أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عباس علي العلي - العبودية وامتهان كرامة الإنسان














المزيد.....

العبودية وامتهان كرامة الإنسان


عباس علي العلي
(Abbas Ali Al Ali )


الحوار المتمدن-العدد: 6301 - 2019 / 7 / 25 - 07:22
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


العبودية وامتهان كرامة الإنسان


كلما أقرأ قصيدة المتنبي في هجاء كافور الإخشيدي ومنها البيت الذي يقول فيه ( لا تشتري العبد إلا والعصا معه ...... إن العبيد لأنجاس مناكيد)، تنتابني أحاسيس الأسى والشعور بالظلم وإن كنت قديما أبرر له هذا الموقف وهذا الوصف على اعتبارات سياسية لعبت في تأثيراتها العاطفية على نمطية التفكير الذي كنا عليه، في العودة إلى القصيدة وبالذات إلى هذا البيت الذي يكشف عن رؤية لا إنسانية تجاه مجموعة إنسانية تميزت ليس بكون العبودية خيارها الخاص كما يظن البعض، ولكن لأنها تشكل مجموعة عرقية تميزت بخصائص بيولوجية منحتها صفة اتية تم قياس مبدأ العبودية على أساس كونها كذلك، فالزنوج وخاصة الأفارقة القريبين من المراكز الحضارية ومراكز الثقل المدني خضعوا بالقوة إلى أسر العبودية رغما عنهم نتيجة تفوق المراكز الحضارية عليهم بالقوة بمختلف أنواعها وأشكالها فخضعوا للتعبيد على هذا الأساس.
القبائل الأفريقية كانت تشكل وحدات بشرية متناثرة على ضفاف الأنهر والبحيرات وقريبا منها تعتاش على الصيد في غالب الأحيان وتخضع في تعاملاتها مع بعضها البعض على مبدا التنافس والتنازع والصراع من أجل البقاء، حتى أننا نادرا ما نجد لها كيانات حضارية كبيرة نسبيا تشكل مصدر قوة لهم تجاه حالة الاسترقاق التي سادت منذ وقت طويل تجاههم ولليوم وبأشكال مختلفة، فكانوا يسمون العبيد لأنهم مسترقين بلا قوة تحميهم أو توفر لهم الحماية والحفظ، من هذا المنطلق سادت فكرة العبودية وألصقت بالزنوج دون غيرهم من الاقوام البشرية مع وجود نفس الظاهرة في المجتمعات الحضارية التي كانت تبني قيمة الإنسان على أعتبارات أخرى، فالعبيد في مجتمع روما مثلا منهم حتى من الرومان أنفسهم وحتى من أحرار كما هم مصنفين وقعوا تحت ظرف خاص ادى إلى سلب الحرية منهم ليتحولوا الى عبيد (يباع ويشترى في الأسواق)، لكن هذا الأمر لم يجعل منهم مثلا الرومان أن تلصق بهم مثلا صفة العبودية، والحالات التاريخية المسجلة أكثر وأكبر من تذكر أو تنكر.
العبودية أصلا حالة طارئة وقاهرة مفروضة بظروفها ولا يمكن تعميمها على مجموعة عرقية أو حتى افتراضها كأساس تصنيفي، وكل طارئ يبقى شاذ عن القاعدة وينتهي بانتهاء الأسباب والدليل أن الأفارقة الزنوج مثلا اليوم هم جزء فاعل من الحضارة البشرية ككل، ولهم إسهامات واضحة وبصمات مضيئة في وجودنا الحياتي بعد أن رفع الغطاء القهري الذي كان يوصمهم ابتداء بالعبودية، وهذا يثبت أن الإنسان ولد حرا ليكون حرا ولا مجال لأي توصيف اخر خارج إرادة التكوين الطبيعي له.
