أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - حاتم الجوهرى - نمط الحرب الأمريكي: الصفقة وصدمة الوعي









المزيد.....

نمط الحرب الأمريكي: الصفقة وصدمة الوعي


حاتم الجوهرى
(Hatem Elgoharey)


الحوار المتمدن-العدد: 6232 - 2019 / 5 / 17 - 23:59
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


غاية العلوم الإنسانية الأكبر والأكثر صعوبة هى أن تتحول لعلوم تطبيقية أقرب لمجال العلوم الطبيعية تتمكن من استشراف السلوك البشري الفردي أوالجماعي (للجماعات أو الدول) وفق أنساق أو مسارت تتكرر (نسق يضم عدة مسارات مرتبطة ومتراتبة بعضها على بعض أو مسار فردي مستقل لها مسبباته الخاصة)، وأبرز الآليات في هذا المجال هو القدرة على بناء "النمط" أو "النموذج المعرفي"، باختصار النمط هو عبارة عن رصد تكرار ظاهرة ما ورصد المسببات لها وكذلك النتائج والأهداف التي تنتج عنها في الماضي، والقدرة على بناء وجود لها في الحاضر والأهم توقع مسار أو نسق حدوثها في المستقبل، النمط هنا هو أعلى أداة يمكن للمشتغلين بالدراسات الإنسانية الوصول لها، والنمط يمكن تطبيقه على معظم تمثلات الوجود الإنساني في الأدب والسياسة والمجتمع والتاريخ والجغرافيا (في علاقتها بالإنسان).
دراسة النمط يمكن تطبيقها على الأفراد من خلال رصد عدة سلوكيات منفردة، في ظل وجود مخزون وجهد معرفي سابق (نظري وعملي) من العمل على رصد مصفوفات (أنماط) متعددة من السلوك البشري، بحث يمكن للباحث الخبير من خلال رصد عدة سلوكيات منفصلة دالة أن يحدد لأي المصفوفات الشخصية ينتمي الشخص المقصود، وعلى المستوى الأعلى من الجماعات والدول يسير الأمر بالطريقة نفسها شرط وجود معرفة مسبقة بأنماط السلوك التاريخي الجمعي، وما يتطلبه ذلك من هضم واستيعاب عدة مجالات متداخلة وبينية سواء لدوافع الجماعات البشرية وحراكها التاريخي داخل المجتمع، أو لمسار التدافع الحضاري (صراعا وتعايشا) بين الدول والكيانات السياسية وعوامل قيام وانهيار الحضارات، لكن الأمر هنا يتطلب دراسة متأنية ومتجردة لعلاقة الجماعة البشرية بكل من الدين والإبداع والبطولة والمقاومة والتكيف والثورة، للكشف عن العلاقات البينية لآليات جريان كل منهم في علاقته بالآخر، حتى نصل للمصفوفات السلوكية التي تشكل الأنماط الرئيسية لحراك الجماعات والدول ودوافعها كذلك.
من هنا تعد "دراسات النمط" هى الهدف الأسمى والأعلى للعارفين والمهتمين بدراسة الظاهرة البشرية قديما وحديثا، وأصبحت معظم مراكز الأبحاث العالمية مهمومة بالكشف عن الأنماط القديمة وأشكال تطورها كأحد آليات التدافع الحضاري، وحسم الأمور في المواجهات السياسية والثقافية وغيرهما.
بعد هذا التمهيد لفكرة النمط، نحدد النمط الذي سنحاول الكشف عنه وسنسميه نمط الحرب: الصفقة وصدمة الوعي، ونبدأ بتحديد أطرافه فالنمط سيشمل الدول العربية وأنظمتها السياسية وقاعدتها الجماهيرية من جهة، وعلى الجهة الأخري سيوجد الغرب بتمثله الأمريكي والصهيوني وما يدعهمها من تمثلات سياسية، وفرضية النمط هى وجود تدافع بين الوعي العربي والسيطرة الغربية طوال القرن الماضي، وافتراض أن الحروب كانت أداة رئيسية لكسر الوعي وصدمته وتمرير مخططات السيطرة الغربية/ الصهيونية، ذلك في رسم تاريخ النمط ومساره، أما في الاستشراف فيكون وضع الاحتمالية لاستخدام "نمط الحرب" ذاته من قبل ترامب كأداة لصدم الوعي العربي وكسره لتمرير مشروع الهيمنة الجديد المسمى بـ"صفقة القرن".
