أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - شام-الفصل الثالث عشر














المزيد.....

شام-الفصل الثالث عشر


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 6216 - 2019 / 4 / 30 - 05:34
المحور: الادب والفن
    


دورتنا صارت الأقدم في المدرسة، وجاء الآن دور زملائي في إضطهاد الأغرار المستجدين، الذين كانوا يتوافدون على نحو مستمر.
صاروا يأمرون التعساء الجدد المذعورين، عديمي الشعر، بالإنبطاح والزحف وما تبقى من ألاعيب عسكرية، لم أفهم حتى الآن فائدتها في قتال الأعداء.

سعد، الهيبي السابق، والذي صار يتصرف كجنرال في الزيّ العسكري، كان، لعدة مرّات عريف دورتنا، حيث هو الذي يأمر بالإستعداد، والإلتفاف نحو النقيب مُقدّماً الصف وملقياً التحية العسكرية تاركاً يدّه تهتزّ كوتر مشدود بإحكام، وفي نفس الوقت ضارباً بوطه في الأرض مثيراً عاصفة ترابية.
لقبه حضرة الطالب الضابط شكّل موسيقى عذبة لديه، وكان مولعاً بتعذيب وإذلال الأغرار.

عدتُ مرّة، من مبنى الإدارة، بعد إنتهائي من رسم الخرائط بعد الثانية ظهراً، فرأيته يهدد عبد الرحمن حمّادي، جاري وولد حي قدور بك، ويأمره بتناول موزة بقشرها.
عبد الرحمن كان يكتب حينذاك روايته «آه، يا قمر الجزيرة» في ساعات الراحة النادرة.
تدخّلت في الوقت المناسب، وقبل أن ينفّذ الأمر، وطلبت منه الإنصراف. قلت لسعد أن هذا تصرّف سادي وأنه «ثخّنها». فأدار لي ظهره، دون أن يقول شيئاً.

يوم الجمعة مساءً، كانت رائحة الأطعمة الحلبية، التي سعت أمهات الزملاء الحلبيين لحشوها في حقائبهم، تعبق في كل أرجاء المهجع، وتجعل لعابنا يسيل كالحيوانات.
زملاء الساحل كانوا يتحلقون حول السخّان الكهربائي الصغير، ويصبّون الماء المغلي على المتّة، بينما محمود يروي لهم إحدى أكاذيبه حول عشيقاته الكثر في القرية.
هكذا كانت تمضي أمسياتنا.

صحيح أننا كنّا مختلفين، لكن كان هناك تآلف وألفة ليس بالإمكان تصنيفها. أعتقد أنها كانت فترة إنتظار نريد لها أن تمضي، ولم يكن لدينا أي طاقة إضافية لإظهار اختلافنا وخلافاتنا. كنّا في هدنة غيرمشروطة.

حتى في ذلك اليوم الذي أردت أن أشارك في مباراة لكرة القدم. جعلوني حارساً للمرمى فلم أفلح. ثم وضعوني في مركز الدفاع، فركضت في كل إتجاه ولم أستطع حتى لمس الكرة بقدمي.
أخيراً، واتتني فرصة من كرة طويلة، وكنت على بعد مترين من مرماي. أشار لي زملاء فريقي أن أركلها باتجاههم، لكنني توجّهت بها إلى مرماي وسجلّت هدفاً على فريقي.
استغليت فترة الدهشة القصيرة على وجوههم وهم ينظرون إلى بعضهم البعض ففررت إلى المهجع.
لحسن الحظ، حينما عاد الزملاء بعد ساعتين، لم أتلق منهم إلا توبيخاً لطيفاً، لا بل أن بعضهم إعتبر تصرفي طريفاً. هدنة.

في إجازاتي القصيرة كنت أذهب إلى دمشق، وبعد يوم مع العائلة أقضيه بالإستحمام، نافضاً عني كومة الغبار من مدرسة المشاة، وتناول أطعمة لها رائحة وطعم العائلة، أمرّ على بعض الأصدقاء لإلقاء التحية.

في إحدى تلك الزيارات ذهبت إلى نشأت الحمارنة، الذي تصادقنا بسبب عامر، زميل قسم اللغة الإنكليزية. ونشأت، أخصائي طب العيون، كان عضواً في القيادة القومية أيضاً، ورجلاً متنفّذاً.

كنت، بطبيعة الحال، مرتدياً بدلة طالب الضابط، بالشريط الأخضر النحيف على كتفي، والبيريه الخضراء المائلة حتى عيني اليسرى. كنت أحسّ دوماً أن هناك دوريات الشرطة العسكرية تنتظرني في كل مكان، لتنقضّ علىّ إن لم أكن أرتدي زييّ وفق التعاليم.

فتحت زوجته الألمانية الباب، ورحبت بي وقالت، بلهجتها العربية الصحيحة التي نصفها أردني والآخر شامي، انهم في غرفة الجلوس.
وحينما دخلت غرفة الجلوس كان نشأت يشرب القهوة مع وزير الدفاع، مصطفى طلاس.

