أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود فنون - فلسفة المواجهة وراء القضبان















المزيد.....



فلسفة المواجهة وراء القضبان


محمود فنون

الحوار المتمدن-العدد: 6185 - 2019 / 3 / 27 - 22:08
المحور: القضية الفلسطينية
    


فلسفة المواجهة وراء القضبان
تقديم
إن الثوريين يحبون الحياة وهم لذلك لا يترددون في المخاطرة بحياتهم كيما يصنعوا حياة حرة كريمة لشعوبهم، فالحياة الذليلة الخاضعة للقيود والقمع والاستغلال ليست حياة، إنما هي وجود بائس زري يتعين تغييرها. والثوريون الاقحاح هم أولئك المرشحون لهيئة أركان تغييرها وقلب معادلاتها. وفي خضم نضالهم لقلبها يتعرضون ويسامون أبشع صنوف التعذيب والقهر في محاولة من السلطات القهرية لكسر إرادتهم وتفريغهم وتيئيسهم. ولكنهم وهم المشدودون للمستقبل والمرتكزون إلى حقائق العصر يثابرون في نضالهم لا يلوون على شيء. فهم مقتحموا السماء وصناع المستقبل.
ويتساقط في العادة من صفوف القوى الثورية العناصر الوسطية قصيرة النفس في ظروف ومحطات مختلفة. وأهم محطة يناقشها هذا الكراس هي محطة الاعتقال والتحقيق بوصفها محطة مكثفة يتمركز فيها الصراع بين القديم والجديد، بين الحرية والعبودية، بين الأمل وأعداء الأمل، بين الثورة والثورة المضادة.
وفي السياق العام تصمد الحركات الثورية أمام آلة القمع السلطوية، ويصمد مناضلوها، ويسجلون مواقف مشرفة تليق بهم كثوريين. ومنهم من يقضي شهيداً نقي الضمير دون أن يخون رفاقه في أقسى الظروف وأحلكها. وهذا أمر طبيعي ومتوقع من الطلائع السياسية ومؤيديها. ويتراكم الصمود ويتنامى في تراث الحركات الثورية والشعب، ويبني طوبة تلو طوبة في نفسية المناضلين ليأتي يوم يمسي كل مناضل فيه عصي على الكسر. والحركة الوطنية الفلسطينية شرعت في حفر أخدود الصمود منذ زمن، فقد اجترحت مآثر بطولية، وقائمة الشرف الطليعية طويلة نسبياً. وإذا كان الاعتراف لعوامل عديدة ظاهر للعيان وطاغي، غير أن قافلة الصامدين في نماء مستمر في شروط تحقيق بشعة ووحشية تنأى عن الوصف.
واعتراف المناضل يمكن تفسيره على النحو التالي (لقد كان وهو وسط الآخرين حين كان محاطاً بالرفاق الذين يفكرون مثله قوياً لأنه يفكر بهم، أما الآن وهو معزول وحين يضغط عليه العدو بشدة فقد انهارت كل مقاومة لديه، لقد أضاع كل شيء لأنه أخذ يفكر بنفسه وضحّى برفاقه لينقذ جلده. لقد تحول إلى جبان ومن جبان الى خائن... والخائن يخسر أكثر من حياته نفسها. فها هو قد ضاع وتخلى عن الجيش المجيد وكسب احتقار أقذر الأعداء) فوتشيك.
وهذا تفسير علمي وصحيح، كما يمكن إضافة عنصر آخر هام في حالة قسم كبير من الحركة الوطنية الفلسطينية، وهو، تخلف هذه الحركة أمنياً وعدم إعداد وتشريب عناصرها بهذا الجانب، وكونهم فتيان يعتقلوا وهم في بواكير الشباب 17-20 ربيعاً بدون أن يكونوا محصنين بالتجارب الثورية والادلجة الكافية بوصفها دم الصمود الدفاق.
والسقوط في التحقيق ليس وقفاً على الشبان، بل قد يطول أيضاً مناضلين مجربين لهم من الخبرة السياسية والاجتماعية الشيء الكثير. وهؤلاء برغم تجاربهم وخبرتهم يكونوا مجرد ملتصقين بالنضال دون أن يملك عليهم كيانهم، ودون أن يتعمدوا به، فهم ينتمون بجانب محدد من شخصيتهم بينما تعيش الجوانب الأخرى حياتها الفردانية. انهم يعطون الثورة هوامش من أوقاتهم وأعصابهم وتفكيرهم، بينما جماع الشخصية في عالم آخر ذاتي، فلا يربطون أنفسهم كيانياً بالثورة ومصيرها، وبالتالي لا يتحدون بها حد الاندماج الكلي. ان شخصيتهم الجمعية مجزوءة لا تقوى على الصمود أمام دعوات الذات لانقاذ فروة الرأس.
والمناضل الفلسطيني طالما أنه عضو في صفوف الثورة تنتظره احتمالات أربعة:
1- الشهادة، وما أعظم أن يتعمد انتماء المناضل بالشهادة، فهي أعظم درجات التضحية. وثورتنا المسلحة قدمت على مذبح الكفاح الوطني في العقد ونصف الأخيرين أكثر من 130 ألف شهيد. حتى باتت لا تكاد تخرج من شلال دم لتجد نفسها تعوم في شلال دم آخر.
والشهادة قد تكون في معارك الثورة المسلحة التي خاضتها ببطولة منقطعة النظير في الأردن ولبنان، وفي الأعمال العصابية في الوطن المحتل، وهذا هو القانون العام. وقد تكون الشهادة على شكل اغتيال سياسي مثلما تكرر مراراً للتخلص من كادرات الثورة، ومخابرات العدو الصهيوني لها باع طويل في ذلك. كما تكون تحت موجات التعذيب في غمرة التحقيق، فقد استشهد 74 مناضل فلسطيني في سجون العدو غالبيتهم في فترة الاستجواب.
2- الابعاد، وهذا السلاح استخدمه العدو لطرد العناصر النشيطة، وهناك اكثر من 800 مبعد تم ترحيلهم خارج الوطن. كما أن العدو يشجع ذووي المحكوميات الخفيفة لطلب الابعاد. هذا علاوة على التهجير والتشريد الجماعي كما حصل عام 1948، 1967 ونزيف الهجرة السنوي الذي يتجاوز 20 ألف كل عام.
3- الاستخفاء، بأن يرفض المناضل تسليم نفسه لقوات العدو ويلجأ للاختفاء داخل الوطن لمواصلة النضال. فعدم وجود قواعد محررة بسبب جغرافية فلسطين المحدودة وقوة العدو وعصريته تدفع بعض العناصر الثورية للاستخفاء. وكان لقطاع غزه تجربة خصبة بهذا الشأن.
4- الاعتقال، وهو الأسلوب الشائع، حيثما يتعرض المناضل لارهاب جسدي ونفسي بربري وسنوات من الأسر قد تطول وقد تقصر. وبلغ تعداد الذين اعتقلهم العدو الصهيوني لحد الآن أكثر من 110 ألف فلسطيني، بينهم أكثر من سبعة آلاف أمضوا عشرة أعوام فما فوق لا يزال يقبع منهم 3.5 ألف قيد الأسر.

والاعتقال يأخذ أشكال مختلفة كأن يستدعى المناضل بواسطة الشرطة، أو كأن تنصب له مخابرات العدو كمين أو أثناء قيامه بمهمة سياسية أو عسكرية، أو أسر في معارك واسعه النطاق كما يحدث في لبنان، أو مداهمة بيتيه ليلاً بما يصاحب ذلك من تظاهرة عسكرية لبث الرعب في نفسية الجماهير والمناضل. والشكل الأخير هو السائد.

وميزان القوى المادي في التحقيق يميل لصالح العدو فهو الذي يمتلك الهراوة والبطش. غير أن المناضل ليس مجرداً من كل الأسلحة، بل انه يمتلك سلاحاً لا يمكن محاصرته، انه السلاح المعنوي: إيمانه، إرادته المقاتلة، قناعاته، إنسانيته، أخلاقيته التي تعترك بمرارة مع السلاح المادي.
ورجل المخابرات يرمي من وراء آلة تعذيبه تحطيم المناضل واستحلابه عن آخره، فهو يرمي إلى تحويله كيس رمايه ( وليمونة) يعتصرها كما يشاء. فهو يسعى لتفريغ ما في جعبته من أسرار وبالتالي سحقه كمناضل والقائه كومة بدون إرادة أو أهداف.
وهو لذلك يحاصره ويعزله ويضغط عليه وينكل به يخالجه اعتقاد أن المناضل سينهار هذا اليوم ويستسلم محطماً متفسخاً لا روح نضالية أو انسانية فيه ، محاولاً بالايحاء له أن التحقيق معه أبدي وأن لا أحد يهتم بمصيره بينما رفاقه يمضون سهراتهم ورحلاتهم... وألا سبيل أمامه للخروج من هذا الجحيم إلا تسليم قراره وإرادته للعدو!
وقطعاً إن (المناضل) المثلوم المتهاوي فقط هو من ينهار تحت ضغط حزمة من العصي، كما أن الأغبياء وحدهم من يصدقون وعود وأحابيل رجال المخابرات. فالتحقيق له نهاية مهما طال واستطال، ورفاق المناضل لا يتلهون بمسامراتهم، بل إنهم يناضلون وقلوبهم وعيونهم تتطلع نحو رفيقهم مؤملين أن يكون نموذجاً صلباً لهم لا يركع. فلا شيء نبضاته أقوى في قلوبهم من نبضات رفيقهم الذي يتضامنون معه بأعمق المشاعر الانسانية، وهم لا يكفون عن استذكار نضالاته ومواقفه وذكرياته معهم، ولا يفوتون لحظة الا ويترقبوا أول خبر عنه. فالخبر الأول يختصر المعركة في كلمة واحدة ( الصمود ) و ما أكبر هذه الكلمة وما أكبر الفارق بينها وبين نقيضها.
وعلى المناضل المعتقل أن لا يخذلهم أو يخونهم، وأن يحرر نفسه من دائرة الذاتية التي يسعى العدو لحشره بها الى دائرة الجماعة والثورة. وفي متناول يده ان يقاوم لحظات الضعف والوهن بأن يستنهض صبره وطول نفسه، وأن تظل عيونه معلقة بشرفه الوطني والحزبي وأن يستجمع شريط حياته النضالية والاجتماعية، وجوه رفاقه وزوجاتهم وأطفالهم، وعائلته وأصدقائه، نوادرهم ومفارقاتهم، احلامهم وتطلعاتهم ... فذلك يكسبه صلابة على صلابة. انه قادر أن يتمرد على ضغوط العدو وأن يمحق حساباته وغطرسته وأن يسقط محاولاته لتجسيمه سكين يحز بها رقاب رفاقه.
ورجل المخابرات يستخف بالمناضل صراحة فيقول له (انك لا شيء) (وقد هزمنا مئة مليون عربي) وأن اعترافك محتوم اليوم أو غداً، بالضرب أو الاقناع، وقد أصبحت بين أيدينا (وبلاش شطارة)، وينظر بفوقية رعناء تحتقر المناضل، ضاغطاً عليه لانتزاع اعتراف منه. أي أن يخون المناضل رفاقه وأن يشي بهم ويطعنهم في الظهر ويزود العدو بسلاح لقتلهم. والمناضل الشجاع يقاوم ذلك تحفزه كبرياءه الوطنية والحزبية مردداً بينه وبين نفسه ( اذا كان هناك ما يمكن التضحية به لقضية فإنه الحياة وليس الشرف). ويكفي ثورة الكرامة الفردية على استعلائية رجال المخابرات المهووسين في عنصريتهم حتى يصار الى رفض التعاون معهم والاستخذاء لهم.
ومن يعتقد أن الانهيار ينقذ فروة الرأس ويخلصه من براثن المخابرات، فهو جاهل بهم وكمن يهرب من الدب ليسقط بالجب. فكما لا يمكن الاستجارة بالنار من الرمضاء لايمكن الاستجارة بالاعتراف من المخابرات. وهم يشددون من هجومهم وبطشهم لابتزاز أي تنازل من المناضل، وما أن يحققوا ذلك حتى يضاعفوا ضغطهم ولسان حالهم يقول ان الجدار بدأ بالانهيار وأن اختراقه بات متداركاً. بينما المناضل الصلب الذي يقف أمامهم كالطود الشامخ لا يلين ولا يميل يبدأوا هم بالتراجع من أمامه، وجرجرة هزيمتهم مستبدلين طاقم تحقيق بطاقم آخر، وهذه أولى علائم الانتصار عليهم. وكم من مناضل أثبت أنه قدّ من الفولاذ. فالذاكرة التاريخية تختزن عشرات الآلاف، وفي تحربتنا الفلسطينية قائمة طويلة منها قاسم أبو عكر، نادر العفوري، عبد الحفيظ زيدان، علي الجمال، محمد سليمان.
( في كل إنسان هناك ضعف وقوة، شجاعة وجبن، صمود واستسلام، نقاء وقذارة، فالمخلص يقاوم، والغادر يخون، والضعيف يتهاون تحت اليأس، والبطل يقاتل). والمناضل الثوري الذي يضحي بحياته في سبيل وطنه يمتلك أهم عنصر من عناصر التحريض المعنوي للمقاومة والاستبسال وعدم الانحطاط والإذعان. ويدرك أن ما يبنيه هو ورفاقه بأعصابهم وسنوات شبابهم لا يجوز التفريط به تحت حزمة من العصي، وما يصونه ويتكتم عليه ورفاقه بالدم في بداية التحقيق ينبغي أن يصونه ورفاقه بالدم في نهاية التحقيق، وأن لا يتنازل مطلقاً. فالتنازل هنا جريمة تعني افشاء أسرار الرفاق والثورة وزرع البلبلة وعدم الثقة في صفوفهم وبين المناضلين والجماهير. ومن كان بطلاً قبيل الاعتقال يكون بطلاً في الاعتقال، والبطل من يكون في اللحظة الحاسمة مستعداً لعمل ما يخدم الثورة والقضية.

عوامل تقرير نتائج المعركة
يتعذر سرد جملة العوامل المؤثرة في التحقيق ونتائجه، فهي كثيرة وليست دائماً نفسها، ولكن إذا تمحصنا أكثر من تجربة يمكننا الوقوف على العوامل التالية:
1- عقائدية الفصيل الوطني وتراثه: فالايديولوجية الثورية تعني فيما تعني صقل فصيل ثوري بوجه عام يتقن بمهارة عملية التعبئة والتسييس بما في ذلك التشريب الأمني والاعداد المبدأي للمناضل كما أن تراث الفصيل النضالي والتنظيمي ومواقفه ودرجة رقيه وتماسكه تطبع في المحصلة النهائية العضو بنفس الطابع والمستوى. فتراث نضالي خصب وحزب حديدي جذوره عميقة وخبراته عميقة لا بد أن تشكل مناخاً صحياً لتربية وإنشاء منظمات صلدة ومناضلين صلدين.
فبينما فصيلة رخوة ومفككة وفجة بدون تراث ليس بوسعها إلا أن تبني عناصر رخوة ومفككة وفجة وبدون ثراث. ومواجهة التحقيق كصراع مكثف يقتضي مناضلين صلدين وناضجين وعارفين بأفانين العدو ونظرياته. مناضلين جمعيين ربطوا مصيرهم بمصير الجماعة وايثاريين يضحوا بأنفسهم على مذبح أهدافهم، وشجعان يحطموا هيبة المخابرات في اللحظات الحرجة.
ويصعب إذ لم يستحيل على العدو انتزاع اعتراف من مناضل متمرس تعمد بالثورة وعمدها واندمج بها حتى نخاع العظم واتحد معها اتحاداً مقدساً لا فكاك منه، مهما كانت أساليب التحقيق مدمرة وبخاصة مع العناصر والقيادات المسلحة، لأن استئصال روحه أهون من استئصال سرّ دفين.
وهذا ما يفسر حجم الاعترافات الواسع في صفوف الحركة الوطنية، فهي فصائل حديثة العهد بالنضال وعناصرها يتسمون بفجاجة سياسية وايديولوجية وتمارس عملاً ثورياً عالي الوتائر (الكفاح المسلح) الذي يعني مطارتها الدائمة بدون فرصة لالتقاط أنفاسها ونصب مجزرة حقيقية في حالة الاعتقال لمناضلين شبابيين يافعين. وفي الأعوام الأخيرة وبعدما تراكمت لديها التجربة والتراث باتت مواقفها تتحسن بتدرج وتنامي.
2- نوعية المناضل وخلفيته الشخصية: درجة إيمانه ووعيه بايديولوجيته السياسية وأهدافه الوطنية ووعورة الطريق التي اختارها وأهليته لها، ونمط تربيته السياسية وصحة طروحاتها، ومستوى نضجه النفسي ومعارفه الحياتية، ونقاء معدنه وتماسكه، وانتمائه الطبقي ونشأته الاجتماعية ... كلها جوانب تجد تعبيرات لها أثناء التحقيق، وعلى أرضيتها يحقق رجل المخابرات معه مستهدفاً اصطياد عناصر الضعف فيه والنفاذ منها إليه.
إن إرادة المناضل تقرر صلابته وثبات مواقفه، وسمو الهدف الذي يناضل في سبيله ودرجة إيمانه به واتحاده معه تقرر منعة إرادته. فذوي الأهداف الكبيرة الذين يناضلون سنوات بل عقود زمنية من أجلها ينصقلون بآفاقها بينما يتساقط من قطارهم من لا يستطيع الاستمرار. ولن يستطيع الدأب والاستمرارية إلا أصلب المناضلين وأكثرهم تضحية.
وبتعميق الوعي الايديولوجي والنضال الدائب الغيور والعمل اليومي، والذوبان في القضية الكلية ودراسة التجارب الثورية والتعلم منها والاندماج الأوسع بالجماهير وهمومها، تتصلب إرادة المناضل. وإن العناصر المسحوقة الرصينة البناء والغير مهزوزة هي الأكثر قابلية للصمود حتى بات للعين الخبيرة القدرة على استشراف موقف المناضل في التحقيق قبيل اعتقاله اجمالاً.
3- التكنيك التنظيمي: أي أسلوب البناء والقوانين الناظمة للتنظيم وصيغته الهيكلية وشروط العضوية وواجباتها ... ففصيلة تفتقر لقيادات متمرسة، وقيادات ارتقت إلى مواقعها بغفلة من الزمن بقفزات هوائية بدون تدرج، لا ندحة عن وقوعها في أخطاء قاتلة تودي بها إلى التهلكة. وتنظيم مقاتل لا تنفصل فيه التنظيمية السياسية عن التنظيمية العسكرية ويجيز تداخلات كبيرة بينهما لا مفر من اصابته بضربات قاتلة. وتنظيم يكلف اعضائه بمهمات تفوق امكانياتهم ومؤهلاتهم لا بد أن يسقطوا فريسة الخطأ وينحنوا تحت عبء الحمل الثقيل. وتنظيم لا يراعي مبادئ السرية الداخلية والخارجية لن يستطيع تورية امتداداته المنزوعة الغطاء. وتنظيم علني يمارس نشاطه في بحبوحة وتتأسس نفسيات أعضائه في البحبوحة لن يقوى على الصمود في حالة انحسار البحبوحة والمطاردة. وتنظيم يختزل نفسه في مركز نقابي وجماهيري تركيبته الداخليه أضعف من أن تصمد في وجه حملة اعتقالية واحدة في حالة انتقالة الى نضال جدي. وتنظيم يلملم عناصره من قارعة الطريق بمقاييس كمية قطعاً سيغرقه هذا الكم المشوش في حمأة لا قرار لها. وتنظيم الفوضى الداخلية والتسيب تنخر عظامه كالسوس سيسهل كسر عظامه (يوم الحشر). فخطأ صغير في الزمن العادي له آثار تخريبية هائلة وقت التحقيق، وبخاصة الفصائل المطلوب رأسها من جانب الاحتلال.
4- طبقية التنظيم: فالمحتوى الطبقي للفصيل هو عامل العوامل التي يقرر ايديولوجيته السياسية وتكنيكه الحزبي وعقائدية أعضائه ونوعياتهم وجذرهم النفسي... الفصيل البرجوازي مهما ارتقى بفنون عمله ومهما ارتقت قيادته البرجوازية سيبقى ضيق الأفق ولن يبلغ حزب عمالي بقيادات عمالية وتجربة أممية. فلكل طبقة طبيعة ومستمدة من واقعها الاقتصادي والايديولوجي. والطبقة العاملة هي الأكثر انسجاماً وثورية وأحزابها هي الأكثر مراس ومهارة سياسية وأبنائها هم الأكثر نقاء نفسي وغيرية ثورية.
صحيح أن بعض الأحزاب الفاشية أو الدينية أو البرجوازية قد بلغت مقصداً متقدماً من الوحدة والتماسك، وصحيح أيضاً أن بعض المنظمات اليسارية قد تفككت تحت آلة القمع، ولكن الصحيح ايضا انه كلما خطت الاحزاب اليسارية خطوة للأمام في اتجاه تطوير نضالاتها ووعيها الايدلوجي و كلما خطت خطوة باتجاه ابراز كادرات عمالية الى مستويات القيادة كلمات تفولذت اكثر وردمت ثغراتها وتصلب عودها. وفي التحليل التاريخي الأخير وبقطع النظر عن نواقص الطلائع العمالية فقد برهنت على بطولتها في أقبية التعذيب وأورثت المناضلين دروس مشرفة لا يمكن اغماض العين أمامها.
5- ظروف الاعتقال: الظرف، أي ظرف، يترك بصماته على الانسان. والمناضل الانسان الذي يعتقل وبحوزته قرائن مادية ( سلاح، المطبوعات، وثائق ...) أو يصطدم بالتحقيق بأدلة دامغة من جراء اعترافات غيره عليه، يكون موقفه أكثر صعوبة من مناضل يعتقل من باب الشبهة، ويكون مدعوا لصمود مضاعف لرد هجوم المخابرات عليه وتفشيله. وما يزيد الطين بله ان تستقدم المخابرات أحد المنهارين للشهادة والاعتراف على مناضل صامد.
والمعروف ان جهاز مخابرات العدو قسمين، الأول، دماغ معلومات، والثاني للتحقيق. الأول يجمع المعلومات بواسطة المخبرين والاعترافات ويستخدمها الثاني في التحقيق. وهناك خط فاصل تقريباً بين استجواب يقوم على اخباريات وشايات غير مؤكدة وبين اعترافات ومستمسكات مادية مؤكدة. في الحاله الأولى يسهل النفي والانكار بالقليل من الصمود، فرجل المخابرات يكون خالي الوفاض مرتبكاً، وفي الحالة الثانية يتطلب النفي والانكار صموداً أكبر. والمناضل الذي يعتقل بأدلة ثابتة عليه تختصر مسافة المناورات والحيل بينه وبين رجل التحقيق حيثما يفاضل في العادة بين الاعتراف السريع او البطش والتنكيل. فالمخابرات هنا تلجأ للضرب بدون مقدمات طويلة. وأشدّاء المناضلين والحال هذه يؤثرون المجابهة على الاستسلام والقبول بالعذاب والضرب على التفريط بالشرف الوطني، والحزبي، وهم يرفضون التجارب والتعاون مع العدو. أما الوسطيين الضعفاء فيختارون الذات على الجماعة والاستخذاء على التحدي، والمهم أن ينجوا بجلودهم (ولتحترق روما).
وسواء كان المناضل محترفًا أو هاوياً بوسعه رد أية أدلة ضده والخروج من هذا المأزق بشرف. والأمثلة لا تعد ولا تحصى. كما ان هناك طراز آخر من أنصاف المناضلين الذين اعترفوا وركعوا ولكن ما أن وعوا خطيئة مسعاهم حتى تمردوا ثانية، ومنهم من حالفه الحظ ومنهم من فشل. وهذا يعهد بمسؤولية مزدوجة على المناضل الصامد، بانكار اعترافات غيره عليه وانتشال هذا الغير من مستنقع الانهيار، وذلك بتسجيل النموذج الثوري الذي لا يحني هامته للأعداء. وأن أفضل رد على شهادة منهار هو توبيخه (أنت كاذب مأجور، واغرب عن وجهي) ورفض التعاون معه حتى ولو توسل وناح. فذلك يشد من أزر كلاهما وقد دفع المنهار الى التمرد ثانية. وأن التمرد بما يعقبه من ضغوطات شرسة افضل مئة مره من أن يستحيل المنهار كرباج يجلد به العدو رفاقه.

1- موقف المسؤول: المسؤول في أي تنظيم يحيط بالكثير من مفاتيح وأسرار العمل. وهذا يجعله محط عسف وقمع أكثر من غيره. فالمسؤوليات التي هي شرف ونضال من وجهة نظر الثورة هي خطر واستنفار من وجهة نظر العدو. وشرف المسؤول أن يصون مسؤولياته كما يصون بؤبؤ عينه وأن يقود معركة التحقيق بنجاعة مثلما يقود مسؤولياته بنجاعة. وأن صموده يشحن رفاقه بزخم معنوي هائل ويجنبهم هوان الاعتقال الجماعي ومذلة مواجهة الواحد منهم الآخر! والمسؤول يظل كذلك طالما حافظ علة مسؤولياته، ولكنه يسقط من العلياء إلى الحضيض حالما يخونها ويعرضها للخطر. إنه نموذج يحتذى به طالما ظل صامداً وهو نموذج منبوذ حالما يسقط في درك الاعتراف. والقائد الحقيقي لا يسقط أبداً.
ومثلما أن للقائد أثر معنوي ايجابي على رفاقه في حالة الصمود فهو أيضاً له أثر بالغ السلبية في حالة التهاوي. فأن تهاويه يودي في صدور رفاقه وجلاً ورعباً، وأسرار النضال التي كانت قلعة صماء استحالت أرضاً مستباحة. ويعد ذلك استجابة واعية أو غير واعية لمقاصد الأعداء. كشف الأسرار وترويع المناضلين.
ولكن رفاق الدرب الذين احترموا وتنمذجوا بقائدهم وقتما كان قائداً لا ينبغي أن يزلزلهم اكتشاف أن قائدهم مزيفاً. فالموقف العلمي يقتضي التمسك بجوانبه الثورية ونبذ جوانبه السلبية. وكونه خان التمسك بجوانبه الثورية فحماية صفوف الحزب بات ملحاً. وفي ظروف التحقيق يمكن هضم هذا العار، فصمود الرفاق وولائهم للثورة ليس مرهوناً بصمود أو انهيار أفراد، بل ينبع من القناعات الداخلية في جوف كل رفيق، ولا يجوز بحال من الأحوال تنفيذ مخطط العدو الذي الذي يحاول تصوير انهيار المسؤول بأنه انهيار كل شيء. فالقائد لا يعادل الثورة وإن سقوطه لا يعني سقوط النضال والثورة. فعربة الثورة سائرة والولاء أولاً وأخيراً للشعب والوطن وليس للأفراد المنخورين الذين كانوا قادة.

التحقيق والتكوين الانساني.
تعي مخابرات العدو أن الانسان ليس جسداً وحسب، بل أيضاً عقل ونفسية. وهذا يجعلها لا تتورع عن اتباع أخس وأحط الأساليب لتحطيم الانسان الفلسطيني كنفس وعقل وأعصاب وجسد بهدف انتزاع الاعترافات وتدميره كمناضل.
وهي لتسهيل مهمتها تحتاج إلى معرفة قبلية عن المناضل الأسير، مفاهيمه، واقعه الاجتماعي، أخلاقياته... وسعياً وراء هذا الغرض تجند عملائها وأرباب العمل الصهاينة لرفع التقارير عن الأشخاص الذين تعتزم اعتقالهم. وتوظف ما لديها من أسلحة وخبرات للتعذيب الجسدي والتعذيب النفسي والتعذيب العقلي، وان أي اعتراف تنتزعه عنوة أو بالخداع ترى فيه انتصاراً لها ومسوغاً لمواصلة العملية التعذيبية.
وعمليات التعذيب لا تبدأ كما يعتقد البعض في غضون فترة التحقيق فقط، بل تبدأ في اليوم الأول للاحتلال عام 1967 وقبل ذلك. فالعدو يطلق حرب نفسية معقدة ضد جماهيرنا ومناضلينا قبيل اعتقالهم ويواصل ضغوطه ( حواجز التفتيش- منع تجول – مظاهر عسكرية- واستعراض قوة – عدم استقرار وفقدان أمن - بيروقراطية في المؤسسات الحكومية – تشجيع الرشوة والفساد والاحتراب العشائري والطائفي – ضغوط اقتصادية وتعليمية – بطالة متنامية ... وباختصار احتلال). كل ذلك لاستنزاف الطاقة الحيوية لدى الإنسان الفلسطيني.
والقهر القومي والثقافي والطبقي والانساني اليومي لشعبنا وحرمانه من تجسيد حقوقه الوطنية بالتحرر والاستقلال، وما يتولد من ذلك من متاعب يومية لكل مواطن فلسطيني، وما يبرمج له العدو من احباط جماعي لشعبنا واذلال متواصل في قدرة شعبنا على الانتصار، وما يمارسه عن دراية في عدم تيسير أمور المواطنين في المؤسسات الحكومية ( تصاريح – هويات – رخص – تعليم – صحة – خدمات ..) وفي عدم توفير فرص عمل لحياة مكتفية ... كل ذلك القصد منه استنزاف القوة الحيوية لدى الانسان الفلسطيني وخلق حالة احباط جماعية لدى شعبنا، بأنه عاجز، ضعيف، مهزوم، فاشل ... وان عملية تخزين الفشل والعجز وتقادمها وتواصلها وتراكمها عاماً بعد عام يفضي إلى عدمية جماهيرية يائسة. وهذا بالضبط غرض الاحتلال من حربه النفسية.
وهو كيما ينجح في حربه هذه يحتاج إلى غطاء من موظفين عرب في المؤسسات العامة ليمارسوا دور الأباطرة والملوك في احتقار المواطنين وتأخير مشاغلهم، وإلى طابور خامس وعملاء لبث الاشاعات وملاحقة الناس بالأضاليل والمخاوف، علاوة على دوره القمعي والاستبدادي المباشر.
وأثناء فترة التحقيق تحاصر المخابرات المناضل بشبكة من الضغوط، العزلة، الوحدة، التهديدات، الارهاب .. في نفس الاتجاه ولنفس الغرض.
وهزيمة الحرب النفسية تكون بالتنفيس والتمرد. فتركيم الاحباط والفشل هو الطريق الذي يقود إلى اليأس والهزيمة الداخلية وبالتالي الاستسلام والانهيار ، بينما التنفيس والتمرد على كل إهانة وكل فشل والرد عليها بالمقاومة والتحدي يقود إلى الثقة بالنفس والصمود والانتصار في نهاية المطاف.
وقد تنبه جهاز المخابرات العدو لذلك ، فهو في تكوين طواقم التحقيق ودوريات الجيش وطواقم الموظفين ... يزرع رجال أشرار بطاشين لا يعرفون الرحمة ورجال (أخيار) ودودين لامتصاص النقمة والحيلولة دون تنفيسها بالتمرد والرفض. الأوائل يبطشون والأواخر يمنعون التنفيس بكلمات (وديعة لا تخلو من كياسة). ويلعب هذا الفريق (الانساني) دور صمام الأمان لمنع خزان الاحباط المتراكم في النفس من التنفيس. مع الاستدراك أن كلاهما من جبلة وسخة واحدة يقتسمان أدوارهما ويتناوبانها تباعاً.
ولارهاق المناضل واستنزاف طاقته الحيوية التي تتحكم في ردود فعله يستخدم العدو وسائل أخرى أكثر وحشية ومباشرة كالضرب المبرح أو الضرب على أماكن حساسة أو الشبح أو إجبار المناضل على القفز والركض أو الوقوف أيام عديدة أو الحرمان من النوم لعدة أيام، أو ملاحقة المناضل بأسئلة متعددة في نفس الوقت أو الصراخ والشتم عليه... كلها وسائل لاستنزاف الأعصاب وارهاق الدماغ والانهاك العام. وصولاً إلى قطف الثمار وهي واهنة متعبة.
كل ذلك يتم وفق نظريات ومفاهيم علمية. فالجهاز العصبي عالي التعقيد والمتمركز في الدماغ بوصفه أكثر الأجزاء تطوراً وتنظيماً يستجيب ويتأثر بأية ارتكاسات ومؤثرات خارجية. فحواس الإنسان الخمس تعكس الواقع الموضوعي وتنقل منعكساته بواسطة الأعصاب إلى الدماغ لتحليلها وبالتالي الانفعال لها والرد عليها.
والانفعال قد يكون ظاهرياً بتصرف ما (وباطنياً بافراز هرمونات حيثما تتسع الشرايين مثلاً مما يزيد من تدفق الدم وبالتالي هبوطه ونقصه الأمر الذي ينعكس سلباً على الجهاز العصبي الذي يستهلك نصف دم الإنسان وكنتيجة على الدماغ وكل الأجزاء الداخلية (معدة، رئة، ...). وهذا ينهك الدماغ والأعصاب ويثير الاضطراب فيهما كفرصة مناسبة لرجال المخابرات لذبح ضحيتهم.
كل هذه الحرب المعلنة على الإنسان الفلسطيني عشية وغداة الاعتقال تستهدف استنفاذ طاقته الحيوية واتعاب أعصابه ودماغه ونفسيته، ليكون لقمة سائغة لهم!.
ولكن المناضل الفلسطيني ليس عاري اليدين، فهو بوسعه التمرد كما أن عزيمته وارادته تمدانه بغذاء معنوي لا يستطيع العدو الاطباق عليها. فكم من مناضل أطبق فمه وحطم أساليب العدو ونظرياته الفاشستية.
وهناك أخيراً حيلة مستهليكة يتوسلها العدو لخداع المناضلين تدعى (البوليغراف). وهي منشأة مكونة من أجهزة بسيطة، جهاز لقياس الحرارة وآخر للضغط وثالث للتنفس ... وهذه الأجهزة توصل بجسم المناضل لقياس وظائف جسمه. وحينما توجه له أسئلة عادية تسجل مؤشراتها وبين الأسئلة العادية يحشر حول قضية التحقيق (أسلحة، منظمات، ...) لتسجل مؤشرات أيضاً. وهنا تقارن المؤشرات الأولى مع الثانية لكشف الصدق من الكذب ! ولكن هذا الجهاز ينطوي على أداة تكذيبه، فهناك احتمال أن يخاف المرء منه أو من رجل التحقيق أو قد يتصور مشاهد مزعجة أو مخيفة، وكل ذلك يبلبل الجهاز و ..

المبدأ الوحيد
في التحقيق يرمي العدو الى خلق حالة تعاون بين المناضل ورجل التحقيق، بأن يأمره فيطيع ... وبالنهاية يأمره فيجيب، مستغلاً هيبته كرجل مخابرات وما لديه من وسائل ترهيب وخداع. وما أن يرفض المناضل أوامره ويتحداها حتى يسقطا هذين الشرطين الضروريين لعملية التحقيق. والمبدأ الوحيد هنا هو رفض التعاون واسقاط حاجز الخوف والرهبة. وحالما يتحدى المناضل جلاده مرة يستطيع أن يتحداه مرات. ومهما اشتدت قساوة التحقيق فإن السعادة كل السعادة تكمن في عدم احناء الرأس لعدو والهبوط من الزنازين إلى أقسام السجن مرفوع الهامة والهمة ليكون مضرب المثل في الشجاعة والاقدام.
وحرية المناضل مهما قيدتها أسوار السجن تكمن في فهم قوانين الاعتقال والتحقيق وتجييرها لخدمة الصمود والثورة. وما دامت ثورتنا حق ونضالنا حق فإن الدفاع عن هذا الحق حق. وان التضحية في سبيل الحق والحقيقية هي بداية الحرية.
والحركة الوطنية الفلسطينية بعد هذا التراث الخصيب والتجارب المريرة بما تكنزه من أنوية مشرفة في التحقيق حان موعد مغادرتها دائرة الرعب والانتقال إلى دائرة الجرأة. وان الامساك عن كتابة الافادة هو خط نضالي يتعين رعايته وتعميده بالدم. فالاعترافات والافادات هي السلاح الأكثر فتكاً لضرب الحركة الوطنية في الداخل.
وخط يحظى بهذه الدرجة من الأهمية خليق بالدراسة والتوعية والتغذية والتحصين والمحاسبة على كل من يخل به. ان الوقوف انتقادياً أمام تجربة الحركة الوطنية وتجربة كل مناضل في التحقيق واجب ملحاح لفرز القمح من الزوان. وليكن الموقف في أقبية التحقيق متساوقاً مع منسوب تضحيات الثورة وبطولتها وليكن بحجم الوفاء لعدد شهدائها، وليكن بصلابة البندقية طريق الخلاص الوطني الوحيد.
هذا ما يناقشه ويشرحه بأسلوب بارع وميسور هذا المؤلف.
بقلم الدكتور احمد سليمان قطامش 1982م








مقدمة
تعتبر تجربة التحقيق من أهم التجارب التي يعيشها المناضل الفلسطيني الرازح تحت نير الاحتلال، فهي التجربة التي يقف فيها منفرداً، بلحمه، ودمه، في وجه آلة القمع الفاشية ممثلة بطواقم وأدوات ووسائل وأساليب التحقيق. وهي التجربة التي يمكن ان تمر بسلام على المناضل ورفاقه، أو يمكن أن يتخللها أغلاط وانهيارات تلحق أكبر الضرر بالحركة الوطنية عموما، والمناضل نفسه بخاصة، مادياً ومعنوياً وفي نفس الوقت تقدم أجل الخدمات لقوات القمع الفاشية من معلومات، وأخبار، وطرائق تفكير، وأسرار، ومناضلين ومواد نضالية، وأزمات ثقة بين المناضلين.
وما دام الأمر على هذه الصورة، فإن موقف المناضل في التحقيق ليس عادياً
1-من زاوية خطورة نتائج التجربة.
2- ومن زاوية أنها تجربة نضالية مكثفة أشد ما يكون التكثيف مهما كانت أوضاع المناضل ومنزلته النضالية وحجم الأسرار التي في رأسه، هذا التكثيف الذي يتجلى من خلال عملية التحقيق بطرفيها المتصارعين:
المناضل وما يحيط به من أسرار، وطرائق بوصفه تجسيداً حياً لقطب كامل من أقطاب الصراع الوطني، والقومي في مواجهة مندوبي الفاشية.
و طواقم التحقيق بوصفهم الادارة الضاربة والمعبرة عن مصالح القطب الآخر، الاحتلال والرجعية.
وعلى ذلك فإن دراسة التحقيق تكتسب أهمية كبرى.
فالمواطن الفلسطيني المكافح معرض للتحقيق في كل أماكن تواجده وكل مراحل حياته. وكذلك فالحركة الفلسطينية كانت ولا تزال تعاني من نتائج تجارب التحقيق الشيء الكثير. وسلطات الاحتلال تهتم أشد الاهتمام بهذه المسألة وتوليها عناية فائقة لما حققته عن طريق التحقيق من عظيم الفائدة لها، وبسبب الضربات القوية التي استطاعت توجيهها للحركة الوطنية الفلسطينية على أيدي رجال التحقيق، بل على أيد المناضلين الفلسطينيين أنفسهم الذين قدموا الخدمات الجليلة للاحتلال باعترافاتهم ووشاياتهم عن رفاقهم، وعن أشياء كثيرة وخطيرة.
وتكتسب دراسة التحقيق أهمية أخرى بالغة من حيث أن المناضل الذي لديه درجة من الالمام بمجريات التحقيق عبر عمليات التعبئة الوطنية والنضالية التي يحتاج لها لن يكون أبداً لقمة سهلة في بلعوم العدو.
وبالرغم من هذه الأهمية الفائقة لدراسة التحقيق وأساليبه، وبالرغم من الخبرة الهائلة التي عاشها مناضلو الحركة الوطنية الفلسطينية في فلسطين فإن هذا الباب لا يزال بحاجة إلى مزيد من الطرق، ولا زال المناضل الفلسطيني متخلفاً في الالمام بأبسط مسائل التحقيق. ويعود ذلك إلى:
1- النقص في الدراسات العلمية المتوفرة وأية كراسات ونشريات تناول هذه المسألة.
2- النقص في المراجعة، والوقفات النقدية التي على الحركة الوطنية بكافة فصائلها وقوفها للتعرف على أسباب الإعترافات و أسباب الضربات التي تتعرض لها ووضع السبل لمعالجتها.
3- النقص في درجة الاعداد والتأهيل التي يتلقاها المناضل عندما يلتحق بالأطر الوطنية.
4- بدائية آلية العمل النضالي بصورة عامة وطرائق ترتيبها في مواجهة الاحتلال وأجهزته القمعية بما فيها أجهزة التحقيق.
5- ضعف مستوى الاهتمام المحدود بهذا الجانب
هذا مع العلم أن مسألة التحقيق مسألة يومية، وأن عشرات الآلاف من أبناء شعبنا قد تعرضوا لها، وأن مصادر البحث والدراسة خصبة ووفيرة، وأن الكثير من الضربات الهائلة التي تعرضت لها الحركة النضالية نشأت عن الانهيارات في التحقيق، وأن عملية التحقيق عموماً كعملية قمعية يواجهها المكناضلون كافة في كثير من البلدان .
ويمكن التعرف بالتالي على أساليب التحقيق وطرائق مواجهتها، لأ عملية التحقيق ذاتها على جانب عظيم من الأهمية في حسم المناضلين وتصليبهم إذا ما اجتازوها بنجاح، أو سقوطهم، وانهيار معنوياتهم عندما يفشلوا فيها، وتقديم نموذج سلبي للآخرين. بالإضافة إلى ما يمكن أن تقدمه عملية التحقيق الناحجة من وجهة نظر جهاز التحقيق المعادي من حوافز للمحتل للاستمرار في احكام السيطرة والبطش ضد المناضلين والوطن، واستمرار معرفته باللوحة الوطنية عن قرب بما فيها من أسرار وآلية عمل وآلية تفكير، ونوعية مناضلين.
ولو شاءت الحركة الوطنية الفلسطينية ومفكريها لصاغوا تجربة التحقيق، ونظريات الصمود والصراع في الأقبية على خير وجه، من تجربتهم وتجربة الثوريين في أنحاء العالم، وعمموا خبراتهم بالارتباط مع الخبرات الثورية مما يقدم مادة دراسة واطلاع للجماهير عامة والمناضلين خاصة.
ان إلمام المناضل الفلسطيني بأساليب التحقيق وأشكاله المختلفة يساعده مساعدة كبرى وأكيدة على الصمود والمقاومة في وجه أجهزة التحقيق الفاشية مما يجنب الحزب أو الثورة أو الحركة الوطنية عموماً والجماهير معها، نتائج الضربات والانهيارات، كما أن المناضل يسهل عليه الافلات من براثن وخدع ومطبات رجل التحقيق سهواً أو سذاجة.
رجل التحقيق هذا الذي يحصر اهتمامه في أحيان كثيرة في مسائل هامشية (ظاهرياً) ويركز على مسائل اجتماعية، أو أسئلة سياسية عامة أو اقتصادية، أو سلوكية وشخصية تبدو أنها لا علاقة لها بعملية التحقيق والصراع الضاري المتجسد فيها ، وفي الواقع تشكل معلومات كهذه للعدو مستنداً يمكن أن يدخل بواسطته إلى مداخل خطيرة، كما يمكنه من التعرف على البيئة العامة والخاصة، والحالة النفسية والعادات والتقاليد والاهتمامات وغير ذلك من الضروريات للطرف الآخر في الصراع.
بينما أي مناضل عرف ترابط سلوك المحقق وأسئلته مهما كانت ، وأهدافه النهائية سوف لن يقدم له هذه الخدمة، وبالتالي لن يتمكن المحقق من رواية قصة عادية ( انت وفلان أصدقاء، وهو يحب فلانة، وفلانة صديقة علانة) وبعد أن يروي قصة كهذه يدعي أنه يعرف كل شيء ويضع المناضل قيد التحقيق في موضع المكشوف تماماً والعارف بالخفايا والأسرار، فيقع المناضل الساذج في المطب ويروي ما لديه أو بعض منه.
إذا كانت عملية التحقيق تجسيداً مكثفاً لحالة الصراع بين الحركة الوطنية ورموزها وأبطالها من جهة، ورجال التحقيق وسلطاتهم وحكومتهم من جهة أخرى فلا بد إذن من الخوض في معرفة النظرية التي تحكم هذا الصراع وقوانينه. فما هي نظرية التحقيق.

