أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - وديع العبيدي - تفكيك العنف وأدواته.. (6)















المزيد.....

تفكيك العنف وأدواته.. (6)


وديع العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 6225 - 2019 / 5 / 10 - 15:05
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


وديع العبيدي
تفكيك العنف وأدواته.. (6)
داود باشا مؤسس الدولة العراقية..
النقلة السياسية في تاريخ العراق الحديث، كان تحوله من مرحلة الولايات الثلاثة، إلى اطار سياسي اقليمي واحد، له قيادة مركزية وحكومة موحدة تعنى به مجتمعا ودولة. وكانت دالة هذا التحول على يد الوالي داود باشا [1797- 1851م]، والي بغداد والموصل والبصرة في آن واحد [1816- 1831م].
ولا يبدو هذا التحول السياسي الدقيق، منفصلا عن بادرة محمد علي باشا [1769- 1849م]، في تأسيس الدولة المصرية الحديثة [1805 -1952م] ، وذلك لمواجهة مرحلة جديدة من تكالب الأطماع الخارجية، حول العالم العثماني، من كل اطرافه وحدوده. وهو ما دفع لنقلة سياسية عربية عامة، تمثلت بنشأة سلسلة كيانات سياسية ومرجعيات حاكمة، على أسس بلدانية وطنية (مصر، عراق، لبنان)، أو أسس قبلية ومشيخية [مشيخات القواسم، امارة ال سعود في الدرعية، امارة ال الصباح في الكويت] وغيرها.
وعندما قامت حملة ابراهيم باشا للسيطرة على الحجاز ونجد، قامت قوات داود باشا بالسيطرة على شرق نجد ومنطقة الاحساء، لتحديد حركة ابراهيم باشا، ودفعه للتراجع، بدل التقدم. وقد قام مدحت باشا بحملة عسكرية في عهده للدفاع عن منطقة الجزيرة والخليج، في وجه الاعتداءات الخارجية، فضلا عن حملات محدودة لولاة البصرة في نفس الاتجاه. فلم يكن المجال السياسي والعسكري العراقي محصورا أو محددا كما هو اليوم، ونفس الامر ينطبق على المجال السياسي والعسكري السعودي والخليجي المنفتح، ضمن فضاء اقليمي متجانس وموحد مع امتدادات البوادي والنفوذ النجدية والخليجية نحو العراق.
وهو ما ينبغي استعادته وتفعيله في اطار الشرق العربي، ووضع حد حاسم، للتخرصات الايرانية في بلاد العرب، أو الوضع المزري لعهد ما بعد (2003م) وربط العراق التاريخي العريق بعجلة السياسة والاقتصاد الفارسي، واطلاق الحدود لموجات توطين ايرانية فيالاراضي العراقية، برعاية وحماية المليشيات المسلحة، مما يشكل ممارسة لا اخلاقية لمزيد من تهرية النسيج المجتمعي العراقي، والممزق اصلا، جراء ممارسة نفس الفعل، عبر التاريخ، وكلما ضعفت القيادة المركزية في بغداد.
وليفكر الجناة، قبل تهيئة أموالهم السحت وجوازاتهم المزورة للهروب، في مصير اطنان البشر والطابور الايراني في العراق، العراق الذي ما كان ولا يكون ساذجا، لتمرير العاب الصبينة الفارسية على حساب وجوده ومستقبله. وليرحم الله من يعرف حدوده السياسية والشخصية، بدل عثيرة الشكوى والاتهام، حين تقوم الساعة.
بدأ داود باشا حياته الأولية بالدرس الديني، وحصل على درجة العالمية في أصول اللغة والمنطق وعلوم الدين، تقرب من بلاط الوالي سليمان باشا، الذي زوّجه ابنته، وكلّفه بمهمات عديدة، أهّلته لتنكب مناصب قيادة في الادارة والجيش ومعالجة الازمات.
فالصفة الثانية لشخصية داود باشا، هيكونه قائدا عسكريا ناجحا، نجح للتصدي لكل الأزمات الخارجية المحيطة بالعراق، أمس كما اليوم، وتأمين استقرار البلاد داخليا وخارجيا، بل: خارجيا وداخليا. فلا استقرار داخلي مجتمعي وسياسي، بغير استقرار عسكري وسياسي خارجي، ومن غير وجود قيادة سياسية حكيمة، وزعامة عسكرية تاريخية ذات رهبة وتوقير داخلي وخارجي.
وهاته هي مؤهلات داود باشا وصفاته التي بناها بنفسه، وجعل منها قاعدة لزعامته وبناء الدولة الوطنية المستقلة/ الأولى في العراق المعاصر. ان اعتماد شخصية داود باشا، كان على ذاته وقدراته الشخصية، على ذكائه وحكمته، وعلى نزاهته وخصائصه النفسية العفيفة، والسامية عن التفاهات والترهات الدنيوية والشخصية الفاسدة، من طمع ولؤم وانتفاخ وغرور وألقاب خاوية.
لم يعتمد داود باشا على عتلة الدين، والتباهي بها لترفعه على سواه. لم يؤسس حزبا سياسيا أو عصبة مذهبية أو مأفيا مسلحة، يخترق بواسطتها نفوس الدهماء، ويجند الغوغاء لمآربه الخاصة، مستخدما شعارات سياسية أو دينية فضفاضة، كما هي سليقة المنافقين من ساسة العصر الأمريكي، أدعياء تطبيق الشريعة والجهاد ، اللذين لا يتصلان بجوهر الاسلام وأخلاقه، وانما يفتريان عليه، ويشوهانه، خدمة لمشاريع أجنبية معادية للعروبة والاسلام الأصيل.
فالادعاءات الدينية اليوم، ليست غير موضة تجارية بخسة، لا تختلف في جوهرها عن شعارات القومية والماركسية في اربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، ولن تختلف عن اي موضة جديدة، يصدرها الغرب للمنطقة، وتتلقفها اللاهثون. مع فارق جوهري أصيل، هو عنصر الصدق والاصالة والايمان الفعلي، فكلما تقدم الزمن، تبخرت هاته العناصر الثلاثة، وصار الساسة المستجدون، ليس غير ممثلين مشوهين، وأدعياء مفضوحين، وسماسرة ينقصهم الرأي والسيادة،وقبل كل شيء، النزاهة والوطنية.
