أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - ملهم الملائكة - يوميات عراقي - أول ليلة وأول قربان














المزيد.....

يوميات عراقي - أول ليلة وأول قربان


ملهم الملائكة
(Mulham Al Malaika )


الحوار المتمدن-العدد: 6288 - 2019 / 7 / 12 - 16:39
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


بما يشبه المعجزة وصلت أرتال الفرقة الثامنة مشاة جبلي إلى مدينة بعقوبة، وكنا نجتاز مدينة البرتقال حين صدمني مشهد لم أنسه رغم مرور 39 سنة، فقد احتشدت مجموعة نسوة وفتيات على الطريق ملوحات بأكاليل الزهور وهن يرشقن الجنود بالحلوى، سوى فتاة جميلة جداً، ما برحت تبكي وتذرف الدمع بحسرة وهي ترى الجموع زاحفة. عيناها الدامعتان الخضراوان كانتا نبوءة!

في 20 أيلول/ سبتمبر 1980، وصلنا ليلاً الى وادي دراوشكه الواقع جنوب خانقين. كنتُ ضابطا حدثاً برتبة ملازم مجند مخابرة. باتت تلك النقطة ما يعرف بمنطقة اجتماع القطعات، قبل الانتقال الى خط الشروع للصولة على المعركة.
وأبلغنا من قبل القيادة العسكرية، بعدم تفريغ السيارات من حمولاتها، والاكتفاء ببسط أفرشتنا على الأرض (مد اليطاغ) بانتظار الأوامر. لكنّ المرتفعات شرق هذا الوادي، كانت مشتعلة بنيران المدفعية، وفهمت لاحقاً، أنها المدفعية الإيرانية التي تقصف بشدة منذ أيام مناطق خانقين، زين القوس، سيف سعد، قره تو، ميدان والقصبات والقرى القريبة منها. وكان مقدّراً لنا أن نتوغل في هذه المناطق، لكن حتى قائد الفرقة ما كان يعلم أين وكيف؟
ما رأيته بعيني كان قصفا مدفعياً إيرانياً كثيفاً على مدن عراقية قبل يوم 22 أيلول/ سبتمبر 1980 الذي يسميه العراق يوم الرد الشامل، وتسميه إيران يوم العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران. والكلام هنا مفصلي حاسم، لأنّ العراق كان يقول إن إيران بدأت منذ يوم 4 أيلول بقصف المدن العراقية، وإنّ الهجوم العراقي الشامل الذي جرى يوم 22 أيلول هو الرد على تلك الاعتداءات المستمرة.
وما إن استقر بنا المقام على أرض وادي دراوشكه الصخرية الوعرة، حتى وصلتنا وجبة طعام ساخنة، كان مطبخ الوحدة قد استبق وصولنا وأعدها للمقاتلين. تناولنا الطعام، ونمنا لشدة التعب، فنحن قادمون من "راوندوز" برحلة متصلة حتى هذا المكان. بعد بضع ساعات، ونحو الثانية ليلاً، حدث انفجار هائل من جهة خانقين، وفهمنا أن مصفى الوند اصابته مباشرة قذيفة مدفع فانفجرت خزاناته، واندلع حريق كبير بقي مشتعلا، حتى طلوع الفجر، ولم أعرف بعده متى انطفأ.
ومع الحريق تعالى في طرف الوادي المترامي الفسيح الذي نحن فيه صراخ، وتراكض الجند ينظرون على ضوء مصابيح الشاحنات حقيقة ما جرى. وبعد دقائق عرف الجميع، أنّ شاحنة من نوع كاز قد تحركت لتعديل مكانها على الهضبة، بحديث تنحدر لتشتغل عند الطلب منها أن تتحرك، لأن جهاز تشغيل السيارة" السلف" عاطل عن العمل، وأثناء حركتها، دهست رأس نائب ضابط، واعتقد أنّ اسمه كان جليل، كان نائماً تحت الشاحنة! ومات المنكوب لتوه، فكان أول خسائر الفرقة الثامنة عشية معركة السنوات الثمان.
بعد ساعات وفي ضحى يوم 21 أيلول وصلنا فطور الصباح، خبز العسكر الشهير وقطع جبن صفراء من انتاج مصلحة الألبان واباريق شاي فافون عملاقة.
تتدفق الأوامر وتلغى خلال أجزاء الساعة:
تردد الميكروفونات اليدوية: "طائرة معادية بارتفاع منخفض"! ويعتلي أعداد مدفعية ورشاشات مقاومة الطائرة أسلحتهم المحمولة في الشاحنات، ويبقون ينظرون في السماء بحثاً عن طائرة، وبعد نصف ساعة، يعلن زوال الخطر.
"تهيأ للحركة، ولف اليطغات"، فيسارع الجميع إلى جمع أفرشتهم، ورزمها في الشاحنات، ويلبثون منتظرين بلا نتيجة. وانقضى اليوم كاملاً بهذه الطريقة، فيما كانت المدفعية الإيرانية مستمرة بالقصف على المدن العراقية. وأكاد أجزم بأنها إيرانية، لأنّ القطعات العراقية المتجهة إلى القاطع الأوسط، لم تكن قد ترجلت من السيارات بعد، وبالتالي فإنّ مدفعيتها كانت غير مستعدة لإطلاق النار لأنها مكلبة بساحبات المدافع.
مع حلول غروب يوم 21 ايلول/ صدرت الأوامر أخيرا بامتطاء العجلات، وما لبثت الأرتال أن تقدمت باتجاه خانقين، واتجهنا جنوب غرب المدينة التي كانت تلتهمها حرائق مصفى الوند، وتدكّها المدفعية الإيرانية بشكل مستمر، حتى أن أعدادا كبيرة من سكانها قد غادروها وينتظرون في سياراتهم جنوبها للتوجه إلى مكان آخر، أو ينتظرون ما سيسفر عنه تدخل الجيش العراقي الذي بدا وكأنه قد توجه الى الجبهة بأكمله، حيث الأرتال تتحرك بلا انقطاع على مدى عشرات الكيلومترات.
بقينا نسير في حقول، وفي طريق مبلط، ثم أمرنا بإطفاء أنوار السيارات، وخرجنا عن الطريق المبلط متجهين في عمق الجبال نحو السلاسل الجبلية الكبيرة الواقعة على الحد بين العراق وإيران. نحو الساعة الثانية ليلاً، وصل لواؤنا إلى وادي "بردي علي"، وطُلب من الجميع أن يلبثوا في سياراتهم، بانتظار الأوامر، ومنعت السيارات من إضاءة الأنوار ومنع إيقاد النيران. نظرت في الخارطة التي بين يدي لأعرف موقعنا على ضوء تورج قلمي صغير شاع تداوله في تلك الأيام، ويُحفظ كالقلم في جيب ذراع البدلة العسكرية، فوجدت أنّ بردي علي حيث نقف تبعد نحو 5 كيلومترات جنوب شرق مخفر قره تو، وهو مخفر تابع لقضاء ميدان التابع لمحافظة السليمانية.
مع خيط الفجر الأول، أمرنا بالحركة، فدخلنا جحيماً لن نخرج منه حتى تمر 8 سنوات.

