أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - عبد الرحيم التوراني - التمرغ في تراب التكريم!














المزيد.....

التمرغ في تراب التكريم!


عبد الرحيم التوراني

الحوار المتمدن-العدد: 6188 - 2019 / 4 / 1 - 00:57
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    


كنت أزوره بين الفينة والأخرى. أذهب إليه في داره بحي النخيل. حي هادئ. لا عمارات هنا شاهقة تسد عين الشمس. كل المنازل لا تتعدى طبقة واحدة. لكن لعاب ذئاب المضاربات العقارية سال وهدد اليوم وجه الشمس.
أمر على الحديقة العمومية المجاورة لدار الزعيم الكبير. كان زعيما من قبل أن أولد. وزعيما كبيرا سيظل. أنا أتحدث عنه الآن وقد مرت سنوات على رحيله. كنت أتباهى باستقباله لي ولطفه معي. هو لا يستقبل الجميع..

لما مات شمت الأعداء.
قال خبثاء:
- مات منذ يوم رفض مباركة اللعبة.
لقد فضح التواطؤ على الجماهير.
وقالوا:
- دفن جثة سياسية بعد موتها بعقود.
ونسوا أن عفونتهم تسد الأنوف وتخنق الجو. ما أرذلهم. نقول نحن من أحببنا، متأخرين، زعيمنا بنقائه الروحي والفكري ونظافة يده.

يردون:
ـ هذا مخلوق تأخرت ولادته. هو ينتمي لعصور سابقة.

اعتزل السياسة لما رأى السماسرة و"الشناقة" يسيطرون على دواليبها. عاد إلى واحته الهادئة. داره البسيطة بحي النخيل. ولا أشجار هنا ولا نخيل. وحدها الحديقة المجاورة تنقذ ماء وجه الاسم.
آه.. تنتظرون أن أذكر لكم اسمه. أعرف أن الجميع يعرفه. أو على الأقل الأجيال التي رأت النور قبل الاستقلال. هو الزعيم. أطلب العفو من روحه. كان لا يستسيغ اصطلاح "الاستقلال". هو الحريص على إيلاء الكلمات مواضعها التي تستحق. كان لا يحب فوضى الكلمات. أو الكلام المتروك لعواهنه. همس لي وهم يعدون في العاصمة للاحتفال بذكرى مرور نصف قرن على استقلال البلد. قال الزعيم:
ـ نصف قرن لا يوازي نصف دقيقة.
إن المستعمر لم يغادر. وإنه لم يخرج من الباب ليلج من النافذة كما يحلو لبعض المتحدثين. هو لا يزال قابعا بعقر دارنا. وقد تضخم وانتفخ. صار جسمه أكبر من كل باب ونافذة. لنخرجه وجب علينا هدم الجدار.

وعن الجدران كان يجمع يديه المعروقتين. يتحدث عن ضرورة هدم جدران والتحصين ببناء أخرى. ينظر إلى جدار الغرفة التي نجلس على أريكتها الوحيدة. وكأنه يقرأ في لوحة إلكترونية. يرسم خرائطا وجبالا وأنهارا. يلونها بالأخضر والأزرق والبني. يدس فيها نقطا حمراء. يقف ويمشي أمامي. تحضرني قامته المهيبة وهو يحاضر في مدرج كلية الحقوق. لا أتابع شروحاته. يصافح زعماء العالم. يوقع الاتفاقيات الدولية. يدلي بتصريحات ويخطب في الحاضرين. يعلن مواقف تغير موازين القوى. ينظم العمال. يتهيأ للاجتماع بالحزب. والآن لا قوة له ولا حول. أمثاله لم يعودوا مقبولين في المشهد. يعكرون اللعبة ويعطلون انسيابها.

يتصل صحفي يطلب حديثا من الزعيم. يسأل عنه. وعن المنبر الذي يشتغل فيه. وأسئلة أخرى قبل أن يحدد موافقته من عدمها. يأتون لمحاورته كمن يذهب لزيارة متحف أثري. هو يرفض ذلك. كان لا يكف عن الذهاب إلى حدود المستقبل الآتي. يحب محاورة المثقفين والمفكرين. وكان مثقفا وأديبا ومفكرا كبيرا من طينة الكبار. هو مات من سنين. لكني أرى كلامه يتجسد أمامي اليوم وقائع حية. هو رأى. ولم يسمع أحد ما رأى. لو بقي معنا ما كان يقف ويردد:
ـ ألم أقل لكم....؟
ليست هذه لغته. وكان مثقفا وأديبا كبيرا. لم يقبله تجار مواقف باطلة وكراسي زائلة. رفض لعبتهم الواطئة. فقال كلمته ومشى.
يوم تذكروه أوصوا بتكريمه. كان طريح الفراش. أتوا إليه في واحته. تسبقهم الأبواق والكاميرات. قالوا له:
ـ جئناك لنعترف بك واحدا من كبار الوطن. لقد أديت الواجب وأجزلت. وكنت نبراسا لنا. وهذا الوسام تشريف لك.
تبسم ضاحكا لما تكلموا عن الشرف. أمر ولده الأكبر من كان يجلس قرب رأسه:
ـ قم يا ولدي وشيع هؤلاء الناس. أرهم طريق الخروج. وانتبه للكلب هل هو مربوط. ونام.