في مدرسة المشاة أتلقى أوامر من مساعد في المرسم، وأي نقيب قد يُثير فيّ الذعر، ودوريات الشرطة العسكرية تجعلني أتبّول في ثيابي، أقف الآن أمام رئيس كل هؤلاء، حاملاً البيريه الخضراء بيدي.

كيف أتصرّف بحق الجحيم؟ هل أعيد وضع البيريه على رأسي وأضرب كعبيّ وأقف باستعداد ملقياً التحية كما كان يفعل سعد، ثم أقّدم نفسي «الطالب الضابط فلان الفلاني سيدي الوزير»؟ هل أستدير وأفرّ كما فعلت في مباراة كرة القدم تلك؟

جائتني عشرات الأفكار خلال ثانيتين، حينما فطن نشأت إلى صعوبة موقفي، فقام بتخفيف المصيبة التي أدخلتني فيها زوجته الألمانية ورحّب بي باحتضاني، ثمّ قدّمني ناعتاً إياي بالصديق، بينما وقف وزير الدفاع أيضاً فصافحته، ناسياً تماماً أنني طالب ضابط، ناسياً مدرسة المشاة وحلب.
ويبدو أن الوزير شعر بنفسه بصعوبة الموقف عليّ، فسألني مبتسماً عن دورتي وإن كانوا يعاملوننا بشكل جيد.

لم تؤاتني الجرأة لأروي قصتي على زملائي حين عدت. لن يصدّقني أحد في كل الأحوال.

في الشهر الأخير من الدورة، وبينما سعد وبقية الزملاء يتمّرنون على استعراض حفل التخرّج، أرسلوني إلى نادي الضباط لأرسم لوحة جدارية.

صرت أتناول طعامي هناك أيضاً، ليس مع الضباط، لكن مع الطباخين. لم أنهِ اللوحة، التي عملت فيها قرابة الأسبوعين، إلا حين هدّدني نائب مدير المدرسة بالعقوبة إن لم أفرغ منها خلال ثلاثة أيام.

حضرنا، منير وأنا، حفل تخرجنا جالسين على منصة الضيوف.
جاء وزير الدفاع وألقى كلمة، وحين شارف الحفل على الإنتهاء، أخرجنا كتّافيات خضراء عليها نجمة مُذهبة ووضعناها على أكتافنا.

وجهتي التالية، كانت، الى الإدارة السياسية في دمشق.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,754,335,434
- شام-الفصل الثاني عشر
- شام-الفصل الحادي عشر
- شام-الفصل العاشر
- شام-الفصل التاسع
- شام-الفصل الثامن
- شام-الفصل السابع
- شام-الفصل السادس
- شام-الفصل الخامس
- شام-الفصل الرابع
- شام-الفصل الثالث
- شام-الفصل الثاني
- شام-الفصل الأول
- سأطهّر المنطقة أولاً
- فصل جديد من رواية «كوبنهاون»
- الطيران مع «آنا»
- مرّة اخرى، القامشلي
- هنريك، ملك الدانمارك
- اوصماني برو
- معمارية متحف لوڤر أبو ظبي
- فصل من رواية «كوبنهاون»


المزيد.....




- التقدم والاشتراكية  يجدد تثمينه للإجراءات الاستباقية في مواج ...
- فلسطينيون يستثمرون أوقات فراغهم في فنون الطهي في ظل أزمة كور ...
- رسم عبارة -ابق في المنزل- باللغة الانجليزية على شاطئ غزة
- كاريكاتير -القدس- لليوم الأربعاء
- الشاعر الإماراتي مبارك العامري يفوز بلقب شاعر المليون
- وفاة أسطورة موسيقى الجاز والاس روني بسبب مضاعفات الإصابة بفي ...
- -ملينا خلاص.. على شنو ديارهم ما تبيهم-.. فنانة كويتية تدعو ل ...
- وزيرة الخارجية الاسبانية: لا تغيير في توافق المغرب وإسبانيا ...
- فيروس كورونا: إعلان لأبطال فيلم -كونتيجن- للتوعية بمخاطر الو ...
- بتقنية الفيديو ..المالكي يجتمع برؤساء الفرق البرلمانية  لرسم ...


المزيد.....

- البحث المسرحي بين دراماتورجيا الكتابة والنقد المقارن / أبو الحسن سلام
- رواية الملكة ودمعة الجب كاملة / بلال مقبل الهيتي
- قصة قصيرة الناس و التمثال / احمد دسوقى مرسى
- قصة قصيرة الناس و التمثال / احمد دسوقى مرسى
- الأسلوبية في السينما الغربية / جواد بشارة
- مقالات في الرواية والقصة / محمود شاهين
- مسرحية الطماطم و الغلال (مسرحية للأطفال) / زياد بن عبد الجليل
- أناشيد القهر والحداد / Aissa HADDAD
- ماتريوشكا / علي مراد
- الدراما التلفزيونية / هشام بن الشاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - شام-الفصل الثالث عشر