أولا سنرصد تكرار ظاهرة النمط المتمثلة في الحرب بالنطاقات والتوصيفات التي حددناها كما يلي، حيث سنجد لدينا حروب: 1948- 1956- 1967- 1973- 1990-2003، مع الوضع في الاعتبار وجود حروب صغيرة بينهم في لبنان في 1982- 2006 وفلسطين 1987- 2000، وفي محاولة لاستكشاف أبعاد النمط سنحدد إطارا للحروب الثلاثة الأولى: 48-56-67 وسنقول أن التكرار النمطي الأبرز فيهم كان 48-67 حيث سنتخذهما مفصلا للنمط، لنحاول توصيفه الآن.
ارتبطت الحربان بالوعي العربي بالذات وضرورة كسره بالقوة وفرض الأمر الواقع، ففي 1948 تعرض الوعي العربي لصدمة باحتلال فلسطين وانكسار الجيوش العربية ضعيفة التسليح فقيرة التدريب، لكنها أنتجت حالة من المقاومة المضادة تجاه الغرب/ الصهيونية، استمرت حتى وصلت لذروتها فيما قبل 1967 مع تمدد مشروع المقاومة المصري والمد القومي، لتأتي الحرب وتقدم صدمة جديدة للوعي العربي وتفرض عليه تخفيض السقف والانتقال بمجموعة أهدافه من الفعل والمقاومة إلى الرد فعل والدفاع عن الذات، ليبدو وكأن النمط بدأ يهدينا أول محدداته بأن الحرب دائما لصدمة الوعي عند الآخر/العربي، وإجباره على تخفيض سقف طموحه الجمعي والانتقال من حالة المبادرة إلى حالة رد الفعل باستمرار.
إذن دعونا نختبر الفرضية السابقة على تمثلات نمط الحرب وتكراره فيما بعد ذلك في عام 1973 وفي عام 1990، في عام 1973 رغم المفاجأة العربية على الجبهة المصرية والسورية، إلا أن الحرب انتهت بالجولان محتلا وسيناء شبه منزوعة السلاح، اعتراف مصري بدولة الاحتلال وغياب فلسطين عن مائدة المفاوضات وكسر الحصار الأفريقي والأسيوي على "إسرائيل" بعد الخطوة التطبيع السياسي، إذن تستمر الفرضية في قدرتها على تفسير النمط، وفي حرب 1990 والتي تم فيها غزو العراق وتفكيكه، دخلنا في مرحلة أخرى من كسر الإرادة وقبول الأمر الواقع وفرضه على الفلسطينيين فيما عرف باتفاقية أوسلو التي أنتجت ما عرف بـ "السلطة الفلسطينية"، بل ارتبطت بتقديم إسرائيل كنموذج واضح لقيادة دول المنطقة عبر تفكيك معلن للوعي العربي عُرف بمشروع الشرق الأوسط الكبير، غير أن النمط تعرض للتحول هنا حيث رفض الإسرائيليون أنفسهم وليس العرب مشروع التعايش كحل للتدافع الحضاري، ورفضوا الاكتفاء بما تم تحقيقه بالفعل من مكاسب وأرادوا للتدافع الحضاري أن يستمر في حالة الصراع، وتم اغتيال القيادة السياسية الإسرائيلية (إسحاق رابين) التي كانت تقود توجه دمج إسرائيل كنموذج أعلى على العرب.
ثم عاد النمط مرة أخرى لخلخلة الوعي بتنشيط اللمف العراقي 2003 عندما سقطت بغداد، بعدها تم إعدام صدام حسين شنقا في صبيحة عيد الأضحي في أقصي أشكال صدم الوعي وتفكيكه، تأكيدا على محاولة كسر الإرادة العربية وصدمها عبر نمط الحرب، ومنذ ذلك الحين مررنا ببعض الحروب الصغيرة في الملف اللبناني والفلسطيني، أنتجت نوعا من الثبات في الإرادة الفرعية هناك تجاه المخططات الأمريكية والصهيونية، ثم جاءت الثورات العربية مع مطلع هذا العقد لتصدم الوعي الغربي باستعادتها لخطاب المبادرة وإسقاط كل ذاكرة القهر وفرض الإرادة عبر حروب القرن الماضي، وحاول الغرب التدخل عبر تكتيك إدارة التناقضات بين المؤسسات العسكرية العربية واليمين واليسار، لمنع ظهور تمثل سياسي للثورات الجديدة يمكن أن يتحول لنمط ونموذج جديد لا تستطيع مواجهته بالأساليب القديمة.
ومع ظهور ترامب ومن خلال نظرة سريعة على خطابه يظهر سريعا عودته المباشرة لفكرة التعالي ومحاولة صدم اىلوعي العربي من خلال ملف القضية الفلسطينية محور المواجهة الممتد من القرن الماضي، والتي بدأها بملف القدس ونقل السفارة الأمريكية في إسرائي إليها، ثم تطور مشروعه الصريح لكسر الإرادة العربية واستغلال التناقضات اراهنة والتدافع الكامن بين السعي لمنظومة قيم ثورية جديدة وبين الحرس القديم ومنظومة قيمه القديمة، ترامب هنا يستدعى النمط وتكرار بشدة، ويمكن هنا تفسير محاولاته لخلخلة الوعي العربي وصدمه في الملف السوري عبر الانسحاب أو الحضور في مواجهة ما عرف بـ "داعش"، والتي لم تأتي بالنتيجة المرجوة وربما كانت تمهيدا للمسرح، ثم تكراره صدم الواقع العربي خاصة في تصريحاته بشأن الخليج والسعودية تحديدا كاشفة.