ظل الموظف السامي مرتبكا لا يلوي على شيء. في نشرة المساء رأى المشاهدون الموظف السامي يوشح ابن الفقيد نيابة عن والده الوطني الكبير الذي قضى نحبه.
أعطيت أوامر عليا بتسريع الدفن.
ـ "يخافونه ميتا" قالت امرأة.
رد فقيه: ـ من تكريم الميت التعجيل بدفنه.
أخيرا تم تكريم الزعيم تحت التراب.
التراب للتكريم.
التراب للتمرغ. التراب للبيع. التراب للتراب.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,689,260,852
- أقصوصة: سبب عدم وصول صاحب التاكسي
- حلويات بن لادن
- الموت يغيب المناضل الأممي باتريس بارا ... نهاية رجل شجاع
- مقابلة مع المناضل الأممي ضد العولمة باتريس بارا Patrice BARR ...
- غياب: رحيل الصحفي المغربي عمر الأنواري.. نجم آخر ينطفئ بعيدا ...
- الصحافة المغربية في حداد.. عبد القادر شبيه: نجم إعلامي ينطفئ ...
- غياب القطب الاستقلالي السياسي والأديب والمفكر: عبد الكريم غل ...
- عشرون سنة مرت على رحيله: الرفيق الحاج علي يعته.. ذكريات مع ا ...
- قصة قصيرة: كسّارة ضلوع
- حكاية الوزير بنكيران مع الكرافته وصلاة البلوكاج
- قصة قصيرة: سنوات الكلب والنباح
- دم بكل الألوان
- القمقوم
- رؤوف فلاح.. فارس يترجل ...
- امرؤ القيس في درب مولاي الشريف
- عليكن الثامن من مارس إلى يوم الحادي والثلاثين
- آلام -شوك السدرة- تصل إلى المنتهى
- قبْرٌ.. وبِأيِّ ثَمَنْ؟
- خبر مرعب
- سيدة غرسيف


المزيد.....




- يا فقراء لبنان والعالم موتوا (1 من 2)
- الشيوعي يعني الرفيقة المناضلة فاطمة حسن مزرعاني( أم وديع )
- وقفة احتجاجية رفضاً لصفقة القرن
- مسيرة في صيدا وتظاهرة في عين الحلوة رفضا لصفقة القرن
- رأس المال: الفصل الثامن/ يوم العمل
- الشيوعي يستقبل وفدا من حزب الامة
- النقابة الوطنية للصحفيين تدين قرار ايقاف قناة دجلة
- رابطة المرأة العراقية تدين القمع الأمني ضد المنتفضين
- ليتوقف العنف الدموي للسلطات العراقية والمليشيات التابعة ضد ا ...
- الانتفاضة العراقية: حراك لإيصال صوت المتظاهرين وكسب الدعم


المزيد.....

- قناديل شيوعية عراقية / الجزءالثاني / خالد حسين سلطان
- الحرب الأهلية الإسبانية والمصير الغامض للمتطوعين الفلسطينيين ... / نعيم ناصر
- حياة شرارة الثائرة الصامتة / خالد حسين سلطان
- ملف صور الشهداء الجزء الاول 250 صورة لشهداء الحركة اليساري ... / خالد حسين سلطان
- قناديل شيوعية عراقية / الجزء الاول / خالد حسين سلطان
- نظرات حول مفهوم مابعد الامبريالية - هارى ماكدوف / سعيد العليمى
- منطق الشهادة و الاستشهاد أو منطق التميز عن الإرهاب و الاستره ... / محمد الحنفي
- تشي غيفارا: الشرارة التي لا تنطفأ / ميكائيل لووي
- وداعاً...ايتها الشيوعية العزيزة ... في وداع فاطمة أحمد إبراه ... / صديق عبد الهادي
- الوفاء للشهداء مصل مضاد للانتهازية..... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - عبد الرحيم التوراني - التمرغ في تراب التكريم!