نظرية التحقيق
تدرس نظرية التحقيق، عملية الصراع الضاري في مضمونه، وغالباً الضاري في أشكال تجسيده، الدائرة بين ممثلي الحركة الوطنية من جهة ، والمحققين في أقبية التحقيق من جهة ثانية . هذا الصراع، بوصفه استمرار وتركيز للعملية النضالية، (الصراع) الدائرة عموماً بين الحركة النضالية، فصائلها وأحزابها وأجهزتها، ورموزها، وبين السلطات الرجعية، القمعية، الفاشية (الاحتلال) وأجهزته الأمنية (الجيش، والشرطة، والمخابرات، والأجهزة، والثقافة، الحضارة، والسياسات، والأهداف، والممارسات) والتي تأخذ مجراها عبر كافة أشكال النضال العلني، والسري، المشروع، وغير المشروع، العنيف، والسلمي، المادي، والنفسي والمعنوي، هذه الأشكال المستندة على الوضعية النضالية والحضارية والثقافية والنفسية والمعنوية لكلا الطرفين. ويكون الصراع في أشده (تناحرياً) حينما يكون هدف كل من الطرفين، الاجهاز نهائياً وبصورة تدميرية على الطرف الآخر، عبر خطط تكتيكية أو استراتيجية، وعبر مختلف المراحل الهادفة إلى الوصول للنتيجة المحتومة.
وعندما نحصر الحديث عن حالة الصراع في أقبية التحقيق، فإنه يجري بين رجل التحقيق (أجهزة التحقيق عموماً وبصورة مباشرة من خلال اللجان المختصة) وشتى الأساليب والأدوات والفنون واللألاعيب التي يتبعها، وبين المناضل الثوري المعتقل وشتى الأساليب التي يرد بها على المحقق وطرائقه مدافعاً عن صموده.
ولأن هدف كل منهما الوصول إلى نتائج هامة وضارة أو معطلة للطرف الآخر، ولأن كل منهما ممثل مباشر لطرف من أطراف الصراع التناحري فإن التضاد بينهما تناحرياً دون شك بالمعنى النسبي للكلمة، حيث يهدف المحقق إلى تفريغ المناضل من محتواه الوطني والطبقي والاجهاز على موقفه النضالي، بينما يهدف المعتقل إلى الصمود وتفويت هذه الفرصة، وبالتالي حماية نفسه وحزبه وحركته الوطنية من ضربات العدو.
وهكذا: فالمحقق في قطب، يدافع عن ما هو قائم ويسعى إلى تعزيزه عن طريق اضعاف القطب الآخر. مسلحاً بتعبئة وثقافة، ومحفزات، ونفسية، ومعنوية واعداد يخدم مصلحة القطب الرجعي في الصراع ، ويمارس أساليب فنية ووحشية فاشية بغية النيل من القطب الآخر.
ورجل التحقيق هذا يمارس دوره بصفته مستخدماً (موظفاً) لصالح نظام الحكم المعادي، الذي وظفه وقام بإعداده لمهمة رجل التحقيق، ويطالبه بالنجاح في مهمته بوصفه أداة وركيزة من أدوات وركائز الحكم. ومن أجل ذلك يزوده بالمعرفة ويعبئه ويقدم له الاغراءات، ويمنحه الصلاحيات اللازمة لتطبيق أساليب التحقيق المختلفة ضد المناضلين من أجل ابتزاز معلوماتهم ، وتوصيلهم إلى حالة اليأس من النضال أو الانهيار التام ، هذا الهدف الذي لا يمكن الوصول إليه إلا في حالة تردي وضع المعتقل جسدياً أو نفسياً كلياً أو جزئياً.
والمناضل قطب مضاد: وهو الوطني المكافح من أجل الحرية، مستنداً على قضيته العادلة، ورداً على الحالة العامة التي يعيشها في مجتمعه أو يعيشها وطنه، مدافعاً عن تلك القضية بقواه الجسدية والعقلية، النفسية والمعنوية، بدرجة من الصلابة تتلائم مع وضعه الشخصي وتكوينه الفردي، وعمق إيمانه بقضيته وعدالتها، وعمق فهمه وارتباطه بالمبادئ النضالية التي تلتزم بها حركته النضالية، ودرجة اعداده وصلابته على وجه الخصوص، ومدى حرصه على رفاقه وحزبه، وفهمه الحسي والعميق لضرورة عدم الادلاء بشيء من شأنه أن يعرض الرفاق لما هو فيه، أو يعطل أو يبلبل آلية عمل الأجهزة والمنظمات، التي ينتمي إليها .
أن سلاح المناضل في أقبية التحقيق بالدرجة الأولى هو صبره وصلابته المرتكزين على فهم أولي، أو عميق لما يجري في أقبية التحقيق.وسلاحه أيضاً عزته وكبرياءه الوطنية وعمق انتمائه الوطني والعقائدي.
وبين القطبين المذكورين أعلاه يجري الصراع المكثف ويرتدي الطابع العقائدي في مداه الاستراتيجي، بين ارتباطات عقائدية متناقضة تكثف وتركز طبيعة القطبين في أوضاعهما الملموسة، حيث أن خصائص كل قطب تؤثر على عملية الصراع التي هي في التحليل النهائي وعبر تطورها ومراحلها، نتائج لقدرات وفعاليات وقابليات وسمات، وردود فعل كل من القطبين بشكل مباشر، وما يمثله كل قطب من خلال العملية نفسها.
وما دام المعتقل قد ألقي عليه القبض فإن الصراع قد بدأ يأخذ مجراه، ولا بد من حسمه لصالح أحد الطرفين كلياً أو جزئياً. ويجري حسمه بأوجه عديدة، وحالات ووسائل مختلفة يستخدمها كلا الطرفين- المحقق بشكل أساسي. وفي صراع كهذا الأرجحية أن ينتصر الأقوى عقائدياً، الأقوى ارتباطاً، الأعمق مبدأية، ينتصر الأكثر إيماناً، ينتصر المناضل إذا صمم على الصمود والانتصار. ينتصر المناضل إذا ظل في جميع مراحل التحقيق واضعاً صوب عينيه أن يصمد، وعارفاً بأهداف المحقق مهما كانت الصورة التي يظهر بها ، ومصمماً على عدم خيانة رفاقه ومنظمات حزبه وحركته الوطنية ، مصمماً على عدم خيانة شعبه أو الخروج من صفوفه.
مع ملاحظة ان رجل التحقيق في النهاية هو موظف يقوم بواجبه الروتيني في أغلب الأحوال وقوته نابعة من وضعه العام، والسلطات التي تحيط به.
بينما المعتقل هو مناضل من أجل قضية عادلة لا يهمه أن يفنى في سبيلها. بالإشارة إلى أن المناضلين ليسوا نموذجاً واحداً وإنما يتفاوتون في مواقفهم في التحقيق تبعاً لصمودهم واعدادهم وصلابتهم ووعيهم وفهمهم لعملية التحقيق، ودرجة تصميمهم على الصمود مهما غلت التضحية، وقست الظروف، لمعرفتهم الأكيدة أن مرحلة التحقيق التي بدأت لا بد وأن تنتهي، فيجب أن تنتهي بشرف وبطولة.
في عملية الصراع البطولي هذه التي يخوضها المناضلون، يثبت رجال التحقيق في مواقعهم ووظائفهم فترة محددوة من الزمن، ويمر عليهم العشرات وربما المئات من المعتقلين الذين يتعرضون للتحقيق، مما يساعد على اكسابهم خبرة ودراية ومعرفة بطبيعة المعتقلين ونماذجهم، ونفسياتهم، بينما يتلقى المعتقلون خبرتهم وصلابتهم من النماذج التي سبقتهم، والمعارف التي أحاطوا بها، مع العلم – كما ذكر أعلاه – أن الصراع يرتدي في التحليل النهائي طابعاً عقائدياً من الناحية الاستراتيجية، وأن الانتصار حتماً للأقوى عقائدياً والأقوى إيماناً بمبادئه وحزبه وشعبه، وذلك هو المفهوم العلمي لنظرية التحقيق، نظرية الصراع في الأقبية.
ان الإلمام بتجربة التحقيق ومراحل تطوره ونتائجه القريبة والبعيدة على المناضلين والحركة الوطنية وأحزابها وفصائلها، وفقاً لهذه الرؤيا العلمية الواقعية، يعمق دون أدنى شك فهم المكافحين ومعرفتهم للصلابة في التحقيق، ويواصل استعداداتهم الكفاحية قبل الاعتقال واستعداداتهم للتضحية، والاستشهاد، ويواصلها معهم داخل أقبية التحقيق، بالاستناد إلى معرفة الصلابة، ومقوماتها، والاستعداد لها، بنفس الاستعدادات والحماس والإيمان ما قبل الاعتقال، وتجنب الانهيار والتعاون مع رجل التحقيق وصيانة شرف المناضل وحزبه وحركته الوطنية وشعبه المكافح. ان فهماً كهذا يهدف ويمكن المعتقل من فهم عملية التحقيق، كيما يتحلى بالصلابة ويتحاشى الانهيار، ويتحاشى الوقوع في أحابيل المحققين بحجة عدم القدرة على الصمود (ان كثيراً من المناضلين دفعهم الحماس الوطني "أو الطبقي" للكفاح، وبذلوا صموداً وتضحيات هي مفخرة وعزة للثورة، وبلغت درجة استعداداتهم للتضحية والعطاء حد الشهادة في ميدان المعركة، ومنهم من تجاوز التحقيق ومنهم من باع ما لديه. فلماذا يكون استعداد الواحد للعمل والتضحية حتى الشهادة خارج المعتقل، ولماذا يكون مستعداً للموت بالرصاص أو القنابل قبل الاعتقال استعداداً فعلياً، ومع ذلك تخبو استعداداته في الزنازين ويعترف تحت ضربات العصي غير القاتلة؟)
ان رجل التحقيق يستطيع أن يوقع الألم، يعرض المناضل للجوع، للعطش، للارهاق والتعب، يستطيع كسر اليد، يستطيع مواصلة الضرب حتى الاغماء، لكنه لا يستطيع تحريك لسان المناضل ليبوح بالأسرار الثمينة وفقاً لرغباته دون أن يلقى معونة مباشرة يقدمها المعتقل نفسه .
إنه لا يستطيع بهذه الطرائق أن ينتزع من المناضل إيمانه بقضيته، وعزمه في الدفاع عنها. ان تقديم المعلومات للمحقق هو عمل طوعي في ظروف قهرية قاسية يخلقها المحقق في أقبية التعذيب لكل زوار الأقبية المناضلين منهم وغير المناضلين، المهمين منهم وغير المهمين، يخلقها كنهج فاشي ، يتوقع منه وفي ظل تلك الظروف أن ينال من صمود المناضلين وعزيمتهم.
والمحقق يلجأ لشتى الأساليب هادفاً أن تكون نتيجتها الحصول على عون وتعاون المعتقل في كشف الأسرار عن نفسه وعن حركته الوطنية والرفاق، بغية ايقاع الضرر بهم جميعاُ، وهو يحصل على المعلومات (من ناحية فنية) حتى يستخدمها ضد المناضل شخصياً وفقاً للقوانين والأنظمة المعمول بها كأن يقدمه للمحاكمة، يهدم بيته، يصادر ممتلكاته، ينفيه، وكيما يحصل منه على الاعتدة والممتلكات والمواد التي تخص الحزب ضارباً بذلك الوسائل النضالية والخطط الكفاحية ، أو الحصول على ما يمكن الحصول عليه من معلومات عن الحزب والأحزاب والفصائل الوطنية بما يساعده على ضربها وتحطيم مقاومتها واعتقال نشطائها وايقاع الأذى بهم لسلامة أمنه العدواني، ولا يوجد رد على ذلك سوى الصلابة والصمود في التحقيق.
الصلابة والصمود
هي الموقف النضالي البطولي أمام رجال التحقيق، الذي يقفه المناضل، والذي يمثل، ويوصل إلى حالة الانتصار، وحسم الصراع بين قطبي التحقيق لصالح المناضل، مؤدياً إلى نجاته ليس كشحص فحسب، بل كمناضل صان شرفه، وحمى نفسه بنفسه من الوقوع في براثن رجال التحقيق، وألاعيبهم، وخلص مصيره من بين أيديهم ، وصان بذلك نفسه كمناضل .
وفي ذات الوقت يكون قد جنب وحمى رفاقه وحزبه وشعبه من الضربات والعدوان على يديه . وأكد بذلك صحة مبادئه وعمق عقائديته، وأكد نفسه كمناضل ثوري، وضرب مثلاً حياً ونموذجاً لرفاقه المناضلين وشعبه المكافح. وأيضاً أفشل بجسمه، لحمه ودمه وإرادته، مخططات أجهزة التحقيق والمخابرات مؤكداً استمراريته الكفاحية وقدرته على التحدي والبذل والعطاء في أقبية التعذيب مزوداً نفسه وغيره بسلاح معنوي لا يقهر.
ان الصمود والصلابة هي سمات المناضل الثوري البطل. هي سلاحه القاطع الذي لا يلين والذي يمكنه من الانتصار على رجال التحقيق. هذه السمات وهذا السلاح الذي تتوفر مقوماته لدى كل مناضل مهما كانت بنيته الجسمية، وأحواله المعاشية (كما أكدت التجربة) إذا ما قرر استخدامها، وإذا ما أدرك طبيعة الصراع القائم بينه وبين رجل التحقيق، إذا ما كرس إرادة الصمود والصلابة، إرادة الانتصار أثناء عملية التحقيق.
ان كثيراً من المناضلين قد ضربوا آيات من البطولة والصمود، دون أن يكون لديهم اعداد مسبق وخبرة ودراية بمسألة التحقيق وأساليبه مستندين إلى مغذيات من ارادتهم، وتصميمهم، وواقعيتهم، ومعرفتهم بخطورة الإدلاء بالمعلومات مهما حاول رجل التحقيق تبسيطها لهم.
غير أن ذلك لا يعفي من ضرورة تربية المناضلين وتوعيتهم وتأهيلهم لاحتمالات الاعتقال والتحقيق، وتزويدهم بالمعرفة والخبرة ، والنماذج البطولية ، وتعريفهم بخطورة التعاون مع المحقق على الفرد بصفته الشخصية ، والنضالية ، وخطورة التعاون مع المحقق على الحركة النضالية والجماهير الشعبية والثورة.
وذلك حتى يكون أكثر قدرة على الصمود والتحدي، والتصدي لأساليب التحقيق، وأكثر فهماً لعمليات التحقيق وأشكاله، وأطواره، وأدوار المحققين بين الفينة والأخرى وألاعيبهم وخدعهم. وبذلك يكون صموده ليس تعبيراً عن إرادته فحسب، وليس تعبيراً عن مجرد موقف دفاعي عن الذات، بل تعبيراً عن عقائديته، وارادته الوطنية، الثورية، الصلبة في حماية نفسه كمناضل وصيانة حزبه وشعبه وثورته، بما يدعم صموده ويعززه ويجعل الصراع يدور في مجراه العقائدي بوعي وتصميم مستنداً على خلفية الوفاء للثورة والشعب.
ما هو الصمود؟
يتعرض المعتقل لأساليب التعذيب بغية التأثر فيه نفسياً وجسدياً كما ذكرنا سابقاً. أي بغية احداث أفعال وردود أفعال، وتفاعلات في البنية الانسانية المادية والمعنوية، بعض هذه الأفعال والتفاعلات يتلقاها المناضل وتقع فعلاً (كان يتعرض الانسان لضرب فينتج الألم، يمنع عنه الماء فيعطش، أو الطعام، فيجوع، يصلب ساعات متواصلة فيتعب، يمنع من النوم فيصيبه الارهاق والتعب والنعاس الشديد) وبعض هذه المؤثرات والتفاعلات قد يقع فعلاً وقد لا يقع . فالحرمانات المذكورة سابقاً تؤثر على الحالة النفسية للمعتقل بدرجات متفاوتة فالبعض يتأثر أكثر من الآخر.
والجانب المعنوي وهو المستهدف: فإن المناضل المزود بالايمان، والارادة، قد يتأثر فيزيائياً وجسمانياً من الضرب ولكن لا تهتز له قناة في الجانب المعنوي. لأن الجانب المعنوي لا يعتمد على الطعام والشراب وإنما على الاستعداد وهذا خاصة ضمن المواقف النضالية.
فالصمود هنا هو التفوق على المؤثرات المادية والمعنوية التي يتعرض لها المناضل، إن الصمود في التحقيق مرتبط تماماً بأطوار التحقيق، وينمو ويزدهر ويتعمق جذره كالكائن الحي ويتغذى من التجربة السابقة (صمود في مرحلة تحقيق سابقة) كما يتغذى من الارادة الصلبة والحماس النضالي. أي أن التجربة النضالية المعاشة في أقبية التحقيق، والتي تستند دوماً على صمود (ساعة أخرى) والتي يتحقق فيها صمود أولي في مراحل التحقيق الأولى، ستزود المعتقل بارادة صمود جديدة تضاف إلى صمود الساعات والتجارب الأولي.
إذ أن صمود المراحل السابقة زاد ومغذِ لصمود المراحل اللاحقة. وهكذا هنا يتحقق المثل الدارج القائل (بين النصر والهزيمة صبر ساعة). هذا الصبر الذي يتحقق فعلاً كلما ازدادت استعدادات المناضل قيد التحقيق لتضحية أكثر فأكثر. وبالتالي يبتعد عن الانهيار. ان مغذيات الصمود في التحقيق كلها داخلية وفي ذات وكيان المناضل، وإن فكرة بسيطة تخطر على بال المعتقل كأن يفكر بأنه عيب عليه أن يعترف، وان من العار أن يدلي بمعلومات عن البيت الذي أمده بالغذاء، أو عن رفيقاته الفتيات ... أو أي شيء من هذا القبيل حتى يتعزز صموده لدرجة جبارة تفشل كل أساليب التعذيب والتحقيق.
أما الصلابة وانطلاقاً من كونها صفة شخصية فهي تعني الثبات الحديدي على الموقف البطولي المتحدي لارادة العدو وأدوات قمعه وأجهزة تحقيقه. إنها الارادة الحديدية القوية في مقارعة العدو في كل مكان استناداً إلى الإيمان العميق بعدالة القضية ، والدفاع عنها والنضال من أجلها ، وهي تتجلى في كل مكان وكل مناسبة وكل ظرف خارج السجن وداخله، عبر صراع مباشر مع العدو في المعارك المختلفة بما فيها معركة التحقيق. فالمناضل الثوري صلب في مبادئه، صلب في معتقداته، صلب في مواقفه. وكما ذكر سابقاً فالصلابة تنبع من الشخص، ومن القضية العادلة، والحزب الثوري الواضح المواقف ثوري التوجهات. وهنا تبرز الصلابة بوصفها التحام بالقضية مهما كانت هذه القضية (شخصية، فئوية، أو عامة) وبالتالي فهي صفة متاحة لفرد ويمكن أن يتحلى بها أي مناضل فيكون بالتالي قادراً على ايقاع الهزيمة بالمحقق ودفعه وأساليبه للافلاس.
وبوجه عام فإن الصلابة والصمود في التحقيق هي الصفات العامة للمناضلين الثوريين العقائديين مهما كانت أدوارهم النضالية، ومراكزهم الحزبية ، ما دام الحزب قد أخذ بعين الاعتبار مبادئ علمية وثورية في اختيار وبناء مناصريه وأعضائه، ولا يمكن أن يكون العيب في المبادئ الثورية إذا وقع غير ذلك.
الانهيار في التحقيق
الانهيار (الاعتراف) هي حالة الهزيمة والاستسلام والتخاذل التي تعبر عن ضعف المناضل في التحقيق وانتصار المحققين عليه. هي حالة فشل التحدي ، وذل التعاون مع رجل التحقيق مما يمكنه من الحصول على المعلومات التي يريدها ، من فم المناضل نفسه، وادانته واتخاذ كافة الاجراءات العقابية ضده. هي شيء من الخيانة (واعية أم غير واعية سيان) التي يصلها المعتقل قيد التحقيق نتيجة لتعاونه مع المحقق وادلائه بالمعلومات وافشاءه بالأسرار التي تهم المحقق وبالتالي خيانة الرفاق والحزب والثورة.
أي الانتقال من صف الثورة إلى صف أعدائها (ولو عِبر مرحلة التحقيق فقط) مما يقوي صف الأعداء ويضعف صفوف الثورة ولكن بأداة من داخلها هذه المرة.
(باستمرار يسعى العدو للتغلغل في صفوف القوى الثورية عن طريق تجنيد عملاء ودفعهم للتسلل لها، وقلما ينجح في ذلك، وباستمرار يسعى لضرب الحزب بوصفه أداة ثورية من الخارج وقلما يحقق هدفه، بل تنتصر الثورة. ولكنه في حالة التحقيق، وتحت شتى المسميات يسعى للحصول على تعاون مناضل من الحزب نفسه أو من الثورة نفسها ( من داخل القلعة) ، ويتبع شتى الأساليب، وينبغي تفشيل ذلك).
وعندما ينهار أحد المعتقلين يكون العدو قد وصل إلى بغيته ، فقد جند ولفترة التحقيق على الأقل أحد العناصر لصالحه وحصل منه على الأسرار الخطيرة. هذه هي واقعة الانهيار في التحقيق والتعاون مع العدو.
وعلى ذلك فإن الانهيار (الخيانة) هي حالة الاستعداد لتقديم المعلومات، والتبرع بالأسرار عن الثورة والحزب بحجة الخلاص من جولات التحقيق ، في ظل اعتقاد يسود آنياً عند المنهار، بأن تقديم الاعترافات هو نهاية المطاف، وهو الخلاص الحقيقي، الذي يتلوه سيجارة ، وكوب شاي وتتحول الحياة في أقبية التعذيب المظلمة الموحشة إلى رغد وسعادة لبضع دقائق وربما لساعات في ذهنية المنهار. علماً بأن الانهيار ليس موقفاً آنياً في التحقيق. إنه حالة عامة لفرد تبدأ وتستمر مع استمرار التحقيق ، بعد أن أدرك المحقق أن مزيداً من الضرب يعني مزيداً من المعلومات والانهيار. وهكذا فإن المحقق لن يكتفي بمجرد الاعلان عن الاستعداد لتقديم المعلومات ، بل إنه سيمارس كل أساليبه، ويستمر في نهجه حتى يأخذ كل ما يستطيع ، وأيضاً حتى يتأكد أن المعتقل قد أفرغ كل ما جعبته.
وهنا تتبدل الحالة بعد ذلك مع استمرار التعذيب والضرب : فبدلاً من الضرب للنيل من صمود المعتقل فإن الضرب سيستمر ولكن هذه المرة هزءاً وإذلالاً للمناضل وتعبيراً عن النصر للعدو ، وحتى يحقق أهدافاً أخرى من استمرار الانهيار. وليصار إلى استثمار المنهار في استكمال التحقيق مع زملاءه الذين وشى بهم، ليكون أمامهم النموذج القذر، وليقوم بالشهادات الوجاهية، وربما محاولة اقناعهم بمحاسن الانهيار والخيانة!
والانهيار يحصل في الغالب مع المعتقلين الذين يتركز اهتمامهم أثناء جولات التحقيق في الخلاص الذاتي (من التحقيق) وكأن التحقيق هو نهاية المطاف، ومع أولئك الذين يتمكن المحقق مع تركيز اهتمامهم على ذواتهم ومصالحهم الشخصية وأهلهم، ونسق حياتهم السابق ، مخرجاً اياهم من سياق الثورة إلى سياق المحطمين بأنانيتهم وبالتالي ينجح المحقق في اخفاء شناعة الانهيار والتساقط وتصويره على أنه الخير العميم وطريق الخلاص.
إن تجنب الانهيار أمر ممكن وفي متناول اليد ، أية يد ، وقد دلت على ذلك مئات بل آلاف التجارب الناضجة، وتجارب المنهارين أنفسهم، وتجارب مناضلين أدلوا بمعلومات للعدو في التحقيق واحتفظوا بقسط كبير من المعلومات في صدورهم رغم قسوة التعذيب ، حيث يعني ذلك أنه كان في مقدورهم عدم الادلاء بمعلومات بالقدر الذي قدموه كما أكدوا هم أنفسهم بعد مراجعة الحساب.
وكذلك تجارب أولئك الذين قدموا في التحقيق افادات كاذبة تماماً ليس لها أية مصداقية من الواقعية والصحة، رغم أنفهم، وانتهى التحقيق معهم دون أن يعترفوا بالاتهامات التي قدمها العدو ضدهم. ومرة أخرى فإن تجارب المنهارين أنفسهم قد أكدت قدرتهم وقدرة غيرهم على الصمود بعد مراجعة أنفسهم وبعد أن تبين لهم أن انهيارهم غير مبرر، وأن كل المبررات الذاتية المحفزة على الاعتراف في التحقيق لا قيمة لها، بل إنها من السذاجة بحيث تخجل صاحبها ، وأنه كان في مقدورهم الصمود، وأن بعضهم عاد وسحب اعترافاته ونفى افاداته بعد أن تبين لهم أن اعترافاتهم قد ألحقت أبشع الأضرار بهم وبثورتهم. كما أن تقديمهم للمعلومات يضعهم في مصاف العملاء الذين يقدمون المعلومات عن الثورة، وأنهم قد باعوا الثورة من أجل نجاتهم الشخصية التي تبين أنها وهمية.
ولنتفهم الامكانيات الواقعية المتاحة جداً لتجنب الانهيار يمكننا ملاحظة الحالة عن قرب:
فالانهيار هو اسم الحالة التي يكون فيها المناضل قيد التحقيق، في حالة انسجام وتعاون مع المحقق يأمره فيطيع ، يسأله فيجيب، يصفعه، فيجثوا على قدميه ممتهناً شخصيته ورجولته ، وعقائديته، قالباً نفسه من مناضل في حالة صراع عنيد مع العدو قبل التحقيق، من مناضل في حالة صراع عنيد مع العدو في بداية التحقيق إلى زميل، عبد ذليل، يحترم السلطة والاحتلال بحجة أنه في التحقيق ، وأنه تعرض للتعذيب (وكأن الآخرين الذين يصمدون لا يتعرضون للتعذيب مثله) وأن المحقق ضابط كبير، أو أنه لم يسبق له أن أهين في حياته ولا يريد الاهانة ( مدافعاً بذلك عن كرامة مزيفة ومنحطة أدنى درجات الانحطاط). وهو ايضاً في حالة نفسية متهاوية بحيث يعتبر تقديم سيجارة له أو كرسي يجلس عليه عطية كبرى لا بد أن يدفع ثمنها عشرات السنين يقضيها بين جدران السجون ، وعدد من رفاقه يشي بهم لرجل المخابرات ليكونوا ضحايا سيجارته، وأسرار هامة يتبرع بها لأجهزة المخابرات.
ان الكثير ممن أفرغوا ما في جعبتهم من معلومات وأودعوا في السجون يعزون انهيارهم لأسباب تافهة (فالضرب القاسي هو من نصيب الجميع) كأن يقولوا بأنهم اعترفوا بسبب حرمانهم من الجلوس مدة طويلة، أو حرمانهم من التدخين، أو لأن المحقق وجه له إهانات تمس شرفه وعرضه وصوناً للعرض ، قرر إباحة نفسه وتنظيمه وكل ما يعرف. وآخرين قدموا ما لديهم بعد أن استحلفهم المحقق بالقرآن أو بدينهم أو بصلاتهم وصيامهم، وبالتالي انهار خشيته من الحرام ، وبعداً عن الكذب الذي حرمه الله فتح كنوزه المغلقة. بعضهم يعزي اعترافاته بعد أن هدده المحقق بجلب أخته ، أو أمه أو زوجته أمام الغرباء، والأتفه من كل ذلك أن بعض المعترفين قد أدلوا بما لديهم بعد أن طلب منهم المحقق أن يتعروا من ملابسهم ويكشفوا عوراتهم.
لهذه الأسباب وغيرها ارتضى هؤلاء لأنفسهم أن يكونوا خدماً للمخابرات على الأقل طوال فترة التحقيق وربما استمروا في ذلك. وبعدها قضاء ما تيسر من السنين في ظلمة السجون وما يتبع ذلك من إجراءات أخرى.
إن الانهيارات والاعترافات هي مأساة الحركة الوطنية الفلسطينية كلها وبكل فصائلها بدرجة من الدرجات، وهي أقوى سلاح استخدمه واستثمره العدو في مكافحة وتقزيم وتحجيم الحركة الوطنية الفلسطينية.
وكانت الانهيارات والاعترافات اللامحدودة سبباً في ازدحام المعتقلات بآلاف المناضلين، والأحكام العالية التي نالوها والاجراءات القاسية التي اتخذت بحقهم وحق أهليهم، وليس غريباً أن نجد في معتقلات العدو الصهيوني العشرات الذين اعتقلوا من فترة واحدة، بل ومنظمات كفاحية بأكملها (20،40، وحتى 60) انهارت كلها معاً نتيجة انهيار فرد واحد أو بضعة أفراد أو تسلسل الاعترافات من المعتقل الأول الذي يشي بخمسة آخرين، وبعض من الخمسة يشي بعشرة آخرين وهكذا حتى الاجهاز الكامل على منظمة بكاملها. عدا عن الخلايا المكونة من خمسة أو عشرة والتي تندثر مرة واحدة بسبب اعتقال واحد منها وانهياره.
لقد تعرض جميع المعتقلين للتحقيق بصورة من الصور، صمد بعضهم كلياً أو جزئياً (كحقائق واقعة) وتخاذل بعضهم، هذا البعض الذي تخاذل أودى بعشرات ومئات المناضلين في السجون، هؤلاء كان ممكناً لهم أن يحتفطوا بكرامتهم الوطنية والشخصية، ويكموا أفواههم لتظل نشاطات الحركة الوطنية لغزاً أمام العدو، فيبقى في الساحة مناضلون يمارسون مهامهم، ويواصلون التجربة ، ويطوروها إلى المستوى الكفاحي اللائق بها.
هذا مع العلم أن ليس الفرد المنهار وحده هو الذي يتحمل المسؤولية ، فكما ذكرنا في البداية فإن المناضل امتداد لواقعية الصراع نفسه.
وهكذا فإن الانهيار في التحقيق، وبكلمة أكثر دقة التعاون مع المحققين والادلاء بالمعلومات التي تتعلق بالمناضل ورفاقه ، وكل ما لديه من معلومات أو بعضها ، ينشأ عن جملة من العوامل التي يمكن التغلب عليها جميعاً على النطاق الفردي والجماعي، ويمكن لأي شخص مهما كانت بنيته الجسدية وحتى لو كان جريحاً جراحاً بالغة (كما حصل مع العديد من المناضلين) أن يفلت من أثرها مهما تعرض لصنوف التعذيب الجسدي والمعنوي.
وبالرغم أنه بمقدور أي شخص مهما كان انتماءه ومهما كان وعيه أو حتى من غير انتماء سياسي (كثير جداً من اللصوص والمجرمين يجتازوا التحقيق بسلام) أن يجتاز مراحل التحقيق بنجاح، إلا أننا سنلخص هنا جملة من العوامل التي تجعل المناضل ينهار، وجملة أخرى تكفل له الوقاية.
فأسباب الانهيار عند أعضاء الحركة الوطنية تكمن فيما يلي:
1- عفوية الانتماء وضعفه : حيث أن الكثير من المناضلين لا يشعرون بمعنى عضويتهم في هذا التنظيم أو ذاك، ولم يصلوا إلى درجة الانتماء السياسي ولا حتى الانتماء الوطني الحقيقي الواعي.
ان الانتماء هو الانحياز التام للثورة ، للطبقة والوطن ، فكرياً وعملياً وربط المصير الشخصي كلية بمصير الحزب المعبر عن هذا الانتماء وهو درجة متطورة من الوعي السياسي والفكري المرتبط بالكفاح اليومي من خلال الأدوات النضالية المعبرة ، وبالتالي فإن الانتماء من أفضل الأسس المحفزة للصلابة والصمود، وهو يتضمن أعظم درجات الاستعداد للتضحية والبذل والعطاء ويجعل المناضل عميق الارتباط بالحزب والثورة من أجل القضايا التي يناضل من أجلها مما يجعل محاولات رجال التحقيق لفك هذا الارتباط صعبة ومستحيلة.
وترتبط عفوية الانتماء وضعفه لدى العديد من المكافحين الوطنيين بنقطة أخرى هي:
2- ان الاطار التنظيمي (العديد من الأطر الفلسطينية) في كثير من الأحيان لا يضبط عملية انتماء الأعضاء، واختيارهم، ويبذل قليلاً جداً من الجهد لاعدادهم سياسياً وتنظيمياً وفكرياً لخوض معركة النضال. ان العضو المنتمي لعديد من الأطر الوطنية لا يختلف عن أي شخص عادي ليس له أي انتماء. وفي أحيان أخرى نجد أن بعض المواطنين العفويين في انتمائهم الوطني أشد التصاقاً بالقضية، وتعمقاً فيها من بعض آخر من المنتسبين أو المحسوبين على بعض المنظمات.
وفي هذه الحالة فإن عملية الصراع العقائدي في أقبية التحقيق تكون من طرف واحد قوي ومتبلور هو رجل التحقيق مقابل الطرف الآخر الضعيف الارتباط والانتماء.
3- ان عدم الاعداد الكافي وأيضاً عدم تثقيف الأعضاء بحقائق الوضع السياسي والنضالي، والفكري عموماً وعدم تثقيفهم بواقع التحقيق يجعل الصراع يجري من جانب المناضل ضمن محدوديته الفكرية وأنماط سلوكه، ونوازعه، وتكوينه الفردي والنفسي، الذي أفرزه المجتمع المتخلف الذي قبع سنوات بل قرون عديدة تحت ظلم الطغاة المتخلفين (الأتراك، بريطانيا) وعاش طويلاً في انعدام التحدد القومي والوطني والانسحاق الطبقي. أن سمات المجتمع المتخلف التي تشكل خلفية المكافح العفوي ، في ظل مرحلة متفجرة ثورياً قد تنعكس على مجابهة المحقق الذي وعى هذه الظروف وتعامل معها بأفق حضاري أرقى ، ومواقف فاشستية عنصرية.
إن ضعف الاعداد وتدخل السمات الشخصية بصورتها المتخلفة الموروثة ، تجعل المناضل يقف أمام المحقق موقعاً دفاعياً، ليس هذا فحسب بل تجعل دفاعه ينحصر في أحواله الذاتية الآنية بالتحديد حيث ينصرف للتفكير بالخلاص من ورطة الاعتقال ، بل وفقط من ورطة التحقيق ، التي لا تنتهي ، ولا تنتهي أساليب العنف والتطبيقات المستخدمة فيها إلا وفقاً لقرار المحقق في النهاية ، بغض النظر ان هذا القرار مستندً إلى موقف المناضل في التحقيق، أو شخصية المحقق نفسه، وعليه يصبح توجه المناضل لكسب رضى المحقق الذي لا يمكن أن يتم، دون تقديم المعلومات له.
ان هذه العوامل التي قدمت كنموذج يمكن التغلب عليها ببساطة، وخاصة أن المناضل الذي يجري اعتقاله ، سوف يجري تعذيبه في جميع الأحوال ، وان لم يكن من اللحظة الأولى أو اليوم الأول ، ففي الأيام التي تلي. وما دام المناضل يصر على حماية نفسه وانتمائه من الاجراءات التي تتمخض عن اعترافاته ، وما دام يتجنب ذكر أي معلومات مهما كانت طفيفة فإن مسألة التعذيب سوف لن تكون ذي بال لمكافح مسلح بالصبر والصلابة ، وجملة من المعارف البسيطة ، كمناضل أعد للكفاح اعداداً معقولاً.