لماذا لم يتوسل داود باشا، الطامعين والمغرضين من قوى اقليمية أو غربية، لدعمه في تسلق الحكم، وتحويل البلاد إلى مزاد وخان للسمسرة واجراء صفقات مشبوهة، تصادر حقوق وكرامة والبلاد والعباد، وتؤمن حكما شائنا أبديا له. لكن داود باشا، لم يكن طامعا في السلطة، ولا في حاجتها، وليس بينه وبين عجلة الحكم وترهات العالم غير الضرورة/ الضرورة الحتمية للتاريخ، والتي في اللحظة المناسبة، تقدم وترفع شخصياتها التاريخية، في المكان والزمان المناسبين، لاحلال الصيرورة المنطقية، والباقي على ذمة الجماهير.
داود باشا لم يسقط أو ينته، ولم يتعرض لنكسة أو هزيمة، وانما الجماهير هي التي خانته. الجماهير لم تخن داود باشا، وانما خانت واقعها ومستقبلها، خانت ضمائرها ومبادئها الأصيلة، لتشبع من الفوضى وأبواب التردي والاناركية الخارجة على كل مسلمات العقل السوي.
لم يظهر داود باشا، من الفراغ أو الغيب، أو بسحبة يانصيب، وانما عرف بسيرته المقبولة ومنجزاته الادارية والعسكرية، التي اكسبته تقدير الوالي سليمان باشا، والمرجح أنه أطلق عليه اسم (داود)؛ كما أكسبته احترام وثناء الباب العالي.
قام داود باشا بتصفية النعرات والتناحرات القبلية والعشائرية على حدود العراق وأطراف حواضره، كما تصدى للاستفزازات الايرانية من جهة الشرق، واتخذ اجراءات ادارية حاسمة، لتنظيم الزيارات الدينية الى كربلاء والنجف، ومنع استخدامها لأغراض أخرى. وفي الجانب الاداري، قام باصلاح الموارد المائية ومنظمات السدود، والتطوير العمراني للمدن والقصبات. وقبل عهد مدحت باشا بأربعة عقود، أصدر داود باشا أول جريدة عراقية بلغتين عربية وتركية، حملت اسم العراق/(جورنال العراق)؛ واستقدم أول مطبعة عام (1830م)، لكن فوضى العام (1831م) وحركات التمرد المرافقة لانتشار وباء الكوليرا، منعت وصول المطبعة الى بغداد. ان الأولى بالعراق ونقابة الصحفيين والمؤسسات الثقافية اعتبار صدور (جورنال العراق)/(1930م) في عهد داود باشا، عيدا للصحافة العراقية، وليس جوريدة الزوراء/(1869) في عهد مدحت باشا.
وفي نفس العام، أصدر الباب العالي اوامره، بتعيين وال جديد في العراق/(علي رضا باشا)، وهكذا جرى هدر اصلاحات ومنجزات ما ينيف على عقدين، مما لا يمكن أن يتكرر ، ويستمر، كما استمرت الدولة المصرية زهاء قرن ونصف، واتصلت اصلاحاتها ومنجزاتها، ووجدت اعتبارها وتقديرها في حعيون وحياة المصريين حتى اليوم. فيما يتحدر سكان العراق من فوضى إلى تمرد إلى عصيان إلى نكران منجزات حكامه ومصلحيه التاريخيين، ليأنس لبرامج الفوازير وتدمير قواعد البناء والاستقرار.
اصلاحات داود باشا ومنجزاته العراقية..
- برامج تحديث العراق دولة ومجتمعا.
- اصلاحات عمرانية لتحديث المدن والحواضر وربطها بشبكة طرق حديثة ووسائل اتصال الاطراف بالمراكز.
- اصلاحات مائية تتعلق بمجاري المياه وصيانة شبكة المنظمات والسدود وقواعد توزيع المياه.
- الفصل بين الامور المدنية والعسكرية، وفصل ادارات المدن والحواضر، وادارات البوادي وتوطين الرحل.
- اصلاحات عسكرية وبناء أول جيش وطني عراقي مستقل عن القوات العثمانية، واستقدام خبراء عسكريين من أوربا لتدريب الجيش العراقي تدريبا حديثا.
- وضع اسس وقواعد الصناعة والتصنيع العسكري العراقي، لانتاج سلاح وعتاد محلي.
- تشريع أول قانون للخدمة العسكرية الالزامية في العراق.
- اصدار اول جريدة عراقية/(جورنال العراق) والتهيئة لبوار نهضة أدبية ثقافية حضارية في العراق.
والمؤسف، ان قليلا من المثقفين ومؤرخي الثقافة العراقية، يلمون الماما صحيحا بثقافة العراق ومثقفيه في القرن الثامن عشر والتاسع عشر المؤسسة للثقافة العراقية المعاصرة، وهي تسبق الجواهر والسياب بكثير، لأن التجاهل والتهميش والنسيان والتنكر للآخرين، لا يصنع ثقافة حقيقية، ولا يفتح طريقا لمستقبل حضاري.
ولنسأل اليوم.. لماذا كان داود باشا الكرجي، أكثر عراقية ، وأكثر وطنية، من كثيرين، من ادعياء الوطنية الخاوية والعراقية الكاذبة، والمسؤولين المدانين عن تمزيق العراق وتدمير بناه التحتية وتشريد أبنائه.
ولأول مرة، يتشر تسعة ملايين عراقين عن بلدهم وأهلهم وبيوتهم.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,399,517,954
- تفكيك العنف وأدواته.. (5)
- تفكيك العنف وأدواته.. (4)
- تفكيك العنف وأدواته.. (3)
- تفكيك العنف وأدواته.. (2)
- تفكيك العنف وأدواته.. (1)
- العمّال والمهجر..
- من يحسن فهم الموت.. يحسن الحياة..
- مقامات تونس (3)
- مقامات تونس (2)
- مقامات تونس/1
- احذر السمنة.. ولا تتبع الريجيم (5)
- احذر السمنة.. ولا تتبع الريجيم..! (4)
- احذر السمنة.. ولا تتبع الريجيم..! (3)
- احذر السمنة.. ولا تتبع الريجيم..! (2)
- احذر السمنة.. واتبع الريجيم..! (1)
- قصائد من متحف العري..
- رواية (كركجورد العراقي) لوديع العبيدي تفوز في مسابقة منف الع ...
- دُخانُ المَعابدِ
- فَتاةٌ تخْرُجُ مِنَ المَدْرَسَةِ..!
- الذكرى العاشرة لرحيل محمود درويش..


