تغيير نمط العمارة الداخلية" (140) ‏مما ساعد على توسع حدود المدينة وازداد عدد سكانها بفعل عودة اللاجئين اليها (145). ناهيك عن اهتمام البلدية ‏بالبنى التعليمية في تلك الحقبة، مثل بناء واصلاح المدارس. (179ص-182). أما "البنى الثقافية" في تلك الفترة فبدت ‏تمثلاتها واضحة من خلال ظهور دور فاعل للصحافة، وللمكتبات وللنوادي الترفيهية والرياضية ولدور السينما وغير ‏ذلك. أما الحياة الاجتماعية "الحياة اليومية" لأهالي مدينة غزة فقد كانت مطابقة- برأي الكاتب_ للحياة اليومية لأهالي ‏المجتمع الفلسطيني بشكل عام، حيث سادت نفس العادات الاجتماعية وكانت تقام نفس المقامات والمواسم وتمارس ‏نفس طقوس التدين، ونفس طقوس علاقات المصاهره والزواج (195-207)

VII‏.‏ ‏"ما تبقى" من غزة
لا نبالغ القول بأن الكتاب يأخذنا في رحلة ممتعة إلى عوالم مدينة غزة في فترة الانتداب أو الاستعمار البريطاني ‏‏(1920-1948). رحلة "دسمة" على "متن" الكثير من السرديات والحكايات والمقابلات والتفاصيل والملاحق ‏والمراسلات الهامة، بل وأسماء الكثير من الشخصيات التي كانت فاعلة في تلك المرحلة. متن رصين، ، يشير أولا ‏واخيرا إلى جهد بحثي عال، كشف عن زخم اجتماعي أسس للحياة اليومية للمدينة في الفترة المدروسة، وأعاد ‏الاعتبار لمدينة ضاربة جذورها عبر التاريخ وعبر القِدم، كواحدة "من أقدم المدن في التاريخ" (السقا، 2018 ص 25) ‏
إن المهين على أجواء هذا الكتاب، هوتسليط الضوء على كيف تم تهميش الاجتماعي الأصيل من حياة تلك المدينة ‏لصالح السياسي المفتعَل، عبر تقليب مكثف للعديد من الأراشيف (ارشيف فرنسي، بريطاني، ارشيف بلدية المدينة وغير ‏‏) واستخلاص معرفة كانت حبيسة لوثائق أدرجت على الرفوف لقرون عدة. أراشيف كثيرة، وتراجم ومناقب وسير ‏ذاتية ومقابلات، حرص الكاتب من خلالها على رصد دقيق وأحيانا تفصيلي لكافة المكونات والبنى التي وسمت حياة ‏المدينة في الفترة المدروسة. فالتاريخ الاجتماعي لمدينة غزة مكون أصيل وأصلي حضر بقوة في حقبة الاستعمار ‏البريطاني، خاصة ما بقي منه أو ما "تورَث" أو "ترحَلَ" من الحقبة العثمانية، واستمر فيما ما بعد من خلال ما اسسه ‏الأهالي والعمل المحلي الجماعي من عمران وتنمية لتلك المدينة الضاربة جذورها في "عبق التاريخ"، وعبر القدم.‏
تاريخ المدينة الاجتماعي في الفترة العثمانية، وجد بحثا أكاديميا يرصده، وبقي حالها تحت الاستعمار الصهيوني، وليدا ‏للمحطات الاخبارية ووسائل الإعلام التي تتصارع على فرض أجدنتها السياسية الخاصة بها، في وقت نحن أحوج فيه ‏للبحث عن ما ماكان وعن ما تبقى من مدينة غزة اجتماعيا وعمرانيا واقتصاديا كما فعل السقا. هل سلخ الاستعمار ‏الصهويني ما تبقى من إرث حضاري‎ ‎‏ للمدينة ، وهل هدم ما توراثته الأجيال من بني تحتية وثقافية وا جتماعية وفنية، ‏وهل ما حل بمدينة غزة الآن يحيل إلى "حضارية" الاستعمار البريطاني مقارنة بالاستعمار الصهيوني . ما الذي تبقى ‏من مدينة غزة وقطاعها غير صور القتل والدم والمجارز والهدم . وما الذي تبقى منا ومن مدراسنا ومناهجنا لنعيد ترميم ‏المشهد في الذاكرة الفلسطينية، ولنصحح ما شوهه السياسي "المفتعل". ‏





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,566,675,364
- الطاهي الداهي
- على هامش اللقاء الذي أجرته فضائية الميادين مع أحد الدواعش
- رمزية الفنانة فيروز في الثقافة الفلسطينية.
- -فوضى- الحب في انضباط القلب
- مايا أنجيلو: الأيقونة السوداء
- روح المعنى
- الطلق والطلَق


المزيد.....




- اللجنة الدولية لحقوق الإنسان: وضع الإنتهاكات في لبنان مقلق و ...
- اكتشاف أقدم لؤلؤة في العالم بالإمارات تعود للعصر الحجري
- لحظة وصول القوات الأمريكية إلى العراق بعد الانسحاب من سوريا ...
- سائحات سعوديات يقمن للمرة الأولى بزيارة منطقة -نيوم- في المم ...
- بوليفيا: موراليس يتصدر النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية ل ...
- شاهد: رئيسة السلطات في هونغ كونغ تزور مسجداً بعد الاعتداء عل ...
- طهران ترفض مشروع أنقرة إنشاء نقاط عسكرية تركية في سوريا
- ما هو موقف حزب الله من المظاهرات في لبنان؟
- 7 قتلى في أسوأ اضطرابات تشهدها تشيلي منذ عقود والرئيس يقول & ...
- شاهد: رئيسة السلطات في هونغ كونغ تزور مسجداً بعد الاعتداء عل ...


المزيد.....

- دستور العراق / محمد سلمان حسن
- دستور الشعب العراقي دليل عمل الامتين العربية والكردية / منشو ... / محمد سلمان حسن
- ‎⁨المعجم الكامل للكلمات العراقية نسخة نهائية ... / ليث رؤوف حسن
- عرض كتاب بول باران - بول سويزي -رأس المال الاحتكاري-* / نايف سلوم
- نظرات في كتب معاصرة - الكتاب الأول / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب - دروس في الألسنية العامة / أحمد عمر النائلي
- كارل ماركس و الدين : قراءات في كتاب الدين و العلمانية في سيا ... / كمال طيرشي
- مراجعة في كتاب: المجمل في فلسفة الفن لكروتشه بقلم الباحث كما ... / كمال طيرشي
- الزمن الموحش- دراسة نقدية / نايف سلوم
- قراءة -المفتش العام- ل غوغول / نايف سلوم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - فيليتسيا البرغوثي - التاريخ الاجتماعي لمدينة غزة تحت الاستعمار البريطاني (1917-1948)‏