ويجري التغلب على مسألة الانهيار والتعاون مع المحقق على النطاق العام بما يلي:
1- رفع درجة العضو المنتمي لعضوية المنظمة أو الحزب سياسياً وفكرياً واجتماعياً، وتعبئته ايديولوجيا بحيث يصبح مناضلاً نشطاً وصلباً وعقائدياً ، وهذا يجعله قطباً فاعلاً وصلباً وقوياً أمام رجال التحقيق.
2- إن عملية انتماء الأعضاء لا يمكن فصلها عن عملية اعدادهم وتربيتهم ، وأيضاً فإن صحة الأطروحات السياسية والأساسية ، والنضالية ، لا يمكن أن تنفصل عن عملية تعميق ايمان المناضل ، وربطه عضوياً بالنضال والكفاح بمختلف أشكاله. وكذلك فإن علو هيبة المنظمة النضالية في أعين المناضلين تجعل ارتباطهم بها أكثر تعمقاً بحيث يصعب على رجل التحقيق احداث هزة أو ثغرة في العلاقة بين المناضل ومنظمته أثناء عملية التحقيق.
وهذا ضروري للرد على الحالات التي يتمكن فيها المحققون تشكيك ضحلي الانتماء بمنظماتهم وقادتهم من خلال ايهامهم بأن (قادتهم هم الذين وشوا بهم) ومن خلال عمليات المقارنة بين وضع المناضل في ظل ظروف التحقيق القاسية ، والمعاملة السيئة، بينما رفاقه أو قادته في أوضاع مريحة، وربما يتلهون في المقاهي أو يتنزهون في الحدائق؟!
إن رجل التحقيق لن ينجح في هذه الألاعيب إذا كان يواجه شخصاً واثقاً من أهداف وسياسة منظمته ، وواثقاً من رفاقه، وقانعاً بانتمائه.
3- تثقيف المناضلين بكل مجريات عمليات التحقيق ، وشرحها بتفصيل وعمق، وتبيان وضعيته جهاز التحقيق، والمناضل المعتقل عبر مراحل التحقيق المختلفة ، وتكرار هذا الشرح باستمرار مترافقاً مع التعبئة الضرورية من خلال التركيز على النماذج الصلبة التي تجاوزت التحقيق بنجاح تام كأمثلة ملهمة بوصفهم أناس مناضلين شقوا الدرب، وبوصفهم برهاناً ودليلاً على واقعية امكانية الصمود، وايلاء هذه المسألة ما تستحقها من اهتمام ومتابعة.
مع ضرورة شرح الظروف العامة التي سبق وان كانت تعيشها فصائل المقاومة والتي أحاطت بحالات الاعتراف والانهيارات التي كانت تقع في مرحلة 67 وما تلاها، ومن ثم كيف أخذت حالات الاعتراف تتقلص. مع الإشارة أيضاً إلى النماذج الصلبة التي انتصرت على المحققين في السنوات الأولى للاحتلال وتجنب بالتالي المصير القاسي الذي واجهه المناضلون الذين اعترفوا والأضرار التي لحقت بهم وبمن اعترفوا عليهم، والأضرار التي لحقت بسمعتهم وسمعة الثورة على أيديهم.
ان متابعات كهذه قد أدت وسوف تؤدي إلى تقليص ملموس في حجم الانهيارات ، بحيث يصبح المعترفون في التحقيق حالات استثنائية ويصبح الصمود هو القانون.
هذا اذا استمرت عمليات التثقيف والتعبئة بصبر، ومثابرة، وخاصة أن سلطات الاحتلال لن تصبر على الحركة الوطنية حتى تتمم استعداداتها بهذا الشأن ، وهذا يعني أن حالات معينة غير مهيأة بإعداد كافٍ في المراحل الأولى لحملة التعبئة قد تنهار جزئياً أو كلياً. مع التأكيد بأن الانهيار هو نوع من الخيانة الحزبية المخزية التي يرتكبها ليس عملاء محترفون بل أعضاء من الحزب أو المنظمة نفسها، وبالتالي معاملة المعترفين على هذا الأساس، وعدم إظهار أي احترام أو تقدير لهم.
4- اتخاذ الاجراءات العقابية ضد المنهارين المعترفين : ان عدم اتخاذ الاجراءات ضد المنهارين قد جعلهم ويجعلهم نماذج سيئة في أعين الآخرين إذا استمرت المنظمة أو الحزب في معاملتهم معاملة عادية ، بالاضافة إلى ابرازهم كأبطال سجون، وليس المقصود هنا تركهم لقمة سائغة في يد العدو، بل معاملتهم (وخاصة بعد خروجهم من السجن) بالاستناد إلى خلفية اعترافاتهم ودرجة صلابتهم.
إن موقف فصائل الحركة الفلسطينية المائع، وغير العلمي من هذه المسألة أثّر تأثيراً سلبياً ومخزياً على مواقف المناضلين أثناء عملية التحقيق بحيث ظلت قضية الاعتراف في نظر العديد جداً من المناضلين المبتدئين على أنها مسألة مفروغ منها (كل من يعتقل يعترف) وسوى قلة قليلة أدركت المسألة بصورة أخرى.
إن رسم صورة صحيحة عن مجريات التحقيق مراحله وأطواره، وترسيخ موقف الصمود والصلابة، وادانة موقف الاعتراف (جزئياً أو كلياً) وترسيخ نهج ثابت لمعاملة المعترفين، ومعاملة الصامدين الأبطال سوف يجلي الموقف، وتزول مقولة (الكل يعترف تحت التعذيب) وتستبدل بمقولة (الكل يصمد في التحقيق، وربما انهار بعض الأفراد القلائل الذين يمكن تقليص خطرهم على المنظمة باتباع فنون خاصة في التنظيم). حيث تبرز سمعة عامة ايجابية لصالح المنظمة (أعضاء هذه المنظمة لا يعترفون في التحقيق) وبالتالي تزداد طمأنينة الجماهير لهم، ويزداد الاقبال على خطهم السياسي، بينما تدان المنظمات التي تنهار باستمرار على أيدي رجال التحقيق وعلى أيدي أعضائها أنفسهم.
وباجمال شامل، فإن صياغة المنظمات وأبنيتها بطرق صحيحة، واعداد المناضلين سياسياً وتنظيمياً وايديولوجياً، وتمريسهم على كافة أشكال النضال بما يتلائم مع خصوصياتهم الفردية، ومستوى تطورهم، واطلاعهم على كافة أساليب العدو في مطاردة الثوريين في شتى المجالات والمناسبات بما فيها ظروف التحقيق. سوف يسلح العضو بالصلابة الثورية الضرورية التي تجعله قطباً ثورياً قوياً أمام رجال التحقيق .
فينتقل المناضل عبر مراحل التحقيق من دور ثانوي أمام قطب فاعل إلى دور أو قطب فاعل أمام قطب فاعل، وبالتالي إلى مرحلة الحسم التي يصل فيها المحقق إلى درجة اليأس وينتهي دوره بانتصار المناضل بما يقلص حجم الاعترافات والانهيارات والمعلومات التي يحصل عليها العدو إلى الحد الأدنى.
وبالمناسبة نذكر هنا شهادة الرفيق كاسترو عن الشيوعيين الكوبيين الذين وصفهم (برغم مواقفهم إلا أنهم مستعدون للموت، ولكنهم غير مستعدين للادلاء بأية معلومات، وأن صلابتهم في التحقيق هي نموذج يحتذى به) وفي ذهننا أيضاً عدد هائل من الأمثلة التي أطلعنا عليها الأدب السوفياتي الذي يتحدث عن الحرب العالمية الثانية وصمود الأبطال الشيوعيين كالجدار أمام العسف النازي الذي لم يكن يتوانى عن اطلاق الرصاص على كل من لا يبدي روح تعاون في مجال اعطاء المعلومات لمجرد وجود شكوك لدى السلطات النازية في انتمائه لعضوية الحزب الشيوعي السوفياتي. وفي ذهننا أيضاً فشل سافاك الشاه بكل أساليبه العسفية التي كانت تصل لحد تحطيم الجسم وتشويهه في التحقيق ، دون أن تحصل عل شيء أمام صلابة وصمود الأبطال الثوريين الايرانيين ، فحال صمودهم دون انهيار الثورة وظلوا ولا يزالوا شديدي الفاعلية. وأقرب إلى ذهننا نماذج الوطنيين الفلسطينية إبّان الاحتلال البريطاني وعسفه في التحقيق، حيث كان يشوي المناضلين على الصاجات المحماة، ولا ينبسون ببنت شفة. وكذلك عسف التحقيق الأردني الذي استخدم الأساليب البريطانية وأضاف عليها .
أناس بسطاء، ومناضلين، وثوريين مؤهلين ، تلك النماذج التي صمدت لتعذيب متواصل استمر عشرة أيام متتالية دون أدنى استراحة، وجولات شبيهة لاحقة وهجمات من شتى الأشكال كلها تحطمت على صخرة صمود الأبطال.
في سنة 69، اعتقلت سلطات الاحتلال حوالي 25 مواطناً من قرية يطا ليس بينهم متعلم واحد وأجرت معهم كل أشكال التعذيب القاسي في ذلك الوقت، وخرج جميعهم من التحقيق دون إدانة مع أن التهم التي وجهت لهم ثابتة عليهم وفيها أسلحة وعمليات عسكرية أي شديدة الخطورة والحساسية بالنسبة للاحتلال. وما لا يقل عن 1500 مواطن بين سنوات 68 – 70 أودعوا بالسجن الإداري بسبب ثبوت تهم خطيرة ضدهم، ولم تستطيع السلطات محاكمتهم لأنهم لم يعترفوا بشيء رغم قسوة وشراسة التحقيق.
وفي تجربة الاعتقال الفلسطيني فقد اعترف (سليم) على (حسن) بأنه اشترك معه في عملية مسلحة وأن لديه أسلحة وأموال تخص الثورة، أما (حسن) فقد أصر على الإنكار حتى نهاية التحقيق. وفي النهاية حوكم سليم بالسجن المؤبد، ونسف بيته، أما حسن فقد أودع بالسجن الإداري ولم يدل بأي معلومات عن نفسه وبالتالي لم يدل بأي معلومات عن علاقاته وارتباطاته وظل مصراً على موقفه يتلقى أشكال التعذيب بالعصي، والماء البارد والساخن، والكهرباء، وأساليب الاقناع والاغراء، والمواجهة بينه وبين سليم، ولكن كبرياؤه كانت أكبر وشرفه الوطني كان أعظم.
ان تحرر المناضلين من الوهم القائل بحتمية الاعتراف في مراحل التحقيق (هذا الوهم الزائف) سيمكن أبسط المناضلين وأقلهم خبرة ودراية بالحياة ، وأضعفهم بنية، من الصمود والانتصار على رجال التحقيق، وبالتالي اضافة تأكيد جديد على عدم صحة هذا الوهم.
فالعدو أثناء التحقيق ينشر جملة من الاشاعات، ويقوم بعملية تعبئة متواصلة للمناضل قيد التحقيق، بأن (الصمود مستحيل، وأن الجميع هنا يعترفون، لن تختلف عن السابقين الذين وضعوا كل ما لديهم بالعنف أو باللين، تكلم أحسن واستريح...) خالقاً بذلك وهماً معقولاُ مرتكزاً في بعض الحالات على أمثلة ونماذج منهارة محاولاً خلق تبرير وهمي أمام المناضل ووضعه في حالة (ما دام الجميع تكلموا، سأتكلم) بحيث يربط المناضل نفسه لا بالنماذج الثورية بل بالنماذج المنحطة، وكأن حقيقة، أو وهم ان فلان اعترف، كافية لدفع الآخر ليحذو حذوه.
وهذا عادة أسلوب لا ينجح إلا في حالات نادرة، حيث يحصل لدى العديد من المناضلين موقف عكسي تماماً فحينما يميل أحد المناضلين إلى تصديق المخابرات بأن غيره قد اعترف، تنشأ لديه ردة فعل قوية بأن يصمد ويحاول انقاذ ما يمكن انقاذه ، ويتخذ من أبطال معروفين نموذجاً ورمزاً له.
وعليه فإن إعداد الأعضاء ، إعداداً كافياً ، وتفسير حالات الاعترافات التي تمت في الماضي تفسيراً علمياً لهم (بدلاً من التبرير السخيف القائل بأنهم اعترفوا لأن التحقيق قاسٍ، وكأن هناك تحقيقاً غير قاس) وتقديم النماذج الصلبة كأدلة أمامهم سوف يمكنهم من نبذ هذا الوهم الزائف ويحررهم من أحابيل التحقيق والوقوع في براثنها الخطيرة.
ان المحقق الذي يلجأ لايهام المعتقل بأن الاعتراف آتٍ لا محالة، وأن الصمود مستحيل، والذي يباشر في تعبئة من هذا النوع مستنداً إلى بعض الوقائع ، يسعى لايهام المعتقل نفسه بأنه سيعترف أولاً وأخيراً ويضعه أمام سؤال صغير وبسيط ولكنه على غاية من الأهمية (أأعترف أم لا).
هذه الحالة التي يسعى المحقق جاهداً وبكل أساليب التعذيب والتضليل لخلقها على أنها درجة من زحزحة المناضل عن موقفه الأول (لن أعترف مهما كان الثمن ومهما كانت التضحية)، هذه الحالة يستغلها المحقق عندما يدرك أنها أخذت تجول في نفس المناضل ليعززها لأطول فترة ممكنة بأقوال وأفعال وتعذيب واغراءات وخيالات وغير ذلك إلى أن يعترف المناضل أو يدرك المحقق أنه حسم الموقف مرة ثانية (لن أعترف). وهذه الحالة شبيهة بحالة خلق التعاون المباشر انطلاقاً من أسئلة وأجوبة ونقاشات غير مباشرة، وبعيدة عن جوهر التهم التي يجري التحقيق حولها.
إن التعاون مع المحققين يبدأ من أتفه الأشياء (سواء تطور هذا التعاون أو انقطع) هذه الأشياء التي قد لا يكون لها أية صلة مباشرة بالمعلومات التي لدى المناضل، ومن ثم يبدأ رجل التحقيق في تعزيز هذا التعاون وتطويره، وتحويله خطوة فخطوة عبر أساليب من الخداع والتعذيب إلى تعاون ذو علاقة مباشرة بالمعلومات والاخبار والمعارف التي لدى المناضل.
وهكذا فإن أي شكل من أشكال التعاون مع المحقق يعتبر خطوة لا بد من الخلاص منها لافشال أساليب التحقيق وتوصيله إلى إحدى قناعتين: إما أن المناضل هذا بريء تماماً، أو أنه لن يتكلم أبداً.
وفي هذا نهاية التحقيق بانتصار المناضل انتصاراً حاسماً يحطم معنوية رجل التحقيق ويشككه في قدراته، أو يشغل نفسه بالتحقيق مع آخرين أو يشغل نفسه بأشياء أخرى.
إن نظرة مقارنة بسيطة يجريها المناضل بين أن يكون منهاراً ومتعاوناً مع رجال التحقيق وبين أن يكون صلباً وصامداً ويصنع من نفسه بطلاً خلال تجربة قاسية، إن نظرة كهذه تكفي لأن تعزز صموده، وتجعله أكثر عناداً من كل رجال المخابرات ، وبالتالي سيد الموقف.
ويجدر بنا أن نلاحظ أن جل اهتمام رجال التحقيق عبر الأساليب المختلفة تنصب على هدف خلق جو التعاون، والأخذ والعطاء، ودرجة من الانسجام في المواقف مهما كانت طفيفة وفي أي مجال كان، كمقدمة لا بد منها، وأنه دون أن ينجح في هذا الهدف لا يمكنه أن يحصل على بغيته، وهذا ما يحدد منطلقه الأساسي لاستخدام أي من الأساليب التي بين يديه وأي منهما يستخدمه بعد أو قبل أو مع، وكم من الوقت سيستمر في استخدام هذا الأسلوب أو ذاك.
وبالمقابل فجل اهتمام المناضل السياسي، أن تنتهي فترة التحقيق مهما طالت، ومهما كانت قسوتها دون أن يتعاون بأي شيء مع رجل التحقيق، دون أن يقدم له أية معلومات، غير متلفتاً لما يحدث بجسده من آثار التعذيب والتشويه التي غالباً ما تزول في الأسابيع الأولى التي تلي عملية التحقيق، والتي وإن لم تزل – كما حصل في بعض النماذج لا تساوي شيئاً أمام صموده وحماية حزبه وقضية شعبه.
وعبر هذا التضاد العنيف بين الهدفين الذي يتجسد من خلال قطبي الصراع وسلوكهم، وفعلهم، وردود أفعالهم، وبين عقائديتهم المتضادة، واعدادهم لخوض المعركة، يأخذ رجل التحقيق الدور القيادي الأول بيده على الأقل في البداية
ويأخذ في الانتقال من شكل إلى آخر، ومن أسلوب إلى آخر، مرتدياً هذا المظهر أو ذاك (كأن يظهر بمظهر المجرم، السفاح، أو الناجح الواثق من نفسه والذي لم يخرج من بين يديه ولا واحد دون أن يبيع بضاعته. وربما تواجد أكثر من رجل تحقيق في آن واحد، فيظهر كل شخص بمظهر من المظاهر – ضابط كبير جنرال، متعلم مثقف ولطيف، لا يحب الظلم ولا القسوة، وهمجي وقاسٍ جداً، عالم نفس خبير وعارف بالخفايا) كل ذلك حتى تتم التهيأة لخلق جو لبداية تعاون مع إحدى هذه الأنماط من الشخصيات أو بعضها.
فحالة التعاون هي المطلوبة ، لأنها المناخ الملائم لنمو جرثومة التساقط، وفي سبيل ذلك لا بأس أن يتجاوز المحقق عن أي قضية يحقق بها إذا لاحظ صمود وعناد المناضل ازاءها، متجنباً بذلك أية مسألة أو أية خطوة تتعارض مع هدفه مهما كانت مهمة ليعود لها فيما بعد إذ وصل المعتقل لحالة السقوط في فخ الاعتراف.
وإذ تنبه المناضل لسرعة حركة المحقق، واستعداده للتنازل عن نقطة معينة يحقق بها (دعنا من هذه المسألة فهي غير مهمة حتى ولو اعترفت بها، ولننتقل إلى مسألة كذا ...) إذا لاحظ المعتقل ذلك فمن السهل عليه أن يدرك الهدف ويفوته بنجاح تاركاً المحقق يبحث في قاموس رأسه وخبراته عن طرائق أخرى. ان المحقق الذي يتجاوز مسألة معينة تتعارض مع هدفه في خلق جو التعاون سيعود لها إذا سنحت الفرصة، ولن يعود لها أبداً إذا استمر صمود المناضل الا في المرحلة النهائية من التحقيق، مرحلة (يجرب للمرة الأخيرة، كتصفية واغلاق ملف) من خلال بضع أسئلة عابرة.
إن عملية الصراع بين هدفين، بين قطبين تمكن المحقق في البداية من أن يلعب أدواره بقدر كبير من الحرية والانتقائية وفقاً لخطة مسبقة مرسومة أو مطورة بعد المقابلات الأولى، فيتعامل مع المعتقل من موقع القوي القادر.ويستخدم هذه الميزة عملياً بإخضاع المعتقل لشروط حياة التحقيق عامة، واستخدام التعذيب. ولكنه يتعامل بآفاق علمية مستخدمة بشكل متكرر ومجربة، ومفهومة تماماً بالنسبة للمحقق، وهو قادر على صبغ ممارساته بصبغة علمية مهما كانت بدائية وعادية وإظهار نفسه بأنه عالم نفس (لما لعالم النفس من منزلة مهولة في نفسية الإنسان العادي قادر على معرفة كل شيء من تقاطيع الوجه ، أو ردود الفعل الانعكاسات).
وهو يظهر بوصفه الضابط القادر على كل شيء ، قادر على استخدام شتى أنواع التعذيب ، وقادر على الكف عن أية إهانة، قادر على ابقاء المناضل في التحقيق قدر ما يشاء، وانهاء التحقيق معه فوراً والافراج عنه، أو ايداعه السجن أي مدة يشاء، وأنه هو الذي يطعم أو يمنح الطعام والشراب والتدخين وهو قادر على الشبح والتعليق، وربما وهب الحياة أوقبضها وغير ذلك من هذه المحاولات التي إن انساق وراءها المناضل وقع في الهاوية، وإن أدركها وأدرك مغزاها تمكن من تجاوزها بصبره وصموده ووعيه، ونجا.
إن المحقق يهدف بذلك لايهام المعتقل بأن إرضاءه هو الضمان من كل هذه الشرور، بل هو الخير العميم. هذا من وجهة نظر المحقق. أما المعتقل فهو يلعب دوره بصورتين فقط: إما أنه بريء ولا يعرف شيئاً، أو أنه في جميع الأحوال مصمم على عدم قول أي شيء مهما كانت الأساليب المتبعة ومهما كانت النتائج . هذا مع العلم أن المعتقل بإمكانه أن يصر على الإنكار وعدم إعطاء أية شيء مهما كانت الأساليب ومهما كانت الأدلة المقدمة ضده دامغة أو معقولة أو واقعية، بما فيها المواجهات والشهادة وجهاً لوجه (عندما يتبرع معتقل لجهله، أو لأنه منهار بالإدلاء بشهادة على زميل له مواجهة، أو عندما يوضع جاسوس في زنزانة المعتقل ويسترق منه بعض المعلومات ثم يواجهه فيها أمام المحقق).
فإذا ما وضع المناضل نفسه في مكانته الصحيحة، كقطب مناقض ومعاد لرجل التحقيق، يخوض معه صراعاً ذا أبعاد عقائدية وأرضية وطنية أو طبقية، فإنه سينتصر حتماً ويسخر من كل الأساليب والأدلة، ويسخر من وهم الانهيار، ويرفض كل "منح وعطايا" الجلاد وبالتالي يضرب مثالاً ثورياً في البطولة ولا يخون زملائه المناضلين الذين يمثلون طليعة الشعب والذين يكافحون من أجل الحرية والمبادئ السامية من أجل تحرير الشعب والوطن.
ذكر آنفاً أنه في حيثيات التحقيق ومداخلاته يسعى المحقق لخلق حالة من التعاون والاستجابة بينه وبين المعتقل - وبدون هذا يستحيل الوصول للاعتراف - وبالتالي أن هدف شتى الوسائل النفسية والعصبية تنحصر في تهيأة المعتقل للتفسخ الداخلي، حالة إمكانية خلق التعاون، وان الجلاد يبتعد عن القضايا التي يلاحظ أن استمرار طرقها من شأنه أن يخرج المناضل من الجو المقصود، واستطراداً فإن المحقق الذي من ضمن محاولاته اصدار أوامر عادية في جو ارهابي مثل (اجلس على الكرسي، انهض لماذا انت جالس يا حمار، اخلع ملابسك، البس ملابسك، اجلس على الأرض، تشقلب على رأسك بجانب الجدار وغير ذلك... ) يهدف الى دمج المعتقل في الموقف. واذا ما رفض المعتقل الانصياع لهذه الأوامر فإنه يضع المحقق في امتحان صعب وتهتز الأدوار، وحينها سيسعى المحقق لاخضاع المعتقل لأوامره - علماً بأنها ليست لها دلالة مباشرة على المعلومات المطلوبة - ولكنه يريد الدخول في معركة اخضاع ان نجح فيها فسيستخدمها لأهداف أخرى. ولذلك ليس غريباً أن يقضي المحقق ربع ساعة أو نصف ساعة وربما اكثر في محاولة للضغط على المعتقل ليقول (أنا كذاب، أو أنا حمار، أو حتى يضغط عليه ليشرب ماء، وربما ليدخن سيجارة) و يستعمل الضرب والصراخ واللكمات وكل ما بين يديه ليرغم المعتقل على الطاعة.
واذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الضرب واقع لا محالة في معظم مراحل التحقيق أو بدون حجج، فإن المناضل الواعي الذي يدرك أبعاد ممارسات المحقق، سيصر على رفض تقبل الأوامر من هذا النوع وإذا أصر فإن المحقق لن يرجع لها ثانية الا في سبيل التجربة أو التأكد من ثبات الموقف. وإن عاد فليس صعباً على المعتقل أن يدرك أنه صاحب الموقف الأقوى في هذه المرحلة.
إن ترديد العبارات وراء المحقق أو الانصياع لأوامره عبارة عن موقف هادف إما للإذلال وإضعاف النفسية ، أو خلق جو أكثر ملائمة للتحقيق ، وقد دفع الرفيق شهدي عطية حياته ثمناً لموقف كهذا في السجون المصرية حينما أصر عليه الجلادون ليقول أنا (مرة) وأصر هو بصلابة الشيوعي الثوري على الرفض، وظلوا يضربوه حتى استشهد بطلاً لن ينساه التاريخ.
قد تكون أوامر رجل التحقيق مجرد طلب السكوت أثناء حديثه - بصفته هو ضابطا ، كنوع من التعالي وتركه يصب حممه السامة من تعبوية وتشكيكية، وإرهابية على المعتقل ظناً أنه ينصاع ويحسن الاستماع ويرفض أن تجري أي مقاطعة حتى ولو كانت لصالحه لسببين: 1- فرض الطاعة 2- التشويش على أفكار المعتقل وتركه عرضة للتشتت الذهني ومتابعة الأفكار المتناقضة المطروحة لشل فاعلياته الفكرية ومن ثم الهجوم عليه بما هو مخفي أو لدفع المعتقل للانسجام مع حديثه والتساؤل الداخلي حوله ( قد يكون صحيحاً أن أصحابي هم الذين وشوا بي...) وبالتالي يدرك المحقق الحالة نفسية المعتملة في المعتقل ويتفاعل معها بما يراه مناسباً.
واذا ما تفهم المعتقل هذه المناورات و رفض الانصياع وأصر على مقاطعة المحقق (أو على الأقل عدم الانتباه لما يقوله) فإن المحقق سيفشل في طرح ما يريد ، وإذا لاحظ أن المعتقل غير متنبه فإنه يحاول أن ينبهه لصالح اللعبة، وإذا دمر المعتقل هذه الخطط فان المحقق سيكشف عن شخصيته الحقيقية، شخصية الجلاد ويستأنف الضرب كأمر طبيعي، و بعد الجولة يضطر لاعادته الزنزانة.
وبعكس الأوامر، يلجأ المحقق لوضع المعتقل في حالة ما ، تظهر له فيها بعض الاحتياجات فيحرمه من السجاير أو الماء، لا يسمح له الذهاب الى دورة المياه ... حتى يبدأ المناضل بالمطالبة وهنا تبدأ المساومة : قل كل ما عندك وأنا أعطيك سيجارة بل علبة سجاير كاملة! – لا بأس عشر سنوات سجن وعدد من الرفاق وكمية من الأسرار بسيجارة- ؟! قد يكون الموت أفضل من هذه التجارة بمئات المرات.
إن الامتناع عن طاعه الأوامر، والامتناع عن المطالبة بالاحتياجات البسيطة حتى ولا شربة الماء هي أسلحة قوية أقوى بكثير من الحرمان منها، وحتى أقوى من أشد الأساليب الفاشية المتبعة، فالمناضل لن يموت عطشاً فهم بأنفسهم سيقدمون له الماء عندما يشعرون بحاجته اليه، بل إنهم سيتحولون الى لطفاء ومعاتبين له لأنه وصل الى هذه الحالة دون أن يطلب الماء وفي نفس الوقت ستتفاعل في أنفسهم الهواجس بأنه مستعد للموت ولكن لن يقول شيئاً ولن يطلب شيئاً.
وقد يلجأ المحقق لاستخدام الحديث الاستنكاري كأن يقول أنا عارف ومتأكد 100% انك غير منظم، وإنك رفضت التنظيم، و انك لم توافق على نقل كذا...، أو الاجتماع مع فلان...، وهو يستغل فرصة مواتية لدفع هذه الألفاظ بعد مقدمات حتى يقع المعتقل على رأسه فوراً: لأنه إما أن ينظر للمسألة على أنها بسيطة، أو قد ينساق ويعطي ولو كلمة بسيطة كأن يقول نعم (رفضت التنظيم) وهذا يعني أن أحداً عرض عليه التنظيم. فمن هو؟ ولماذا عرض عليه؟ وإن قال (رفضت اعمل كذا) إذن من الذي عرض، وأين؟ وفي أي ظروف وهذا معناه أن تصنف الوقائع.
وهذه بداية الاعتراف وقد وقع عدد من السذج في هذا الشرك ولكن النجاة منه ليس بالأمر العسير ولا يحتاج إلى كثير من الذكاء، ولا حتى صمود ولا تضحيات تذكر، فإما عدم الإجابه والاستجابة، وإما القول (ان أحداً لم يعرض علي شيئاً) أو يغير اتجاه الحديث. ومن الأنسب ان لا يدع المحقق يتم حديثه في هذا الصدد واغلاق الطريق عليه كلياً. وعندما يتمكن المناضل من تفويت فرصة كهذه يكون في نفس الوقت قد انتصر انتصاراً مشجعاً على تجاوز وتفويت فرص أخرى.
ان تحطيم محاولات رجل التحقيق لخلق جو من التعاون من البداية سوف يدفع رجل التحقيق لتغيير أسلوبه باستمرار، مما يشعره باستنزاف طاقته وجعبته. وهذا يعني ان المناضل الصامد قد بدأ يأخذ زمام المبادرة وأخذ دوره في عملية الصراع يطغي شيئاً فشيئاً على دور رجل التحقيق. واذا ما دعم هذا باظهار الاستخفاف بالجلاد وبعض المواقف والعبارات التي تدلل على صلابة واستخفافه بالتحقيق وعدم جدواه فإن نفسية ومعنوية رجل التحقيق سوف تهتز وتتضعضع مما يدفعه الى انهاء التحقيق والخلاص منه - بصفته موظفاً
وحتى لو جرى استبداله بمحقق آخر فإن تقارير المحقق السابق ستضعف من عزيمته مهما حاول الظهور بمظهر المنقذ للتحقيق، وخاصة اذا لمس نفس الاصرار والصمود من المناضل، ولم يمض وقت طويل حتى يعلن هزيمته لرؤسائه بشكل من الأشكال، محاولاً مداراة فشله بطريقة من الطرق سوف تكون حتماً لصالح المناضل.











أساليب التحقيق
استناداً إلى الاستعراضات السابقة، يسهل علينا أن نستنتج بأن أساليب التحقيق المختلفة تعتمد على نوعية المناضل وموقفه ودرجة صلابته ووعيه، وموقعه في عملية الصراع. وما إذا كان منتمياً أم على هامش الضربة، وما إذا كان سميناً في نظر رجال التحقيق، أو قليل المعرفة، أو انه طويل النفس وعالي التصميم ويعي ما يقوم به أم أنه ضعيف الارتباط قليل الاعداد وذاتي النزعة.
وبالاجمال فإن أساليب التحقيق واستخدامها وطرائق تطبيقها تعتمد على نوعية المعتقل الذي يقع بين أيدي المحققين، وكذلك على نوعية رجال التحقيق ومجمل صفاتهم ونفسياتهم ونظرتهم لعملهم في وقت من الأوقات.
ويمكننا أن نقسم المعتقلين إلى نوعين شاملين، وذلك حتى يسهل طرح المسألة وتعميقها، وحتى يسهل ايضاح العلاقة القائمة بين أساليب التحقيق ونوعية المحقق معهم. وكذلك بين نوعية المحقق معهم، وأساليب التحقيق المتبعة من جهة، ونتائج التحقيق من جهة أخرى...
وإذا كانت نتائج التحقيق مع نوعيات مختلفة من البشر خاضعة للدراسة والتمحيص، فيجب أن لا يغيب عن البال مطلقاً أن الصمود والصلابة والخروج من حرب التحقيق بسلام ليس حكراً على نوعية محددة من الناس أو المناضلين. فكثيرً من الناس العاديين جداً والذين ليس لديهم أي تأهيل أو اعداد نضالي سوى فطرتهم، واستناداً إلى فهمهم البسيط ولكن الأصيل (الأرجل، الأحسن، الأشد، الأشرف لا يعترف، وان الاعتراف والاقرار عار وعيب)، (الحكومة تدينك من لسانك) نتيجة لهذه المعارف البسيطة والهامة جداً، كثير من الناس العاديين اجتازوا التحقيق بكافة مراحله دون أن ينبسوا بكلمة واحدة ومهما كانت دوافع الاعتقال سياسية أم غير سياسية فالمعتقلون نوعين :
1- الصدفيين 2- المحترفين.
مع ملاحظة أن اختلاف الأساليب المتبعة مع كل فريق ليس اختلافاً مطلقاً لأن هدف الأساليب المختلفة في النهاية ينحصر في ايصال المعتقل قيد التحقيق إلى مرحلة التعاون والاقرار و تقديم المعلومات، أي ايصاله إلى حالة الانهيار، وتحويل العلاقة الجوهرية بينه وبين محققيه إلى علاقة يتخللها تبدل في موقع المعتقل باتجاه موقع المحقق، وانسجام وتطابق معه بدلاً من الصراع الحاد والوقوف على طرفي النقيض.

المعتقل الصدفي:
ليس غريباً أن يقع بين أيدي المحققين أناس ليس لهم خبرة ودراية بما قاموا به، ولا سابق تصميم وتصور عن الأحداث ونتائجها، أو ليس لهم معرفة بأهمية مرحلة التحقيق والصمود فيها، ونتائجها في مجال الادانة والتعرض للحكم والعقاب، وفي معرفة مغزى عمليات التحقيق في الحصول على المعلومات المختلفة.
وربما يقع أناس قاموا بأعمال عن طريق الصدفة مثل القتل الخطأ، أو مشاهدة ثوار أثناء قيامهم بعمل مسلح، أو الصاق مناشير وملصقات على الجدران، أو ربما مساعدة شخص ما (فدائي) في المرور من مكان ما أو تقديم الطعام له بدافع الحماس أو دافع انساني أو اجتماعي، أو ربما يقع شخص بين أيدي المحققين نتيجة قيامه بعمل ما، أو مشاهداته لأشياء معينة دون أن يكون طرفاً حقيقياً في هذا العمل لا من باب المشاركة ولا من باب الانتماء، واندفع عن وعي أو غير وعي للتستر أو المشاركة، وفي وقت من الأوقات ونتيجة لشبهة، أو وشاية، أو اعتراف عليه، وقع بين أيدي المحققين.
في ميدان العمل الفلسطيني، اندفع الكثيرون وبدافع الحماس الوطني الأصيل إلى المشاركة في النضال بشكل من الأشكال دون أن يكون لديهم تصور شامل عن نتائج تصرفهم على انفسهم، ساعد بعض المناضلين المطاردين لأنهم أقربائه أو لأنهم عبروا أرضه أو بالقرب من بيته...الخ وكل هؤلاء معرضون أو تعرضوا فعلاً للاعتقال والتحقيق حالما تعرف السلطات عنهم لسبب من الأسباب . وكذلك الحال مع عامة الناس الذين يشتركون في أعمال نضالية جماهيرية – مظاهرات، اضرابات، اعتصامات، ويصادف أن يلقى القبض عليهم.
هؤلاء جميعاً لدى اعتقالهم يتأثرون وحتماً ستتأثر مواقفهم: بالوضع المعنوي العام الذي يحيط بالحركة الوطنية، سمعتها، سمعة الأحزاب أو المنظمات التي احتكوا بها، مستوى الوعي السياسي والثقافي عند الجماهير، الخلفيات الذهنية عموماً التي تشربوها في حياتهم من المجتمع، ومدى الخبرة الاجتماعية التي تتناقلها الألسن عن سلوك العدو في التحقيق ومواقف المناضلين، والموقف الاجتماعي من نتائج التحقيق سواء على مستوى البيئة الخاصة أو البيئة العامة والقيم الاجتماعية التي يحملونها هم أنفسهم كل هذه العوامل وغيرها ستؤثر على مواقفهم في التحقيق ونوعية ردود فعلهم على أساليبه وأطواره بالاضافة الى الصفات الشخصية التي يتحلون بها داخل أقبية التعذيب.
ولدى تحليل نتائج التحقيق مع هذه النماذج فانها تتراوح بين الانهيار التام واعطاء كل شيء والانكار التام ونفي كل شيء، وبين بين.
فمثلاً منهم من لا يشعر بضير أن يقول بأنه شاهد كذا وكذا على اعتبار أن الفعل أصبح ماضياً، وأن مشاهدته كانت عابرة وصدفية، بينما موقف المحقق يختلف فهو يريد أية معلومات عن الحدث ويطالبه بها ويطالبه بأشخاص آخرين شاهدوا مثله بالاضافة الى أنه يحاكمه بتهمة "عدم اخبار" وهنا ترتفع العقوبة بقدر خطورة الشيء الذي شاهده.
وفي ميدان العمل الوطني أيضا هناك من يلتحق بصفوف المنظمات والأحزاب حديثاً أو لم يتلق أية تدريب واعداد، ويقع في التحقيق لسبب من الأسباب.
هؤلاء جميعاً هم من نطلق عليهم المعتقلون المناضلون بالصدفة أو الصدفيين.
كيف يعاملهم رجل التحقيق؟
من المهم الاشارة أولاً أن المحقق عندما يقف أمام المعتقل انما يقف أمام سر مجهول ومرهوب أيضاً، فهو لا يعرف نوعيته، ومدى صلابته، وهو لا يعرف إن كان محترفاً أم صدفياً، ولا يعرف ان كان ذا شخصية متماسكة وقوية وواعي أم أنه ساذج وعلى (باب الله) هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فسواء كان المعتقل صدفياً في وضعيته، أم محترفاً وعن سبق اصرار، فإن السمات الشخصية للفرد وتربيته وعقائديته تظل فعالة في جميع الأحوال، وبالتالي لا يمكننا بوجه القطع أن نقول بأن المحقق سيتبع هذا الأسلوب أو ذاك، ولكنه سيحاول جهده أن يفك الرموز الأولى حول شخصية المعتقل. من هو؟ وما دوره؟ وهل المعلومات الأولية عنه بأنه شارك في كذا فقط، أو أطعم، أو أرشد هي كل نشاطه ووضعيته أم أن هذه الحالة فقط هي التي انكشفت؟
ان المحقق يرى في المعتقل الصدفي انساناً بسيطاً (حتى ولو كان شديد الصلابة والعناد) ولذا، وبناء على هذه التقديرات، يلجأ الى أساليب من شأنها أن تؤثر على هذه النوعية حسب اعتقاده. كأن يثير عواطفه، يشرح له بأن لا خطورة من اعترافاته وانما هذه اجراءات روتينية تقوم بها الحكومات عادة عندما تصلها معلومات، فقط بهدف اغلاق الملف، وأنه سيفرج عنه حال الانتهاء من التحقيق، وما عليه الا أن يستعجل اذا رغب في العودة الى أهله
. وهنا من المناسب أن نورد حادثة (فقد اعتقل شاب من نابلس مع آخرين زملائه بناء على وشاية وتقدير أجهزة الأمن بأنهم منظمون ولديهم أسلحه قديمة من زمن الأردن. وقد عانى الشابين من أبشع أساليب التحقيق دون أن يتفوهوا بشيء. وهنا خطر على بال ضابط التحقيق أن يعتقل والد أحدهما وكان شهر رمضان، ووالده هذا شيخ مسن يصلي الأوقات ويصوم الشهر. وبعد وضعه في الزنزانة، مر عليه ضابط مخابرات فأظهر الدهشة لوجوده وأخذ يشتم ويسب على اسرائيل، مجرمين، كفرة، فاسقين وفجأة سأله هل صليت؟ لا، اذاً تعالى لنصلي معاً فلا يوجد أحد هنا وأنا أصلي بالسر ولو اكتشفوا بأني مسلم لفرموا رقبتي. وهكذا صلوا جماعة، وأوهمه بأنه سيسعى له بطعام الافطار .... ثم قال له ان قضيته بسيطة وأنهم فقط يريدوا منه (الحديدة) أي قطعة سلاح، وان ما عليه الا أن يسلمها حتى يفرج عنه رأساً وخاصة أنه حاول الافراج عنه فرفض اليهود الملاعين. فسأل الشيخ عن ابنه فوعده الضابط أن يفرج عنه وعن ابنه، في الليل ذهب الشيخ مع رجال الأمن وسلمهم البندقية. وبعد العودة طلب منه ضابط المخابرات ان يوقع على بضع أوراق كروتين حكومي حتى يتمكن من اغلاق ملفه والافراج عنه – وهكذا وقع على الافادة- وبعد ذلك قال له بأنه لا يستطيع الافراج عن ابنه قبل ان يعترف وما عليه الا ان يقنع ابنه... وهكذا حصل... وبالنتيجة حوكم الرجل وابنه والشاب الآخر وبالطبع نسفت بيوتهم).
وتدلل هذه الحادثة وغيرها على تفاعل رجال التحقيق مع الحالة أمامهم وقد ينجحوا ببساطة وقد لا يصيبهم النجاح. فكثير من الحالات لطمتهم على وجوههم بقوة ولم تنفعهم لا مشاعر الفوقية، ولا حتى أقسى أنواع التعذيب.
إن المعتقلين بالصدفة والذين لا يمكننا أن نجزم بنتائج التحقيق معهم معرضون دائماً لأساليب التبسيط، والتحجيم، والاغراءات والتشكيك بالثورة، والتشكيك بجدوى النضال، والنضال، وبالقادة
وهؤلاء هم الذين يعمد المحققون الى استخدام أساليب الضغط الخارجي عليهم كأن يحاول اغراؤهم، أو يهددهم بالاعتداء على نسائهم، أو يحضر أقاربهم لنصحهم بالاسراع بالاعتراف حتى يسرعوا بالافراج عنهم.
قد لا يجد المحقق صعوبة كبيرة في خداع هذا النوع من المعتقلين، وفي الواقع ان أساليب الخداع التي تتبعها أجهزه التحقيق مع مناضلي الحركة الوطنية الفلسطينية هي الأوسع انتشاراً، وبسبب النقص الكبير في أعداد المناضلين وتربيتهم وتثقيفهم والنقص في تشبيعهم بروح الصمود البطولي في التحقيق، وتعريفهم على أساليبه ولأن معظم المعتقلين تلقوا فقط تربية المجتمع ونفسيته وايديولوجيته المتخلفة (حينما لا تكون الروح الكفاحية متأججة عند الشعب والجماهير كما هي الحال في سنوات النهوض الثوري) تلك الايديولوجيه التي ورثها من الاقطاع الشرقي وأشبعت بالروح البرجوازية الأنانية التي لم تتوان عن لعب أدوار مشبوهة في عهد الاحتلال البريطاني وحكم الاردن والإحتلال الصهيوني، هذا علماً أن بعضاً من الأحزاب الثورية قد أخذ يسعى لتجاوز نواقصه كما تشير الدلائل وكما حصل في السنتين الأخيرتين وبالأخص نهاية السبعينيات من القرن العشرين
لقد أفرزت نشاطات الحركة الوطنية في اعوام 67 19- 1971 عدداً كبيراً من المعتقلين ومن بينهم نسبة كبرى من الصدفيين، حيث أودعت سلطات الاحتلال كل من (رأى، أو أطعم، أوسقى، أو سمع، أو آوى، أو قدم خدمة لمناضلين) بل قد أودعت كل من تواجد في منطقة عمليات أو أحداث نضالية، بهدف عزل المناضلين عن الشعب بممارسات تعسفية والإعتقالات شملت عدداً كبيراً من الناس. وطبعاً تعرض هؤلاء للتحقيق وشكلوا مادة خصبة للمخابرات واستثمرت المعترفين منهم ضد غير المعترفين، وعسفت بهم ونسفت بيوتهم وسجنتهم بتهمة عدم الاخبار أو ألصقت بهم أية تهم أخرى ليكونوا عبرة لغيرهم حتى ولو كانوا (أبرياء مئة بالمئة).
لقد خلقت الفترة ما بين 67-71 بالرغم من تأجج الأوضاع النضالية خلالها، أزمة ثقة للمناضلين والصمود في التحقيق، حيث كانت نسبة الذين أدلوا باعترافات لا تقل عن 95 بالمئة ممن أدخلوا إلى زنازين التحقيق، بالاضافة إلى ذلك كانت تسود آمال التحرر السريع حيث لا يهم مقدار الحكم في السجن، ولكن النسبة الأخرى تمكنت من الافلات بسبب صمودها وصلابتها.
غير أن تغيرات جوهرية واسعة النطاق قد أدخلت على بنية وطرائق العمل التنظيمي للمنظمات الثورية أدت إلى تقليص حجم الاعترافات وبالتالي حجم المعتقلين سنوياً. وقد تنامت قابليات المناضلين وقدراتهم على الصمود بالتوازي مع تطور المنظمات وصيغ عملها وأبنيتها، وتناميها، وتحسين نوعية أعضائها، وهذا بدوره يؤدي بشكل أوتوماتيكي إلى تقليص عدد المعتقلين من المناضلين الصدفيين. طبعاً دون أن يعني ذلك أن عسف الاحتلال سيتوقف عن المواطنين واعتقال أي عدد منهم بسبب تواجدهم أو احتمال مشاهدتهم لشيء مخالف وخاصة في الأوقات التي يتنامى فيها حجم العمل السياسي.