لقد كانت العبودية وما زالت رمزا من رموز تعسف الإنسان وتمرده على الطبيعة وعلى أسس العلاقة البينية بينه وبين أخيه الإنسان، وواحد من اوجه تزاحم الأنا الذاتية المريضة المتجبرة والمتكبرة على النظام الكوني الشمولي الذي يمكن تلخيصه بكلمة واحدة أننا جميعا ولدنا أحرار وعلينا واجب المحافظة على هذا الواقع لنكون أكثر صدقا في الوصف الإنساني المشترك، دون أن نجعل من تحكمات الأنا القانون الذي يرسم حدودنا وحدود الأخرين، العبودية بتلك الصورة المفجعة أنتقصت من قيمة الحضارات بجميع مراحلها لأن الحضارة تعني في الكلية المعرفية لها البحث عن سعادة الإنسان ككائن محوري في الوجود بتسخير العلم والمعرفة، وطالما أن هناك فرد واحد مسلوب الحقوق الطبيعية له فتلك الحضارة ناقصة لا إنسانية ولا يمكن أحترامها بالرغم من كل منجزها العلمي والمعرفي.
إن الكرامة الإنسانية التي طالما تعرضت للامتهان والانتهاك بعديد من الأوجه والتصرفات السلوكية بدأت من نظرة الأحتقار للأخر والانتقاص من قاعدة التساوي الأساسية بين بني الإنسان، الحروب والعبودية والأستعمار والفقر كلها نتاج خرق قاعدة الوحدة الإنسانية وانتهاك صارخ لبنيان ما يسمى بالحضارات البشرية التي وصفت على أنها منجز إنساني، وهي في الحقيقة قد تكون أبعد في بعض نتاجها عن السلوك الحيواني الطبيعي، الحضارة الإنسانية لا تؤمن بالإقصاء ولا تمنح صانعيها حق التمرد على قوانين الطبيعة يما فيها خرق حقوق الإنسان الأساسية، الحضارة نتاج عقل حر ومعرفة بلا حدود تجعل من الإنسان قدس أقداسها لأنه هو صانع الحضارة وهو المعني بمنجزها وهو المسؤول عن صيانتها من التحريف والتزييف في أي وجه من وجوهها.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,514,229,979
- هل لنا أن نجعل الدين ديمقراطيا في الواقع؟
- مشروع إعادة بناء الدولة العراقية _ خطط ومناهج ج1
- مشروع إعادة بناء الدولة العراقية _ خطط ومناهج ج2
- أساليب النهج الكهنوتي في رسم دائرة الوعي الديني
- العقل الجمعي بين الوعي المختار وهوس الجماعة
- الحاجة الفعلية للديمقراطية وحصاد الربيع العربي
- الأستحمار الفكري والمعرفي وعلاقته بمفهوم العقل الجمعي
- نداء...إلى متظاهر في شوارع البصرة
- قانون التداولية والمطلق المحال....
- الديمقراطية التوافقية الإشكالية والمشكلة
- ((وجعلنا في التراب كل شيء))
- القراءة الإشكالية وإشكاليات القراءة في النص الديني
- الفكر التنويري بين العودة المشروطة وبين التخلي عن نقطة البدا ...
- بين الإلحاد واللا دينية مشتركات ومفاهيم مغلوطة
- الشعور الديني او مظهرية الدين في الذات الإنسانية
- ليس كل الشعر كلمات
- الإعلام العربي ومشكلة الوظيفة وإشكاليات السلطة
- الديمقراطية الواهمة ..... الديمقراطية الإسلامية....
- الجذور الدينية للفلسفة المادية
- الإنسان بين العقلانية التأريخية وصدام المادية التأريخية


المزيد.....




- الحوثيون: استهدفنا منشأتي أرامكو بـ-درونز- مختلفة.. ونحذر ال ...
- خاسر واحد ورابحون من دخان أرامكو!
- هل الصين متورطة فعلاً في اختراق الكتروني استهدف البرلمان وأح ...
- جونسون في لوكسمبورغ ولقاء صعب بانتظاره مع رئيس المفوضية الأو ...
- لماذا نميل إلى تصديق الأخبار الكاذبة؟
- الهجوم على أرامكو: هل يعكس الهجوم -رسالة إيرانية- لواشنطن أم ...
- هل الصين متورطة فعلاً في اختراق الكتروني استهدف البرلمان وأح ...
- جونسون في لوكسمبورغ ولقاء صعب بانتظاره مع رئيس المفوضية الأو ...
- محمد جمال الشريف.. سنوات من العمل التطوعي تتوج بوسام ملكي في ...
- الطفل الموهوب.. عزّزي شعوره بالتميز ولا تجبريه على التشبّه ب ...


المزيد.....

- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عباس علي العلي - العبودية وامتهان كرامة الإنسان