ليبدو العودة للملف الإيراني مغريا بالنسبة لترامب لممارسة نمط الحرب بعد أن وظفته أمريكا سابقا في مرحلة التمهيد لتفكيك العراق، حيث سيحقق الملف الإيراني أهداف الصدمة في الوعي التي سترتبط بالملف الخليجي والسعودي تحديدا والأهم ربط كل ذلك بتمرير صفقة القرن عبر دمج وفرض الأمر الواقع على معظم الأنظمة السياسية الموجودة في المنطقة وعلى رأسها مصر، من خلال المهارة في إدارة التناقضات وتوظيفها لصالح النمط (الحرب) بالطبع، فالأمر لابد أن يتم عبر تنشيط وإشعال كل التناقضات الساكنة في المنطقة، لابد أن يمر بعدة نسق (له عدة مسارات متراتبة ومتداخله) يشمل دق الأسافين بين فتح وحماس وتفجير الوضع الداخلي بأى شكل لخلخلة الموقف الفلسطيني الرافض، والأبرز هنا محاولة ترامب افتعال مواجهة مباشرة مع إيران وتوريط الخليج والسعودية مجددا لضرب لبنان (حزب الله) وفلسطين (حماس) وإعلان الإخوان جماعة إرهابية لغواية مصر، ومنح حفتر الشرعية والتمويل للسيطرة على طرابلس، لتشكيل تحالف يتم توظيفه في إشعال النمط (الحرب) بحجة تمرير المصالح الداخلية أيضا.
قد لا تحدث الحرب وقد تحدث بشكل محدود وقد تديرها إيران مستفيدة من خبرات الماضي في المواجهة العسكرية مع أمريكا، وربما تنجح أمريكا بخبراتها الطويلة في تجهيز نسق الظروف والعلاقات والتناقضات التي تمكنها من تفعيل نمط الحرب كاملا لتمرر الصفقة وصدمة الوعي الجديدة، وبين كل هذه الاحتمالات يبقى السؤال هل من وسيلة للتصدي الحضاري للنمط ودفعه للوراء، في محولة لوقف تسلسل النمط وتكراره التاريخي عند المحطة الحالية محطة صفقة القرن!؟
ذلك هو بناء النمط البديل وقدرة الذات على التماسك والصمود ثم المواجهة ودفع العدوان للوراء بشكل ناعم وصلب، وربما لست الآن في حاجة لأفصل النمط البديل ويكفي إجماله، إنما يبقى الأمل كل الأمل في أن يخرج العرب من حالة التناقضات الداخلية، وتظهر فكرة مركزية جديدة تحتضن الثورات العربية وتتوحد معها، وتدفع الآخر وهيمنته للوراء وتتسق مع مستودع هوية الذات وتسعى لامتلاك مستلزمات الدفاع عنه.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,396,702,389
- ميلاد لحظة التحديث بين ثورتي العرب وأوربا
- التوصيف الوظيفي والعاصمة الإدارية الجديدة لمصر
- لماذا تعطيل مرحلة القادسية بالعبور الجديدة للآن
- استمرار الجزار في تجميد العبور الجديدة
- سبل الانتصار على ترامب وصهيونية الاحتلال الإقصائي
- إلى متى الارتباك في العبور الجديدة
- دولة ما بعد الاستقلال والموجة الثانية من الثورات العربية
- فرنسا ونبوءة الجسر بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية
- وثائق الأممية الشيوعية بين لينين والصهيونية الماركسية
- التراث الشعبي المصري بين الأرجوز والمهرجان
- الثقافة كأمن قومي ومعركة حمو بيكا
- حقوق الأرض المرخصة مباني بالعبور الجديدة
- أمريكا وشبح النموذج العراقي في السعودية
- بلفور بأي حال جئت يا بلفور
- عندما يخالف رئيس الوزراء القانون في العبور الجديدة
- توصيات المواجهة العربية لصفقة القرن
- مأزق رئيس الوزراء في العبور الجديدة
- نموذج العدالة الاجتماعية المطلوبة في العبور الجديدة: اللقاء ...
- الانتخابات و CISMOA والدولة حارسة التناقضات
- التفاف الوزير على حقوق الناس في العبور الجديدة