2- المعتقل المحترف :
يختلف المعتقل المحترف عن المعتقل بالصدفة، فالمعتقل بالصدفة ضمن الحركة الوطنية أو لعلاقة ما معها هو مواطن اثارة حسه الوطني البسيط، وعمل هذا العمل أو ذاك، نتاج تأثير الوضع العام دون أن يتلقى اعداداً أو تربية، أو انه انتمى لإحدى المنظمات لأنها اتصلت فيه أولاً أو لأن صديقه أو قريبه عضو فيها، أو لأنها الأقرب الى فهمه الخاص او لأن دعايتها وصلته دون غيرها أو قبل غيرها، وبعد أن ارتبط بها لم تجر له عملية تربية سياسية واعداد، يمكنه من فهم مجريات الأحداث السياسية والعلاقات السياسية، واللوحة المتفاعلة في الساحة. وبالتالي لم يجري تحويله الى سياسي محترف أو مناضل محترف يعي بما يقوم ويؤمن به ويتطور فهمه وحسه الوطني العام.
أما المعتقل المحترف فهو مواطن ينتمي فكرياً وسياسياً وتنظيمياً، ويربط مصيره نهائياً بعجلة النضال من خلال الحزب أو المنظمة ويندمج فيها اندماجاً نهائياً، بحيث يتوحد مصيره بمصير الثورة، ويصبح مصير الثورة والحزب الثوري أو المنظمة هي قدره ومصيره. ومن خلال انتمائه يتشرب الروح الثورية الكفاحية وترتفع وتائر استعداده للتضحية، ويرتفع مستوى وعيه ونضوجه ويدرك أن كافة أفعاله وتصرفاته محكومة في النهاية بالوضع التنظيمي والوطني . وأن مصيره الشخصي لا يهمه بحال من الأحوال بقدر ما يهمه مصيره بوصفه عضواً بهذا الحزب أو التنظيم.
ان المناضل المحترف هو نتاج الوضع السياسي الموضوعي الذي جعله يدرك ولو بصورة جزئية أهمية الانتماء. هذا الوضع الذي تتفاعل فيه نشاطات الأحزاب والمنظمات السياسية مما يطور الوعي الجماهيري بصورة عامة ووعي الأفراد المنتمية بصورة خاصة. وبطريقة ملموسة أكثر فإن انتماء الفرد إلى منظمة سياسية تطرح شعارات ومواقف تعبر عن الظرف الموضوعي ومتطلباته، وأماني الجماهير، يجعله أكثر ارتباطاً بهذه المنظمة مما يسهل عليها القيام بنشاطات تنظيمية تعبوية خاصة على أعضائها بحيث يتطور انتماؤهم واستعدادهم لأن يكونوا مناضلين محترفين، عميقي الارتباط، يجري تصليبهم وتقويمهم عبر الممارسات النضالية اليومية، وتجري توعيتهم بأمور التحقيق ومختلف أشكال التوعية التي تجعل منهم عقائديون شديدو الصلابة ومدافعون حازمون عن مبادئهم متصلبون بالتمسك بها.
وبالإجمال فإن المناضلين المحترفون هم معتقلون محترفون، وهم نتاج التفاعلات الاجتماعية والوضع الطبيعي المتفاعل مع المناخ الحزبي، بالاستناد الى قابليات فردية للنمو والتطور هذه التفاعلات التي تندمج مع نشاطات وتفاعلات المنظمة الحزبية التي ينتمون اليها بوصفهم أفراداً ومناضلين.
أن العضو الذي تجري تربيته على هذه الأسس سوف يدخل زنازين التحقيق طوداً شامخاً يقف أمام المحقق مسلحاً بوعي وصلابة كافيين لتعزيز مكانته في الصراع البطولي، يتصرف بوعي وردود فعله هادفة.
هل يمكن خداع المناضل المحترف وتوريطه؟
لقد أكدت مئات بل وآلاف التجارب في الوطن الفلسطيني وفي كل البلدان أن المناضلين المحترفين المعبئين في مأمن تام من خدع وأحاييل المحققين، وأنهم ببساطة يضعون المحقق في وضع صعب، وليست قليلة الحالات التي يحاول فيها المحقق الخلاص من الورطة بطريقة من الطرق وربما عدم اللجوء الى التحقيق نهائياً بعد أن يكتشف الواقعة الصلبة التي أمامه . وكثيراً ما يدخل المحقق الى عملية التحقبق و التعذيب والاستجواب مثبطاً سلفاً، ينفخ ويفرك يديه ولا يدري من أين يبدأ ولسان حاله يقول (لا داعي لأن أتعب نفسي) فمستنداته على الخلفية الاجتماعية العامة، وأساليب تبسيط القضية أو التشكيك في الوضعية الثورية والاغراءات ليس لها نفع هنا. ويظل فقط التعذيب الجسدي علّه يعطي نتيجة. هذا التعذيب الذي يتحول الى روتين ميت لا حياة فيه أمام استعداد المناضل للتضحية حتى النهاية والصمود مهما كان الثمن.
فعندما يدرك المحقق أنه أمام مكافح صلب، يصعب عليه التحكم فيه، وادارة موقفه النفسي، ويصعب عليه (التفاهم معه) سيلجأ إلى أساليب مختلفة عن تلك التي اتبعها مع المناضل الصدفي لأن المناضل المحترف سيجتازها بسهولة وبنجاح تام ، مما يعزز معنويته ويشوش خطط المحقق.
وهنا لا بد للمحقق من اللجوء إلى العمل المكشوف، ويبدأ في محاصرة المعتقل عن طريق تقديم الأدلة والبيانات والبراهين (وهذا يساعد المناضل على معرفة حجم التهم الموجهة له ونوعية الأدلة ضده فتفقد رهبتها بدلاً من أن تظل سراً) فخلاف المعتقل الصدفي الذي تكفي إشارة من بعيد إلى إحدى تصرفاته النضالية أو حتى الشخصية حتى يعترف، فإن المناضل المحترف سوف يجتاز هذا الأسلوب ويفوته ويدفع بالمحقق لكشف كل أوراقه واحدة واحدة إلى أن يفرغ كل ما في جعبته ويقف أمام المعتقل عارياً إلا من عصاته.
أي أنه يمارس كل ما من شأنه زيادة الهوة بينه وبين المعتقل الصامد دون أن ينجح في خلق أي صورة من صور التعاون وبالتالي دون أن ينجح في وضع المعتقل في المسار الذي يؤدي به الى الانهيار.
إن المعتقل المحترف يعي ما يقوم به، ويعي ما يواجهه، ويعتبر نضالاته ونشاطاته واجباً ملزماً، كما يفهم أن خدماته النضالية عاملاً من عوامل تحقيق أهداف الحزب والطبقة التي يمثلها والشعب الذي ينتمي إليه، وهو مشبع فكرياً وعقائدياً، وهكذا فإنه يمثل قطباً قوياً أمام المحقق، وان عمق ارتباطه وعقائديته سوف تجعله ينتصر في عملية الصراع إذا استمر على صلابته، مع معرفته بأساليب التحقيق واستعداده لها بكل عنفها وقسوتها.
وهو اذا أدرك أنه أثناء التحقيق يخوض صراعاً عنيفاً بين ما يمثله كاتجاه سياسي وبين ما يمثله رجل التحقيق كاتجاه سياسي آخر فإنه سينتصر حتماً لأن النصر حقاً للأقوى عقائدياً فيهما مهما كانت البنية الجسدية.
ولا بد من الاشارة قبل كل شيء إلى أن المعتقل المحترف بخلاف معتقل الصدفة لا يفكر مطلقاً بمصيره الشخصي، ولا يعتبر مجرد وقوعه بين أيدي المحققين (ورطة لا خلاص منها)، انه يعتبر التحقيق، ومعركة التحقيق والصمود البطولي فيها، استمراراً لوضعه الكفاحي ولانتمائه النهائي الذي اختاره وارتبط فيه نهائياً وبلا عودة.
وفي هذه الحالة فإن مواقف المعتقل أثناء التحقيق تتضمن ليس نجاته الشخصية فحسب، بل كونه مدافعاً صلباً بجسده ولحمه ودمه عن رفاقه وحزبه دون أن يشي بهم أو ينبس بكلمة واحدة تلحق بهم الضرر وتؤدي بهم الى الوقوع بين أيدي المحققين. وكثيرون هم الذين أباحوا أجسادهم حتى النهاية، حتى الشهادة دون أن يقولوا كلمة واحدة تسر خاطر الجلاد، أو تكشف سر من أسرار الحزب، ومنهم من تعرض الى تشويهات فعلية يعتبرها وسام شرف، وشهادة صمود وبطولة، وليس أشرف من أن يقضي المرء شهيداً في الدفاع عن الحزب وأسراره وما يمثله.
إن الاستشهاد البطولي في التحقيق هو قمة المجد والشرف الثوري للمناضل والحزب والثورة، ورمزاً شعبياً لا ينسى.
يغذي المواطنين والرفاق والثورة روحيا، ويزيد من سخط الجماهير واستعداداتها للتضحية والعطاء ويقدم نموذجاً رائعاً للبطولات الثورية. ولا يزال ابو عكر الذي استشهد في المسكوبية سنة 69 والخواجا الذي استشهد سنة 76 في زنازين رام الله منارة يهتدي بها أمام المناضلين الحقيقيين.
ومن الجدير ذكره هنا أن التحقيق ليس مأمون العواقب دائماً من ناحية الأضرار الجسدية وتلك الاضرار ليس من نصيب الصامدين فقط، وهناك معترفين، بل منهارين تماماً تعرضوا للأضرار ولم تحمهم أضرارهم من نتائج اعترافاتهم. وبالمقابل فإن معتقلين جرحى، أو حتى مصابين اصابات خطيرة قد استعملت معهم أبشع وأقسى الأساليب بما فيها التعذيب في المناطق المصابة وتوسيعها، دون أن يفوه الواحد منهم بحرف واحد.
وقد غيب أحد الجرحى اسمه الحقيقي، وطبيعة مهمته التي دخل البلاد متسللا من أجلها، ولم يدل بأي شيء عن أعضاء مجموعته رغم أنهم استخدموا جراحه وكسوره كنقاط ضعف، وخرج المحققون بالنتيجة المفجعة لهم (لورتسي لدبير)، أي لا يريد أن يتكلم، وخرج وهو بطل عظيم وقد صان شرف الحركة الوطنية وحمى رفاقه.
ان البطولة تتجلى في الأوقات الصعبة ولو بعمل بسيط، و ان بطولة التحقيق فخر لا يوازيه فخر حينما يقاسي المناضل شتى ألوان العسف والقهر والتعذيب و لمدة طويلة ويظل ثورياً وبطلاً وفي صف الشعب، دون أن يكل أو يمل، دون أن ينبس ببنت شفة.
قلنا ان المعتقل المحترف يلحق هزيمة ساحقة بخطط وأساليب المحقق التي تعتمد على إثارة العاطفة، ودفع المعتقل للتفكير بمصيره الشخصي، أو ايقاعه بخدع وحيل، مما يضطر المحقق للكشف عن أوراقه والعمل على محاصرة المعتقل عن طريق تقديم الأدلة والشهادات الثبوتية، وربما جلب اشخاص معترفين أو غير معترفين للادلاء بشهادات بطريقة من الطرق قريبة أو بعيدة عن القضية، أو جلب الأهل والأقارب وخاصة النساء، غير أن المحقق سوف يظل يسعى إلى خلق التعاون الهادف، ولذلك وكلما وقف المعتقل بصلابة عند مسألة من المسائل كلما دفع المحقق لتجاوزها أو تأجيلها أو حتى اغلاقها نهائياً، وتظل العملية تجري على هذه الصورة و ضمن سياق الى أن يستنفذ المحقق كل وسائله ويعلن فشله.
واذا ما جرى استبدال أحد المحققين أو مجموعتهم فإن عمليات التحقيق التالية والتي في الغالب تعتمد على الارهاب والقسوة لا تكون أكثر من اجراءات استكمالية إما على سبيل التجربة مره أخرى، أو حتى تكون اجراءات التحقيق معززة من مجموعة من الأفراد.
ان المحقق غالبا لا يستخدم أساليب التعذيب المختلفة من أجل التعذيب فقط ، بل يستخدمها ضمن سياق وخطة من أجل ارغام المعتقل على التعاون معه . ان هدفه النهائي من التعذيب بشتى أشكاله وصوره هو خلق الجو النفسي الملائم للحصول على المعلومات، ولذا فإنه عندما يلاحظ أن المعتقل يقدم معلومات مهما كان طفيفة، أو حتى مجرد ينصاع للأوامر فإنه سوف يعتبر أسلوب التحقيق المتبع مجدياً ويعززه .اما عندما يجابه بالصمود النهائي وبدون تعاون فانه سيلجأ الى أساليب أخرى، معنوية ونفسية (وربما مصحوبة بالضرب والصلب، والتجويع) وجملة من الحيل والألاعيب التي تشكل ممارستها حسب اعتقاده عاملاً مساعداً. وبمعنى آخر فإن المحقق يجرب كافة الأساليب التي بين يدي بغية الوصول الى نتيجة واحدة وهي الحصول على الادانات والمعلومات عبر خلق جو التعاون وتقليص الهوة بين موقفه كسلطة وموقف المعتقل كمناضل ودفعه نحو الانهيار.
وأجهزة التحقيق عبر ممارساتها الطويلة وخبراتها المكتسبة أو المستوردة من أجهزه قمعية أخرى، قد اكتسبت خبرة واسعة النطاق وأدخلت أساليب مدروسة، وأدخلت العلم والتكنولوجيا وكل الامكانيات المتاحة بغية دفع المعتقل على تحريك لسانه والتلفظ بالكلمات الثمينة. غير أن كافة الأساليب المتبعة لم تنجح نجاحاً قاطعاً، وقد كشفها المعتقلون وكشفوا أدوارها الزائفة، ولم تتمكن كل هذه الأساليب من ايصال المعتقل المحترف الصامد والشريف الى حالة التعاون.
فالمحقق بالأساس يريد معلومات صحيحة ومفيدة، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا عندما يكون المعتقل في حالة من الوعي تكفي لذلك. ولذا فإنه لم تتم حالة واحدة في التحقيق أفشيت فيها الأسرار تحت التخدير أو في حالة الغيبوبة، وأن المئات تعرضوا لحالات الغيبوبة أثناء التحقيق ولم يدلوا بحرف واحد يؤثر عليهم، واذ كانوا قد تعاونوا مع محققين فليس أثناء الغيبوبة حيث لا يسمع الانسان ولا يحس بما حوله. مع ان المحققون يلجأون الى خداع المعتقل وايهامه بأنه قال كل شيء أثناء الغيبوبة وقد يستشهدوا ببعض المعلومات التي يعرفونها، ولكنهم بقدر ما ينجحوا مع بعض البسطاء فقد فشلوا بكل الحالات، وأساساً فإنهم ينشغلوا أثناء غيبوبة المعتقل لإعادته الى رشده.
ونضيف هنا أن كل حالات الاعترافات التي وقعت هي حالات واعية كان بإمكان المناضل أن يتجنبها بنجاح تام لو أنه أكثر ثباتاً وتصميماً و معرفة ودراية، بل لو كان أكثر عناداً بقليل.
إن المحقق لا يستطيع أن يعرف المدى الذي وصلته نفسية المعتقل أثناء التحقيق سوى تخميناً (أو إذا هو كشف عنها) ولا يستطيع أن يعرف ما إذا كان يفكر بالصمود حتى النهاية، أو يفكر بالاعتراف والخلاص من أقبية التحقيق، كما أنه لا يستطيع أن يدرك الاتجاه الذي تسير فيه آثار عملية التحقيق من جانب المناضل سوى ما يلحظه من صمود أو تردد أو انهيار، ولذا فإن ضابط التحقيق يكون باستمرار في حالة تشكك من الأسلوب الذي اتبعه، ومدى نجاعته، والى أي مدى يمكنه الاستمرار في استخدامه، وبأي كيفية، أي أن الحالة النفسية للمحقق لا تكون عادية أثناء التحقيق بل في حالة تردد مما يضطره لاستشارة مسؤولية باستمرار، فهو يتصرف وفقاً لأوامر مضبوطة ومدققة من جهات أعلى منه لا تشترك مباشرة في التعامل مع المعتقل بل تتبع أخبار التحقيق من خلال تقارير آنية أو دورية، والمحقق مطالب بالنجاح، واستخدام أساليب محددة، ولكنه لا يستطيع أن يدرك أثرها على نفسية المعتقل إذا صمم المعتقل على اخفاء ردود فعله وافتعال ردود فعل أخرى، أو أظهر ردود فعل تدلل على صلابته.
وليست قليلة هي الحالات التي يفلس فيها المحقق ويلجأ للترجي والاستجداء، والاستعداد التام لتقديم كل ما يلزم من جانبه للحصول على أي شيء، للحصول على أي ادانة أفضل من الفشل التام. وليس غريباً أن نقول أن بعض السذج قد وقعوا في هذا المطب، وساعدوا المحقق الانساني المسكين!
ولا بد من القول أن الحالة النفسية والانفعالات ومجموع العواطف والأفكار التي تتفاعل في ذات المعتقل، تملك أثراً كبيراً على وضعه، وسوف تملك أثراً أكبر فيما لو كشفها بطريقة من الطرق للمحقق الذي يحاول وباستمرار، وباستخدام كل ما لديه من مهارة لمعرفة الانفعالات والعوامل الداخلية المؤثرة على المعتقل والتنبؤ بها، حتى يستطيع استخدام أنجع العوامل الخارجية للتفاعل معها.
والمحقق يعتمد في ذلك على فرضيات ونظريات يحاول تفحصها في شخصية المعتقل ومن ثم اتباع الأساليب المقابلة، وهنا بإمكان المعتقل أن يضلل المحقق اذا لزم الأمر وخاصة اذا انصرف كلية عن التفكير في شؤونه الخاصة وأولاده وبيته وأمه. واذا ما كان واقعياً، وتعامل مع نفسه وظروفه على أنه في مناخ تحقيق سوف ينتهي يوماً، ويجب أن ينتهي دون تساقط فإنه سيخدع المحقق، الذي بدوره وضع فرضيات خاطئة عن حالته النفسية، وتبعاً لذلك يتصرف تصرفات خاطئة تقوده إلى الفشل المحتم.
هذه الاحتمالات المذكورة أعلاه، ونتيجة لطول تجربة المحقق، واستخدام معطيات العلم، تدفع المحقق الى القيام بنشاطات وحركات، وسلوكات، و اتباع أساليب من شأنها أن تخلق حالة نفسية معينة (كالخوف مثلاً) اذا قدر له أن ينجح (فالهجوم الذي يقابله هجوم مضاد عبر عملية الصراع يستدعي هجوم جديد) واذا نجح في خلق الحالة النفسية المرجوة يكون قد سار بالتحقيق على الطريق الذي يريده الا اذا تنبه المعتقل وطعن خططه.
ان من أهم نقاط الانطلاق لدى المحقق في ذات المعتقل، ووسائله في ذلك هي تجريبية، وتعتمد على استجابات وردود فعل المعتقل، فالمحقق في جميع الحالات لا يستطيع تحديد الحالة النفسية أو خلقها إلا اذا تجاوب المعتقل مع المحقق بكيفية معينة وأبرز جملة من الممارسات والسلوكات التي يدرسها المحقق، ويحاول أن يتعرف على بواعثها النفسية.
الحالة النفسية : هي شيء ما داخلي يظهر من خلال تقاطيع الوجه وتقلباته، وطريقة النطق والتعبير وتصرفات وكلمات وردود فعل ميكانيكية أو آلية، وعلى ذلك فإن اخفاء الحالة النفسية الحقيقية أمر ميسور، خاصة اذا حافظ المعتقل على توازنه، ومظهر وجهه ما أمكن أو امتنع عن استجابات، أو قاطع المحقق في الأحاديث التي يدلي بها، أو منع نفسه من الانخراط في مظاهر الانفعال التي يتعمدها المحقق، أو رد بسخرية أو بفظاظة على تصرفات أو كلمات المحقق، أو استخدم نفس الردود على الأسئلة المتنوعة ( كأن يقول باستمرار لا أعرف ولا يهمني ذلك ) ان ردود فعل كهذه سوف تربك المحقق وتضعه في دوامة.
وتجدر الاشارة هنا أن كافة أساليب التحقيق ( التي سنذكرها فيما بعد) تهدف بالأساس الى خلق نقطة انطلاق، ينطلق منها المحقق بنسق معين للوصول إلى حالة ملائمة لبداية مرحلة التعاون والاعتراف. فحتى الأساليب الجسدية والنفسية والعصبية أو أية أساليب أخرى من أساليب الارهاب والتعذيب، يراد منها الوصول الى هذه البدايات، ومن ثم الحصول على المعلومات.
وليست نادرة الحالات التي فشل فيها المحققون، ولجأوا صراحة إلى الاعلان عن مطالب محددة، (أريد ادانة، أريد معلومات عن التنظيم وأنا على استعداد لانهاء التحقيق. ان كل ما قيل حتى الآن لا يشكل لك مجرد ادانة تحاكم عليها، نحن مقتنعون أنك مدان بأشياء كثيرة، أعطنا ادانة بأية شكل ومهما كانت كاذبة وغير صحيحة ومختلفة عن الواقع وسوف نتركك) ويستمر ضغطهم وتعذيبهم من أجل الحصول على الادانة ولو كانت بكلمتين (أنا منظم) وينتهي التحقيق اذا كانوا لا يأملون بشيء آخر، أو يبدأون من جديد اذا اعتقدوا أن هذه بداية جيدة.
وغالباً ما تحصل هذه الحالة في المرحلة النهائية من التحقيق، فإذا استمر صمود المناضل يوماً آخر فإنهم سيتركوه بعد تهديدات مرعبة وفارغة بالانتقام، وربما أودعوه السجن إدارياً لغم القدرة على محاكمته إذا كانت معلوماتهم عنه خطيرة. ولكن كل تهديداتهم وسجنهم لا يساوي شيئاً أمام الصمود الحديدي وحماية شرف الحزب وأعضاءه وصيانة شرف الثورة وقضية الشعب.
ومرة أخرى على سبيل التأكيد فإن الادلاء بالمعلومات يعني إفشاء الأسرار والادانة وبالتالي الاضرار بالحزب والمناضل نفسه،
وفي السجون نماذج متعددة: أناس قدموا عن أنفسهم ادانات واعترافات عن أفعال لم يقوموا بها مطلقاً وحوكموا وأدينوا في المحكمة ومنهم من يقضي سجناً مؤبداً، ونماذج أخرى عن مناضلين اعترفوا بما قاموا به وتعرضوا للجزاء، وآخرين ناضلوا، ولكنهم كمّوا أفواههم في التحقيق وأصروا على الصمود وكانت النتيجة مختلفة. ان الصمود لا يعني فقط وسيلة للخلاص الشخصي من نتائج الاعتراف، فهذه نظرة ضيقة، بل ان عدم الافشاء بأسرار الحزب، والثورة يتضمن في نفس الوقت حماية الحزب وحماية المناضل نفسه، وهكذا فإن مصير المناضل في أقبية التحقيق يلتحم التحاماً عضوياً بمصير الحزب والثورة والوطن، هذا الالتحام الذي إن تعرض لأي خلل، وقعت النتائج على كلا طرفيه في آن معاً مهما كان هذا الخلل بسيطاً.
ان المحققين الذين عرفوا بحكم أوضاعهم وتجاربهم أهمية الارتباط بين المناضل والحزب، بين مصير المناضل ومصير الحزب، يسعون بكل ما لديهم من وسائل لخرق الارتباط عن طريق ايهام العضو بأنه لا أهمية له من وجهة نظر الحزب، أو أن الحزب يضحي به من أجل سلامة القادة، أو أن هذا الحزب فاشل ولا يمثل طموحات الشعب... الخ
وكل أساليب الدس الخسيسة من شأنها أن تدفع (فيما لو نجحت) بالمناضل للتفكير بشخصه لخلخلة ارتباطه الحزبي كمقدمة لعزله عن الاطار الذي يحميه. ان بضع كلمات كافية لشل هذه الأسلوب (لا أعرف هذا الحزب، لست منتمياً لهذا الحزب، ولا يهمني أمره) أو تمجيد الحزب رغم أنف المحققين، ومقاطعة المحقق وعدم اتاحة الفرصة له لنفث سمومه.
ايجازاً لكل ما سلف: فإن التحقيق هو عملية صراع بين قطبين متضاربين :
رجل التحقيق الذي يمارس كافة الأساليب المتاحة لارغام المتهم على الادلاء بما لديه من معلومات عن نفسه وحزبه وثورته.
والمتهم مناضل محترف أو غير محترف، يتلقى أشكال التعذيب وأساليب التحقيق ويصمد أمامها ساعياً لتشويشها وافشالها، ويمارس دورا مؤثراً على عملية التحقيق لانهائها بنجاح، ودفع المحقق إلى ممارسات غير مجدية وبالتالي ايصاله إلى حالة اليأس من إمكانية الحصول على أية معلومات.
تجري هذه العملية بين قطبين : من جانب المحقق وفقاً لمخطط يضعه وقابل للتعديل بحيث يتلاءم مع المعتقل والمراحل التي قطعها التحقيق معه، وطبيعة ردود فعله وصلابته ومواقفه ونوعيته، بهدف التأثير على المتهم وحالته النفسية والعصبية بغية خلق نفسية ضعيفة تمكن المحقق من الانطلاق منها نحو اخضاع المناضل وخلق حالة من التعاون بينه وبين محققه كمقدمة لانهياره وسقوطه.
ومن وجهة نظر المناضل: تجري العملية بردود فعل معينة وهادفة إلى افشال التحقيق والتأثير على المحقق وايصاله لإحدى قناعتين (اما أن المتهم بريء مما ينسب إليه، أو أنه صعب ولا يمكن ارغامه على الكلام).
ويستند كلا قطبي التحقيق على جملة من العوامل والدوافع التي تمتلك أثراً على صبر واستمرارية كل طرف. فالمحقق متأثر بقابلياته الشخصية ورضاه عن عمله، وحنكته ودرايته، والأساليب العملية والهمجية التي تعلمها. والرقابة التي تشرف عليه ونوعية علاقته مع مرؤوسيه ورؤسائه، وشخصيته بينهم، والتعبئة الخاصة التي تلقاها، وعمق مبدئيته وعقائديته، كما يتأثر المحقق بدوره في عملية التحقيق بوصفه السلطة أو ممثلاً عنها بالنسبة للمتهم.
أما المناضل فيتأثر بعدة عوامل: شخصيته الصلبة، وعدالة قضيته وقضية الطبقة والجماهير التي يناضل من أجلها وإيمانه بها، والتربية السياسية التي تلقاها، وكيفية تعامله مع المحقق، وثقته بنفسه، ووعيه، وحنكته في التعامل مع الآخرين ووضعه الاجتماعي، ودرايته ووعيه بمسائل التحقيق وأساليبه، والهدف القبْلي الذي يحدده للصمود في التحقيق والتربية التنظيمية والفكرية التي تلقاها.
وبين هذين القطبين تجري عملية الصراع، صعبة وقاسية، ويبدأ المحقق في البداية قيادة عملية الصراع والتحقيق ويسعى إلى:
1- أخذ وجمع كل ما يمكن من معلومات ومن أي مصدر كان، تتعلق بالشخص، وحياته ووضعه الاجتماعي وأهدافه الحياتية وطموحاته، ومواهبه وهواياته، واهتماماته ونوعية أصدقائه وثقافته ووعيه وخبراته ومزاياه في التحقيق ... الخ من المعلومات التي يطلق عليها عادة المعلومات الاجتماعية أو الحالة الاجتماعية.
2- التعرف على المعتقل عن قرب، من خلال أحاديث قصيرة وأسئلة، والتعرف على بنيته وملامحه ومظاهر شخصيته العامة وربما حالته الصحية، أو أي أحاديث ممكنة في اللحظات الأولى، ويهدف المحقق لربط معلوماته وتكوين صورة متكاملة ما أمكن عن الشخصية المقابلة والتي سيبدأ معها الصراع العنيف قريباً.
3- يقوم المحقق بجولة أولى حول الموضوع كأن يبدأ بشروحات عن التحقيق وصعوبته ونصائح بالاعتراف. ويوهمه بأن كل شيء معروف وأن لا فائدة من الصمت ... وربما يبدأ الأسئلة عن بعض الرفاق المعتقلين هل يعرفهم أم لا؟ وهل يعرف أنهم معتقلون أم لا؟ وأية أسئلة أخرى، والاستماع إلى إجابات المتهم أو أي كلام صادر عنه وتكوين فكرة عن الموقف في التحقيق، وتحضير أو بلورة خطة التحقيق معه ليجري التحقيق أو جولاته الأولى وفقها.
4- دراسة نتائج الجولة الأولى وما يتجمع من معلومات ومحاول التعرف على الحالة النفسية للمعتقل، وذكائه وسرعة بديهيته ..الخ ودراسة الفرضيات التي يكونونها عن نفسيته وشخصيته لتقرير أساليب التحقيق اللازمة (ربما تجري هذه الخطوات الثلاث في نفس الجولة أو في نفس اليوم أو بطريقة أخرى).
ان المعلومات التي يحصل عليها المحقق في اللقاءات الأولى التي تبدو عادية، وليس لها أهمية خاصة، هي التي تشكل نقطة الانطلاق للتحقيق التالي، كما أن المحقق يحتفظ بها لاستخدامها في أي وقت يشاء، وربما من خلال الاستجوابات الأولية يحصل المحقق على معلومات عن أشخاص آخرين (إذا كان المناضل مطيعاً) كحالتهم، وضعهم الاجتماعي، نوعية لباسهم، الأطعمة التي يتناولوها، الصحف التي يقرأونها ، عن سلوك محدد في يوم محدد في مكان محدد، حدث عادي وقع للمناضل ومعه أفراد آخرين.
كل هذه المعلومات تدون وتحفظ وتستخدم عند الحاجة ضد الذي أدلى بها أو ضد آخرين، وربما تستخدم كوسيلة خداع ضدهم وكأن المحقق يعرف عنهم كل شيء. يبدأ المحقق في التعرف على الحالة النفسية للتأثير عليها، ووضع المعتقل في وضعية معينة لخلق نفسية معينة عبر جملة من الممارسات والأحاديث.
5- بعد التعرف وتقرير شكل التحقيق وخطوطه العامة وخطواته الأساسية يبدأ المحقق في استخدام وممارسة الأساليب اللازمة.
ويجدر ملاحظته هنا أن المعتقل الذي يعي دور وهدف وأساليب المحقق، يمكنه أن يربكه ويدفعه باستمرار إلى استخدام أسلوب آخر والضرب أو الشبح أو الصلب أو الإهمال محطماً بذلك كل المخططات ، حيث أن اعادة المحقق إلى الضرب تعني اجباره على استخدام أبسط الوسائل (ضرب .. سؤال: تريد أن تتكلم أم لا ... ضرب، تريد أن تتكلم أم لا... ضرب) ومن ثم عودة إلى الزنزانة. وعودة إلى التفكير بأساليب جديدة وكأن شيئاً لم يكن من التفكير والتخطيط السابق.
ان المحقق يلجأ إلى الضرب أو اللطم أو الشتم كلما فشل في أساليبه، محاولاً تبرير ضربه (كنوع من التأثير) فمثلاً، يشرح للمناضل أنه لو تكلم لما ضربه، وفي أحيان أخرى يخلق مبررات سخيفة كأن يطلب من المتهم أن يقف، ومن ثم يستشيط غضباً ويسأله لماذا وقفت؟؟ وينهال عليه ضرباً لأنه وقف وربما يحاول ارغامه على أخذ سيجارة لأن قبولها يعتبر نوعاً من التفاعل الايجابي ويضربه إن رفض واذا لاحظ أن المتهم قبلها نتيجة الضرب فسوف يتشجع على استخدامه بوصفه عمل ناجع. أي أن أي أسلوب وأي سلوك مهما كان لابد وأنه يهدف إلى التعرف على الشخص، أو ايقاع أثر معنوي ونفسي وسياسي واجتماعي عليه .
غير أن التوصل لايقاع مثل هذه الآثار يتم عبر جملة من الأساليب والممارسات التي تهدف في النهاية لا الى ايقاع الأثر الجسدي بعينه أو التشويه أو القتل، بل اخضاع المعتقل وخلق مناخ التعاون والانهيار ليدلي خلاله المتهم بالاعترافات.
فأساليب وسياسات التحقيق المختلفة والمتعددة ليست منفصلة عن بعضها البعض وهي إن استخدمت كلها أو بعضها، أو واحد منها يقوم بينها ترابط وصلات عميقة تكميلية أو تجميعية الأثر. فجهاز التحقيق يمثل وحدة واحدة مهما اختلفت أدواته، ومهما تعدد وتلاحق المحققون فهم يواجهون نفس الشخصية. وكذلك فإن طرفي التحقيق يحملون أهدافاً ثابتة: فأهداف المحقق وغاياته ثابتة وهي موجهة لمناضل، وأهداف المناضل وغاياته ثابتة وهي تخصه بالدرجة الأولى، ويواجه بها المحققين.
أهداف المحققين نوعان:
عامة وهي التي تهدف الى تحطيم الحزب السياسي المعادي من خلال أفراده الذين يقعوا بين يديه و استخدام أية معلومات منهم لمطاردة الحزب والتضييق عليه وقمعه.
وخاصة: وهي التي تهدف الى الايقاع بالمتهم والحصول على اعترافاته واتخاذ الاجراءات ضده.
وأهداف المناضل هي صيانة شخصيته النضالية الثورية وتجسيد استعداداته للتضحية خلال التحقيق، وترسيخ ارادة الصمود والصلابة لديه، وينتج عن ذلك حماية الحزب والثورة خدمة لهدفه السياسي وصيانته لعضويته كمناضل يخرج من محنته مرفوع الرأس منتصراً مبرهناً بذلك على قوه عقائديته أمام رجال التحقيق.
وما دام التحقيق يسير بهذه الصورة، وأقطابه يحتلون هذه المواقع، والمناضل مصر على الصبر والصمود، فإن أساليب التحقيق المتنوعة تتداخل وتتوحد، وربما يجري اتباع أسلوبين أو ثلاثة أو أكثر في نفس الجولة وفي نفس السياق كأن يتعرض المعتقل للتعذيب الجسدي بغية النيل من نفسيته، وفي نفس الوقت اتباع أساليب نفسية أخرى كأن يحاول المحققون عقد صفقة مزيفة معه، أوتشكيكه أوتصغير قضيته أو تكبيرها..
ووحدة الأساليب تظهر من خلال الممارسات المتعددة التي تهدف الى فك الارتباط الداخلي العميق بين العضو وبين شعبه.
فأسلوب التشكيك مثلاً يمارس والمناضل في وضع صعب، وتقديم أدلة ادانة وبدون تدخل محدد من المحققين تحت مظاهر متعددة ( صديق، انساني، مجرم، سفاح، وسط، مثقف) أي أنهم يستخدمون أسلوباً معيناً ويدعموه بعدد من الأساليب في محاولة لانجاحه. وسوف نتعرض الآن لجملة من الأساليب محاولين توضيحها كل بشكل منفرد لتسهيل الدراسة، ولبيان أثر كل واحد على الآخر، وآلية ممارسة كل أسلوب، وكيفية مقاومته مع العلم أن مقاومة وإفشال أساليب التحقيق ممكنة بطرق غير محدودة.
أ‌) الأسلوب النفسي.
ب )الأسلوب العصبي.