المزيد.....




- رجل لا معالم له في غابة تجوبها حيوانات -غريبة-.. وهكذا وثق م ...
- مدير مكتب ولي عهد السعودية محمد بن سلمان ينشر فيديو عن انجاز ...
- مساعد ترامب: قيود إسرائيل على الفلسطينيين أمنية وليست احتلال ...
- معاقبة طبيب خصب سيدات سرا بسائل منوي لا يرغبن به!
- موسكو تنتقد نهج واشنطن للتسوية في الشرق الأوسط وتعتبره غير ب ...
- وصول الوفود المشاركة في قمة العشرين بأوزاكا اليابانية
- الديمقراطيون يتّخذون من فلوريدا خط البداية لسباق الترشح للان ...
- وصول الوفود المشاركة في قمة العشرين بأوزاكا اليابانية
- الديمقراطيون يتّخذون من فلوريدا خط البداية لسباق الترشح للان ...
- بالفيديو.. مرتزقة من السودان وتشاد بيد قوات الوفاق الليبية ف ...


المزيد.....

- ما ورد في صحاح مسيلمة / صالح جبار خلفاوي
- أحاديث العولمة (2) .. “مجدي عبدالهادي” : الدعاوى الليبرالية ... / مجدى عبد الهادى
- أسلحة كاتمة لحروب ناعمة أو كيف يقع الشخص في عبودية الروح / ميشال يمّين
- الصراع حول العولمة..تناقضات التقدم والرجعية في توسّع رأس الم ... / مجدى عبد الهادى
- البريكاريات الطبقة المسحوقة في حقبة الليبرالية الجديدة / سعيد مضيه
- البعد الاجتماعي للعولمة و تاثيراتها على الاسرة الجزائرية / مهدي مكاوي
- مفهوم الامبريالية من عصر الاستعمار العسكري الى العولمة / دكتور الهادي التيمومي
- الاقتصاد السياسي للملابس المستعملة / مصطفى مجدي الجمال
- ثقافة العولمة و عولمة الثقافة / سمير امين و برهان غليون
- كتاب اقتصاد الأزمات: في الاقتصاد السياسي لرأس المال المُعولم ... / حسن عطا الرضيع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - وديع العبيدي - تفكيك العنف وأدواته.. (6)