*هذه الوقائع، مشاهدات في حرب السنوات الثمان التي أؤكد على تسميتها "قادسية صدام" لأنّها حربه وحده. أنقل اليوميات كما عشتها وعاشها أغلب ذكور العراق المكلفين بالخدمة الإلزامية ضباطاً وجنوداً ومراتب. بعضها شهدته بنفسي، وأخرى رواها لي بأمانة شهود عيان.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,425,304,068
- يوميات عراقي - عذراء قصر شيرين
- يوميات عراقي- ضربات نقيب شملان*
- الزوجة الجميلة - لعنة مستحبة تتقدم عليها العشيقة!
- قيلَ وقالَ وكثُرَ السؤال!
- الثمانينات في الذاكرة العراقية- ما لا يعرفه عراقيو الألفية ا ...
- العراق البريطاني والعراق الأمريكي
- عن الرؤساء الخالدين والجنود المجهولين
- الأكثرية والأقلية - تبادل أدوار بملابس دامية
- 8 شباط - بديهيات قتلت عبد الكريم قاسم
- أين اليسار عن حشود المهاجرين إلى أوروبا ؟
- رغم الدماء مازال العراق العراقي فتياً !
- الحرب على نادية الأيزيدية الفائزة بجائزة نوبل
- بعد قرن من ثورة أكتوبر، أين تقف حرية المرأة ؟
- علم العراق- لواء الوطن أم بيرق الوهم؟
- صديقي أسعد ورحلته من البصرة إلى القمة
- وداعاً للهوية الحمراء فالناس تريد الاشتراكية
- آسو براون الإيرانية الألمانية التائهة !
- بعد قرن على ثورة أكتوبر، ماذا تحتاج الشيوعية؟
- -الرئيس- ومسدس الريس
- الزعيم ومسدس الزعيم


المزيد.....




- سلطات دونيتسك تؤكد احترام وقف إطلاق النار على طول خط التماس ...
- قصف لـ-أنصار الله- شمال حجة وسقوط قتلى من الجيش اليمني
- زيدان يهنئ المنتخب الجزائري وينعى أخاه
- هيئة الملاحة في بنما تقول إنها بدأت عملية سحب العلم من الناق ...
- دراسة: هكذا يمكن تجنب الخرف الوراثي
- لبنان نصرالله: أشلاء وطن مخدوع
- ميركل تحيي ذكرى محاولة اغتيال هتلر بدعوة لمناهضة التطرف
- موقع أميركي: ترامب لم يدعم شركات الطيران الأميركية ضد الخطوط ...
- ريابكوف يلتقي مادورو ويناقش توسيع وجود الشركات الروسية في فن ...
- مؤسسة النفط الليبية تعلن حالة القوة القاهرة في ميناء الزاوية ...


المزيد.....

- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- الأمر بالمعروف و النهي عن المنكرأوالمقولة التي تأدلجت لتصير ... / محمد الحنفي
- عالم داعش خفايا واسرار / ياسر جاسم قاسم
- افغانستان الحقيقة و المستقبل / عبدالستار طويلة
- تقديرات أولية لخسائر بحزاني وبعشيقة على يد الدواعش / صباح كنجي
- الأستاذ / مُضر آل أحميّد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - ملهم الملائكة - يوميات عراقي - أول ليلة وأول قربان