الأسلوب النفسي
المقصود بالأسلوب: سلسلة من الممارسات والعمليات المؤطرة، ومنهج، يهدف إلى التأثير على الوضع النفسي للمعتقل واخضاعه، واضعافه نفسياً ومعنوياً، وافقاده تماسكه، وخلق خلل عام في حالته النفسية وارتباطاته الداخلية، بحيث يصبح أكثر قابلية للاستجابة لمؤثرات أخرى معينة، واتخاذ ردود فعل محددة، ويكون حجم تأثر المعتقل في المناخ المحيط أكبر درجة ممكنة.
والحالة النفسية تتأثر بالحالة الجسدية (قليلاً أو كثيراً) حالة الجسم في وقت من الأوقات وبعض العوامل الخارجية كالأحاديث والروايات والأخبار السارة أو المزعجة، واثبات أو دحض الأفكار، وتهويل القضايا وتخفيفها وغير ذلك. ويمكن التأثير على الحالة النفسية بممارسة الضرب مثلاً بينما الجسم في وضعية معينة، مربوطاً أو معلقاً، ملقى على الأرض عارياً ويلقى على مسمعه عبارات ذات دلالة.
ويتم التأثير على الوضع النفسي بأساليب وطرق منها:
1- أسلوب التشكيك وهز صلات وإرتباطات المناضل:
ليس بالضرورة أن يتبع هذا الاسلوب قبل غيره من الأساليب، وهو لا يتبع بمعزل عن الارهاب، وتقديم الأدلة والمعلومات ومحاصرة المتهم، وكذلك قد لا يكف المحقق عن اتباع هذا الأسلوب عبر مراحل وجولات التحقيق المختلفة. فما هو أسلوب التشكيك؟
هو جملة من الممارسات، والمظاهر، والأقاويل التي تهدف الى عزل المعتقل عن ارتباطاته السياسية والتنظيمية والفكريةـ ومعاملته (كفرد) وتناول قدراته وامكاناته الشخصية في الصمود والثبات، وتيئيسه من الاستمرار في الانكار، وتناول معتقداته ومبادئه بالتسخيف والدحض والاستخفاف، والاستخفاف بمواقفه النضالية، وممارساته ضد الاحتلال ونظام الحكم، وتصويره على أنه انسان ضعيف ومعتقداته خاطئة وغير معقولة، وايهامه بأنه تورط في أمور ليس له فيها ناقة ولا بعير، وهي ليست اختصاصه أو واجباته، وهو ليس في مستواها، وان حكومات كبيرة عجزت عن تحقيق ما يهدف إليه، وعبرت عن عجزها بالهزائم، أو المواقف المتخاذلة، وأنه مغرر به خدمة لأهداف أشخاص يجنون من ورائه السمعة والثروة... الخ.
وبالاجمال فإن التشكيك عبارة عن ممارسات تستهدف اضعاف صمود المعتقل من خلال تناول امكاناته الشخصية ومعتقداته، وارتباطاته التنظيمية والسياسية وتسخيفها وتشويشها، وتشويهها والطعن بها، وتصغيره وتصغير دوره إلى درجة عدم الجدوى، وتصوير دوره أنه ليس في خدمة القضية، وتشويه دور القيادات السياسية والأحزاب والطعن في أهدافها ونواياها، ونوايا القادة، وأدوارهم وسلوكاتهم اليومية، وحرصهم على ذواتهم، والتفريط بالمغرر بهم من أمثاله.
وايهام المناضل عبر أطروحات وتكرار أطروحات، بأن رفاقه هم الذين وشوا به، وأن واحداً من مجموعته عميل نقل كل ما حدث لهم، أو أن المسؤول متعاون معهم وهم يعرفون كل شيء عن الحزب ونشاطه ونشاط أفراده وهو فقط (الضائع بين جماعته) ...
أو أن نشاطه هذا ما هو الا خدمة لأشخاص لأن خدمة القضية لا يمكن أن تكون بهذ الصورة ، ولأن أشكال النضال هذه لا يمكن أن تكون مجدية وها قد مضى كذا سنة ولم تعط أية ثمار، وها هم المحكومون مؤبدات في السجون ماذا استفادوا بعد أن خربت بيوتهم وألحقوا بأنفسهم وبأهلهم أضراراً لا يمكن تعويضها ...
وبالنتيجة أنه غلطان وما عليه إلا أن يكفر عن ذنوبه ويصلح خطأه بالاعتراف والإدلاء بما لديه ضد نفسه وضد الذين ورطوه ولا داعي لأن يتعب نفسه أكثر ويتعب المحققين معه بدون جدوى لأن صموده لن يستمر وسيعترف في النهاية.
والمحقق يهدف الى اضعاف المناضل نفسياً وبلبلته، ومن ثم اضعاف ارتباطاته بالحزب والقضية ، وحصر اهتماماته بنفسه فقط وبمصيره الشخصي في حدود مرحلة التحقيق، متبعاً شتى الوسائل والمعلومات، أو شهادة أحد المتساقطين، أو رواية أحداث عادية حصلت معه ، أو أحداث لها علاقة بالقضية من بعيد أو من قريب كدليل على أن المحقق يعرف كل شيء ، أو كدليل على أن في الحزب خيانة .
(الله يجازي اولاد الحرام) الذين وشوا به، والا كيف عرفوا كل ذلك عنه) وان الخيانات (بوصفها امر واقع) هي التي تمكن المخابرات من القبض على اولاد الناس وها هي المعتقلات مليئة بالمساكين أمثاله، أو أنهم دفعوا مبالغ طائلة من أجل القبض عليه وأنه من حسن حظه أنه قبضوا عليه اليوم قبل الغد وهذا لمصلحته، أو أنهم من مدة طويلة يتتبعوه ولم يشاءوا القبض عليه الا في الوقت المناسب، أو القوا القبض عليه قبل أن تورطه جماعته بأعمال خطيرة تؤدي الى أحكام عالية وذلك لمصلحته لأن المخابرات لا تحب أن تضر بالناس، وأنهم أيضاً يحققون معه فقط من باب الشفقة بغية مساعدته على الخلاص أفضل من أن يحقق معه غيرهم ولا يرحموه وهم سيضمنوا له حكماً بسيطاً على أن لا (يعيدها)....
ويلجأ المحقق الى تصوير نفسه على أنه العارف ببواطن الأمور، والقادر على كل شيء، وأنه يفهم القضية السياسية فهماً عميقاً وصحيحاً بينما يفهمها المعتقل بشكل سطحي أو مغلوط أو مخدوع، أو أن المعتقل لم يفكر جيداً بنتائج أعماله، ولم يتصور الاعتقال والتحقيق وعذاباته، ونسف البيت، وترك العمل والأطفال والحبيبة، وأنه (فكر نفسه أشطر من المخابرات ولكن ها هي المخابرات صادته في الوقت المناسب، وها هو أمامهم انسان ضعيف لا يساوي شيئاً) واذا كنت في الخارج تفكر نفسك شيء كبير ها أنت بين أيدينا كالعصفور).
و قد يلجأ المحقق الى تصوير نفسه على أنه الأب العطوف، والناصح الأمين الذي لا يخسر شيئاً ولا يكسب شيئاً وأنه فقط يرغب في مساعدة المعتقل وحمايته مما هو أعظم وأشد. مع ذكر عدد من الوقائع المتعلقة بتضخيم دور المخابرات ونجاحاتها وامكانياتها الهائلة في العمل براً وبحراً وجواً، والوصول الى كل مكان وكل بيت، وفي الداخل والخارج، وأن لهم في كل مكان عملاء ومتعاونين وأجهزة توصلهم المعلومات أول بأول.
وفي سياق تركيز كهذا على النفس والذات، وحصر المسألة في المعتقل شخصياً من خلال التشكيك المتواصل بكل شيء، يلجأ المحققون الى ايهام المناضل بأنه الوحيد في المجموعة الذي لا يتعامل معهم وأن كل المجموعة عملاء وأن كل ما حدث في الخارج هو عبارة عن (فيلم معد سلفاً) حتى يتمكنوا من الايقاع به وجلبه الى هذا الوضع حتى يستطيعوا التفاهم معه أو اقناعه التعامل منهم ، أو أن المجموعة كلها عملاء وقبضوا الفلوس من أجل الايقاع به وتدميره وهو غبي لم يكتشف اللعبة، وأنه لا أهمية للمعلومات التي عنده فهي معروفة لهم و المهم ما بعدها.....
أو أن المجموعة مخروقة بالعملاء وعند اعتقالهم اعترفوا عنه وارتاحوا من التعذيب وفقط هو (الحمار الذي لازال يركب رأسه) ويقاسي العذاب ويتعرض للضرب والجوع والارهاق (وكل التعذيب الذي حصل حتى الآن بداية) وأنه لن يستطيع الصمود مهما كان رأسه يابساً وسوف يقول كل ما عنده، فلماذا الخوف من الاعتراف.
واستمراراً بهذا النهج، وإذا ما أتاح المعتقل لهم الفرصة، يلجأون الى عملية الاستخفاف المتواصل باهداف المعتقل (تريد تحرير فلسطين؟؟؟ .. فلسطيز) من أنت حتى تحررها.... جيش الدفاع فعل كذا وكذا ... والعرب بقواهم الكبرى 100 مليون هزموا في الحرب كالنعاج .. وأنت تريد أن تعدل الميزان .. أم أنك تثق بقدرة المنظمات على التحرير.... يحررها ابو عمار وهو في منتزهات كذا .... و تستخدم هذه العبارات مع الضرب الشديد أو بدونه اذا كان المناخ غير مناسباً، أو بشكل تعبوي أبوي في أوقات أخرى.
وهكذا يستمر حصر تفكير المعتقل في وضعيته الذاتية، مجردينه من كل ما حوله .... الحزب خائن أو ضعيف .... الرفاق خونة أو أدلوا بما لديهم .... الثورة ضعيفة....... الأهداف مستحيلة... قدرة المخابرات ليس لها حد .... أنت فعلت كذا .... نحن من مصلحتك ...انجو برأسك. كل ذلك بغية أن تعتمل في ذهنية المناضل تفاعلات وأفكار في حدود مصيره الشخصي وتجريده من أقوى سلاح هو عقائديته وارتباطاته والاستفراد به.
ان استخدام هذا الاسلوب جزئياً أوكلياً يعتمد بالدرجة الأولى على: 1- وعي المعتقل 2- ارادته
فالمعتقل الذي يعي ومنذ الكلمات والممارسات الأولى أنه بصدد التعرض لحملة تشكيك، وأن المحقق سيطرح أشياء مزورة وكاذبة لن يصدقها مهما دعمها بالوقائع . فهدف الحملة في التحليل النهائي تشكيك المناضل ودفعه لقول أسراره وبالتالي فإن شكلها أوكثافتها أومضمونها وما يقال ويثار خلالها ليس مهماً في هذه الحالة ما دام المعتقل محصن سلفاً وعارفاً بالملموس حالته ووضعه النضالي وموقفه في التحقيق واصراره الذي لا حد له على الصمود والصبر.
ان هذه الحملة لن تنال من صمود الثوري ولن تدفعه للانهيار حتى لو تضمنت وقائع صحيحة، فهذه الوقائع لا تعني تحريك اللسان و البوح بالأسرار، فقط تعني أن رجل التحقيق يقوم بمهامه ويحاول انتزاع الاعتراف بدرجة من التصميم ليست قليلة ومعروفة.
ان حقيقة كون هذا اعترف، أو ذاك ذكر بعض المعلومات، أو أنهم (يعرفون كل شيء) لا تكفي المحقق ولو كانت تكفيه لما استمر في التحقيق. انه يصر على الحصول على المعلومات ، والمناضل يصر على الصمود والامتناع عن قول أي شيء مهما كانت الأدلة، وغالباً ما تكون الأدلة وهمية أو ايحائية، ولكنه حتى لو كانت صحيحة فهي لا تبرر الاعتراف بل ستدفع المناضل الواعي الى المزيد من الاصرار والمزيد من التضحية.
علماً بأن المناضل الواعي يستطيع وبكل بساطة افشال حملة التشكيك من أولها كان يظهر وعلى الفور عدم الاستجابة، وعدم الاكتراث ومقاطعة المحقق، والتنصل من التهم والارتباط بالمنظمات والأحزاب وان كل ما يقال لا يهمه ولا يعنيه في شيء.
إن المعتقل يستطيع أن يعي مهارات المحققين وخِدعهم ما دامت كلها تعبيراً عن هدفهم ورغبتهم في اضعاف نفسيته وتشكيكه، وقد يلجأ المحقق لدعم أطروحاته بوضع رفاق المعتقل في أوضاع معينة كأن يجلسوا في مكان مريح ويتحدث معهم مجموعة من الضباط بمرح، ومعهم سجاير وأمامهم فناجين الشاي والقهوة، ويتبادلون النكات المفتعلة، أو أي حديث بمظهر ودي مخطط ومبرمج من قبل المخابرات وبدون وعي الرفاق الآخرين للدور الذي يقومون به، ثم يدفع بالمعتقل قيد التحقيق بعد حملة من الاهانات والضرب والتشكيك للمرور من جانب زملائه، ومن ثم مقارنة وضعه بأوضاعهم، وايهام المعتقل بأنهم اعترفوا وأنهوْا ما لديهم أو أنهم متعاونين معهم منذ البداية.
وليس غريباً على سلطات فاشية أن تلجأ لافتعال مظاهر أخرى استناداً على معرفتهم لخلفية المعتقلين، بأن تدفع باحدى المجندات لتجاذب أطراف الحديث مع زميل آخر معتقل وبطريقة مائعة، وربما عادية كأن تسأله عن اسمه، واسم قريته، وعمله، وبينما يكون في هذه الحالة يفتعل المحقق حركات معينة من شأنها أن تلفت انتباه المعتقل ليشهد الحادثة ومن ثم يصب عليه حملة من الأباطيل بأن هذا الزميل اعترف بكل شيء وسنساعده وها نحن نكافئه بأن نجلب له المجندات ليتسلى معهن ويصطحبنه إلى غرفهن ...
وأي شيء مما ذكر أعلاه يقصد الايحاء للمعتقل للمقارنة بين وضعه الصعب ومعاناته من أشد وأقسى أنواع القهر، بينما غيره يمازح المجندات، أو يشرب الشاي مع أكابر الضباط وكأنه في وليمة.
ان الهدف النهائي هو خلق جو معين حول المناضل وصياغة حالة نفسية معينة له يتركز خلالها اهتمامه على وضعه الشخصي بعد أن (يكفر) بالقيم التي اعتقل من أجلها فيصبح لقمة سائغة بين أيدي المحققين يسهل عليهم فهم حالته النفسية الحاضرة والتنبؤ بها ومن ثم وبعد ملاحظة الترددات، وتشتت الأفكار والسرحان في التفكير، الاستمرار في تعميق الهوة بين المناضل وارتباطاته ورفاقه وشعبه.
وكما قيل سابقاً فان مجرد وعي هذه الأساليب يكفي لتفويتها سواء تمكن المحقق من الاستمرار في استخدامها ام لاحظ فشلها من البداية.
وبالاضافة الى وعي المعتقل لأسلوب التحقيق تبقى ارادته الصلبة ارادة الانتماء، ارادة النضال، وارادة الصبر والصمود والصلابة، وماذا تجدي كل أساليب التشكيك أمام الاراده الحديدية الواعية لما حولها، وماذا تجدي كل أساليب التحقيق أمام الارادة المصممة على التحدي والتضحية مهما كانت النتائج.
ولننظر للمسألة من زاوية أخرى : أنها تفاعل (صراع، وانسجام) بين قطبين هم في الأصل متناقضين ومتعاديين ويهدف المحقق الى تدمير شخصية الطرف الآخر و ابتزازه وكشف أسراره، وتعبيراً عن هذه الغاية يسعى الى اضعاف مركز النقيض، والاتصال به نفسياً ومعنوياً عبر الضرب والارهاب والتشكيك، ويسعى الى ادخال درجة ولو بسيطة جداً من القناعة الى ذهنية المعتقل بأنه يقول شيئاً صحيحاً أو على الأقل مهما.
أنه يسعى الى اسماع المعتقل شيئا يعتقد أن من المهم له أن يسمعه ويتابعه، وربما يفكر بما يقال، وربما يسأل ويستفسر، وهنا يأخذ دوره في الانتقال تدريجياً من دور المناقض الى دور المتمايز ثم المنسجم (أو المتعاون في خلق الجو النفسي) هذا اذا مكنه المعتقل من ذلك أو اذا انطلت اللعبة ووقعت الكارثة.
والمحقق يتابع نتائج حملته أولاً بأول فكلما لاحظ أنه استطاع تحقيق بعض الأثر مهما كان بسيطاً فانه يستمر، أما اذا أخذ دور المعتقل ينتقل شيئاً فشيئاً من السلبية الى الفعل، كأن يقاطع المحقق، وينفي التهم الموجهة له شخصياً، ويعبر عن عدم اكتراثه بكل التقييمات، أي اذا عمل ما من شأنه أن يوضح للمحقق بأن أسلوبه فاشلاً فإن المحقق سيكف عن هذا الأسلوب ويتركه لأسلوب آخر.
قد يكون من المناسب أن يظهر المعتقل عدم الانتباه، وحينها سيحاول المحقق دمجه في السياق بواسطة حديث حواري يتخلله أسئلة ويحتاج الى ردود، والمعتقل الصلب يظهر عدم انتباه وانه لا يريد ان ينتبه، وأنه لا يهتم ما اذا كانت القيادة عميلة، أم ثورية، ما دام ليس له أي علاقات وارتباطات، أو أنه لا يريد أن يعترف بشيء تحت أي صيغة (في حالة القبض عليه متلبساً فليس أمامه أي دفاع سوى أن يؤكد انه لا يريد أن يعترف وأنه لم يقبض عليه في الوضع المذكور وأنه لا يعرف شيئاً).
إن الموقف الصلب هو خير وسيلة لافشال أسلوب التشكيك مهما كانت درجة احكام الحصار التي يحاول ان يخلقها المحقق، ومهما كانت الثغرات التي يسعى الى فتحها. ان المحقق لن يتورع عن خلط جملة من الأفكار والآراء والوقائع والأوصاف دفعة واحدة ثم يعمد الى البرهنة على واحدة منها لتكون دليلاً على صحة كل ما طرحه فمثلاً (القيادة عميلة، والنضال لا أهمية له وهو كله في (البطال)، والأعضاء الآخرين كلهم متعاونون معنا واعترفوا كلهم، وبكل شيء. ولدينا كافة المعلومات عنك وعن حزبك ونعرف ماذا تغديت وتعشيت ... الخ ثم يحضرون أحد زملائه (اذا كان أحدهم معترفاً) ليدلي أمامه بشهادته ضده، ومن ثم يتخذونها ذريعة لصدق كل ما يقولوا (يحاولوا ايهام المعتقل بأن كل ما قالوه هو عين الصواب، وربما احتاجوا إلى دليل أقل بساطة كأن يستعملوا المجندة المذكورة سابقاً ليشككوه بزميله وبنفسه وحزبه).
إن مجرد صدق واقعة واحدة من بين جملة من الوقائع ليس دليلاً على صدقها كلها، فإذا كان أحد الزملاء معترفاً بالتهم المسندة إليه فهذا لا يعني أن الكل معترف أو متساقط حتى ولو كانت رغبة المخابرات تشويه سمعته.
وأيضاً فإن اعتراف أحد الزملاء وحتى شهادته المباشرة ضد المعتقل لن تعني شيئاً وليست مبرراً لدفع المعتقل للاعتراف بما لديه فالمسألة ليست مسألة توفر أدلة عند المحقق أم لا، فان لم تكن لديه أدلة صمدنا، وان كانت لديه أدلة اعترفنا !! .
ان المسألة هي مسألة الصمود في التحقيق في جميع الأحوال وتحت شتى الظروف والخروج من التحقيق بنفس الهيبة والمعنوية والحالة النفسية العامة، والتصميم النضالي ما قبل التحقيق. وكثيرون هم الذين توفرت لدى المحققين أدلة ضدهم ولكن لم تتوفر لديهم القدرة على تركيع المناضل وابتزاز المعلومات منه. وكثيرون أيضاً من الصدفيين، الذين افتعل المحققون أمامهم ما يوحي بتوفر أدلة وهي غير متوفرة وبعضهم اعترف لهذا السبب وتورط.
لا أعرف شيئاً هي الجواب العلمي الحاسم على أسئلة المحققين التي يراد منها الايقاع بالمناضل وبرفاقه.
2- أسلوب الارهاب:
في التحقيق كما في الساحة النضالية نفسها تمارس سلطات القمع الارهاب والتنكيل بالوطنيين الثوريين والمواطنين بغية تمرير سياساتها، ولجم الحركة الجماهيرية المناضلة الرافضة لسياسة السلطة ووجودها.
والارهاب الرجعي سمة ملازمة لسلطات الرجعية تكشف عنها بهذا الشكل أو ذاك حسب الوضع السياسي العام ودرجة خطورة الحركة الجماهيرية، فكلما ازدادت وتيرة النضال، ازدادت درجات القمع والتنكيل، ومن ضمنها زيادة حجم الاعتقالات المنظمة والعشوائية وازدادت وحشية المخابرات والجلادين في التحقيق.
وعلى نطاق التحقيق بالذات، كلما شعر الجلادون (متأثرين بالوضع السياسي العام) بخطورة المنظمات والأحزاب ومجموعات المقاومة، كلما ازدادت فاشية ممارساتهم مع المعتقلين – نهج واحد، وهدف واحد.
وكما أن القمع المتواصل، ونسف البيوت، ونظام منع التجول ومختلف أشكال المضايقات والكبت المادي والمعنوي لا يثني الحركة الوطنية، والأحزاب الثورية المكافحة عن أهدافها وسياسة تصعيد نضالها، كذلك الحال مع المعتقلين الثوريين المكافحين من أجل الحرية، تزداد درجة استعدادهم للصمود كلما زاد عسف المحققين ووحشيتهم .
نهج واحد وهدف واحد – الصمود والتضحية وافشال أهداف الجلادين.
فأهداف الارهاب واحدة في النهاية – التخويف- وضع الحركة الوطنية، وأحزابها على عتبة الخوف، وهنا تبدأ سياسات السلطة تعطي ثمارها :
فالحزب الذي يخاف، ويرهب أعضاؤه الاعتقال والعسف، والاقامات الجبرية والمضايقات يحني رأسه للعاصفة ويتحول من حزب مكافح قولاً وعملاً، إلى حزب على هامش الحركة والنضال، ويحسب حساب السلطة ويخشى غضبها في كل سلوك يسلكه فردي كان أم عام.
أما الحزب الذي يصمم على الكفاح وقيادة نضالات الجماهير، وتحسين ممارساتها وتوعيتها، وحشدها ودفعها للمواجهة فإنه يستثمر كل عسف سلطوي، واجراء همجي كفتيل يزيد الحركة اشتعالاً مما يربك السلطة ويدفعها باستمرار لتغيير سياساتها حتى تصل إلى درجة العجز.
وفي التحقيق يقف المناضلون الممتلئون ثورية ووطنية، المؤمنون بقضيتهم وقضية شعبهم سداً منيعاً، وجداراً قوياً في وجه ارهاب المحققين، ويزداد حقدهم ورفضهم كلما ازداد تعسف المحققين ووحشيتهم إلى أن يستنفذ المحقق كل وسائله وأساليبه ويجلس مفرغاً منهكاً ومهزوماً.
فأدوات القمع المختلفة، هي في التحصيل النهائي جهاز واحد بيد السلطة يعمل في الساحة بما فيها المعتقلات خدمة لنفس الغاية الرجعية، وعلى درجة من التكامل والتمازج. والمناضلين في الساحة والشارع الذين يكيلون للعدو الصفعات والضربات، هم أنفسهم الذين يواجهونه بصدورهم ولحمهم ودمهم في الأقبية أضعاف أضعاف ما هي عليه في الشارع بسبب كثافة التحدي وعنف الصراع.
لم يحصل أن فكرت سلطة رجعية بإبادة الجماهير جسدياً عن بكرة أبيها، وهي ان قتلت أو جرحت أو استخدمت كل أشكال العنف انما تستخدمها بقصد الارهاب، بالاستناد إلى خلفية فاشية، تعسفية متوحشة. واستناداً إلى ايديولوجية حاقدة وتعبئة رجعية. وكذلك الحال في التحقيق: فإن المحقق لا يهدف إلى الإبادة الجسدية عبر جولات التعذيب المختلفة، إنه يهدف الى الارهاب، التخويف للوصول الى نتيجة أخرى هي الاعتراف. ان الارهاب هو وسيلة لتخويف المناضل وهز معنوياته وارتباطاته، وسيلة لهزيمته في التحقيق. فما هو أسلوب الارهاب؟
أسلوب الارهاب: هو جملة من الممارسات الوحشية والمادية والمعنوية والعملية، واللفظية التي تتناول وبشكل مباشر نفسية ومعنوية وصمود المناضل عن طريق التعذيب الجسدي وتهويله، أو التهديدات باستمرار التعذيب إلى الأبد، أو التهديد باجراءات قمعية قوية كنسف البيت وقتل الأطفال، والاحكام العالية في السجن، أو كل الطرق معاً، وذلك لتشويش وضع المناضل وتصوير التحقيق له على أنه الموت الزؤام وأن التحقيق لن ينتهي وأنه يستمر إلى الأبد، وأن مركز التحقيق هذا لا شيء (بالرغم من كل قسوته) وأنه سيجري نقله إلى صرفند، أو مركز تحقيق آخر فيه تعذيب أبشع وأقسى...
يبدأ المحقق في تهويل التحقيق، واستخدام الضرب القاسي وتمثيل مظاهر محكمة توحي بنتائج غامضة كأن يبدأ عملية الضرب على كفي القدمين بأن يحضر عصاة ضخمة، وسلسلة حديد كبيرة ومساعدين اثنين أو ثلاثة، ثم يحضر طشت ماء، وعلبة كاز، وخطافة تعليق اللحم وعدة أدوات أخرى من مختلف الأنواع بقصد الايحاء، ثم يفحص عيني المناضل، ويأخذ في تحريك الأشياء، فترة من الزمن فاسحاً فترة ولو صغيرة لبلبلة المعتقل ثم يبطحه على الأرض مصحوباً بصوت السلاسل، ثم يربط قدميه بالكرسي، ويبدأ الضرب وخلال ذلك يتلفظ بكل ما يهدف إلى الايحاء بالخطر القادم (علماً بأن العملية بسيطة وهي عبارة عن رفع القدمين والضرب) ثم يأخذ بالضرب واستمرار الايحاء بالأخطار والأهوال الارهابية مشيراً إلى أن هذا الوضع القاسي هو مجرد بداية ... وأن المخفي أعظم ... وأنه لا بد من الاعتراف ... وأن غيره أعظم منه ولم يستطع الصمود ... وأنه لا خلاص بدون اعتراف ... وأن الثورة لن تنفعه، وأن أهله سيموتون جوعاً بعد موته ... الخ من التهديدات والتشكيك المتواصل بهدف اخافة المعتقل، ودفعه للتفكير بوضعه الخاص فهو فقط الذي يجلد الآن، أما قادته فهم في الكباريهات مع الحسان، وأن قادته يعرفون أنه عنيد وقد سلموه للتحقيق بهدف الخلاص منه لأنهم يعتقدون أنه سيموت تحت التعذيب.
وهكذا يوحدون جملة من الممارسات، ويدعموها بأساليب التشكيك والتهويل بعد أن يطمئنوا أنهم خلقوا جواً ارهابياً يعتبرونه مناخاً مناسباً للسيطرة على المعتقل وتوجيهه نحو الاعتراف والسقوط.
صحيح أن المعتقلين أنواع في درجة استعدادهم للتضحية، وصحيح أن لكل منهم سمات فردية خاصة، وبنية جسدية خاصة، وصحيح أن درجة الشجاعة والاستعداد للتضحية متفاوتة، وصحيح أن الجميع مستهدفين أثناء التحقيق للوصول إلى حالة الاعتراف. ولكن صحيح أيضاً أن الظروف هي التي تخلق الانسان، وليس نادراً أن يقف الجبان في لحظات معينة موقفاً شجاعاً ويذوق طعم الشجاعة ويصبح بطلاً، وصحيح أيضاً أن لا أحد يقدم نفسه لقمة سائغة للعدو يحصل بواسطته على المعلومات والأسرار، ويتلقى بالاضافة للتعذيب القاسي (الذي يستخدم مع الجميع) يتلقى أيضاً أحكاماً واجراءات سلطوية تدوم سنوات وسنوات بدلاً من اجراءات زمن محدود وينتهي.
والصحيح أيضاً أن أي فرد متماسك التفكير لا يقبل أن يحمي يده من الكسر (وهذه حالات وقعت نادرا في التحقيق) ولا يحمي عمره من السجن أو يحمي ثورته من عسف السلطة، أو يستبدل الخطر الواقع على يديه ورجليه بالخطر على عشرات الرفاق من جهة، والخطر الناتج عن سقوطه من جهة أخرى.
ان المسألة كلها تتركز في وضع المعتقل في حالة رهبة عامة من كل شيء، من الضرب، من دخول الزنزانة، من الخروج منها، من السير أمام الجندي، من التوقيف في زنزانة جانبية لانتظار جولة أخرى، خوفاً حتى من تعصيب العينين، خوفاً من حركة يد المحقق، من قيامه عن الكرسي، من دخول أي شخص جديد، خوفاً من اطفاء النور، خوفاً من اشعاله : هذه حالة الخوف العامة المطلوبة التي يرجى أن يعيشها المعتقل في الجو الارهابي.
واذا ما لاحظ المحقق أن المناضل أخذ يتعاون وينسجم مع المناخ، وأخذ يستجيب للوضعية الجديدة فإنه سيزيد من اجراءات القمع والتخويف واعداً بانهائها اذا (وضع المعتقل ما لديه على الطاولة) وبالتالي تصبح الحالة على الوجه التالي: نستمر في اجراءاتنا حتى تعترف، وهذا يهدف إلى بلبلة المعتقل ودفعه للتفكر (اقول اعترف واخلص).
متى يصل المعتقل الى هذه الحال؟: ببساطة اذا خاف من اجراءات ومظاهر سلوك المحقق. أما اذا لاحظ المحقق أن كل هذه الأساليب لم تخيفه فلن يعود إليها. وخاصة أن هذا الأسلوب ليس مضمونا دائماً. فالمعتقل غير الواعي نضالياً، والغير واعي لأساليب التحقيق سوف يواجه هذا الأسلوب بإحدى احتمالين:
1- أن يؤدي الارهاب إلى رهبة أكبر من الاعتراف بحيث أن المعتقل يرهب الاعتراف أكثر مما يرهب التعذيب، وأنه ما دام يتلقى كل هذا العسف فلن يقول شيئاً.
2- احتمال أن ينفعل المعتقل لسذاجته مع الارهاب ويبدل كل شيء بالخلاص من الضرب مقدماً نفسه لقمة سائغة يلوكها المحققون ورجال المخابرات وأدوات القمع الأخرى كما يشاؤون.
والمعتقل الملتحق بالحركة الوطنية والذي اعتقل من موقع نضالي، ولم يتلق الاعداد والتربية الثورية الكافية فإنه لن يختلف عن الصدفي الذي اشترك في عمل ما بالصدفة، فقد يعترف من أول لحظة وقد تشده ارتباطاته الاجتماعية، وعلاقاته الشخصية مع زملائه، والقيم الاجتماعية الرادعة ويستمر في الصمود ولا يعترف.
ومن المهم الاشارة إلى أن الاعتراف يقع بسبب الاستعداد الشخصي للاعتراف وليس بسبب الضرب والارهاب .وقد لا يحدث الاعتراف أيضاً بسبب الاستعداد الشخصي للصمود في حالات اعتقالات الصدفية. أما المناضلين المحترفين فإن الأمر يختلف قليلاً من ناحية وجود الاستعداد الشخصي لعدم الاعتراف مسبقاً وقبل دخول أقبية التعذيب والتحقيق والاستعداد للتضحية لا ليتحمل الآلام فحسب، بل التضحية حتى الشهادة.
فإذا توفر هذا الاستعداد ، فإن تجاوز حاجز الخوف، حاجز الرعب يتم بخطوة واحدة . فبين الرعب والشجاعة حاجز بسيط وهش ما أن يخرقه المناضل بأصبعه حتى يقف في ساحة البطولة.
واذا انعدم الخوف انعدم الاعتراف، وانهارت خطط المحققين، بل ان تجاوز حاجز الخوف، سيجعل من كل ضربة عصا، من كل صدمة كهربائية، من كل لسعة سيجارة، جداراً متنامياً برتفع ما بين المعتقل والمحقق، سيجعل من كل جولة تعذيب عربوناً آخر على الصمود والتحدي، ليضرب المحقق كفاً بكف باحثاً عن أسلوب آخر أو واصلاً للنتيجة المحتومة (لورتسي لدبير).
ان الجهل والخوف هما السببين الرئيسيين لوقوع ضحايا الاعتراف عبر هذا الأسلوب، وإن عدداً ليس يسيراً من مناضلي الحركة الوطنية الفلسطينية قد وقعوا ضحية جهلهم وخوفهم من الضرب، وكأن الضرب شيء غير مألوف، وصعب وعسير على الفهم، أو كان الضرب عملية سحرية فإذا ضرب الانسان على رجليه يتحرك لسانه، واذا ضرب على أعضائه الجنسية فإن الله ينطقه بأسرار تهم رجل التحقيق ... (المهم أن أنتهي من هذا الوضع) هكذا يقول المعتقل الساذج وهو في حالة الخوف.
غير أن المناضل الواعي بعكس كل هؤلاء، لا يسعى بنفسه إلى وقف الضرب، ولا يستجدي المحقق للكف عن التعذيب بل يشتمه، يصفه بالأوصاف التي يستحقها، ويزيده استفزازاً، وكأنه يقول له ( هيا اضرب فهذا لا يهمني) بل إنه قد يستفز المحقق في كل مرة دافعاً اياه لاستخدام الضرب والتعذيب الجسدي لأنه أبسط أشكال التحقيق وأقلها تعقيداً وأيسرها على الفهم لأن الارهاب المحاط بأشكال التعذيب لا يمكن أن يستمر على نفس الوتيرة وحجمه في اليوم الواحد محدود، غالباً ما يعاد المعتقل بعد الضرب للزنزانة فيأخذ حينها قسطاً من الراحة النفسية والجسدية بانتظار جولة أخرى لا يهم متى تأتي.
هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فإن الضرب الجسدي هو زاد المحقق في جميع الأحوال وان اختلف التركيز أو الحجم، وان الجسد يستطيع تحمل الضرب ولمدة طويلة حتى دون اغماء، ما لم توجه ضربة إلى مكان معين في الجسم تؤدي للاغماء. والاغماء ليس خطيراً وهم يعالجوه عادة برش الماء على الوجه أو بعض المنبهات وربما كان الاغماء سبباً لاستراحة تالية.
ان سلطات الاحتلال في المعتقلات تستعمل كل أساليب التعذيب الجسدي والنفسي وفي معظم الأحيان وفقاً لترتيب معين وبرمجة محددة: كأن يبدأ الضرب بالصفعات على الوجه والرأس، والقبضات المغلقة على جميع أجزاء الجسم، والضرب بعصي أو أسلاك على جميع أجزاء الجسم، والضرب على الأعضاء الجنسية، وعلى كفي القدمين وبشكل وحشي وقاسٍ يتحسسه المرء في الضربات الأولى وقبل أن تتخدر أعصابه، وكذلك الرش بالماء البارد شتاء يليه الماء الساخن والرش بالماء الساخن صيفاً، وتعليق الجسم، وأحياناً التعليق من يد واحدة وهذا نادر الحدوث وإن حدث فلبضع ثواني قليلة، والتعليق من القدمين مع الضرب، ورش الملح على الجراح (وهذا مع ما يثيره من شدة الألم له نتائج ايجابية من حيث حماية الجراح من التعفن) وكذلك الصعق بالكهرباء، ووضع المرء في غرفة مع غاز يسبب آلام في الرأس والعينين، وضع الرأس في سطل ماء بغية المضايقة، تغطية الرأس بقطعة قماش وصب الماء عليه أيضاً بغية منع الهواء والمضايقة أو تلبيسه بالكيس ذا الرائحة الكريهة مع صلبه، الكي بالنار والسجاير، ووضع البيض المسلوق الساخن جداً تحت الابطين، الوخز بالابر، ضرب الجسم بعد أن يكون قد تعرض لجولات ضرب سابقة بقضيب طري وبشكل متواصل، تكسير الأظافر، كسر اليد عمداً ( مع علمهم أن كسر اليد لا يقتل الانسان). التجويع لمدة طويلة، الحرمان من الماء لمدة طويلة، الحرمان من الدخول لدورة المياه مدة طويلة، الصلب والتوقيف والمعتقل مربوط إلى الحائط من يديه المقيدتين إلى الخلف ومكان الربط عال عن مستوى الجسم، وابقاء المعتقل في هذا الوضع ست ساعات، عشرة وربما أيام. حرمان المعتقل من النوم أيام عدة أو من الأغطية والفراش أثناء النوم ليظل يعاني من البرد وقسوة الأرض، تعصيب العينين أيام متواصلة دون أن يرى الانسان النور. ارغام المعتقل وبالقوة للجلوس على زجاجة، أو وضع عصا في فتحة الاخراج، وضعه في أوضاع صحية قاسية لمدة من الزمن دون علاج، وضعه في ساحة واطلاق الكلاب عليه فتنهش كل أجزاء جسمه، وضع كلاب معه في الزنزانة. ضربه بعصا قوية على رأسه وشج رأسه عدة مرات، واذا كان جريحاً توسيع جراحه، واذا كان جرحه معالجاً بعملية جراحية، يزيلوا القطب ويجرحوه ثانية وربما عدة مرات كما حصل مع العديد من المناضلين الجرحى في سنوات 67-72، واذا كان جريحاً أيضاً عدم ارساله للعلاج، أو ارساله للمستشفى والتحقيق معه وتعذيبه في غرفة المستشفى كما يحصل عادة في سجن الرملة. والفتيات يتعرضن لكل أو بعض ما ذكر أعلاه كالرجال مع تخريب مظاهر جمالية لديهن. وهذا فيض من غيض. وقد يستخدم كله أو بعضه في جولات التحقيق اعتماداً على خطورة التهمة أو المناضل نفسه.
هذه وحشية الاحتلال وكل السلطات الرجعية في كل مكان، وهذه أشكال التعذيب التي يصمد لها الأبطال المكافحين بثبات وتصميم ويفشلونها تماماً ولا يحصل العدو منهم على بنت شفة.
ان ادراك المعتقل لغايات الارهاب والتخويف المصحوبة بأشكال وألوان التعذيب المختلفة تعتبر خطوة هامة وحاسمة على طريق الصمود، فالمحقق يهدف إلى اخضاع المعتقل، أما المناضل الذي يصمم على ضرب مثال بطولي في الصمود والتضحية، وعدم الرضوخ مطلقاً مهما كانت الأساليب، ومهما كانت درجة التعذيب، فإنه سيدرك ابعاد التهديد والارهاب ويرد على المحقق (... افعل ما تشاء ... هذا لا يهمني... اضرب.. ارسلني الى السجن العسكري لا بأس... هات الكلاب ... اعطني السم الذي تتحدث عنه ... علق لي مشنقة هذا افضل ... ان شئت ان اساعدك في الضرب واضرب رأسي في الحيط .. كل شيء لا يهم المهم أنني لا أعرف شيئاً).
لقد تعرض العديد من المناضلين لأصناف من التعذيب تعجز عن الوصف، من شدتها وقسوتها وطول مدة وقوعها، في سجن صرفند، وفي المسكوبية، والخليل، ونابلس، وتعرض رفاق مكافحين لقساوة التعذيب لهذه الاشكال من العسف، وليس لديهم من سلاح يقي جلودهم سوى صبرهم وايمانهم، وانتصروا على جلاديهم، هذه تجارب ودروس الثوريين، هذه المواقف دفعت وتدفع الجلادين في البداية لزيادة وحشيتهم، وفي النهاية لليأس والتسليم، فلا الجلوس على المسامير، ولا الجلد بالقضبان لفترة طويلة يكفي لزعزعة صمود الابطال وتحريك ألسنتهم ما دامت هذه طبيعة الصراع. والتحقيق يخلق الأبطال والرموز الثورية.
ولو كانت أساليب الارهاب هذه مجدية تماماً ولو كان الضرب وسيلة تعطي الثمار الحتمية لاستخدمت لوحدها دون غيرها، فهي لا تحتاج إلى كفائة عالية وتدريب خاص فبإمكان أي انسان أن يحمل العصا ويضرب، وأثناء الضرب يشتم ويصيح، ويهدد ويتفوه بأبشع الألفاظـ وبالتالي يصل إلى أفضل النتائج. غير أن الواقع يختلف، ونجاعة هذا الأسلوب ولّى زمانها ولم تعد تنفع شيئاً مع المعتقلين السياسيين الملتزمين الأقوياء في انتمائهم المستعدين للتضحية ببعض الآلام أثناء فترة التحقيق.
ان صبر المناضل، وعدم اكتراثه، وعدم لجوئه إلى طلب الرحمة -علما أن هذا الطلب غير المجدي و فقط يشجع المحقق على الاستمرار. ولا يظهر السجين أي قلق أو تذمر، والاستمرار في الصمود سوف يجعل المحقق يدرك أنه فاشل وأن أسلوبه لا يمكن أن يعطي الثمار بل سيخشى من زيادة الهوة بينه وبين المعتقل، وبالتالي هو الذي يصل إلى حالة التردد، و يدفعه إلى التوقف في النهاية لينهي التحقيق أو يتبع أساليب أخرى يسهل افشالها، بعد أن يكون المعتقل قد تناول جرعة قوية من الصمود، فقط يظل المحقق يهدد باللجوء إلى العسف بين المناسبة والأخرى ليدرس ردود فعل المعتقل.
سيستمر المحقق في التهديد باستعمال العنف والعسف فقد يلجأ بعد احدى الجولات الفاشلة إلى التظاهر بأنه الآن مشغول والا لما أوقف الضرب وأنه سيعود له مرة أخرى قريباً، فيقتاد المعتقل ويضعه في زنزانة قريبة للانتظار، وقبل أن يتركه يهدده بأنه سيعود قريباً وسيستمر في ضربه هذه المرة بأشد كثيراً من المرات السابقة إلى أن يشوهه أو يعترف.
وأن الانكار هذا تياسة ولن يجلب له الا التعذيب وصور الارهاب التي شاهدها، وان هذه فقط هي البداية، والمخفي أعظم، ثم يغلق عليه الباب وينصرف. وبعد قليل يأتي بشكل تمثيلي ثم يفتح الباب ويغلقه (ظاناً أن أعصاب وحواس المعتقل ستظل مثارة وفي حالة وجل، ويكرر هذه الفعلة بضع مرات، أحياناً يدخل عنده ويلكمه على بطنه، ثم يتظاهر بأن أحداً استدعاه، ويعود مرة أخرى وأخرى ويقول له بأن الوقت قد حان للبدء، وفي مرة أخيرة يقتاده من الزنزانة ويبدأ بلكمه وضربه واعداده مادياً للتعذيب فإذا لاحظ أي ضعف فإنه سيواصل، واذا لاحظ الثبات والصمود فسوف يلقي على مسامعه بضع كلمات فيها الوعيد والتهديد ويعيده إلى الزنزانة.
إن المحقق يعتقد أنه بواسطة هذه التمثيلية سوف يزعزع ثبات المناضل. أما المناضل الصابر فإنه سيستريح أثناء فترة الانتظار هذه ولن تهمه كل المسرحيات. وأحياناً يلاحظ المحقق أن المعتقل غير مكترث من هذه الأفلام فيوصي باعادته إلى الزنزانة دون أن يستدعيه وينتهي الأمر، وتنتهي جولة مهمة جداً وهي أخطر جولة في مراحل التحقيق المختلفة هذه الجولة التي قد تستمر يوما اثنين أو ثلاثة وربما أسبوع متواصل هي في الغالب الجولة الحاسمة في مراحل التحقيق وهي التي تدخل إلى نفسية المعتقل معنى جديدا للصمود، وتدخل إلى نفسية المحقق حالة اليأس ومقدمات الفشل.
ومن الملاحظ مما ذكر أعلاه أن فترات الانتظار في زنزانة قريبة، أو تنبيه المعتقل بأنه مطلوب للتحقيق، ومن ثم تأجيل بداية الجولة معه، من الملاحظ أن هذه الفترة هامة بالنسبة للمحقق ويراهن عليها كثيراً، ويمكن أن يطيلها يوما أو يومين وربما أكثر وخاصة عندما يضع المعتقل في مكان صعب ووضع صعب، معصوب العينين مقيد اليدين والقدمين، مربوط إلى شيء ما، أو ملقى على الأرض في وضع متعب وجو رطب ومظلم، وبين كل فترة وأخرى يأتي المحقق، ويمارس شيئاً، أو تأتي مجموعة من الجند بشكل تظاهري وتأخذ في التهديد محاولة فتح الباب والدخول إلى المعتقل، وممارسة أشياء أخرى كأن يظهر شخص في الغرفة المظلمة بعد وضع المعتقل بفترة من الزمن وكأن الأرض انشقت عنه... الخ. إن هذه الترتيبات والجهود تهدف إلى خلق مناخ الرعب والخوف وزعزعة الاركان بشكل متواصل، وعلى الأقل الاستمرار في تنبيه أعصاب المعتقل وعدم اعطائه أي فرصة للراحة." (اما أنا) يقول المعتقل (فهذا وقت الاستراحة من جانبي وسأحافظ على توازني وانسى كل شيء إلى أن يطلبوني لشيء آخر) وبالتالي تذهب كل جهودهم وترتيباتهم سدى.
أي أن المعتقل الذي يعي الأوضاع المحيطة به سوف يعرف وببساطة حقيقة الأفلام المحبوكة حولة، ويكتشف اللعبة، اذ، كان لديه تصور مسبق عنها. ان مجرد معرفة هدف المحقق هي نصف الطريق في التحقيق. وبالتالي سيفهم اللعبة من وجهة نظر أخرى، وسيتعامل مع كل فترات الانتظار على أنها فترة راحة لاعادة الحساب وتجديد العزم والهمة دون خوف أو وجل. ولن يفسح المجال أمام المحققين وخططهم لتركيم الآثار والنتائج الحاصلة في جولات التحقيق السابقة.
فالمحققون يسعون وفي كل جولة لاحداث أثر ما سواء نجحت جزئياً أم فشلت كلياً، فهم قد مارسوا أشكال أخرى من التحقيق، وأساليب أخرى كالتهويل، والتشكيك، وغير ذلك، وبعد جولة الضرب القاسي أو بدونها يتركون المعتقل في فترة الانتظار متيقظاً حتى تفعل آثار الجولات الأخرى فعلها مع الخوف من المستقبل المجهول فيقع المناضل في المصيدة. ان المحقق سينظر للمسألة على الوجه التالي: شرحنا له كل ما يلزم، ووضعناه نفسياً ومادياً في جو التحقيق الارهابي، وضربناه ساعتين متواصلتين، وشككناه بقيادته وبانتمائه، وتركناه يعيش على أعصابه في حالة توتر واثارة شديدتين، ولم يبق الا القليل حتى يرفع يديه ويستسلم ويعترف ويدلي بكل ما عنده.
أي أن المحقق يربط نتائج مراحل التحقيق وأثارها الجسمانية والنفسية مع بعضها البعض، وهو يتبع نسقاً محدداً أو مفهوماً لديه، ويغير أساليب التحقيق بتوالي معين وملائم قبل أن تنكشف، ويغيره من مرحلة لأخرى حتى لا يبقى المعتقل في وضع واحد قد يساعده على الاستقرار ... ومن ثم قد يلجأ إلى أشد أشكال العنف والقهر لساعة او ساعتين ثم يغير...
أما المناضل الواعي، المرتكز على أرضية صلبة من التصميم والصلابة والصمود والتحدي فإنه سينظر للمسألة من زاوية أخرى علمية وصحيحة 100% وليست مجرد تخمينية كما يقول المحقق: (أفشلت أساليب التحقيق التي اتبعت واحداً واحداً ) فهو يصبر أثناء الضرب مهما كانت قسوته، ويتعامل مع فترات الانتظار على أنها فترات راحة، فإن أعيد للضرب مرة أخرى لن تكون هذه الخطوة أكثر من تكرار لما حدث قبل بضع ساعات من الضرب والتعذيب دون تواصل حسب فهم المحقق، بل يتم التواصل والدمج بين الصمود في المراحل ويدرك ماذا يعني المحقق عندما يبسط له قضيته ويستهين بها على أنها لا تستحق كل هذه المعاناة، ويزداد صلابة ... أي أنه يفسخ الروابط بين أساليب التحقيق بردود فعله الصامدة مما يفقدها أثرها التجميعي.
ان أساليب الارهاب التي يتبعونها مع المعتقل ويوهموه بأنها ستستمر إلى يوم القيامة، ستنتهي وان التحقيق نفسه سينتهي، ولا يوجد من هم قابعون في أقبية التعذيب أبد الدهر. ان التحقيق سينتهي يوماً ومع نهايته ستنتهي أشكال التعذيب والارهاب، والمعاناة الجسدية والنفسية، ولكن هل ستنتهي معه شخصية المناضل وكرامته الثورية؟. هل سيعترف ويدلي بما لديه ليصبح في نظر المخابرات ليس أكثر من كيس نفاية بعد أن كان بطلا في المراحل السابقة؟
وينظر لهذا الصمود في المرحلة الحالية على أنه غذاء روحي يعزز نفسه فهو يفهم أساليب التشكيك ويسخر منها، ويرى نفسه وهو مغلق شيئاً رهيباً يستحق كل هذا الاهتمام؟
أما ما يتعلق بشدة الضرب والتعذيب فإنها ستستمر كلما لاحظ المحققون أنها ستعطي ثمارها، وكلما اعتقد المحقق أن مزيداً من الضرب يعني مزيداً من الانهيار والاعتراف. أما المناضل فسيظل يقول (سأصبر ساعة أخرى، وأخرى إلى أن يكفوا) وهم بالفعل سيكفوا لدى ملاحظتهم عدم الاكتراث للارهاب والتعذيب.
وفي حالات ونماذج عديدة وعندما يكون المناضل تحت التعذيب القاسي فإنه يتصور ويتذكر أهله ورفاقه ويتمنى أن يعرفوا أنه وهو في أشد الحالات يتذكرهم وأنه لن يبوح بأي شيء يمسهم من قريب أو بعيد، وأنه سيظل المناضل الذي عرفوه يساهم في بناء التجربة الثورية ويشارك في رعايتها، وفي التحقيق يصونها، يحميها بكل ما لديه من عزم وتصميم ولا أهمية لما يحدث لجسده وما يعانيه من آلام.
ومع استمراره في الصمود يفتش المحققون عن أساليب أخرى أقل بطشاً جسدياً وأكثر أهمية نفسية .

3- تبسيط القضية:
قبل كل شيء لا بد من الاشارة الى أن هذا الأسلوب لا يمكن أن يكون ذا جدوى بأي حال من الأحوال رغم كل التركيز والمهارة في استعماله، الا مع من هم على استعداد للاعتراف، أو البسطاء الجهلة بالتحقيق وأساليب التحقيق، الذين يسهل خداعهم، وتضليلهم، فهو ليس من مصيدة حظ ، ان جاز الكلام كان به والا لا حول ولا.
علماً بأنه يمكن استخدام هذا الأسلوب في بداية التحقيق أو مع التشكيك والارهاب، أو بعد جولة قاسية فاشلة من الارهاب والتعذيب. ان امكانية استخدام هذا الأسلوب تظل معقولة مع جميع المعتقلين وأصنافهم وفي أي مرحلة من مراحل التحقيق بعد جو من التهيئة ، أو استغلالاً لجو قائم.
والتبسيط هو تقليل حجم القضية التي يجري التحقيق حولها، أو تبسيط خطورتها على الأمن أو خطورة نتائج الاعتراف بها على المناضل، أو في حالات أخرى تبسيط وتقليل حجم الاعتراف المقدم من قبل المعتقل بالقياس لما هو مطلوب منه.
وحتى ينجح هذا الأسلوب لا بد من خداع المعتقل ،حيث يشرح المحقق ما معناه: قضيتك بسيطة ولا تستحق كل هذا التعذيب، ولو كنت مكانك لما كنت عنيد مثلك، كلها كلمتين (وخلصنا)، وأساساً حرام أن تكون أنت في التحقيق لهذه المدة وتدخل السجن بقضية كهذه (والله ما انا عارف لماذا حبسوك بقضية من هذا النوع) احسن اعترف حتى نبحث لك عن حل، لو أنك اعترفت أمس لكنت اليوم في البيت... ونحن من جانبنا لا نستطيع تقديمك لمحاكمة ونحكمك على قضية بسيطة كهذه أو أن قضيتك بسيطة وكلها ست شهور وتذهب للبيت وأنا سأساعدك وهذا أفضل من أن تخسر يداً أو رجلاً طول حياتك، أو تنخلع عينك أو تعجز جنسياً وتصبح مثل (المرأة). لم العناد.. نحن نعرف أنك لم تفعل شيئاً يمس بأمن الدولة. (وبفرض أن لدى المحقق بعض المعلومات) أنت فعلت كذا وكذا وهذه بسيطة، وفلان قال لك اعمل كذا وانت رفضت ليس في ذلك شيئاً ...هذه مسألة بسيطة ولا أريد أن أقدم فيها تقريرا للمسؤولين أو هذه مسألة بسيطة وأنا نفسي الذي سأقدم التقرير وسأكتبه لصالحك واذا لم تتعبني سأساعدك،
ويقول أيضاً ليس لدي وقت لقضية كهذه وأريد أن أذهب إلى البيت اذا تكلمت وساعدتني ولم تعطل ذهابي لبيتي وأولادي فإنني سأقف إلى جانبك ... وأيضاً... انت عامل نفسك صامد ... انت غلطان فلان مسؤول المجموعة اعترف، وضع كل ما لديه على الطاولة، وافرجنا عنه وماذا سنفعل بك انت أو ان قضية فلان المسؤول لا تستحق أكثر من خمسة أشهر سجن، فكم شهراً ستقضي أنت؟ ... اننا سنبقيك خمسة أشهر في الزنزانة اما اذا اعترفت فاما أن تعيش مع المساجين ثلاثة أشهر أو ربما نفرج عنك فوراً ... ونريحك من العصا والتعذيب والسجن ... نحن نعرف عنك كل شيء، والمعلومات وصلتنا من القيادة من الشام قبل ثلاثة شهور، ولو لاحظنا خطورة لاعتقلناك من قبل لكن مسألتك بسيطة... (واذا كان استخدام هذا الأسلوب بعد جولة قاسية من التعذيب والتهديد بتكرارها يلجأ المحقق إلى تبسيط القضية إلى أدنى حد ممكن، وتهويل التعذيب إلى أقصى حد ممكن بحيث أن قضية كهذه لا تستحق كل هذا التعذيب، وان التعذيب القاسي ينتظر الجميع وحتى ولو كانت قضاياهم بسيطة الا اذا اعترفوا .. وحتى تبسط القضية في جو من التشكيك لدرجة أنها لعبة مدبرة من السابق وليس فيها أي شيء أمني وأن مجرد الاعتراف وهو الحل الأمثل يعني نهاية المعاناة والسجن !!
ان استمرار التركيز بهذه العبارات أو بعضها أو مثلها إنما يهدف إلى حشر المناضل في الزاوية، زاوية مريحة له ظاهرياً (فمسألته بسيطة!!) وحصر تفكيره وخياراته بين أن يقول شيئاً قليلاً ولا أهمية له وبين أن يظل في أقبية التعذيب أبد الدهر. بين أن يقول يعضا مما عنده لهم ويرتاح، وبين أن يقضي في التعذيب، أو يمضي مدة طويلة في الزنازين ومسؤوله في الخارج بعيد عن الخطر .
وبمعنى آخر يهدف التركيز بهذا الأسلوب لزعزعة تصميم المناضل وثباته، ودفعه لربط نتائج جولات التحقيق كلها معاً بحيث تبدو في نظرة مرعبة ومؤثرة يخشى استمرارها ويفضل الاعتراف لهؤلاء الناس اللطفاء الحكماء الذين يحبون مصلحته، ولولا أنهم يحبون مصلحته لما نسفوا بيته واعتقلوه وعذبوه!.
وحتى يحققوا نتيجة خلق الترابط بين نتائج جولات التحقيق السابقة فقد يلجأ المحقق إلى ضرب المعتقل، وتشكيكه محاولاً التأثير عليه نفسياً بهذين الأسلوبين مثلاً، وحينما يعتقد المحقق أن المعتقل أصابه بعض التأثير ولكنه يخشى الاعتراف خشيته من التعذيب، فإنه من الممكن أن يلجأ للتأثير عليه وعلى نفسيته بطريقة أخرى تهدف إلى تشجيع المعتقل على الادلاء بأشياء بسيطة كي يستخدمها المحقق كنقطة انطلاق جديدة لجولات لاحقة... بعد أن يزيل الخوف من القضية وحجمها وخطورتها عندما يعتقد أن المعتقل لا يريد الاعتراف خوفاً من النتائج.
ان التبسيط على هذه الصورة وضمن هذه الاجراءات يهدف إلى دفع المعتقل للتفكير في ذاته والتفكير بعقلية تجارية على طريقة المكسب والخسارة والموازنة : (ما الأفضل أأبقى تحت أشكال التعذيب القاسية أم أقول شيئاً بسيطاً وأستريح) ومجرد أن يلاحظ المحقق أن المعتقل يتفكر في الأمر ينهال عليه بحملة التشكيك والتبسيط وحركات ارهابية وبهلوانية (بيع، خلص، انكشفت ... كلها بسيطة... لماذا هذه التياسة... بيع أحسن لك ... حط على الطاولة والباقي عليّ... اليوم هذا تروح لامك... الليلة هذه تنام عند أولادك .. لماذا تظل في التعذيب .... بيع وارتاح.. كلها كلمتين وينتهي التحقيق ... كلها بسيطة ...) ويستمر المحقق في ايهام المعتقل ويستخدم بعض الحركات فيجلس على الطاولة، وينزل عنها بشكل مفاجئ ويقف وراء المعتقل، ويصيح، محقق آخر يمسك يده ويترجاه أن ينتظر، (لماذا الضرب، اتركه لي .. سيقول كل شيء) يذهب الآخر ويحمل عصا ويضرب بها الأرض، يزيح كرسي بعصبية ... يحضر سلاسل وقيود... يطفئ النور، وآخر يشعله). وعبر كل هذه الحركات يستمر التركيز وبشكل واضح على أن القضية بسيطة، وأن المعتقل بنفسه غير مهم وقضيته معروفة وحجمها معروف ولا تستحق كل هذه الغلبة.
وعبر حملة كهذه، عبرة تمثيلية كهذه قد ينهار البعض؟!! قد يقع واحد في الفخ، أو تزل قدمه! فالناس أجناس! أو لأن المحقق يقول بأنها بسيطة فلماذا الصمود إذن؟!
قد يقول المحقق عن أي قضية بأنها بسيطة، قد يتهم المعتقل بأعمال مسلحة، ثم يوجد لها تبرير من عنده ويطرحها على أنها بسيطة، قد يكون لدى المحقق اتهامات عديدة، يغفلها كلها ويتناول واحدة منها ويستمر في الايحاء بأنها بسيطة وليست مهمة، قد يتناول حدثاً واحداً كالاتصال بالمنظمات ويظهره على أنه أمر عادي وعابر وغير مهم ويطالب المعتقل باقراره لتكون البداية - متى اتصلت، كيف، من طلب منك الاتصال، من أعطاك العنوان، وماذا جرى في الاتصال ثم ماذا استتبع ذلك وهذه مقدمة ناحجة جداً وتكفى لاستمرار التحقيق مدة أطول، وتكفي لتقوية اندفاع المحققين ورفع معنوياتهم.
قد يقول المحقق عن أية قضية بأنها بسيطة ويتابع الفلم مضيفاً إليه ومطوراً مع أيّ معتقل.
ولكن كيف يفهم المناضل العارف بالمحققين وأساليبهم هذه الجولة؟ سوف لن يعير هذه الألاعيب أية اهتمام وحتى لن يتابع حركات المحققين، وماذا يهمه أن يقول المحقق عن قضيته أنها بسيطة، وقليلة الحجم، وأنه هو بنفسه لا أهمية له، وهل لهذا الطرح علاقة بصمود المعتقل الثوري المؤمن بعدالة قضيته؟
ان المحقق يلجأ لهذا الأسلوب معتقداً بنجاعته، ولا يهمه أن يستمر في استخدامه بضع ساعات وربما بضع أيام، وربما يكرره مرة أو مرتين فهذا أحد أساليب التحقيق، ويرتجي منه أن يعطي نتيجة مباشرة أو غير مباشرة، والمعتقل الذي يستطيع ببساطة المحافظة على هدوئه في الرد على هذا الأسلوب يكفي أن يظل ساكتاً عن قصد، حتى يتفرج على المحقق، يلف ويدور، يصعد على الطاولة وينزل، ويمارس لعبته بنهم وحماس معتقداً أن بضع حركات أخرى كافية لسحق صمود المناضل، أو بضع كلمات أخرى كافية لخلق جو من التفاهم والانسجام حول الهدف أو على الأقل خلق البداية للتفاهم المشترك، وبينه وبين نفسه يتفرج على الممثل المنهمك ساخراً منه ومن حركاته البهلوانية ساخراً منه بصموده العنيد حتى يعتقد المحقق في النهاية أن الأمر مستحيل، وأن اللعبة انكشفت، وربما ومن خلال استمرار الصمود الهادئ يدفع المحقق للشك في نفسه وفي أساليبه، أو التردد في الحكم على الواقعة وهل المعتقل يصمد؟ أم ليس لديه شيء؟ ومن ثم يسعى لامتحان نفسه ونتائجه بل لمعرفة أي الاحتمالين الأصح ومحاولة التأكد حتى يكتب تقريره بالنتيجة التي وصل إليها لرؤسائه.
ان هذ الأسلوب ليس سخيفاً بمعنى الكلمة، فهو لا يستخدم في الفراغ، والتحقيق ليس مجرد تمثيليات من حول المعتقل. ان التحقيق ممارسات و خدعاً وألاعيب يعول عليها المحقق علها تعطي نتيجة، واذا كان من السهل افشال هذه الالعاب فإنه يجب أيضاً افشال أسلوب الارهاب وان اختلفت الحالتين، وطريقتي الافشال: فاذا كان افشال الارهاب يعتمد على تحمل الألم وتجاوز حاجز الخوف، واذا كان المناضل يتعرض خلال نهج الارهاب الى كل صنوف الضرب والتبشيع ويصمد، واذا كان كسر اليد وشج الرأس لا يبرر الادلاء بأي معلومات، فكيف تكون تمثيلية مدبرة ومعروفة سلفاً قادرة على تشتيت تماسك أفكار المناضل ونفسيته وسحق صموده؟
ان المناضل يستطيع حتى منع المحقق من الاستمرار في هذا الأسلوب ببضع كلمات، ويرد عليه وعلى أفلامه (القضية بسيطة أو غير بسيطة ليس عندي ما أقوله وأفعل ما شئت)، (ليس المهم أن القضية بسيطة أو غير بسيطة المهم أنه لا توجد لي قضية) وأية حركات وردود حتى يدرك المحقق فشل الأسلوب.
أما اذا وقع البعير فستنكسر ساقه... اذا فكر باعطاء شيء بسيط يتناسب مع جو التبسيط المحيط فسينهال عليه المحقق من جديد –( قلنا لك من زمان نحن نعرف كل شيء، وكنت تصر أنك بريء... ضع كل ما عندك على الطاولة والا الموت).. حيث سيزداد الأمر صعوبة ولا يتم الانسحاب من الموقف والعودة للانكار الا بعد ثمن آخر من التضحية، ولكن اذا ثبت المعتقل العودة الى الانكار مرة أخرى فستكون صفعة قوية للمحقق وأساليب التحقيق ومراحل التحقيق.
كغيره من الأساليب ومتوحداً معها يواجهه المعتقلون المحترفون بصبرهم وصلابتهم وتماسكهم وينتهون من مرحلة أخرى في التحقيق على طريق الانتصار . فهم يدركون ان نعومة المحقق أحياناً ما هي الا حيلة للحصول على الثمن، عدد آخر من الرفاق، وكمية من الأسرار، أي ضربة قوية للحزب والثورة. فيستبدلون ذلك بتضحية من لحمهم ودمهم ليعززوا حزبهم وثورتهم.