المزيد.....




- افتتاحية
- يسقط مؤتمر البحرين
- احتفال -يوم الشهيد الشيوعي- في الخريبة -الشوف
- قيادة بيروت الكبرى في -الشيوعي- تكرّم الشهيدان عبد الكريم حد ...
- تحية للقائد الشهيد جورج حاوي في بتغرين
- احتفال منطقة صور في الحزب الشيوعي
- تحية بـ -يوم الشهيد الشيوعي- في الميناء
- تحية لشهداء الحزب الشيوعي في البقاع الاوسط
- استكمال حملة توزيع المعونات الغذائية في سهل عكار بدعم من الج ...
- تحية بـ -يوم الشهيد الشيوعي- في النبطية


المزيد.....

- الجزائر الأزمة ورهان الحرية / نورالدين خنيش
- الحراك الشعبي في اليمن / عدلي عبد القوي العبسي
- أخي تشي / خوان مارتين جيفارا
- الرد على تحديات المستقبل من خلال قراءة غرامشي لماركس / زهير الخويلدي
- الشيعة العراقية السكانية وعرقنةُ الصراع السياسي: مقاربة لدين ... / فارس كمال نظمي
- أزمة اليسار المصرى و البحث عن إستراتيجية / عمرو إمام عمر
- في الجدل الاجتماعي والقانوني بين عقل الدولة وضمير الشعب / زهير الخويلدي
- توطيد دولة الحق، سنوات الرصاص، عمل الذاكرة وحقوق الإنسان - م ... / امال الحسين
- الماركسية هل مازالت تصلح ؟ ( 2 ) / عمرو إمام عمر
- حوار مع نزار بوجلال الناطق الرسمي باسم النقابيون الراديكاليو ... / النقابيون الراديكاليون


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - حاتم الجوهرى - نمط الحرب الأمريكي: الصفقة وصدمة الوعي