4- أسلوب التهويل والتضخيم:
بخلاف أسلوب التبسيط الذي يهدف الى الايقاع بالمعتقل من خلال ايهامه ببساطة قضيته، أو بالحجم القليل لاعترافاته، أو حتى بالاستخفاف بحجمه النضالي فإن أسلوب تهويل قضية وتضخيمها، وتهويل حجم المعلومات المعروفة عنه، ودرجة خطورته الكبيرة إنما يهدف إلى محاصرة المعتقل، وتصوير وضعه بأنه وقع في الفخ ولا خلاص منه.
ان أسلوب التهويل هو ممارسة تهدف إلى المساس بنفسية المعتقل وبلبلة وضعه في التحقيق كمقدمة للاجهاز عليه .هذا الأسلوب الذي قد يبدأ به المحقق مع بعض النوعيات من المعتقلين، ولكن في الغالب يأتي في سياق مراحل التحقيق وبعد درجة من التهيأة بحيث يعتقد المحقق أنه وضع المناضل في المناخ المطلوب والذي يمكنه من خلاله مهاجمته ببعض الحيل والخدع والمظاهر، وربما بعض الحقائق لاسقاطه وانتزاع الاعترافات منه.
ان المحقق يتعامل مع كيان محدد أمامه ومفهوم لدرجة معينة، محدداً ومفهوماً وفقاً لمعلومات وتقديرات وفرضيات يصوغها المحقق عن شخصيته ونوعية ودرجة صلابته ومعرفة ما يمكن أن تكون نقاط ضعفه ونقاط قوته، ثم يبدأ تجاربه مع هذا الكيان المحدد افتراضياً، وخلال فرضيات جديدة أو تعديل فرضيات سابقة، أي أنه يحاول استجلاء الغموض الذي أمامه.
أن الافتراضات التي يعتمد عليها في صياغة شخصية المعتقل وتحديدها لا تلغي بحال من الأحوال حالة الغموض العامة التي ينطلق منها المحقق في تكوين الصورة الافتراضية عن المعتقل. وهنا يمكننا القول أن المحقق يخوض مع نفسه معركة معرفة ، أهم شروطها المعرفة الأولية لخصمه، ومعرفة صحة افتراضاته عنه وعن تكوينه الشخصي والنضالي ودرجة اعداده وفهمه وعقائديته وصلابته وصموده، وقد لا ينجح المحقق مطلقاً في استجلاء الصورة ومعرفة ما خلفها حتى ولو حصل على بعض الادانات أو بعض المعلومات.
فيظل المعتقل سراً مغلقاً في الحقيقة، ومكشوف بصورة مغلوطة. وقد يظل المعتقل سراً مغلقاً في الحقيقة ومكشوف خطأ بصورة افتراضية بحيث أن المحقق يتعامل مع الصورة الافتراضية التي لا تتطابق مع الصورة الواقعية. والمهم في الأمر أن المحقق يستخدم أساليبه، ويضع خططه بناء على الصورة الافتراضية التي تقترب قليلاً أو كثيراً، أو تبتعد كثيراً أو قليلاً عن صورة شخصية المعتقل الحقيقية، علماً بأن شخصية المعتقل في التحقيق وعبر مراحله المختلفة، والأساليب المتبعة قد لا تظل ثابتة وذلك بسبب تغير العامل النفساني والصحي الجسدي. وهذه التغيرات قد تمس شخصية المعتقل وثباته كلياً أو جزئياً، بحجم مؤثر لصالح المعتقل أو قليل الأثر بقدر عزيمة واستعدادات المعتقل نفسه.
وفي مرحلة افتراضية معينة من أحوال وشخصية المعتقل يلجأ المحقق لاستخدام هذا الأسلوب أو ذاك بقدر مطابقته للوضع النفسي والجسدي في هذه المرحلة وقد يكون المحقق مصيباً وقد يكون مخطئاً 100%.
وما يتعلق باستخدام أسلوب التهويل: فإن المحقق يستند غالباً إلى نتائج وتوالي اتباع الأساليب الأخرى، وما يفترض أن تكون قد سببته من أثر تجميعي على نفسية المناضل وصموده وتكوينه النفسي وعلى ارتباطاته الاجتماعية والسياسية والايديولوجية وذلك حتى يكون لعبارات التضخيم والتهويل والارهاب مفعولاً يعطي ثماراً.
فعندما يأخذ المحقق في تصوير القضية على أنها خطيرة جداً، وأن المعتقل نفسه من أخطر الناس الذين تم اعتقالهم، وأنه يواجه مصيراً شديد القساوة، وأن كل التعذيب الذي لاقاه ما هو الا نقطة من بحر، وأن المحققين يعرفون عنه كل شيء وأشياء كثيرة جداً جداً، وأنهم كانوا بانتظاره مدة طويلة كان يخضع خلالها للمراقبة اليومية، وأن مئات التقارير كتبت عنه، وأن هذه الملفات الموضوعة على الطاولة كلها عنه وعن كل نشاطاته بل عن كل تصرف من تصرفاته في البيت والشارع ومع الأصدقاء والأصحاب والرفاق وحتى كل ما فكر به.
وأن عملائهم راقبوا كل خطوة من خطواته، وأن معتقلين عديدين سبقوه قد أدلوا عنه بكل ما عندهم من معلومات كلها رهيبة وكبيرة، وحتى تقارير قيادته الكثيرة أشارت إلى درجة خطورته، وبالتالي فإن أشكال عديدة من التعذيب تنتظره.
بفرض أن المعتقل وأثناء التحقيق معه قد أدلى ببعض المعلومات وكتب افادة، والمحققون يريدون التأكد من الوضعية التي يتعاملون معها ويريدون اللجوء إلى أسلوب التضخيم هذا: فإنهم سيهاجموه من نفس الزاوية بأن يهمشوا كل المعلومات التي قدمها، وأنها لا تساوي 5% من ما عنده، وأنهم فقط أرادوا تثبيت ادانته عندما رضوا بافادته الماضية، (أما التحقيق الحقيقي فيبدأ من هنا) وان (عليك أن تضع كل ما عندك) والا والا، (وفقط ما حصل هو البداية).
وقد يستفيد المحقق من هذا الأسلوب بأن يضع المعتقل المعترف في موقف يسعى فيه للخلاص من التحقيق عن طريق الادلاء بمعلومات جديدة وزيادة خطورة الادانة وخطورة الاعتراف ويعتقد أيضاً بأنه مهما أدلى بمعلومات فلن تكفي نهم المحققين ويزداد وضعه سوءاً وقد يختلق أشياء كثيرة أو يتبرع بأشياء لم يسألوه عنها فيزداد انهياره وتزداد شراهتهم وصلافتهم ووحشيتهم وعنفهم لابتزاز المزيد إلى أن يبلغ المعتقل درجة لا يستطيع أن يقدم فيها شيئاً، وتتمزق شخصيته أمام جلاديه ويصبح شيئاً فارغاً لا قيمة له.
وفي الحالتين المذكورتين أعلاه: حالة اتباع أسلوب التضخيم قبل الادلاء باعترافات، أو بعد الاعتراف سواء الجزئي أو الكلي فإن استخدام هذا الأسلوب لن ينفع دون أن تكون نفسية المعتقل مهيأة لقبوله والانسجام معه، فكيف يصدق المعتقل أن قيادته قدمت عنه تقارير كثيرة، قبل أن يخامره الشك في سلامة هذه القيادة، وكيف يصدق أن الأضابير الضخمة الموضوعة على الطاولة هي تقارير ومعلومات عنه اذا لم يصدق بأنه كان مراقباً ليلاً ونهاراً وأن المخابرات والمباحث كانت مشغولة به ليلاً ونهاراً وأنه بالتالي خطير (ربما وهو لا يعلم!!) بمعنى آخر فإن أي خطوة للأمام يحققها المحقق في صراعه مع المعتقل عبر هذا الأسلوب مرهونة بقدر الخطوات التي حققها عبر الأساليب الأخرى السابقة، وفكرة المحقق عن حالة المعتقل قبل اللجوء لهذا الأسلوب.
واذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الموقف في التحقيق هو مسؤولية المناضل بالتحديد لحماية كل ما يمكن أن يتعرض للخطر والاضرار بسببه، واذا ما افترضنا أن المناضل يدرك ذلك، فإن لجوء المحقق لأسلوب التضخيم لن يكون في صالحه، لأن المناضل ستتعمق لديه احساساته بالمسؤولية أكثر فأكثر مما يزيده صلابة وصموداً، أي أن هذا الأسلوب أو غيره من الأساليب يحوي في طياته ما يفشله، ويعطي نتائج مناقضة لرغبة المحقق وأهدافه.
ما الذي يمارسه المحقق لانجاح هذا الأسلوب؟
جملة الألاعيب والحيل والخدع مقرونة بما يتطلبه الوضع من ارهاب، أو اقناع، أو نصائح، فقد يلجأ المحقق وبعد حملة مقدمات للخروج من قبو التعذيب ليعود حاملاً رزمة كبيرة من الأوراق ضخامتها واضحة ويضعها على الطاولة بشكل تمثيلي ويقول للمتهم (هنا في هذه التقارير القليل من المعلومات عنك) .. يفتحها... ويأخذ في تقليب الصفحات متظاهراً بأنه يدرسها ويتذكر ... وفجأة... (أنت قبل أسبوع كنت في نابلس والتقيت مع ..؟ لا أريد أن أقول لك الآن. وانت وفلان أصدقاء جداً جداً جداً.. هل تتذكر يوم ذهبت رحلة إلى الجولان؟.. مع من تحدثت يا بطل؟.. ثم يفتح اضبارة أخرى ... وبشكل جاد يسأل.. جلس معك شخص من هو؟.. والشخص الذي عرض عليك التنظيم كنت معه في ... في أي مكان؟! قل أحسن لك ... ترددت في الأول... ولكن ... لا. لن أكمل.
وقد يعرض المحقق بعض الحقائق من الحياة اليومية ثم فجأة يطوي الأوراق ويسأل بعصبية ... دعني من كل هذا الآن، احكي لي عن الأسلحة هذا ما يهمني الآن. الجرافات جاهزة لنسف البيت وليس لديك الا قليل من الوقت، نصف ساعة اما أن تقول واما أن تبدأ الجرافات .. الأسلحة ليست في البيت ولن ننسفه اذا سلمتها والحق عليك .. الكرة في ملعبك ... الأمر مناط بك ... البيت أم الأسلحة ... لا تتردد..)
وينساق الانسان الساذج وراء تتالي المعلومات، ومفاجآت الأسئلة والروايات العادية، ويتفاعل معها،وقد يعتقد أن المحقق علام الغيوب، وأن كل الناس متآمرة عليه وأنه في الدنيا وحيداً مقطوع الجذور وضعيفاً أمام كل هذا الجبروت ... (صحيح، فلان جلس معي... وترددت فعلاً عندما عرض علي التنظيم.. وربما لا يكون قد تردد ولكنه يفترض ذلك انسياقاً ولكنه لسذاجته اعتبر أن كله واحد) صحيح، نحن جلسنا في المطعم وشربنا شاي (انهم يعرفون كل شيء)، كيف عرف أن فلان هو الذي دفع الحساب ولماذا لم يقل اسمه؟ والمصيبة الكبيرة كيف عرف عن الأسلحة ولماذا سألني عنها اليوم ولم يسألني الأمس لقد كان يخدعني واذا لم أعترف فسيحطمني من التعذيب... والبيت... لا ان الأسلحة ليس في البيت كما ذكر.... هل أتركه ينسف البيت... ألا يكفي أنني في السجن وأيضاً يضيع البيت.
هذه نماذج من التفاعلات النفسية التي يفسح لها المحقق المجال قليلاً، وقبل أن تتماسك الشخصية وعندما يفترض المحقق أن المناضل في أوج البلبلة ينهال عليه تعذيباً وأسئلة وألاعيب حتى يوقع به.
في البداية لا بد من تسجيل الملاحظات التالية:
1- ان كل منظم لا بد وأن هناك شخصاً ما عرض عليه التنظيم.
2- ليس غريباً أن يتردد المرء عند مفاتحته بمسألة الانتماء سيما عندما تكون المقدمات غير كافية.
3- كل معتقل يسأل عن التنظيم بدون استثناء، وبالتالي يسأل عن الشخص الذي نظمه.
4- في كل مرحلة تحقيق يجري السؤال مشدداً عن الأسلحة.
5- دائماً يهدد المناضلون باستمرار التحقيق وقسوة التعذيب وغالباً يهددون بنسف البيوت.
6- ان البيوت تنسف اذا اعترف المتهم بأن له علاقة ما بالأسلحة والعمليات العسكرية من قريب أو بعيد ولا يمكن غير ذلك أي أن الاعتراف بالعلاقة بالأسلحة والعمليات هو الذي يؤدي إلى نسف البيت وليس عدم الاعتراف . والبيوت تنسف مهما كان حجم الاعتراف ونوعيته ومهما أعطت المخابرات من وعود.
7- ان التحقيق يبدأ وينتهي مع المناضل على أساس ما يمكن أن يقوله هو عن نفسه وليس ما تقوله التقارير أو اعترافات الغير التي في النهاية لا تشكل سوى سبباً للتحقيق معه، أو تساهم في توجيه التحقيق.
8- عندما تعتقل مجموعة في مناخ معين كأن يكون اعتقالها بعد مظاهرات، أو بعد عمليات عسكرية فإن المحققين سيسألون عن دور أفراد هذه المجموعة في الأعمال المذكورة. سواء كانوا مشتركين فيها أم لا.
ووفقاً لهذه الملاحظات فإن المحقق الذي كما ذكرنا سابقاً يكون صورة افتراضية عن كيان محدد أمامه غامض في الحقيقة، سيهاجمه بالتهم والأسئلة المباشرة في فترة من الفترات علّ السنًارة تلتقط شيئاً فهو سيسأل المعتقل عن الانتماء ويصر عليه بشدة ويراقب النتيجة. فلو فرضنا أن المعتقل غير منتمي ماذا سيقول للمحقق؟ وعندما يسأل المحقق عن الشخص الذي نظمه ماذا يقول له (ليس غريباً أن نسجل هنا أن بعض المعتقلين اعترفوا بالتنظيم، وأن فلاناً نظمه، زوراَ، وعندما يعتقل فلان ويصر على أنه لم ينظمه يفرج عن فلان ويبقى المعتقل سجيناً ويواجه حكماً بالانتماء لمنظمة غير مشروعة، وربما تهمة الاتصال بمنظمة غير مشروعة).
وفي الحالة التي يصرّ فيها المحقق على المناضل لتسليمه أسلحة وعلى فرضية أنه ليس لديه أسلحة ماذا يفعل لو اعترف؟ لن يستطيع أن يسلم أسلحة ولكنه سيتهم بحيازة أسلحة حتى لو لم يسلمها فيما اذا قبل ضغوطات المحقق.
والمقصود من هذه النماذج ان المعتقل سيواجه الضغط حول العديد من المسائل التي يعرفها والتي لا يعرفها وفقاً لتصورات المحقق ومرحلة التحقيق. وأن الاعتراف على واحد كذباً سيزيد الوضع سوءاً فلو اعترف على أسلحة فسيحقق معه عن العمليات العسكرية... والمحقق قد يعرف 100% ان المعتقل يكذب على نفسه ومع ذلك يتهمه بصورة قانونية في المحكمة لأنه في العادة يصعب التمييز بين الحقيقة والكذب، وحتى لو كان أحد زملاء المعتقل معترفاً بحيازة زميله للأسلحة فإن هذا سيشكل فقط دافعاً للتحقيق حول الأسلحة ولا يشكل الدليل القطعي، ان التحقيق سيكون أكثر قساوة ولكنه ينتهي دون الاعتراف على الأسلحة اذا أصر المعتقل وينتهي الأمر. فالمحقق أساساً لا يكون متأكداً 100% من الأقوال. والذي يهم في هذه الحالة هو استعداد المناضل للاعتراف عن نفسه أم لا. قد يأتي المحقق ويقول للمناضل ان رفيقك اعترف بحيازة أسلحة وأنك تحوز أسلحة (وقد يكون المناضل كذلك) ان المحقق كما ذكرنا سيسأل عن الأسلحة أو أي شيء آخر يحلو له سواء نتيجة لاعتراف الزميل أم لا وهذا يجب أن لا يضعف موقف المناضل بل يشعره بأهمية صموده مما يزيده عزماً.
ليس غريباً أن نقول أنه في تجربة الحركة الوطنية قد وقع العديدون في براثين الاعتراف والسقوط، عبر استخدام هذا الأسلوب، ولكن الكثيرون أيضاً قد هزموه برغم حجم المعلومات المستوفية عنهم.
وقد حصل في الواقع أيضاً أن بعض المعتقلين أقروا بجزء من التهم الموجهة إليهم، ونفوا قطعياً الجزء الآخر رغم أنه محاط كغيره بالتعذيب والادلة. ووضع هذا النوع من المعتقلين يثير التساؤل ليس في نفس الدارس فحسب بل وعندهم هم أنفسهم:
فكما كان بمقدورهم انكار جزء من التهم كان بمقدورهم انكار الجزء الآخر هذا ما يؤكده مئات المعتقلين الذين عانوا من هذا الوضع وفي هذا تأكيد آخر على قدرة مناضلينا على الصمود تحت هراوات الجلاد الفاشي. وحتى الذين اعترفوا بكل شيء، وظل المحقق يحاول معهم للحصول على المزيد ضمن سياسة تقليل ما طرحوه بالقياس للحجم المطلوب، كيف انتهوا من هذا الوضع؟ بالتأكيد ليس بالاقناع والمنطق لأن المحقق يستمر في الضرب والتعذيب حتى يصل إلى نهاية ويفترض بالتالي أن المعتقل: اما مصر على استمرار الانكار لدرجة لا يمكن دفعه لقول شيء، أو أنه قال كل شيء وتظل مسألة تقدير.
ان ما يزيد على 90 بالمئة من المعتقلين الذين أدلوا باعترافاتهم في البداية، قد أكملوها في جولات ثانية بدرجة من السهولة واليسر واضحة، وأدلوا بأشياء لمجرد أنهم سئلوا عنها، وأشياء أخرى تذكروها وأدلوا بها للدلالة – (حسن نية) – (حقائق) بالغة الدلالة- وكلها تدل على سطحية وضحالة الفهم، وضعف الموقف والانتماء، وانعدام أي تفكير عقلاني بالمصير والمستقبل، وكلها على الاطلاق كان بالامكان أن لا تحدث، وفي حينها. ولا ينفع الندم بعد فوات الأوان، وبعد أن ينتهي التحقيق ويسترجع (المناضل) نفسه ويأخذ باللوم الذاتي والتباكي والتمني.
ان المحقق في جميع الأحوال على الاطلاق يهدف إلى تحطيم شخصية المناضل ولا يمكن أن يكون صديقاً له أو محابياً معه، بل يمتصه، ويقول هل من مزيد، ليعزز بذلك شخصيته أمام مسؤولية ومرؤوسيه بنجاحات لم يكن قد حلم بها (تصوروا مناضلاً ألقي القبض عليه في مظاهرة، أو اعتصام، أو في لمة جماعية، وعند وضعه بين أيدي الجيش ينهالوا عليه ضرباً وأسئلة عن كيفية اعتقاله، وفي وقت كهذا ومن خلال أسئلة عامة عن نشاطاته، ينهار، ويدلي بأشياء ليس لها أي علاقة بمسألة القبض عليه.
في معركة الكرامة آذار 68 ألقي القبض على عدد من الفدائيين واحتجزتهم قوات الاحتلال كأسرى وبالطبع حققت معهم ( وهذا يحصل دائماً مع الأسرى في كل أنحاء العالم) وفي التحقيق وجهت لهم أسئلة عن نشاطاتهم وما اذا كانوا قد قاموا بعمليات ضد اسرائيل، وبالطبع عومل الجميع بوحشية وفاشية وهذه طبيعة الاحتلال، ثلاثة منهم فقدوا شخصياتهم النضالية وتبرعوا بمعلومات عن أنفسهم ونشاطهم السابق ومعلومات أخرى عن قواعد المنظمات، وكانت النتيجة أن كافأهم الاحتلال بأن حاكمهم وأبقاهم في السجن مدة محكوميتهم، أما الباقون فقد أعادهم الاحتلال إلى الأردن مرة أخرى ولعل في هذا عبرة لمن يريد أن يفهم.
وما دام هذا أسلوب الاحتلال ومحققيه، فإن تهوين قضية المعتقل أو تهويلها، وتجاهل بعض جوانبها، أو اضفاء هاله من التكبير والمبالغة عليها واضافة جوانب أخرى لها، كل هذا يصب في نفس الطاحونة: محاولات مختلفة ومتباينة للاطاحة بصمود المناضل ودفعه لموقف خياني.
وفي هذا الباب قد يطرح المحقق سيلاً من التهم المضخمة والمبالغ فيها ليشعر المناضل بصعوية الموقف: انه يطرح الكثير بغية الحصول على القليل، لا بأس فهذا يساعده، واذا ما واجه المناضل أطروحات المحقق بالانكار والصمود، والاستخفاف فإنه سيربك المحقق ويفشل أسلوبه دافعاً اياه للبحث عن أسلوب آخر أو اقفال ملف التحقيق وتبقى الفرصة متاحة للمناضل ليعيد نفسه، ويعيد ترتيب أفكاره ويزيد من تماسك ذاته وشخصه استعداداً لجولة أخرى أو جولات بعد عقبة تجاوزها.
5- أسلوب الصديق، والوحش
هذا الأسلوب من أكثر الأساليب شيوعاً، وفي معظم مراحل التحقيق ان لم يكن كلها وخاصة مع غير المجربين، وتستعمله المخابرات الاسرائيلية منذ بداية الاحتلال حتى الآن، وهو منتشر في كل مكان، وهو أكثر الأساليب تورية وتضليلاً وخداعاً. ومن خلاله أو بمصاحبته يجري تنفيذ كل الأساليب الأخرى.
يشترك على الأقل اثنين من رجال المخابرات في كل جولة تحقيق الاول: بظهر بمظهر المجرم السفاح، قاسي القلب، فاشي الألفاظ والسلوك، لا وظيفة له سوى التعذيب، ومزيداً من التعذيب، بل ويظهر كمتعطش للقسوة والفاشية والتعذيب والمضايقات والرغبة في الاجرام ويمارس عملياً أقسى أنواع التحقيق وأبشعها، محيطاً سلوكه هذا بمظاهر الرعب الضرورية، ومحاولاً جهده أن يثبت شخصيته في ذهن المعتقل على هذا الأساس.
والثاني: الانسان اللطيف المهذب، الذي يقشعر بدنه من مرأى التعذيب، والسلوك غير المتحضر لشريكه، ويظهر استياءه من أي قسوة أو سلوك عنيف أو تعذيب ضد المعتقل محاولاً جهده أن يدافع عن هذا المظلوم، ويمنحه الحنان والطمأنينة! انه الصديق الصدوق الذي لا يهمه شيء في الدنيا سوى التخفيف من آلام الأسير، وحمايته من التعذيب، وطبعاً هو لا يملك غير المحاولة، والامساك بالمحقق الآخر واستنكار وحشيته، وبالتالي ليس له من سلاح الا اسكات المحقق الآخر ودرء شره شريطة أن يفرغ الأسير ما بجعبته لقاء ذلك!
أحدهما يهاجم المناضل والآخر يحميه، أحدهما يكشر، ويقوم بحركات بهلوانية، ويهدد، ويحمل العصا، والآخر يبتسم، ويُطمئن. أحدهما يحرم من الماء، والسجائر، والذهاب لدورة المياه، والآخر يقدم الماء، وربما القهوة، واحد ابن حرام والآخر ابن حلال وطيب ومحترم، ومثقف، وخريج جامعة (في عرفنا أن خريج الجامعة بصورة عامة لطيف، ومهذب وإنساني).
مع أي منهما يفضل المعتقل أن يتعامل: مع الذي يكيل له الصفعات، وينهال عليه بالهراوي ويمارس معه العنف و القسوة قولاً وعملاً، أم مع الذي يواجهه بالكلام المعسول والنصح الأخوي والشفقة وروح الصداقة والعطف؟
هذا هو مدخل المسألة: جو نفسي معين يخلقه أحد المحققين تحيط به الرهبة والرعب والقسوة، ومناخ آخر يخلقه المحقق الآخر، يسيراً نسبياً ومحتملاً، واذا ما انطلت الخدعة، فإن المعتقل سيتمنى أن يظل في كنف الصديق، ويتمنى الموت للمحقق الآخر معتقداً أنه هو الوحيد الذي يضرب ويعذب ويهدد، واذا ما لاحظ عبر جولات التحقيق ان (صديقه) اللطيف هو وحش مفترس مع معتقل آخر، بينما يلعب وحشه وعدوه دور الصديق فإنه سيدرك اللعبة. هذا مع العلم أنه سيدركها من أول مرة وبدون هذه الخبرة فيما لو فهم وضع المحققين وأهدافهم معه.
ان التحقيق هو صراع سياسي يرتدي الأشكال المادية والنفسية ويظهر من خلالها، ولأنه صراع تناحري بين ايديولوجيتين ونقيضين فإن المحقق سيستخدم أي أسلوب متاح بغية الحصول على المعلومات واسقاط المناضل، ومن بين هذه الأساليب تتخرج الخدع والحيل ومظاهر السلوك المفتعل، مع الضرب والتعذيب والقسوة، مع اللطف واللين والاحترام، مع الحرمان والاذلال والقهر، مع الشفقة مع الارهاب مع المعلوم مع المجهول فتنتصب هذه المتناقضات أمام المعتقل كقوى وعناصر قوى تهاجمه للاجهاز عليه، وينتصب هو أمامها بقدراته وصبره وحنكته وصلابته واستعداده للصمود: أيهما يقهر الآخر؟
ويتكثف الصراع أحياناً في صراع بين شخصيتين نفسيتين احداهما مسلحة بوسائل البطش والسلطة، والامكانيات المادية والمعنوية وهي نفسية المحقق، والأخرى مسلحة بسلاح ثوري ثقافي عقائدي يرتكز على عدالة القضية والاستعداد للدفاع عنها والموت من أجلها هذا الصراع يأخذ مداه في التحقيق من خلال مظاهر شخصيات أطرافه المحققين من جهة، والمناضلين من جهة أخرى.
فالنفسية التي ترتبك أو تعجز، تسقط وتنهار إما على شكل انهاء التحقيق واغلاق الملف من جانب نظر المحقق، أو على شكل اعترافات وخيانة من جانب المعتقل.
وحتى يمارس هذا الصراع عملياً لا بد من أساليب محددة وهادفة للمساس بالتكوين النفسي الفردي والاجتماعي للمعتقل، والتعرف عليه، وربما تكوينه من جديد أو تكوين بعض عناصره، وهذا يتطلب خلق أجواء محددة وتأثيرات جسدية محددة، ومظاهر سلوك من جانب المحققين، ومحاصرة معنويات المعتقل للاجهاز عليها وتركيعه نفسياً ومعنوياً.
وابرز هذه المؤثرات هي الحوارات، والضرب والتعذيب،وهذه كلها تستوجب أن يخلق مناخ أو مناخات خاصة لممارستها، وأوسع اطار تمارس فيه هو اطار اللين والشدة بشكل متتالي أو متمازج يمارس من قبل نفس الشخص، أو شخصين أو أكثر في نفس الجولة أو جولات متعاقبة. وأفضل تمثيلية لخلق هذا الوضع هو أسلوب الصديق الصدوق، والعدو المتوحش.
فباللين يمكن خلق جو حواري، يتم فيه الأخذ والعطاء، وشرح الوقائع (مهما كانت بسيطة، قريبة أو بعيدة عن جوهر القضية) ومحاولة ايجاد الانسجام النفسي بين المحقق والمناضل. وفي أجواء اللين من السهل ابراز حجم القسوة ووحشيتها وخلق المقارنة بين وضعين وخيارين.
في مناخ اللين وخاصة الذي يأتي بعد جولة ارهابية، يمكن ممارسة النصح، يمكن اجراء صفقة ( تعترف، وأحميك من الضرب بالمقابل – تجارة رابحة) وعندما تتوالى أجواء اللين والشدة، فإن الصديق يستطيع أن يمارس تأثيره بالاستناد أيضاً إلى تأثر مناخ الشدة، مناخ المحقق الآخر، وفي كل مرة يتعرض فيها المعتقل (الذي تنطلي عليه اللعبة) لأجواء الشدة والارهاب والتعسف، يتذكر المحقق الآخر ونصائحه ومطالبه، هكذا يوضع المعتقل بين حجري رحا احداهما مغطى بالحرير. وفي مناخ كهذا يمكن ممارسة بقية الأساليب.
إن إطار وحدة مناخ العنف، واللطف، بوصفه اطاراً شاملاً يستخدم في معظم مراحل التحقيق هو اطار عام أيضاً للتأثيرات النفسية، بحيث تعطي المؤثرات الجسدية نتائجها السيكولوجية لدرجة ما يعتقد انها ملائمة لوضع المناضل في طريق الاعتراف حسب تقديرات المحققين.
وفي هذا الاطار يقوم المحقق الذي يكشف عن وجهه الفاشي بممارسة التهديد، والضرب، واللطم، والقسوة، وبعد تدخلات وأفلام وألاعيب، مع صمود المعتقل، يأخذ المحقق الذي وضع على يده قفازاً حريرياً يلوم المعتقل لأنه لم يسمع نصيحته، ومن ثم يهدد بالانسحاب وعدم التدخل، وقد ينسحب فعلاً بعد أن يقوم بما يعتقد أنه أوهم المعتقل به من عبارات النصح والارشاد، وعبارات التهديد بالتخلي وينصرف...
وهنا يستمر المحقق المتوحش في ممارسة هوايته الفاشية، وفجأة يدخل المحقق الآخر، ويبدي تعجبه مما يجري، ويأخذ بالصراخ والزعيق... ماذا... استغليت الفرصة واستمريت في ضربه. بس.. توقف... يا نازي ... يا مجرم... هل هو حمار... أليس لك أولاد...... أليس لك أم .. الست انسان ... أخرج من هنا، لا تعود أبداً... سأحاكمك على وحشيتك... سأقيلك من وظيفتك... ويتوجه بعد ذلك للمعتقل: تعال يا بني... اجلس خذ سيجارة... هل تريد ماء.. سأجلب لك ماء... أشرب الماء فهو جيد بعد الضرب... والله أنا آسف على ما جرى .. ليتك سمعت نصحي.
ان المحقق هنا لا يهدف الى الخداع فحسب، بل والأهم من ذلك أنه بهذا الأسلوب الخادع يسعى لخلق جو من الألفة في أقبية التعذيب بينه وبين المعتقل، انه يسعى لخلق جو من الراحة، يستريح له المعتقل (المهدد، والمروّع) فهو لا يرى بشراً سوى المحققين وكلهم قساة ومتوحشين الا هذا على الأقل مهما كانت أهدافه فهو لا يضرب ، ولا يهدد بالضرب.
ان المحقق بهذا يسعى لخلق انسجام بينه وبين المعتقل ( يا له من انسجام بين الفاشي والثوري) انه يتظاهر بأنه مخلّص من التعذيب، وساعات التحقيق التي يمضيها المناضل معه مريحة نسبياً. فهل من الأفضل للمعتقل استرضائه أو مكافأته على انسانيته الزائدة هذه ؟؟
ان المعتقل اذ ينساق في هذه الأجواء وراء الصور الظاهرية التي يشاهدها وتحيط به سيسهل لهذا المحقق مهمته ( ليس المهم أن يعترف مباشرة أو يدلي بما لديه) أنه سيوفر له جو الحوار، والحديث وربما يكون الحديث اجتماعياً فحسب، ثم يتطور ما دام المعتقل يعطيه الفرصة وآذاناً صاغية ، يتطور إلى أشكال من الحديث يتمكن خلالها المحقق من ممارسة أسلوب التشكيك بالحزب والنضال، والتركيز على المصير الشخصي، ومن ثم تهويل أو تهوين القضية، أو التهديد بالارهاب اللاحق حيث لا تظل فرصة لهذا المحقق ليتدخل..
هكذا يخطط المحققون لتتم عملية الاجهاز على المعتقل وتطويقه بأساليبهم وأحاديثهم وأسئلتهم وأجوائهم التي يخلقوها حول المعتقل. فاذا ما أخذ المعتقل بالتفاعل مع المحقق الذي كشف عن وجهه الفاشي على أنه عدو مجرم بينما الآخر لطيف وانساني، لا يضرب، خريج جامعة، فإنه بالتالي سيصاب بالرعب كلما هم المحقق الأول بالحركة، أو لفتة، وستكون لطمة واحدة على الوجه مرعبة، واذا ما هم المحقق الصديق بالخروج، فان الخوف والرعب يتسلل إلى نفسه ، أما اذا خرج المحقق العدو فإن شعوراً بالاطمئنان سيصيب المعتقل، وهكذا تأخذ الحالة النفسية للمعتقل بالتبدل، وهذا يدركه المحققون ببساطة وبالتالي يتعاملون مع حالة نفسية مدركة ومسطحة سيسعون بكل قواهم الى تحويلها الى حالة نفسية محطمة قابلة للانهيار، أو على الأقل استخدام الأساليب التي يعتقدون أنها ملائمة لهذه الحالة.
واذا استمر التحقيق دون نتيجة فان تدخلات الصديق الصدوق ستخف وتظهر على فترات متباعدة، وقد يأتي في وقت الشدة الحقيقية: أي في جولة ارهابية قاسية، وتعذيب شديد، وتهديد متواصل باستمرار التعذيب الجسدي، وحين تقترب جولة التعذيب من نهايتها، يدخل المخلص، (وينقذ) المعتقل ويوضح للمعتقل أسفه لما يجري، وصعوبة مساعدته بعد كل الذي جرى، ويعده ان لا يعاد للتعذيب مطلقاً، وأنه هو بنفسه سيستمر في التحقيق معه دون أي ضرب اذا ما أبدى تعاوناً يستحق الذكر، وفي هذه الحالة بامكانه أن يطعن بالمحقق الآخر لأنه فاشي، وفاشل.. وأنه اذا تعاون معه سيساعده في المستقبل (فهو على كل شيء قدير) وسيخفف حكمه، وبصفته هو المسؤول عن الافراجات فإنه سيقبل استرحامه الذي يقدمه بعد الحكم ويخفض حكمه ويخلي سبيله – وهنا يشكك ويبلبل، ويركز على المصير الذاتي للمعتقل.
انه يحاول ابتلاع شخصيته بالكامل وتوتيرها ودفعها للاعتراف، انه يسعى لسحق شخصيته النضالية بايهامه ان لا فائدة من النضال، وأن قنبلة، أو جرح طفل، أو تحطيم عمود كهرباء لن يدمر اسرائيل القوية التي لم تستطع الدول العربية هزيمتها.. وهكذا.
وبالرغم من أن هذا الأسلوب هو أوسع الأساليب شيوعاً وأكثرها استعمالاً... الا أنه أكثرها هشاشة، وأكثرها قابلية للكسر. فالصديق الصدوق المزيف يستمر في لعبته طالما أن اللعبة تنطلي على المناضل ، لكن في حالة الفشل سرعان ما يكشف عن وجهه الفاشي الحقيقي، ويضرب، ويهدده كغيره وبالتالي يسقط الاطار العام الذي يخططوا لنسجه حول المعتقل وتنتهي اللعبة.
ان المحقق هذا يلعب دوره عن قصد، وليس بسبب سجاياه وأخلاقه، وربما يلعب هذا الدور لأن دوره الرئيسي مع معتقل آخر وهو يحضر جولات التحقيق هذه في فترات استراحته فقط أو كعامل مساعد للآخر، أو لديه مهمات أخرى، أو أن دوره في مراقبة التحقيق.
وبالاجمال يمارس دوره الخداعي هذا عن سابق تخطيط، وهو نفسه كما ذكرنا سابقاً يلعب درواً معاكساً مع معتقل آخر حيث يكون هو المجرم المتوحش والآخر إنساني لطيف، فلا يستوي الاحتلال الفاشي مع اللطف والانسانية!.
ان فهم هذه اللعبة هو شرط من شروط افشالها، بل هو سبب افشالها أصلاً، وترك المحققين يتصرفون بدون غطاء، وافقادهم فرصة تشكيل اطار التحقيق السهل وبالتالي تفشيل المؤثرات النفسية التي يمارسونها مما يجعلهم لا يستطيعون التكهن بالحالة النفسية القائمة ويظلوا في حدود الفرضيات حيث يمكن تضليلهم. واذا ما فشلت أساليب المحقق المتظاهر بلباس الكاهن فسوف لن تجدي أساليب المحقق المتوحش ولو كانت مجدية فلماذا أحاطتها بكل هذه الأفلام؟.
ومهما قدم المحققون من دلائل حقيقية أو تخمينية أو كاذبة فإن استمرار التحكم في ردود الفعل، وعدم الانسجام مع أساليب التحقيق والمحققين سوف يدفع بهم إلى اليأس واستخدام التعذيب المكشوف دون أي غطاء، وينتهي أسلوب وربما ينتهي معه التحقيق ويفتشون على أساليب أخرى لعلها تجدي.
ومرة أخرى فإن الضرب بحد ذاته لا يمكن أن يكون سبباً للاعتراف، ولا حتى كسر اليد أو شج الرأس، فحالات كثيرة هي التي يتعرض فيها الانسان للضرب، أو كسر اليد، أو شج الرأس بدون أن يكون في موقع تحقيق فهل بالتالي عليه أن يدلي بعلومات سرية وحزبية عن نفسه ما دام تعرض لهذه الحوادث. وهل سائق السيارة الذي يتحطم جسمه في اصطدام ملزم بأن يدلي باعترافات سياسية لشرطة السير التي تحقق في الحادث؟؟
ان الضرب كما ذكرنا يؤثر على الحالة النفسية، وقطعاً فإن نفسية الانسان الذي يتعرض للضرب لا تشبه نفسية الجالس في المنتزه مع أصدقائه، ولكن الجنود والمحققين، وشرطة السجون يضربون، ولا يلتزمون بأخلاق وشرف انسانيين، وقد يضربوا أحياناً بمنتهى الوحشية دونما غاية التحقيق بل لمجرد التسلية أو الارهاب أو الانتقام .
بينما المناضل يعترف تحت وطأة الضرب لأنه يخاف، لأن استعداده للصمود والدفاع عن النفس محدودين، ولأنه ينسى أو يتناسى تبعات الاعتراف على الذات والحزب والثورة، أنه يجبن ويفقد شخصيته النضالية وقد يفقدها إلى الأبد. أي يعترف حالما يضعف نفسياً ويبدي استعداداً نفسياً لذلك وليس نتيجة الضرب الجسدي. وهنا يجدر ايراد مقارنة:
المعتقلون المحكومون فوق 15 سنة، كانوا ينقلون إلى سجن عسقلان، ومن بينهم جرحى، ومرضى، ومصابون، ولدى دخولهم السجن كانوا يتناولون وجبات قاسية جداً من الضرب والتعذيب وبشكل متواصل ، من قبل حراس السجن، ويخضعون إلى شتى أنواع الاذلال لمدة تتراوح بين أسبوع أو أكثر، ويحرمون من الكثير من سبل الحياة الفيزيائية على الأقل، ويقيدون بأيديهم وأرجلهم، ويوضعون في زنازين انفرادية، وطوال النهار وطوال الليل، اما يتعرضون للضرب أو التهديد بالضرب.
ان حجم الضرب والتعذيب الذي لاقوه في سجن عسقلان يفوق في قسوته ما تعرضوا له أثناء التحقيق معهم بعد القبض عليهم.
نفس الأفراد (شخص ما) ونفس الحالة (تعذيب وضرب قاسٍ) في حالة التحقيق، وفي جو الضرب أدلى باعترافات عن نفسه ومنظمته كانت كافية لايداعه السجن المؤبد، أما في تعذيب السجن فلم يطلب منه الادلاء بمعلومات ولم يدل بشيء علماً بأنه يعرف أنه في التحقيق سيواجه الضرب والتعذيب، وأنه لدى انتقاله إلى سجن عسقلان كذلك سيتناول وجبات الضرب والتعذيب والاذلال. فلماذا أدلى في الحالة الأولى بمعلومات ولم يدلي في المرة الثانية ؟
ان الاجابة على هذا السؤال معطاة في مقدمة الكراس، ولكن الدلالة هنا ان الاعتراف لم ينتج عن الضرب مباشرة بل عن الاستعداد الذي تكوّن لدى المناضل أثناء التحقيق للاعتراف واذلال نفسه بنفسه. وليست قليلة الحالات التي استشعر فيها المناضلون بالفخر والعزة لدى تعرضهم للضرب بسبب تصورهم عن نفسهم. انهم يخوضون موقف بطولي في احدى مواقع الصدام مع العدو، وأنهم يصرون ويصمدون ويشكلون سداً منيعاً يحمي حركة المقاومة وأسرار الثورة.
ان الساذج ضيق الأفق المستعد فقط للدفاع عن نفسه بالمفهوم الفردي، هو الذي يستجيب لمؤثرات الضرب والتعذيب، أما المناضل الثوري الذي يحسب كل حركاته وسكناته من خلال ارتباطه الطبقي والحزبي، وعلاقاته التنظيمية والفكرية والسياسية فإنه يفهم الضرب على أنه ممارسة عدائية يمارسها كلاب السلطة، ضده بوصفه في الصف الثوري، وأن على الثورة والثوريين أن يصمدوا حتى النهاية.
وان الدفاع عن النفس يرتدي طابعاً أكثر شمولاً فهو في الحقيقة دفاعاً عن الذات بوصفها جزء من الوضع الثوري النضالي، وبالتالي لا يمكن أن يكون الدفاع عن النفس بحمايتها من الضرب بالاعتراف والتساقط بل بالصمود حتى النهاية، ان الصمود البطولي في التحقيق هو الدفاع الحقيقي عن النفس وكل ارتباطاتها الوطينة والطبقية، ان الدفاع عن النفس يكون بالصبر، وعدم تعريض الحزب والثورة لأية مخاطر، وصيانة الشخصية الوطنية للمعتقل من أي تدنيس يسببه الاعتراف، ومن أي تبعات أخرى كالحكم بالسجن ونسف البيت.
ان المحقق السفاح، الجلاد بوسائله المادية والمعنوية لا يمكن أن يكون صديقاً للمعتقل أو شفوقاً عليه، وهو لن يقدر أبداً على ممارسة هذا الدور بعد أن فقد انسانيته وانخرط كلياً في الممارسات الفاشستية التي صبغت شخصيته تماماً، وهو لا يمكن أن يقدم أي مساعدة للمعتقل ما دام في الصف الوطني التقدمي .
فهما ضدان متصارعان، وهو وان وعد بتخفيف العذاب، أو وعد بتخفيف الحكم والافراج، انما يقدم وعوده هذه كطعم أثناء أجواء ملائمة بغية الايقاع بالمناضل وليس انقاذه، بغية ابتزاز الاعتراف لاستخدامه ضد المناضل وليس في صالحه. وهو لا يمكنه أن يفي بوعوده، وان قدم بعض الأشياء أثناء التحقيق مثل سيجارة، أو كأس ماء كنوع من الوفاء بالوعد، فهو لن يقدم الا مزيداً من التعذيب، والضربات للشخص والحزب. ان رجال المخابرات لا يمكن أن يكونوا أصدقاء الثوار وبينهم بحر من الدماء والتعذيب والنوايا المتبادلة، وأساساً لا يمكن أن يكون رجال المخابرات أصدقاء لأي شخص، وان تظاهروا، فإنما يفعلون بقدر ما يساعدهم ذلك على تحقيق اهدافهم كخداع يمارسونه ضد الناس عموماً والمناضلين في أقبية التحقيق خصوصاً، فهم وحوش تدمرت انسانيتهم تدريجياً مع كل تعذيب يمارسوه ولأنهم محترفو تعذيب فهم قد فقدوا الخيط الأخير من انسانيتهم.

6- أسلوب تعدد المحققين:
يتخصص عادة في عملية التحقيق مع المعتقل الواحد، محقق واحد أو اثنين على الأكثر بصورة مباشرة، مرتبطين بمسؤوليهم الذين يشرفون بشكل غير مباشر على عملية التحقيق .ويعود ذلك لعدم توفر طواقم أكبر حجماً وأكثر كلفة، وأيضاً حتى يتمكن طاقم التحقيق من المتابعة المدققة، عبر آلية العملية الجارية، لأن عدداً كبيراً من المحققين لا يلزم الا عندما يرتبط بمرحلة معينة من مراحل التحقيق بما يلي:
1- للتأكد من النتائج التي توصلت لها خلية التحقيق المباشرة ودراستها وتقييمها.
2- ممارسة نوع من التحقيق المكثف في ساعات قليلة من قبل عدد كبير نسبياً 7،8 وربما عشر محققين يعملون في آن واحد وكلهم يسألون ويضربون ويمارسون كل أشكال وأساليب التحقيق دفعة واحدة.
يحصل هذا في مرحلة من مراحل التحقيق .ويعبرون عن أنفسهم في آن واحد بأساليب ومظاهر مختلفة، ويهاجمون المناضل من عدة جهات ويحاصروه بغية ارباكه وبلبلة وتشتيت أفكاره والايقاع به، أحدهم يسأله عن اسمه، وآخر عن الأسلحة، وثالث يضرب، ورابع ينصح في آن معاً، والكل يحاول الوصول للمعتقل لاستجوابه في حالة من الفوضى ظاهرة ، هذا يهدد وهذا ينظر بصمت، وآخر يحضر أدوات التعذيب، وآخر يبتسم ويقدم سيجارة، وحينما لا يجدي ذلك يجلسون وكأنهم مجتمعون مع المناضل ويأخذون في استجوابه ومناقشته، أو يأخذ أحدهم في استجوابه والآخرون يستمعون يتدخلون بين الفينة والأخرى، ويناقشون الوضع ويحللون الاجابات، أو يقوم كلهم مع بعضهم البعض ويأخذون في الضرب والاستجواب سوية.
هذا الوضع قد يستمر نصف ساعة أو ساعة لتحقيق الأهداف التالية على الأغلب.
1- وضع المناضل في حالة جديدة باظهار الاهتمام الزائد به وبقضيته مما استوجب حضور هذا العدد من المحققين كل واحد يدعي أنه حضر من مكان بعيد.
2- دراسة التحقيق ومجرياته عن قرب، وذلك لتقييم المراحل السابقة بشكل جماعي.
3- بلبلة وتشتيت المناضل فقد (يقع )في جو كهذا أو يتخبط فيزل لسانه.
4- وفي نهاية عملهم يعطون تقييماتهم عن أساليب التحقيق السابقة، وتقديراتهم لموقف المناضل بأنه مثلاً ليس لديه شيء يقوله، أو أنه قال كل شيء، أو أنه لن يقول شيئاً جديداً.
وحتى يحصلوا على موقف نهائي من اجتماعهم هذا يصادف أن ينبري أحدهم للتحقيق العنيف مع المعتقل أمام الجميع كجولة نهائية لهم. وذات مرة اجمع أربعة محققين لمدة 6.5 يوم على مناضل في تحقيق متواصل دون نوم أو ماء وغذاء أو راحة..
ان جولة المحققين المتعددين هي في صالح المناضل غالباً بناء على الأهداف المذكورة أعلاه، فهم لم يأتوا لمساعدة المحققين المسؤولين ،بل ليقولوا كلمتهم في ما يجري، وهذه فرصة المناضل والمحقق معاً:
فالمحقق يريد أن تحظى تقييماته بتأييد المسؤولين والمحققين الآخرين ليشاركوه في تحمل المسؤولية والتقييم واذا ما أصر المناضل على الصمود فإن موقف المحقق سيتغير لصالحه دون نزوات تذكر وانما سيقوم بجولة أو بضع جولات أخرى لتثبيت التقييم الجماعي وربما ينتهي التحقيق فوراً.
ان المرحلة التي يتعدد فيها المحققون هي حاسمة في مسار التحقيق ليس بسبب الضغوطات والعنف الذي يمارس فيها فهو عادة قليل جداً ولفترة قصيرة جداً،بل لأن حالة الصراع تكون متوازنة تقريباً بين القطبين، أو أخذت تميل لصالح المناضل إذا كان لا يزال صامداً، أو قاربت على التوقف أن كان قد أدلى بشيء، وهذه المرحلة تتطلب درجة من الدقة والصمود لتثبيت النتائج لصالح المناضل حيث يهزم المحقق ليس على مسؤوليته الشخصية فحسب بل ومعه طاقم مسؤول من المحققين.
ان أساليب التحقيق التي تتبع هي ممارسات هادفة تمارس وتكرس أثناء جولات التحقيق ومراحله المختلفة، يجري التركيز على احداها بمصاحبة الأخريات ضمن ترتيب معين، مصحوبة عادة بالشدة، وربما باللين، بهذا المظهر أو ذاك من مظاهر السلوك. هذه الأساليب تمارس بواسطة المحققين اما اثنين دائمين أو واحد ثابت يساعده في بعض الأحيان سفاح آخر، أو تقوم خلية تحقيق بالعمل مراحل معينة، تليها خلية أخرى (أي تغيير المحققين) أو تقوم مجموعة محققين بدراسة القضية في مرحلة من مراحل التحقيق.
ان تغيير المحققين لا يهدف فقط الى اجازتهم واراحتهم من العمل بل هو في الغالب ناشئ عن عدم ثقة بنجاعتهم فيما لو استمروا، أو عدم ثقة بتقاريرهم، غير أن تغيير المحققين الذي يتم عادة نتيجة لصمود المناضل المعتقل، هو علامة بارزة له، بأنه على طريق تجاوز الخطر، وانه قد يربح المعركة وهو سيربحها لا محالة.
فقد يلجأ طاقم التحقيق الى استخدام محققين آخرين ليقوموا بعمل محدد، مثل استعمال الكهرباء، أو استعمال الكلاب التي يطلقونها على المعتقل استناداً الى خلفية الفزع من الكلاب، والاستعانة بخبير فني لاستعمال ما يسمى جهاز كشف الكذب، أو متخصص في دراسات نفسية معينة يستخدم ما يسمى توارد الأفكار وأسئلة معينة لكشف قرائن أو دلالات على الفعل الذي يجري التحقيق من أجله.
وهكذا، وكما هو واضح يحتاج طاقم التحقيق الى عدد آخر من المحققين المكملين، أو تدخل لجان تحقيق للدراسة، أو تدخل مسؤولين أعلى مباشرة في التحقيق بدلاً من الاكتفاء بالمراقبة.
ان الحال واحد بالنسبة للمعتقل بعد أن تكون لديه فكرة ولو بسيطة عما يجري حوله، وقد يجد في تعدد المحقيين عزاء له، فعندما يتغير الطاقم الأول، فإنه يتغير في الغالب لأنه فشل، وهزم في المعركة، والطاقم الجديد يستند على تجربة سابقيه كما يستند المعتقل على تجربته الأولى: تجربة الطاقم الأول توجت بالفشل وهذه نقطة انطلاق الطاقم الجديد. وتجربة المناضل مع الطاقم الأول تكللت بالانتصار، وهذه نقطة انطلاقة المناضل في الجولات الجديدة.
7- تشتيت الأفكار
ما دامت كل الممارسات والأساليب التي يتبعها المحقق، تهدف إلى تحطيم شخصية المعتقل الوطنية، ونفسيته وصموده، فإن تحطيم تماسكه واتساق تفكيره، وتشتيته يشكل خطوة هامة لتحقيق هذا الهدف. فما دام المناضل ثابت البنان متماسك الشخصية، مترابط الأفكار، فإن ردود فعله تظل واعية، ووحدة جوانبه الداخلية تظل سداً يحميه من هجمات المعتدين، وهذه الحقيقة تدفع بالمحققين لزعزعة أركان المناضل وتشغيل أفكاره في أكبر عدد ممكن من القضايا، وجره للتفكير في أكبر عدد ممكن من القضايا، وجره للتفكير في أكبر عدد ممكن من الحلول والمخارج، والعلاقات، والصداقات، والخيارات المطروحة عليه، بل فإن المحققين حتى يبلغوا هذه الغاية يحاولوا أن يفرضوا عليه الاجابة على أسئلتهم في وقت واحد،أو تقديم مؤثرات متعددة له دفعة واحدة كأن يقولوا له بعض القرائن ضده، وفي نفس الوقت يتعمدوا ملاقاته مع أحد زملائه المعتقلين، وفي لحظة قريبة جداً يجعلوه يشاهد أحد أقربائه أو قريباته، ويحدثه أحدهم عن ظلام السجن والقسوة التي سيلاقيها فيه ومدة حكمه التي تزيد عن كذا سنة، وينصحه بأن يتعاون معهم حتى ينتهي من هذه الورطة... وربما يوهمه أحدهم بأنه أدلى بالكثير مما لديه بينما كان نائماً في الزنزانة وأنهم سجلوا كل أقواله، مع تذكيره بكل ما قيل له في عملية التشكيك التي يكونوا قد مارسوها من قبل.
والمعتقل يلاحق كل شيء بأفكاره وتصوراته، ثم يشك في وضعه، ثم يشك في زملائه في الزنزانة أو أي شيء من هذا القبيل اذا انساق وراءهم، وهو سيتداعى في نفسه وتفكيره شريط متلاحق وربما متشابك، عن حياته في السجن، حالة أولاده وزوجته، أو حالة أمه، امكانياته في الاستمرار بالصمود، واستمرار فترة التحقيق والتفكير برفاقه، وهل أحدهم عميل .. أي أن الاستجابة الميكانيكية لأسلوب التحقيق هذا تجعل المعتقل يفكر لحظياً وعلى وجه السرعة بعدة أشياء ليس بينها من ترابط، والرابط الوحيد الذي يمكن أن يجمعها مع بعضها هو عملية التحقيق، وطولها، وشدتها وهل يعمل ما من شأنه الخلاص منها بالادلاء بالاعترافات أم يصمد للتحقيق ويخلص من العار والسجن معاً.
في حالة التشتت المقصودة هذه، والتي يحاول المحقق استجلائها وافتراض وجودها بعد جملة من الممارسات (تعدد المحققين، تعدد الأسئلة من نفس السياق، تعدد سياقات الأسئلة، طرح القرائن التشكيك بالرفاق والثورة، الاغراء، والترهيب واثارة العواطف..) ومن ثم يدخل في صميم الموضوع من خلال نقطة ضعف يلاحظها في حينه.
ان المحققين الصهاينة، ورثة تراث التحقيق البريطاني في فلسطين، وهاضمي دروس التحقيق النازي، الذين يصوغون نظرياتهم في التحقيق بالاعتماد على هذه الخلفية ووفقاً للعلم الأمريكي وخبرات الفاشية في العالم ولا يتورعوا عن فعل أي شيء من شأنه ايصالهم لأهدافهم وهم لا يحتكمون الى نظم أخلاقية محترمة، أو يراعون مشاعر انسانية، أن أخلاقهم هي الأخلاق الاستعمارية العنصرية، وسلوكهم فاشي النزعة، وغارقين في بحر من القذارة والعفونة بحيث أن دفاعهم عن استمرار اضطهادهم مقرون باستمرارهم في ممارسة أبشع أنواع الاضطهاد ودفاعهم عن استغلاليتهم أيضاً مقرونة باستمرارهم في ممارسة أبشع أنواع الاستغلال مهما كان نوعه أو مداه.
ولا يهمهم في مجال التحقيق أن يستغلوا ويستثمروا كل شيء حتى العواطف الانسانية، والأبناء، وسيتقدمون بنات المعتقل وأهله ويرهبونهم، وأحياناً كثيرة يطلبون منهم أن يضغطوا على المعتقل بعد أن يقنعوهم بأن مجرد اعترافه يكفي للافراج عنه واراحتهم جميعاً من المشكلة. انهم يلجأون الى المساس بالشرف الانساني، وهتك الأعراض، ويسببون العاهات الجسمية والعقلية، وتشويه السمعة، ويستثمرون نسائهم في ابتزاز المعلومات من المعتقلين.
وضمن هذا الاطار الهجومي، يتلقى المعتقل الضربات الجسدية ، والمعنوية، والأحكام التعسفية ونسف البيوت وليس له من سلاح الا صموده وصلابته في عمليات التحقيق.
ان المعتقل لا يستطيع أن يستند الى عدالة القوانين، ولا الى انسانية القضاة ونزاهتهم، ولا يستطيع أن يستند إلى كفاءة محامي الدفاع، فكل هذه العناصر محسوب حسابها عبر عملية التحقيق وصياغة افادات الاعتراف التي غالباً ما يصوغها شرطي لم يسبق له أن شارك في عمليات التعذيب والتحقيق وغالباً ما تختفي كل الوجوه التي اشتركت في التحقيق عدا هذا الشرطي الذي تقدم له أوراق جاهزة ينسخها على الأوراق الرسمية التي تقدم للمحكمة.
ان هذا الشرطي هو الذي يقدم الافادة للمحكمة، ويصبح شاهداً يدلي بأنه وبكل بساطة جلس مع المناضل وقدم له سيجارة ومن أول سؤال أدلى المناضل بكل ما هو مكتوب في الافادة، وأن الشرطي هذا قد حذره من عواقب ما يقول . الا أن المناضل أصر على الكلام وفضل أن يقدم كل ما لديه للسلطة.
هكذا تسير العملية كذباً وخداعاً، ولا يستطيع المناضل أن يثبت في المحكمة أنه تعرض لأي تعذيب حتى ولو كانت آثار التعذيب بادية للعيان. كل ما جرى في أقبية التعذيب يجري اخفاؤه، وينبري المدعي العسكري لكيل التهم والقاضي للحكم رغم دفاع المحامي الذي ينظر له من قبل المحكمة والسلطة نظرة سلبية لأنه يدافع عن الفدائيين ولا تحمل أقواله محمل الجد.
اذن بقي شيء شديد الأهمية وهو أن يمتنع المناضل عن تقديم أي افادة مهما كانت حتى يعجز طاقم المؤامرة عن تقديمه للمحاكمات الصورية. هذا هو جوهر الأمر.
هذا الامتناع يتطلب صلابة وصموداً في التحقيق، تفشل كل الأساليب، تصمد للضرب، ولا تستجيب للمؤثرات النفسية الأخرى. وهذا يتطلب أيضاً مزيداً من التماسك والفطنة، وثبات الشخصية، وانسجام في التفكير.
عندما يأخذ المحقق في طرح سمومه التشتيتية أو التشكيكية، فإن الاستعلاء من قبل المناضل على هذا الضابط الحقير والذي يدل على عدم التأثير والاستجابة ،يكفي لأن يغلق ضابط التحقيق فمه ويتعرى من أسلحته الهمجية واللاأخلاقية ويظل أمام خيارات صعبة بالنسبة له وسهلة بالنسبة للمعتقل مكتفياً فقط بالأسئلة المباشرة والتحقيق المباشر المكشوف والصراع المكشوف من أي غطاء، فاما أن يجبر المعتقل على الاقرار والاعتراف وهذا صعب جداً أو يسلم بعجزه عن ذلك.

8- التركيز على العواطف والقيم الاجتماعية:
ان محاولات تشتيت أفكار المناضل تأخذ عدة أشكال كلها تهدف إلى زعزعة صموده، ولكن عبر هذا التشتت الذهني، يستفرد المحقق بالمعتقل مركزاً على الجوانب العاطفية والانسانية والأخلاقية لديه، كما ذكرنا سابقاً فإنه لا توجد أية معايير تمنع المحقق من اتباع الأساليب والوسائل التي يعتقد أنها مفيدة له ومؤثرة في صمود المناضل قيد التحقيق. وقد حصلت عدة وقائع لا حصر لها في هذا الشأن منها قصة المعتقل (أ) وهو أب لثلاثة أولاد من بينهم فتاة جميلة في السابعة عشر من عمرها يبدو عليها تمام النضوج والتفتح للحياة، شديدة التعلق بوالدها الذي يحبها (بكل الدنيا كما يقول، ويغدق عليها من عطفه وحنانه ما لا يوصف من عطاء أبوي، يعيش هذا الأب مع أولاده، ومنذ توفيت زوجته التي كان يحبها، يشعر أن هؤلاء هم كل عالمه، هذا العالم المحاط من كل جانب بالألفة والمحبة والتفاهم. وفي يوم من أيام عمله مر عليه ثلاثة رجال طلبوا منه طعاماً وبعض المساعدة، قدم لهم حاجتهم بعين الرضا، وبعد أن لاحقة الواشون اعتقل وثبت في أقواله ثبات الفلسطيني على قضية، وبعد اليوم السادس عشر وبينما هو في قبو التحقيق، انفتح الباب عن ابنته عارية الصدر، منفوشة الشعر باكية، ولشدة ذهوله سقط على الأرض، وبعد أن رشوا عليه الماء أقعدوه، وأخذ أحدهم يغازل الفتاة ، ويعرض عليها نقوداً اذا ما قبلت بمضاجعته، ويمرر يديه على صدرها، ويحتضن بكفه ثديها، والآخر يساوم الأب الذي شعر بالعجز. فهو لا يستطيع أن يمنع الوغد الذي يطعن بعرضه، بل بما هو أغلى من كل الوجود، ابنته، والآخر يعده بطرد زميله ان هو ذكر لهم اسم الرجال الثلاثة الذين مروا عليه وأوصافهم، وان لم يذكر فإن أولاده الموجودين في الغرفة المجاورة سيتعرضون أمام عينيه لأبشع مما تعرضت له ابنته الغالية.
هذه هي ابنتك، هل تحبها، هل تخشى العار، هل هي غالية عليك، وسمعتك هل هي غالية عليك، ماذا سيكون موقف أولادك بين الناس حين يقال أن عرضها مهتوك، وأن أباهم باع ابنته للمخابرات كي تفرج عنه.. سأسمح لزميلي أن يضاجع ابنتك وبعد أن ينتهي تأخذها وتذهب للبيت أنت وأولادك بالسلامة، لا من رأى، ولا من دري... خذها...
وهنا طار صواب الأب وبعد أن حاكم المسألة بأنه اما أن يعترف ويسلم عرضه، أو يظل صامتاً ويطعن، بعد ذلك انهار وقال كل شيء).
هو رجل في الخامسة والخمسين، فلاح أمي شديد التمسك بالقيم، وشديد العطف على شرف ابنته الذي تدنس بين يدي رجال التحقيق وسيكون مصيرها الموت بالطبع غسلاً للعار، فالأسهل من زاوية النظر هذه أن يشي بثلاث رجال، ولأنهم مسلحون، يحكم هو بعشر سنوات، وينسف بيته- واذا استمرينا في وضع المسألة بهذه الصورة فإن خياره كان شديد الصعوبة، ولأنه (شهم) فرط بنفسه وبالرجال الثلاث حماية لعرض ابنته ولحياتها التي تهددت منذ أن وضع الجندي يده على ثديها دون ارادتها!
ان المسألة أمام هذ الرجل لم تكن مسألة انتماء عقائدي ثوري، بل انتماء عشائري وعقائدي عشائريي. وضمن هذه القيم فإن العرض أغلى من الأرض ومن الروح فهو يوازن بين طرفين يعطيهما نفس القيمة، وحتى يعطي ما يسمى شرفه العشائري قيمة أكبر من شرفه الوطني ويختار على هذا الأساس.
ان هذا النموذج من البشر موجود فعلاً في بلادنا واذا حدث وان مر بتجربة التحقيق واستطاع المحقق كشف نقطة الضعف هذه فسيستعملها ضده، ولكن المحقق قد يلوي عنقه في تجربة من هذا النوع، عدا عن ذلك فإن تجربة كهذه ليس بالضرورة أن تنجح.
ان رجل المخابرات لم يحضر الفتاة لأقبية التحقيق بهدف المتعة معها، وهو ان مارس اي شيء انما يمارسه بغية الضغط والاذلال والترهيب من خلال اثارة العواطف استناداً على فهمه للقيم الاجتماعية التي يتحلى بها المعتقل.
وعليه، ومع أن كل أب يثار لمصلحة ابنته، فان هذه الابنة لا يتعين بالضرورة أن تحجب المسألة الوطنية بل يمكن استعمالها فيما لو حصلت كنوع من بلبلة المحقق نفسه وافشال خططه.
وان موقف المعتقل أمام هذا النوع من الضغط والإثارة بطريقة تعكس صموده وصبره سوف تعني فقط أن طاقم المحققين بذل جهداً وأضاع وقتاً دون جدوى. ان المحقق الذي يهدد بجلب الأولاد أو النساء وضربهم والاساءة اليهم انما يهدد صمود المعتقل وليس الاولاد مهما كانت ممارسته معهم، وتجربة الأولاد ستكون فخراً لهم اذا ما توجت بصمود والدهم وصلابته وعدم خضوعه للضغط والإبتزاز.
فمن باب أولى أن يحرص المعتقل على نفسية وكرامة أولاده، بأن يصمد ولا ينهار ليكون في نظرهم بطلاً تعرض لكل هذه الأشكال من التعذيب والضغط وصمد.
لقد كثر استعمال هذا الأسلوب في الآونة الأخيرة دون جدوى تذكر فعلى ما يبدو أن أنواع المعتقلين المختلفة قد أدركت اللعبة وأفشلتها، وليس قليلة الحالات التي يعرض فيها أحد الأبناء أو الأقرباء على المعتقل في التحقيق وينكر أية صلة شخصية به، بل حتى ينكر أنه يعرفه وهذا بالتأكيد يسقط في يد المحقق ويزعزع نهجه في التحقيق ويدفعه للنتيجة المرجوة (اعلان افلاسه).
ان المحقق الذي لا يتقيد بأية قيم انسانية شريفة، يفترض أن المعتقل وفي ظل ظروف التحقيق سوف يثار من أية مشكلة... قيمه الأخلاقية على وجه الخصوص، وضعه الجنسي، سمعته الشخصية وربما الوطنية، وليس غريباً أن يجري اعتقال مواطنين من قريته أو أقربائه أو من عشيرة أخرى ويوحي لهم بأن فلان هو الذي اعترف عليكم، ثم يستغل هذه الوضعية المؤثرة ضد فلان هذا ويضغط عليه ليعترف بما لديه مقابل الافراج عن الآخرين وانقاذ سمعته في القرية، أو انقاذ القرية من مذابح بين أفرادها.
ان الحقيقة سوف تظهر في يوم ما. فاذا اعتقل عدد من الناس حقيقة ، أو أو أوهم المعتقل بذلك، فان هذا لا يبرر الخضوع لرغبات المحقق والانسياق وراء ألاعيبه، والآخرين سيفرج عنهم حتماً في أقرب فرصة وتنتهي المسألة.
وقد لا حظنا في كل مرة أن المحقق يتصرف هذا التصرف أو ذاك ويستمر عليه ويكرره بقدر ما يعتقد أنه سيعطي نتائج مرجوة له، أما اذا لاحظ أن تصرفه هذا سيثير مزيداً من الصمود والصلابة والحقد عند المعتقل فإنه سيتجنبه .ان المحقق الذي يمارس كل هذه القذارات من موقع السلطة يستحق السخط والنقمة المتزايدة وان يستمر التحدي معه حتى النهاية لتحطيم نفسيته هو، وتشكيكه بقدراته وأساليبه هو حتى يرفع الراية معلناً الهزيمة.
ومن المناسب الاشارة هنا أن المحقق يتعلم كيف يعامل المعتقلين في التحقيق، ويتعرف على ظروف حياة المجتمع وقيمه من خلال دروس مجردة يعتقد هو أن ما تعلمه ملائم لكل فرد، وحتى بالرغم من تجربته فإنه يظل يحمل في فهمه قوالب مفصلة سلفاً يحاول تطبيقها على هذا أو ذاك، وحينما يجد أن هذا القالب غير ملائم فإنه يبحث عن غيره، فالمحقق قد يستمر في الحديث عن البيت والأطفال والزوجة لكل أب يعتقل، وهو لا يعرف بالضبط مدى جدوى حديث كهذا مع كل معتقل بل يحاول أن يتحسس بعض الآثار.
ان المحقق قد يستمر في الحديث عن شرف العشيرة وكرامتها مع شخص لا يتقيد بالقيم العشائرية، وربما يستمر في الحديث عن حالة الأم وبؤسها نتيجة اعتقال ابنها علماً بأن الأم متوفية أو خارج البلاد ولا علم لها بالمسألة، أو يستمر في تفصيل هذه الثياب أمام معتقل ثوري ملتزم لا تهزه لا هذه الأساليب ولا غيرها معتقداً أنه ما دام هذا المعتقل عربياً ومن القرية الفلانية فسينال من صموده بهذا الأسلوب اذا اتبع التلقين الذي تلقاه أثناء دوراته ودروسه.
وعليه فإن أساليب الاثارة التي يستخدمها المحقق قد تلقّاها جاهزة من أسياده وأساتذته، على أنها مجربة من جهة، وممكن أن تؤثر في صمود أي معتقل من جهة أخرى .وسر نجاحها مع بعض المعتقلين نشأ أساساً من كونهم مستعدين للتعاون مع المحقق مهما كان حجم سقوطهم، أما فشلها في الحالات الأخرى فهو الأمر الطبيعي وليس الاستثناء.

9- المفاجآت والصدمة:
من المعروف أن المفاجآت وخاصة عندما تكون غير متوقعة تؤدي الى انقطاع سياق التفكير القائم وربما احداث بلبلة أوتشوش في تركيب ذهنية الفرد لفترة قصيرة أو طويلة، وقدرات الأفراد على تحمل الصدمات من هذا النوع متفاوتة . فالأم التي تتصور ابنها بين أقرانه مرحاً وسعيداً، وبينما تكون هي منخرطة في حالة نفسية معينة أياً كانت يأتيها الخبر المفجع بوفاة ولدها، لا شك أن مفاجأتها بالخبر تحدث لها صدمة معينة، وقد يشل تفكيرها لفترة تطول أو تقصر، والمعتقل في التحقيق الذي يظن أنه الوحيد المعتقل من بين أفراد الخلية أو المجموعة بينما الآخرين في مأمن ، وان فلان بالذات لن تطوله أيدي المخابرات، وفجأة ينفتح باب القبو ليراهم دفعة واحدة، أو يرى أحدهم .إنه سيتأثر الى هذه الدرجة أو تلك، ويتعرض لصدمة معينة بقدر ما يكون المحقق قد أعده لذلك، وبقدر ما يكون هو مستبعداً الأمر. والمعتقل الذي يعتقد أن زميله في الزنزانة الأخرى لا يمكن أن يعترف بشيء وأنه مثاله في الصمود، وهو بالتالي في مأمن من أية وشايات من طرفه، أو أية سقوط يؤدي الى الحاق التأثير بصموده وانتمائه، وفجأة يدخل المحقق حاملاً المعلومات الأكيدة عن انهياره جزئياً أو كلياً، معلومات صادقة أو تخمينية، هذا المعتقل قد يصعق للحظات.
أو عندما يفاجأ أحد المعتقلين برفيقه المسؤول الذي كان طوال الوقت يعلمه دروس الصمود والتضحية والبطولة يدخل عليه القبو بصحبة المحققين ليقول له (انتهى كل شيء وما عليك الا أن تعترف) أو كما حصل في احدة المرات حيث دخل مسؤول مجموعه على الأعضاء الذين كافحوا آثار التعذيب وصمدوا لمدة ستة عشر يوماً متواصلة، دخل المسؤول بشكل مفاجيء ليقول لهم ( آمركم بأن تعترفوا فقد انتهى كل شيء ورتبت أمر الافراج عنا مع الحاكم العسكري ... ) سيتعرضوا بالفعل لمفاجأة قوية. أن مفاجآت من هذا النوع مؤثرة بدون شك وهي وان لم تسبب صدمة قوية فانها على الأقل تثير التشوش الى هذا الحد أو ذاك للحظة أو لحظات وهذا ما يبغيـه المحقق بالتحديد لينهال على المعتقل بضغوطات ومؤثرات مستغلاً حالة البلبلة أو المفاجأة او الصدمة باغياً الاعترافات والتعاون.
ليس من شك أن للخبر المفاجيء ، أو الحدث الغير متوقع أثره على نفسية الانسان فالانسان يتأثر بالمفاجآت ويتأثر بالأحداث عموماً ولكن لأي مدى ؟
لنتصور معاً مناضلاً عنيداً تحمل كل آثار التعذيب لمدة ستة عشر يوماً (بعض المعتقلين تحمل أضعاف هذه المدة ) ولم يدل بشيء أي أن التعذيب لم يفتّ في عضده، وتجاوزه بنجاح، وبعد يوم استراحة ، يطلبه المحقق ويقول أمامه بضع كلمات ، فيتناول ورقة وقلماً ويدلي بما لديه.
ان تحليل هذه الظاهرة (بالفعل تكررت مئات المرات ) قد يساعد على الفهم : التعذيب والأساليب الأخرى. تملك أثراً تراكمياً على الانسان ولكنه لا يشكل نسقاً واحداً بل عدة انساق متناقضة وخاصة أن المعتقل تجاوز ستة عشر يوماً من التحقيق فبقدر ما يسعى المحقـق لاحداث الهزة ، فان المعتقل وعبر الجولات المتعددة كان لديه ما بعزز صموده اللاحق استناداً الى صموده السابق وهذا تناقض داخلي في مضمون مرحلة التحقيق ووضع قطبي التناقض متفاوت في عملية التأثير المتبادل ، بعد سياق كهذا يتعرض المعتقل لمفاجأة تملك أثراً ترابطياً على الآثار النفسية السلبية الناتجة عن عمليات التحقيق وهذا يفسر استجابته الفورية. لقد عززت المفاجأة استعداداً خفياً أو طفيفاً لدى المعتقل بالاعتراف . هذه هي المسألة وكان من الممكن وبكل بساطة ان لا يحدث ذلك بل تفعل المفاجأة فعلها في تعزيز الصمود وخلق الارتباطات بين جوانب التأثير النفسي الايجابي الذي نشأ عبر مرات الصمود السابقة في الجولات السابقة.
وبالتالي نحن أمام حالتين في الواقع تؤديان الى نتيجتين مختلفتين : مفاجأة تؤدي الى الضعف ، وأخرىتعزز الصمود ، واذا كانت هاتان الحالتين واقعيتين ، فان حالة الضعف غير مبررة. فالمعتقل المعد سياسياً للنضال ، ومعد لمجابهة التحقيق وأساليبه لن تفوته فرصة ادراك غاية المحقق من طرح هذه المفاجأة .واذا كان صمد للتحقيق ستة عشر يوماً فهذا أكبر دليل مادي له على قدرته على الصمود حتى النهاية ولذا فإن ادلائه بالمعلومات هو سقوط مشين. ان مئات الحوافز الايجابية تفعل فعلها في لحظة كهذه الى جانب الحوافز السلبية، ولكن التصرف الواعي هو الذي يحسم المسألة فلم يحصل أن انهار أحدهم بفعل الغريزة أو الدوافع الخفية. بل بعد حكم عقلاني هو خاطئ بالتأكيد.
"فلان اعترف عليك يقول المحقق!" فيقول المناضل في نفسه "أنه اعترف فقط عن نفسه وعبر فقط عن شخصيته المهزوزة اذا كان هذا الكلام صحيحاً أما أنا فلن تهتز لي قناه وسأحمل بنفسي عبء الصمود ليس بوصفه تضحية بل بوصفه واجباً مقدساً."
هذا ما يمكن ان يعتمل في نفسية المناضل الثوري بعد امتحانه بالمفاجآت المنغصة في أقبية التحقيق .. وليستمر الصراع حتى يأخذ مداه "أنا جزء من شرف الحزب وعليّ يقع عبء صيانة هذا الشرف".
هذا هو الاطار العام لأسلوب الصدمات النفسية والمفاجآت القاسية : مفاجآت عاطفية ، سياسية ، معلومات هامة يعبر المحقق عن معرفته بها ، أفراد زملاء يقبلون بمشاركة المحقق مهامه ضد المناضل بالقدوم الى قبـو التحقيق ونصحه بالاعتراف ، أو الاعتراف أمامه ، زميل في الزنزانة مدسوس يتفاعل مع المناضل ويحصل منه على معلومات يقدمها للمحققين فيواجهونه بها، وغير ذلك ضمن نفس الاطار ونفس الهدف الذى يتحرك خلاله المحقق للحصول على المعلومات والادانات وتوجيه الضربات بالتالى للحزب والثورة.
والمحقق لا يتبرع بتقديم المفاجآت اعتباطاً ، بل هو يتبع أساليب عديدة، ارهابية وتشكيكية وخلق أجواء نفسية معينة ثم يقدم العوبته ، ومع ذلك فان هذا النهج قابل للفشل أيضا فالذي تجاوز الأساليب السابقة فإنه سيتجاوز اثر بضع كلمات. المهم ان المحقق يعتقد أن المعتقل سينهار اذا ما فاجأه بعض الشيء ،فيستل سلاحه ويضرب ولكن هذا السيف قد يكون من ورق وعلى الأكثر من خشب، يخدش ولا يقتل ، فينطوي المحقق على نفسه مفكراً لا يلوي على شيء وليس أمامه الا أن يستمر في الضغط محاولاً الحصول على نسبة أقل فأقل إلى أن يتحقق من أن المفاجأة قد فقدت أثرها ليكون أحد الأساليب الخطيرة في نظره قد فشل. وماذا بقي؟.
ان ما يمكن ان يسمى مفاجأة ليس صدمة أو مفاجأة في نظر الجميع ، أن المحقق يفكر أن قوْل شيء ما سيكون مفاجأة لأحد المعتقلين من صنف معين فيقدم له شيئاً ما على أنه مفاجأة . هذا الصنف من المعتقلين وهم الأكثر بساطة هم الذين يتعرضون لأساليب كهذه. أما في حالة المعتقل المحسوم ثورياً، والذي يحمل رجل التحقيق عنه فكرة أخرى على أنه مجرب ، او شخصية شديدة التماسك فان المحقق سيقدم له كل المعلومات التي تعتبر مفاجأة ويمكن أن تحدث صدمة لغيره، يقدمها له في سياق الحديث والمحاصرة، وربما منذ الجولات الاولى ، فليس كل معتقل في نظر المحقق يمكن مفاجأته . وفي كلتا الحالتين فإن تقديم المعلومات للمعتقل يمكن أن يفيده لا من باب المفاجأة بل من باب فهم وضعه في التحقيق مما يساعده على حسن التصرف واستمرار الثبات.
ومن المناسب أن نؤكد هنا أن مواجهة التحقيق لا تتم بشكل جماعي .. أن معركة التحقيق المدعومة بكل ما يمثله طرفي الصراع هي معركة فردية من حيث الواقع أنها معركة المعتقل بلحمه ودمه، بوقوفه في المقدمة وفي أصعب مراحل الصراع بصورة عامة . فكل أشكال الصراع الأخرى يخوضها المناضل محاطاً مادياً ومعنوياً بمنظمات وجماهير وتحليلات وقرارات وأطر سياسية ، أما معركة التحقيق فيخوضها فردياً ممثلاً عن كل هؤلاء ومعبراً عن تركيز وتكثيف شديد عن الطرف الثورى .. ان وقوفه كفرد (مع ان هذا لا يلغي ارتباطاته المتعددة) يعني أنه هو لوحده الذي يتخذ قراراً بالصمود في لحظة من اللحظات دون الاهتمام بما يقره الغير من زملائه في التحقيق. أنه هو ، وهو فقط صاحب القرار، وصاحب الموقف، وليس لموقف وقرارات الآخرين بالاعتراف، أو بأي شيء آخر.
وعليه، اذا اعترف فلان، أو اذا كان علان عميلاً، أو اذا كانت المخابرات تعرف أنه مناضل فإنه سيظل هو بلحمه ودمه وأعصابه يتحمل مسؤولية المواجهة ما دامت قد وقعت . وعلى فرضية انـه سيتعرض للمحاسبة بعد خروجه من السجن وهذا هو الأمر الطبيعي ، فإنــه لا يستطيع أن يتذرع بأن فلان اعترف، وأن فلان آخـر نصحه بالاعتراف، أو ان المحقق قال له بأنه يعرف كل شيء، بل إنه سيحاسب عن نفسه وعن سلوكه دون أية تبرير، وهو فقط الذي يتحمل المسؤولية لأن المسؤولية في التحقيق تظل في جميع الأحوال فردية، وكل من يدلي بمعلومات تضر بأمن الحزب والثورة لا يستحق شرف الانتماء النضالي من خلال الحزب أو المنظمات الثورية.
على المناضل أن يدافع بكل ما لديه من اسلحة بــل يهاجم اذا قيض له ذلك، فالمحقق أمامه ما هو الا مأجور مرتزق يتقاضى راتباً قد يكون سخياً لقاء عمله وغالباً ما يكون المحققون من أحقر الناس، بل من السقط الاجتماعي وهم لا يستحقون الا التحقير والتبخيس على أدوارهم القذرة التي ارتشوا من أجل القيام بها، علاوة علــى أن فوقيتهم في التحقيق و تعاملهم الحقير مع المناضل تتطلـب الرد الثوري باحتقارهم وعدم الاذعان لهم.
ان أسلوب الصدمات الناشئة عـن المفاجآت، وأساليب التشكيك والتهويل وغيرها، مصحوبة بالضرب والتعذيب ما هي الا مناورات محبوكة يستشف المحقــق فرص استعمالها بناء على حالة المعتقل المفترضة كمــا يفهمها المحقق. أنها مناورات وتاكتيكات عبر عمليـــة الصراع تهدف الى خلق حالة نفسية ضعيفة، ومن ثم الاجهاز على المناضل. هذه الأساليب التي اذا استوعبها المناضل تفاعل معها بصبره أو بمناورات مضادة أهمها التبيان بين كل مناسبة وأخرى ما يفيد أن المناضل ليس لديه ما يقوله وأنه لا يعرف شيئاً ولا ينتمي لأية جهة.
10- أسلوب الشراء وعقد الصفقات:
بعد أن تفرض أجواء التحقيق وتمارس عدة تصرفات وأساليب، وبعد أن يظهر المحقق نفسه منتصراً وعارفاً وقادراً...، وبعد عدة محاصرات ، وبعد ان يكــون المناضل قد جابه كافة الأساليب بصبره وصموده وأفشل المحقق في الواقع، يظل امام المحقق باباً يطرقه اذا أتيحت الفرصة وهو باب الصفقات والشراء . فالمحقق لم ‏يستطع الحصول على شىء، ويفتش عن حلقة يعتبرها هامة ويريد كسرها فيصور للمعتقل بأن وضعه السيء في التحقيق باق الى ما لا نهاية، وان اعتقاله سيكون طويلاً، ولا حل أمامه الا بالتعاون مع المحقق وخدمة المخابرات في التحقيق مقابل الافراج عنه شريطة أن يدلي بكل ما لديــه ويشـي بجميع الرفاق ... يبيع ويقبض الثمن وبالتالي يتحول من مناضل جريء الى عميل وضيع وخسيس.
ان عرض المحقق بهذه الصورة له عدة مغازي:
1. المحقق بهذا الأسلوب يهاجم وطنية وثورية وانتماء المعتقل سواء نجح أم فشل.
2. المحقق في الحقيقة يعبر عن فشله في الحصول على المعلومات والاعترافات بالطرق الأخرى وهذا نوع من الشهادة.. شهادة العدو يقدمها طائعاً مختاراً على صلابة وصمود المعتقل.
3. المحقق يهدف إلى اسقاط حلقة ثورية مرة وإلى الأبد اذا حقق هذه الصفقة فهو لن يضمن الحصول على المعلومات فحسب، بل ضمن سقوط مناضل ثوري من ساحة النضال وقد يستمر السقوط والتعاون بعد التحقيق.
4. المحقق يريد شراء أحد المناضلين ليكون أداة بيده لارغام المناضلين الآخرين على الاعتراف و المساس بصمودهم وعلى الأقل اظهاره أمام زملائه كنموذج متساقط.
5. المحقق يهدف إلى غاية عامة مفادها التشكيك، تشكيك المعتقلين خاصة والمناضلين عامة ببعضهم البعض واحداث تفسخات فيما بينهم أثناء وجودهم في المعتقل وبعد الاعتقال.
6. في غالب الأحيان تكون هذه الصفقة صورية من جانب المحقق الذي يريد الحصول على المعلومات عن طريق الخداع الى أن يضمن الحصول عليها وكتابتها والتوقيع عليها.
وهكذا فإن هذا الأسلوب من وجهة نظر المحقق يمكن أن يحقق غايات فيما لو تمكن من الذهاب بعيداً .وسواء أوفى بوعوده أو لم يوف كما يحصل عادة فإن المعتقل يكون قد وضع في حالة من الصراع والتفسخ ليست قليلة اذا ما دغدغت عروض المحقق عواطفه الفردية وذاتيته الراغبة في الخلاص بأي ثمن.
ان احداث الآثار النفسية الناشئة عن العرض هو غاية بحد ذاتها فإن أمكن ذهب المحقق خطوات أخرى، وإلا فإنه سيستمر في المؤثرات النفسية والجسدية بهذا الأسلوب أوغيره أو بعدة أساليب معاً.
المحقق يصور المسألة بشكلها المتكامل أمام المناضل: (تعاون معي... سأكتم كل شيء.. ولن أخبر أحداً بشيء.. ستخرج... نعطيك فلوس وكل أساليب الراحة وتصبح صديقاً لدولتنا.. ونعطيك مسدس اذا أردت.. تعاون معي .. وسنكتم كل شيء وبالتالي يمكنك أن تخرج من السجن بطلاً، وتقول لأصدقائك ومسؤوليك أنك صمدت في التعذيب ، وتلقيت ضرباً وارهاباً فظيعاً ولكنك تحملته ولم تقل للمخابرات شيئاً... ونحن لن نعتقل أحداً... فسيصدقونك وتصبح مسؤولاَ كبيراً معهم ومعنا ،ونحن ندبر أمر اعتقال أو مراقبة الآخرين ومن أجل خاطرك لن نعتقل أحداً إلا اذا طلبت منا ذلك...) وبهذه الأطروحات وغيرها يهدف المحقق إلى تركيز ذهنية المعتقل في مسألة محددة ومشينة بغية التفكير في قبول العرض أو رفضه وهنا تنصب ضغوطات ومغريات المحقق إلى أبعد الحدود.
لقد سقط بعض من كانوا نسوراً في مناخ كهذا وابتذلوا أنفسهم غاية الابتذال ، وبعد الاعتراف ينصحه المحقق بالبقاء في السجن قليلاً لحين المحكمة والافراج عنه بطريقة شرعية بدلاً من طرق تثير الشبهة، أو قد لا يحتاج المحقق لمزيد من الخدع، بل يصفع المعتقل على قفاه ويتركه في الأغلال إلى ما شاء الله.
صحيح أن موقف المحقق يختلــف ازاء المعتقلين المختلفين فقد تستمر اللعبة بعد انزال المعتقل الى السجن حيث تقيم أجهزة الأمن معه اتصالات وتستمر في امتصاصه وتطالبه بالوشاية على زملائه في السجن، واعطاء تقارير عن نشاطاتهم وطرق تفكيرهم، وأي معلومات عن انتمائهم ونشـاطاتهم السابقة او الحالية، وتتذرع اجهزة الأمن بأنها بهذا أنما تمتحن صدق واخلاص المنكود.
وليس مستبعداً أن تقوم أجهزة الأمن بحرقه على أنه هو الذي وشى بالجميع متبرعاً .. أن كل شيء محتمل عدا الافراج عن تلك الحالة التي لم تتكرر الا نادراً جداً وبشكل مذل للغاية حينما تكون التهمة بسيطة وعيارها غير ثقيل.
اما الحالات الغالبة التي تتم فيها صفقات من هــذا النوع فهي في العادة تكون ذات أهداف جزئية واسعار محددة سلفاً وغير قابلة للوفاء (اعترف بما عندك.. نتفق سوية على مقدار الاعتقال وليكن سنة واحدة أو ستة أشهر ومهما حكمتك المحكمة سنفرج عنك بعد قضاء المدة... ونحن على استعداد لكتابة اتفاقية خطية بيننا وبينك ويوقع عليها الضابط المسؤول...) بفرض أن أحد الاغرار وقع في الشرك، فإنه يتقيأ بما لديه ثم يلقى به في السجن (كالليمونة المعصورة) كما يقولون.
ان الجهل وحده والجبن والتخاذل هو الذي يمّكن ضابط التحقيق من جني شيء من هذا الأسلوب. ان غالبية المعتقلين لا يعطون المحقق فرصة اتباع هذا الأسلوب ويظهرون مقتهم وغضبهم على المحقق الذي تسول له نفسه مساومتهم موجهين له بذلك صفعة أخرى في سياق الصراع بينه وبينهم.
ان هذا الأسلوب في نظر المناضل الثوري هو مس مباشر بالكرامة الوطنية والانتماء الوطني حيث يرد عليه المناضلون غالباً بتوجيه اهانات مماثلة للمحقق ولجمه عن الاستمرار في قيئه القذر، وبهذا يسقط أسلوب المحقق ويعلن افلاسه بطريقة من الطرق.
أما اذا فكر المعتقل بخداع المحقق والتظاهر بأنه قبل الصفقة، ويعطى شيئأ ما فان هذا المعتقل انما يعطي المحقق آمالاً كبرى بالنجاح والاستمرار في ‎التحقيق حتـى يمتص ما لا يستطيع امتصاصه. فتصرف المحقق بالأساس هو خدعة فيجب تفويتها وليس التساوق معها وصفع المحقق بمزيد من مواقف الصمود والصلابة.
فخداع المخابرات غير مجدي هنا بل ان نتائجه القاسية محتومة، لأن المخابرات لديها وسائلها الكثيرة للابتزاز. كما ان الدخول في لعبة من هذا النوع في غاية الخطورة وتثير الشكوك من رفاق النضال . فهي ورطة كبيرة تبدأ ولا تنتهي كما أنها استخذاء للعدو واعتراف بقوته والخضوع لها.
أن دخول المحقق في نفسية المعتقـل عن طريـق الصفقات التجارية ومحاولة شرائه انما هو تعبير عن درجة التفاعل القائمة بين الطرفين في مرحلة من المراحل الذي يعكس في كل لحظة وزن كل طرف ازاء الآخر وتقييمه لدوره ولتفاعلاته ، ولشخصيته . أي يعكس صورة الواحد منهم في نظر الآخر ومجموع جوانب الوحدة الجدلية لكل منهم في مواجهة الآخر.
هذا الفهم هو الذي شكل نقطة انطلاق المحقق في طرح ما يجول بخاطره وكما قلنا في البداية فإن المحقق يرمي بهذا الصنارة بهدف الاصطياد. وهذا هدفه عندما يمارس أية أسلوب من الأساليب الأخرى مع فارق أنه يريد أن يمزق هذه المرة ليس من داخل المجموعة المعتقلة أو المجموعة المناضلة فحسب وانما من داخل المناضل نفسه ليكون هو بنفسه المخروق والخارق لغيره في نفس الوقت أي ليكون عميلاً في صف العدو يستند على وضعه النضالي السابق وهذا أخطر ما في الأمر.
ان المحقق يريد أن يخرقه ليحوله إلى ملاءة قذرة ليلقي بنفسه وقذاراته على رفاقه، يشي بهم، ويشهد عليهم، ويساعد المحقق بصورة مباشرة في مهامه ازائهم وبعد أن يقوم بمهمته يلقي به المحقق في كيس النفاية كأي خرقة انتهى من استعمالها ولم تعد تصلح.
وحينما ينزل الى السجن يتذرع بأنه لم يستطع الصمود وأنه ليس عميلاً بل (فقط) منهار .. (مسكين) وما الفرق بين عميل جندته السلطات خارج السجن وآخر جندته أثناء التحقيق. الفرق هنا في الخطورة فالمناضل الذي تجنده السلطات تحت هذا الاسم أو ذاك في أقبية التحقيق هو أشد خطراً وخسة ونذالة من الآخر لأنه (ينبش من داخل القلعة) ولا يمكن أن يريح ضميره المنحط بكلمات المسكنة ولا بد أن ينكشف أمره .
ان وزن المنهار بهذه الصورة هو وزن العميل تماماً ولا يستحق أن يعامل الا هذه المعاملة.
ان أسلوب الشراء لا يقتصر على اجبار المعتقل على اعطاء المعلومات في التحقيق، بل قد يستدعي المحقق المعتقل ويبلغه أن لدى المخابرات كافة المعلومات التي تدفعها للتحقيق معه وايداعه السجن وهي كذا وكذا وكذا.. على شكل مفاجأة ثم يطرح عليه الصفقة على أن يوافق ويذهب الى البيت ليصبح أداة ثابتة في أيديهم وطبعاً خلال ذلك يدلي بكل المعلومات وما هو أفظع ! وبعدها يطلب الى التحقيق وبكل بساطة يوقع الافادة وما يستتبعها.
قد يفكر البعض أن بامكانه خداع رجال التحقيق، فما أن يطرحوا بضـاعتهم حتى يوافق عليهـا ، ولكن المحققين لا يلعبون معه ، وهم سيستكملوا التحقيق بكل السبل وصولاً إلى تركيع كامل، بما يتبعه من عماله داخل وخارج المعتقل ولقاءات وتبادل أسرار ومواعيد وشارة (x) بجوار البيت تأكيداً على موعد مع المخابرات في أوكارها ومكاتبها...
ان الثورة، أو أي حزب ثوري يرفض أن يدخـل أحد أعضائه في أي صفقة من هـذا النوع مهمـا كانت الأهداف والنوايا في البداية وان الموقف الثوري الصحيح هو مجابهة اشكال التعذيب والتحقيق وليس تحويــل المناضل الى جبان وخرقة قذرة يتعاطى مع العدو كما لـو كان صديق ويفشي له أسرار الثورة ويجالسه ويتشـــاور معه في ترتيبات الايقاع بزملاء النضال!

11- الحرق السياسي والتشهير
يعتز المناضل بانتمائه وشرفه الوطني بين رفاقـه وأبناء شعبه ووطنه ، وهو من خلال انتمائه الوطني هذا يجسد نضاله ويدفع التضحية تلو الأخرى تلبية للواجب، وقد يسلخ المناضل سنوات وسنوات من عمره في معمعان النضال، وليس أعز على نفسه في نفسه من أن يعترف به رفاقه الذي يناضل معهم، وأبناء شعبه المكافح على أنه في الخط الوطني، ومناضل من أجل الحرية ... هذا الاعتراف الذي يمكّنه من التفاعل في الوسط الجماهيري وممارسة التأثير والتحريض ومستعد لتحمل كل أشكال التعذيب وكل عسف التحقيق بصلابة وشرف. ان المناضلين من هذا النوع يسجلون في أقبية التحقيق أسمى آيات البطولة والصمود، ويفقئون عيون محققيهم.
غير ان المحقق الجلاد الذي يشتعل قلبه غيظاً أمام هذا الطود الشامخ والذي لم يستطع النيل منه لا يرمي سلاحه ببساطة، فقد يكون المعتقل هذا في نظر المحقق ورجال الأمن على جانب كبير من الأهمية، أو قد تكون لديهم خطة تخريب معينة يصلح هو ليكون بطلها معتقدين أن ألاعيبهم يمكن أن تمر مع أي مناضل. ورجال المخابرات الفاشيين يستعملون أسلوب الحرق والتشهير بسمعة المناضل الوطني أو لأفراد مختارين من بين ثلاثة أنواع:
1- شخصيات ذوي سمعة وطنية ونضالية عالية: حيث يقوم رجال الأمن ببث الاشاعات عنهم بأنهم اجتمعوا معهم وتداولوا معهم في أمور سياسية واجتماعية وغير ذلك مما يوحي بأنهم متفاهمين مع السلطة ويتظاهرون بعدائها أمام الناس فقط.
2- معتقلين وطنيين لم يدلوا بمعلومات أثناء التحقيق معهم: والأمر هنا أكثر أهمية لأن الوضع الاعتقالي المنغلق أثناء التحقيق والذي لا يمكّن المعتقلين من التفاهم فيما بينهم وتبادل المعلومات أو نقلها للخارج، ولأن المعتقل في هذه الحالة يصوغ أحكامه من خلال مشاهداته ومسامعه واستناداً لملاحظات بسيطة يبني عليها ما يشاء وفقاً لقدراته الذهنية. فإذا ما كان بعض هذه الملاحظات أو المظاهر التي يشاهدها مدسوسة ومتعمدة فقد يبني عليها تصورات خاطئة تسيء لصموده ولصورة رفاقه المناضلين المعتقلين معه.
وكما ذكرنا في مكان سابق فإن عملية الحرق والتشويه ممكنة من خلال القليل من المظاهر كأن يوضع المناضل المراد حرقه في موضع يثير الشبهة لبضع مرات دون أن تبدو عليه ملامح المعاناة، ومثال على ذلك يمكن أن تجلس مجموعة من الضباط العسكريين الذين ليس لهم صلة مباشرة بالتحقيق على طاولة مريحة ومعهم أحد المعتقلين الذي يتم استدعائه لأي سبب فيراه هؤلاء الضباط العسكريين ويتكلمون معه بهدوء في مسائل تهمهم ثم يفسح المجال لزملاء آخرين من المناضلين بصورة متعمدة لمشاهدته في هذا الوضع مع الايحاء لهم بأنه يتعاون مع السلطات وأنه في جلسته هذه وجلسات أخرى يعبر عن هذا التعاون وها هو يدخن السجائر ويشرب القهوة ويجلس مع عدد من الضباط ذوي الرتب العالية بهذا الصدد..
ان النماذج من هذا النوع تظل بسيطة ويمكن أن يفسرها المعتقلون لبعضهم البعض مع الايام ، وحتى يمكن أن يكون لديهم فكرة مسبقة عن سلوك السلطة هذا .. فوقوف مجندة الى جانب المناضل أثناء التحقيق، أو اخفاء اسمه تماماً اثناء استجواب الاخرين، او الايحاء لهم بانه هو الذي وشى بهم قبل الاعتقال، او حتى الايحاء بأن أحدهم ( دون ذكر الاسم ) متعاون ويقدم كل المعلومات اللازمة .. فمن السهل تجنب وكشف كل هذه النماذج و تجنب آثارها مع انها في بعض الاحيان يمكن أن تحدث الخلل المطلوب.
غير أن هناك نماذج أكثر خبثاً يعبر عنها رجال التحقيق من خلال فرص أفضل تعطى لأحد المعتقلين في التحقيق في المعاملة، واسقاط بعض التهم التي يكون هو قد اعترف بها وعدم ادراجها في لوائح الاتهام .
ان هذا السلوك المقصود يثير التساؤلات حقاً ، وحول مسألة التهم الموجهة نفسها من الممكن أن لا يكون المناضل قد اعترف ببعض التهم وبالتالي لا توجه له في لائحه الاتهام ولكن السلطات تلجأ الى الايحاء بأنه قد أعفي منها عمداً من قبل المخابرات لأسباب معينة مما يوحي بوجود تعاون متبادل بين الطرفين.
لكن الأكثر خطورة في عمليات الحرق ، ان تعتقل مجموعة مناضلين ويجري بعد فترة قصيرة الافراج عن احدهم رغم وجود شواهد ضده دون الافراج عن الآخرين... ومهما يكن هدف المخابرات من هذه العملية التي قد تكون طعماً أو استكمالاً لخطط تتعلق بعمل الحزب ومناضلية فان المحققين والمخابرات لن يتورعوا عن الايحاء بأنه تم الافراج عنه لأسباب غامضة توحي بتعاونه مع رجال التحقيق والامن مستكملين عملية التشويه هذه في قريته أو مدينته عن طريق الاشاعات التي يطلقها عملاؤهم.
وليس غريباً أيضاً أن يجري التحقيق مع جميع أفراد الخلية أو المجموعة باستثناء واحداً يبقى في الزنزانة لفترة ثم ينقل للمعتقل دون أية تحقيق بينما الباقين يتعرضون لكل اصناف التعذيب... أن هذا الوضع سيثير شبهة زملائه وشبهة كل المعتقلين الآخرين مما يجعله في وضع لا يحسد عليه من الصراعات النفسية، والنبذ والهمس والتشهير ويبقى في هذا الوضع الى أن يصبح ضعيفاً وهشاً حسب تقدير المخابرات ثم بعدها يجرى استدعاؤه للتحقيق معه. وليس من المستبعد أن تطلق المخابرات ومن خلال عملائها سيلاً من الاشاعات حوله وتكثف من اعمال المضايقة له أيضاً.
أن عملية التشهير والتشويه هذه شديدة التأثير وقد تعرض لها العديد من المناضلين الصامدين الذين أودعوا السجن الاداري والذين سلطت عليهم جهود العملاء بالاضافة الى قيم متخلفة فى السجون وخاصة سجون التوقيف مثل سجن غزة والخليل ورام الله وجنين ونابلس وطولكرم . تلك السجون التي حصل وان تعرض فيها معتقلون اداريون لاضطهاد قاسٍ وتشهيرات وتشويهات أمنية وأخلاقية فبرزت ثلاث حالات جديرة بالذكر ، حيث قام أحدهم ونتيجة للمعاناة والضغط القاسي ، قام بطلب مقابلة المخابرات وعاد من عندهم يحمل على كتفة العديد من التهم الثقيلة التي اوصلته للسجن المؤبد ، وبالرغم من أن هذا السلوك غير مبرر الا ان الهدف من طرحه تبيان سلوك المخابرات وعملائهم ازاء المناضلين الذين يرغبون في تشويههم .. يوجد حالتين اخريين احدهم وقف وسط الغرفة مدافعاً عن نفسه ليؤكد بانه مناضل عريق ونشيط وفعل ما يفعله غيره وان خليته تعرف ذلك ولكنه أثبت صلابته في التحقيق بالقياس لمعظم المعتقلين الموجودين في السجن الذين لم يمسكوا ألسنتهم...وعلى الاثر استدعي للتحقيق لمدة ثلاثين يوماً اخرى سجل فيها صفحات اخرى من البطولة والصمود والتحدي للمخابرات والمشوشين معاً.
أما الحالة الثالثة الجديرة بالذكر فإن احد المناضلين وبعد حملة من التشهير والتشويه والتساؤل والهمس والمضايقة المستندة على خطة المخابرات وعملائهم من جهة والتقاليد المرعبة فى السجن من جهة اخرى والتي يصوغها ويوجهها جماعات متخلفة سياسياً وحضارياً ، بعد حملة كهذه اضطر لمقابلة أحد المناضلين المسؤولين في السجن... وشرح له معظم نشاطاته النضالية مع الادلة والبراهين كاشفاً بذلك أسراره على الآخرين وطلب أن يعيش في كنف هذا الفصيل مصمماً على الاستمرار في التحمل مهما كانت النتيجة. وبالفعل كان عند قوله ومضربا للمثل .
في التحقيق تحصل مفارقات كثيرة .. فقد يصادف .. أن تقع بين ايدي المحققين بعض الوثائق او الرسائل ، أو يتمكنوا من الحصول على خاتم رسمي لاحد التنظيمات ، أو يكونوا بصدد التفتيش في مكان ما لغاية معينة فيجدوا شيئاً آخر على صلة بالمجموعة قيد التحقيق ، أو يقوم احد المعتقلين بالوشاية عن مخبأ خاص بالحزب أو يقوم احد بالادلاء بمعلومات يعرفها وليس لها اي صلة بمجرى التحقيق تفيد المخابرات في اعتقالات أو مداهمات أو التعرف على مخابيء تدخل الى جانبها عمليات الصدف.
هذه المفارقات تشكل مناخاً جيداً وفرصة ذهبية للتشهير بأحد المناضلين وحرقه على انه هو الذى قدم لهم هذه الاشياء أو قدم لهم المعلومات المطلوبة ، ويقوموا بكل ما يلزم من ايماءات واشاعات حوله .
هنا يكون الدليل المادي موجود ، والمخابرات تصرح أو تلمح حول فلان مما يجعله محلا للهمس أو التصريح أو الاتهام والمحاسبة أي بعبارة أخرى قتله من داخله وداخل تنظيمه نفسه نيابة عنهم بعد أن عجزوا عن تركيعه ودفعه للاعتراف.
يمكننا ان نتصور مناضلاً صلباً وعنيداً قدم نفسه وجهده وأعصابه على مذبح الثورة، ونجح في أهم امتحان مواجهة في أقبية التحقيق، وخرج معتزاً بنضاله وصموده وبطولته ، ثم يلاحظ من حوله الهمس والتشكيك ومضغ الكلام من زملائه الذين انهار بعضهم جزئياً أو كلياً أو حتى لو كانوا أشد صموداً منه.. ماذا عليه ان يفعل؟ كيف يستطيع الاثبات لهم بأنه لازال في طليعة الصف الوطني وهذا مهم جداً له، لنفسيته، لاستمرار صموده، لاستمرار ثباته وقناعاته ، بل لاستمرار سعادته النضالية .. ناضل قبل الاعتقال، ولم يختم مرحلة من مراحل نضاله بالسوء بل بالبطولة والتحدي.. أن كثيراً من العوامل ستتفاعل بداخله كثيراً ، من أشد وأقسى انواع التناقضات ستعمل على تمزيقه وهذا هو هدف السلطة. اضعافه من داخله بطريقة مجرمة . أن عليه أن يواجه امتحاناً آخر .. الصمود .. لكن هذه المرة ليس أمام المحققين بل بين زملائه ، بين رفاق دربه وأمامهم.
ليس هذه الحالات مجرد تصور ، بل في تجربة الاعتقال الفسطيني الكثير من المناضلين العتاه الذيـن قادهم رفاقهم الى ( الدورة ) وحققوا معهم حول فرضية عمالتهم مع السلطات ، بل حققوا معهم بمنتهى القسوة ولما يكن تحقيق المخابرات قد تبددت اثاره عن جلودهم.
ويزداد الأمر سوءاً حينما لا تكون عملية التحقيق هذه منضبطة ، وما يدور فيها مكتوم ، أو حينما يتبرع أحدهم للمشاركة في التحقيق ولا يكون هو بنفسه نظيفاً كما حصل مرات عديدة في سجن الخليل ورام الله وطولكرم وجنين ونابلس وبئر السبع، وكفار يونا، يمكننا أن نتصور معاً ما يجول في خاطر هذا المناضل وهو يعاني من هذه القسوة .. ماذا يقول لهم .. أيبوح لهم بمكنونات نفسه ليكون سره الذي يدفنه فقط في أعماقه مباحاً لعدد آخر غير مضمون الصلابة؟ أم يستمر في الكبت والغور الى الداخل حتى خطر الانفجار والتحطيم... ام يطلب العون من شرطة السجن ضد زملائه وليكن ما يكون ، حيث يجابه هناك تحقيق السلطة الذي هو في نفسه افضل الف مرة من أن يسأله زملائه مجرد سؤال ؟
هو صمد في تحقيق المخابرات ، وما عليه الا أن يتحمل هذه المعاناة القاتلة بصبر وشجاعة فالبطل الثوري يمكنه أن يجسد بطولاته تحت كل الظروف وخاصة أنه يدرك أن أساس هذه اللعبة هم المخابرات الذين هزمهم شر هزيمة في معاقلهم.
ولدى المخابرات في هذا الصدد أسلوب جديد ظهر بعد عام 1978 مع ظهور اقسام العار في السجون، تلك الأقسام التي تضم لفيفاً من العملاء والمتعاونين والمتساقطين الذين نبذتهم السجون وجمعتهم سلطات الاحتلال في أقسام خاصة يطلق عليها المناضلون اسم ( أقسام العار) او (قسم العصافير) في هذه الاقسام تجري في احيان كثيرة عمليات تحقيق مساعدة للمحققين عندما يفشلون في انتزاع الاعترافات من المناضلين .. حيث يدفع المحققين بالمناضل الصامد الى اقسام العار. فيستقبله ( الثوار! ) على أنهم قادة السجون ويدعون بأسماء أبرز المعتقلين القياديين في السجون ، وبعد أن يتداولوا معه الحديث ويطمئنوا انه بلع الخازوق وصدقهم يقوم احدهم بالمناداة على الشاويش مثلاً طالباً اخراجه من بينهم لأنه (عميل ) . ولا يستطيعوا تحمله ، وبالمناداة على الشاويش أو بدونها، يبدأون بضربه بقسوة متهمينه بالعماله .. بفرض ان هذا المناضل لا يعرف شيئاً وليس لديه فكرة مسبقة عن أقسام العار هذه.... ويضعونه في الزاوية أو في الدورة ويبدأون بالتحقيق معه..
ما هي العوامل والمؤثرات الداخليـة والخارجية التي تتفاعل في نفسه ؟.. قد يلجأ الى الدفاع عن نفسه مثبتاً أنه مناضل ، ليس هكذا فحسب بل مناضل صلب وشجاع، وكان نشيطاً جدا قبل اعتقاله.. هنا تؤخذ أقواله وترسل جاهزة للمخابرات حيث يواجه بها ويخضع لامتحان جديد فاما الانهيار واما الصمود. وخاصة أنه يتعرض للصدمة وراء الصدمة، ويصيبه التشويش ويصحوا على نفسه في النهاية أمام المحققين الذين يواجهونه بأقواله ولعدم معرفته بطبيعة أقسام العار، سوف لن يجد تفسيراً لما حدث، فالفكرة السابقة لديه أن المعتقلين الفلسطينيون في السجون هم أبطال ومثال للتضحية والوطنية والوفاء، ويجابهون كل يوم وضعهم الاعتقالي وسلطات القمع ببسالة شرف ليس لها مثيل. هؤلاء كيف غرروا به؟؟
ان اقسام العار هي مستنقعات للدنس تمثل امتداداً للاضطهاد الصهيوني بأيدي فلسطينية المولد، تكمل كلما استطاعت ما عجز الاحتلال عن استكماله .... انها أقسام العار والقذارة، ترتدي أمام المناضلين مسوح الثورة، ليساعدها ذلك على ارتكاب قذاراتها. ان قذاراتها هذه ما هي الا صورة من صور قذارة ودناءة الاحتلال الهمجي العنصري... هذه الأقسام التي بدأت تنكشف حقيقتها بشكل متزايد أخذت تواجه هي أيضاً صمود وبسالة المناضلين الذين يتعرضون أثناء وجودهم فيها لأبشع أنواع العنف الجسدي والنفسي والخلقي، والمحاصرة والمضايقة، وليس لهم من سلاح إلا الارادة والصبر. ان أقسام العار هذه بوصفها امتداد لأجهزة السلطة القمعية وافراز متعفن لها، تنوب عن أجهزة القمع الرسمية وتمارس الأعمال الفاشية باسمها، مخفية ورائها عنف السلطة ذاته . تلك السلطة التي يمكنها أحياناً أن تتظاهر بالبراءة . فهي (السلطة) ترسل المناضلين الصامدين لهذه الأقسام كي يواجهوا مصيرهم حيث يتظاهر الدنس المتساقط هناك بأنه وجه الثورة ويطالبون الموفدين الصامدين بالتقارير والمعلومات مرة بعد اتهامهم بالعمالة، ومرة بحجة أن هذه التقارير مطلوبة رسمياً، ومرة بحجة أنهم يريدون على الفور ارسال الأخبار والمعلومات والمطلوبات للقيادة المحلية حتى تأخذ حذرها من كذا وكذا.. وهي تحيط سلوكها هذا بكل أنواع الارهاب والقسوة والحيلة. اما اذا انكشف امرهم بسبب معرفة المناضل بهذه الاقسام فانهم يمارسون التحقيق لفترة كما يمارسه رجال السلطة او قد لا يمارسوا شيئاً مغطيين خزيهم وعارهم باتهامات للثورة.
لقد تعلم المناضلون كيف يواجهون أوباش أسطبلات العار هذه كما تعلموا مواجهة سلطات التحقيق، وفي ميدان عمليات التشهير والحرق يحمل المناضلون سلاحهم أيضاً ويواجهون.
3- اما النوع الثالث الذي تستخدم ضده عمليات الحرق والتشهير فهم أشخاص أو مناضلين تنتقيهم السلطة ليكونوا كبش فداء تغطي بهم على عملاء حقيقيين.
ويجري أنتقاء هؤلاء الضحايا اما من بين المناضلين الصامدين في التحقيق أو اشخاص على الهامش تحملهم سلطات التحقيق حمل الاخرين وبنفس السبل والوسائل المذكورة أعلاه وتشير لهم بالبنان على أنهم متعاونون معها، وأنهم متساقطون بالخفية ، وهم الذين وشوا وتساقطوا وقدموا كل المعلومات التي حصلت عليها اجهزة الامن مخفية بذلك الوشاة الحقيقيين والمتساقطين الحقيقيين وهذا قد يكون اثناء التحقيق أو في المحكمة وعلى مسمع من ذوي المعتقلين.
وقد تستمر عمليات الحرق كما ذكرنا في السابق الى خارج السجن حيث تكرر سلطات الامن استدعاء الشخص المعني الى مكاتبها بصورة فوق عادية ، أو يقوموا بزيارته في البيت مستغلين عادة الكرم العربية لدى البعض او الجهل والخوف لدى البعض الاخر فينشأ عن زيارات كهذه القيل والقال وان فلان يستقبل المخابرات في بيته وكل ما تحويه عبارات كهذه من إيحاءات وتلميحات بعلاقته الودية معهم وارتباطه بهم كأي عميل .
ولو قامت السلطات بعد فترة بالقاء القبض على احد السكان أو كشف سر من الأسرار الوطنية فإن أصابع الاتهام في الغالب ستوجه للبيوت التي استقبلت المخابرات.
ان هذا البعض من الناس لا يدرك أن بامكانه طرد رجال المخابرات وعدم استقبالهم، انه يعتقد أن هؤلاء ما داموا سلطة رسمية فلهم الحق في استدعاء المواطن في أي وقت يشاؤوا وأن لهم الحق زيارة بيته كلما رغبوا، وبسبب قانوني وبدون سبب. وبالطبع فإن هذا اعتقاد خاطئ وان كل من لديه احساس وطني فلديه أيضاً شعور عدائي ضد هؤلاء الأوباش وليس أسهل من طردهم وفضحهم حينما يحاولوا الاقتراب من البيت الا لسبب قانوني كأن يكونوا قادمين لاعتقاله ويمتكلون اذناَ بذلك.
انه لا يحق لرجل المخابرات زيارة المواطنين في بيوتهم رغما عنهم ، كما أنهم لا يستطيعون فرض انفسهم على احد دون ان يتجاوب معهم . ولا يجوز أن تثور الشهامة التقليدية لدى رؤيتهم أمام البيت ودعوتهم لشرب القهوة كأي ضيوف .
ان اساليب الحرق هذه هي دلالة على فاشية ولا أخلاقية الاحتلال الذي لا يستطيع تعزيز استمراره واحتلاله واضطهاده الا بمزيد من الاضطهاد والظلم والعنصرية والفاشية .
لقد أدت أساليب الحرق والتشهير بالفعل الى عدد من الأزمات في السجون ليس فقط في حدود الأفراد الذين توجه لهم الشائعات والهمس المقصود وغير المقصود ، بل ايضا شملت العلاقات بين المنظمات السياسية في السجن : فإن عملاء مدسوسين يتسترون بانتماء للمنظمة (أ) مثلاً يوجهون دسائسهم ضد مناضل ينتمي إلى المنظمة (ب) ويفتعلون ما يستطيعوا من الاشاعات والمشاكل التي من شأنها أن تؤزم العلاقة بين المنظمتين وتخلق بينهما جواً من التوتر والعلاقات السلبية ، وقد ثبت بالتجارب الملموسة أن معظم المشاكل التي حدثت بين المعتقلين كان وراءها عملاء يظهرون حماسهم الشديد للمنظمة (أ) التي يتظاهرون بالانتماء لها. وفي معتقل بئر السبع كان خليل ابو عريش الملقب (مظلوم) بطلاً للعديد من المشاكل ، حيث أثبتت التحقيقات فيما بعد انغماسه في وحل العمالة، أما في سجن الخليل فقد ظهر "السبع الكتة" كبطل لهذا النوع من المشاكل لفترة طويلة الى ان تم كشفه واعترافه بنذالته وعمالته بعد ان كان يظهر الكثير من الحماس لاحدى المنظمات الوطنية ولايهاب الاشتراك في عمليات التحقيق مع العملاء. وفي الارشيف عشرات من الامثلة الملموسة.
ان عمليات التشويه والحرق لا تطول اناس معينين فحسب ، بل كل من يمكن ان يشكل هدفاً لذلك وتتوفر أي درجة من الامكانيات لتوجيه هذه الاساليب ضده ، ويشكل المتعاونون مع الاحتلال والمندسون في صفوف المنظمات عنصراً هاماً في اثارة الشكوك والنزاعات والمشاكل.
ولم يتورع زبانية هذا الاسلوب في بث الشكوك والتشهيرات ضد معتقلي احدى المنظمات الحزبية الفلسطينية جماعة وافراداً، فهذا متعاون مع سلطات الإدارة، وهذا متعاون مع سلطات المخابرات ، وكلهم في خدمة ( اسرائيل ) .. هكذا كانت تدور الاشاعات والاقاويل المدعومة بالتهديد والارهاب .. يا للخساسة.
فان مناضلين قضى الواحد منهم من عمره في النضال بمقدار سني حياة هؤلاء الاوغاد بأكملها ويزيد، ولكنهم وبخطة مدروسة على ما يبدو مارسوا ضدهم كل انواع المضايقات والإشاعات والمقاطعات ونجحوا لمدة طويلة الى ان ادرك مسؤولي منظمات السجن عقم ، ولا وطنية هذه الاساليب ووضعوا لها حداً . حصل ذلك في سجن الخليل وطولكرم وجنين وحصل شيء شبيه في سجن بئر السبع ... هكذا تستمر ملاحقة العدو للمناضلين في سجونهم وخارج السجن بغية توتير نفسياتهم وأعصابهم دون جدوى.
لقد شكلت تجارب عديدة ماضية ، وعياً كافياً في خلفية المناضلين في السجون وخارجها وأصبح مثيروا هذه الشكوك هم المستهدفون.
وعلى العموم فان لدى المخابرات اسلحتها لاثارة البلبلة في نفوس المعتقلين وتشويش حياتهم ونفسياتهم غير أن هذه الأسلحة ليست فعالة دائماً الا في حالات الجهل وعدم الروية . ان ادراك المناضل وحتى المواطن العادي لهذه الأساليب سوف يثلمها منذ البداية . . فإن عرض صورة المناضل يقف الى جواره ضابط مخابرات امام مقهى أو مطعم أو حانوت او في الشارع لا يعني بانهم اصدقاء ، لان بامكان ضابط المخابرات أن يقف إلى جانب أحد المناضلين أو ( المشتبهين ) لدى السلطات في أي مكان يصادفه فيه ويتبادل معه بعض الأحاديث كان يسأله عن اسمه وعمله مع ابتسامة ، مع وجود مصور يلتقط مجموعة من الصور لاستخدامها في التشكيك والحرق في الوقت المناسب ، وحتى هذا ممكن في السجن كان يقوده رجل المخابرات الى جانب شجرة أو حديقة ورد ومعهم فتاه ويتبادلون بعض الحديث ، والابتسامات تعلو الوجوه ، ومن مكان خفي يقوم المصور بالتقاط الصور ومن ثم عرضها على معتقلين آخرين بطريقة من الطرق، بالصدفة المتعمدة مثلاً . . واذا كنا نعرف امكانية هذه الاحتمالات فإنها لن تثير الوهم في نفوسنا .
ومن المهم الى ابعد الحدود أن لا يتداول المعتقل الأحاديث عن مدى اعترافاته ومدى ما أخفى من معلومات مع زملائه في السجن لان هذه الأسرار تخصه وحده ولا يجوز بحال من الأحوال البوح بها لأحد لا في الزنزانة ولا في السجن . بالضبط كما انه لا يجوز تداولها مع احد قبل وبعد الاعتقال فالسرية المطلقة هي عماد العمل النضالي السري وبسبب هذه الحقيقة بالذات تقوم سلطات الاحتلال بالتركيز الشديد على مطاردة العمل السري عن طريق أجهزة المخابرات و عدد هائل من المجندين بأي درجة كانت.
(ليس المهم أن أثبت أنني من خيرة المناضلين اذا ما تعرضت لحملة تشويه وتشهير وحرق بل المهم أن يستمر صمودي وحفظي لكنوزي الثمينة في صدري المغلق هذا هو الرد الرئيسي على حملات التشهير وسوف تثبت الأيام سلامة وصحة موقفي دون شك) . وما دام للحزب أو المنظمة قيادة قادرة على فرز الغث من السمين فسيأتي اليوم الذي يعاد فيه الاعتبار وسيفهم الرفاق كيف كنت صلباً . وبالإمكان من خلال الصبر ، والفهم العميق للمسألة ، شرحها للمعنيين بطريقة تحفظ الكرامة بعيداً عن تعكير المزاج .
أن جميع من هم قيد التحقيق مطالبون بافشال هذا الأسلوب عندما يأتي دورهم لاستخدام نتائجه عليهم ، مجموعة من خمسة مناضلين مثلاً أوحت لهم اجهزة التحقيق بأن احدهم متعاون ، لماذا؟ بقصد التأثير على صمودهم هم، على صمود كل واحد منهم ، وبالتالي وبعد أن انكشفت اللعبة لم يبقَ سوى اسقاطها وفعلاً أسقطت.
مممممممممممممممممممممممممممممممممممممم





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,647,692,513
- تخابيص جوزيف مسعد
- القصف المجرم لغزة هومفاوضات هذه المرة
- الإصطفاف في المعسكرات ليس مجرد اختلاف
- في الخطاب السياسي الفلسطيني
- دفاعا عن سوريا دائما
- تتبعوا اشكال وصيغ قرارات المجلس الوطني
- الخطاب الديني الساذج والخطاب السياسي الساذج
- تفاعل مع ما كتبه ناجح شاهين
- قرارات ترامب في الحرب الإقتصادية
- أحمد سعدات وقانون يهودية الدولة
- مراجعة كتاب بين حل الدولتين وحل الدولة الواحدة تأليف محمود ف ...
- لا تثقوا بمفاوضات القاهرة
- شو هالحكي شو هالخطاب
- رسالة مصحوبة بالمحبة للرفيق جميل موهر
- يفاوضون حماس على صفيح ساخن
- قصف غزة عدوان ولكنه مفاوضات ساخنة
- مناقشة خاصة في بيان حماس
- قراءة في بنود الإتفاق بخصوص قطاع غزة
- المشكلة في الإقتلاع وليس في العنصرية
- الخدم وعدوانية امريكا


المزيد.....




- قبل ساعات من انطلاق الانتخابات.. أكبر أحزاب الجزائر يدعو أتب ...
- انطلاق الجلسة الأولى لاجتماع باريس بخصوص لبنان بدون مشاركة ا ...
- نوع جديد من العناكب -يعفّن- لحم البشر ويختبئ في الأثاث!
- بعد تلويح تركيا بها مجددا.. ما أهمية قاعدة -انجرليك- لأمريكا ...
- ترامب يلتقي لافروف خلف أبواب مغلقة ومنع إعلاميين من التصوير ...
- السيسي: نواجه الإرهاب نيابة عن العالم سواء في سيناء أو على ا ...
- الجزائر في مواجهة خيار الانتخابات!!
- السيسي يطالب برد حاسم على بعض الدول
- رفع -موقع الثورة المقدس- في كوريا الشمالية إلى مصاف مدينة
- التغير المناخي.. صور صادمة لشلالات فيكتوريا قبل الجفاف وبعده ...


المزيد.....

- إميل توما والحل الديمقراطي للقضية الفلسطينية 1944-1947 (2-3) / ماهر الشريف
- تسعون عاماً على هبة البراق / ماهر الشريف
- المياه والموارد المائية في قطاع غزة / غازي الصوراني
- ما طبيعة مأزق إسرائيل في ضوء نتائج الانتخابات التشريعية؟ / ماهر الشريف
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة التاسعة : القطاع ... / غازي الصوراني
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة السابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثالثة: السكان ... / غازي الصوراني
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثانية: اقتصاد ... / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود فنون - فلسفة المواجهة وراء القضبان