أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي المسعود - الفيلم الكندي -حرائق - فيلماً سينمائياً متمردأ على نيران الطائفية ودخان بنادق تجار الحروب...؟؟















المزيد.....

الفيلم الكندي -حرائق - فيلماً سينمائياً متمردأ على نيران الطائفية ودخان بنادق تجار الحروب...؟؟


علي المسعود
(Ali Al- Masoud )


الحوار المتمدن-العدد: 6170 - 2019 / 3 / 12 - 15:22
المحور: الادب والفن
    


الفيلم الكندي "حرائق " فيلماً سينمائياً متمردأ على نيران الطائفية ودخان بنادق تجار الحروب...؟؟
Film (Incendies)

علي المسعود

عندما تحدث الحرب ألأهلية، وتتداخل فيها أطراف الصراع وجهاته، فإن الضحايا يتوزعون في كل اتجاه، ولا تتوقف القسوة عند حد، حتى أن الجلاد أو القاتل يتحول إلى ضحية بنفس القدر الذي مارس فيه قسوته ووحشيته . فيلم «حرائق» يسرد قصة نيران الطائفية والتقاتل بين المسلمين والمسيحيين خلال الحرب الاهلية اللبنانية، ويظهر لنا صوراّ متلاحقة ومشوّقة و كذالك محزنة في آن واحد، ويشير الى حقيقية وهي أن وجع الإنسان من حروب الطوائف والنزيف الروحي الذي تفرزه الحروب لا ينجم عنه سوى الحزن والفرقة والعصبية والاحتراب الطائفي . فيلم ( حرائق ) هو فيلم كندي تدور حواراته باللغات الفرنسية والإنجليزية والعربية بلهجات عربية ( هجينية) منها ،الأردنية ، واللبنانية، والفلسطينية، وهو فيلم جدير بكل عربي مهتم بتاريخ الشرق الأوسط وأحداثه أن يشاهده. فيلم "الحرائق" مأخوذ عن نص مسرحية تحمل ذات الاسم للكاتب اللبناني وجدي معوض، وهو الكاتب الذي رحل من بلده الأصلي، لبنان إثرالحرب الأهلية إلى فرنسا بعمر لم يتجاوز التاسعة، ومن فرنسا اضطر للهجرة إلى كندا بسبب عدم تجديد إقامته ، وهناك درس وجدي معوض الفنون المسرحية، وأبدع في كتابة المسرحيات التي نالت إعجاب النقد الكندي، وحصل من خلالها على الكثير من الجوائز، وبات اسمه لامعًا بل وعالميًا. المخرج والكاتب الكندي "دينيس فيلنوف" أخذ النص الأصلي للمسرحية وحوله إلى سيناريو فيلم من إخراجه كذلك، حيث كان أول أفلامه ، فيلم “حرائق” هو بكل المقاييس فيلم إنساني يتناول ثيمة “العنف في العالم “ كظاهرة تخل بالعلاقات بين البشر، مسقطا ذلك ضمنا على ظواهر سلبية تجتاح العديد من الدول وبخاصة على المستوى العربي مثل الطائفية، والعصبية والتشدد الديني ، مما ينتج عنه اشتعال “حرائق” تختلط فيها دماء أبناء الطوائف، وتصبح الحرب الأهلية عنوانا رئيسيا للحياة وشعارا لكل من يفضل الموت على الحياة. باختصار شديد الفيلم يوجه ورقة إدانة واتهام لميراث العنف بكل أشكاله والذي لم يؤدي يوما ولن يؤدي إلا الى المزيد من الحقد والكراهية. الفيلم يحكي قصة من قصص الحرب الأهلية اللبنانية ، ويقترب كثيراً من سيرة سهى بشارة التي قامت في العام 1988 بمحاولة اغتيال العميد( أنطوان لحد ) قائد ما كان يسمى بجيش لبنان الجنوبي الموالي لإسرائيل، وتم اعتقال سهى بشارة وحبسها في معتقل الخيام الشهير. وتم إطلاق سراح سهى في الثالث من سبتمبر عام 1998 ، بعد انطلاق حملات لبنانية وأوروبية وإسرائيلية مكثفة لصالحها. وهي إبنة الشيوعي الذي رفض حمل السلاح خلال الحرب الأهلية، هذه المقاومة الجنوبية، عشرة أعوام قضتها في معتقل الخيام بعدما نجحت في دخول منزل العميل أنطوان لحد وإصابته والتي كتب عنها الشاعر اللبناني ( شوقي بزيغ) :(سهى بشارة ليست صرخة يتيمة في ليل العجز العربي ولا يجب ان تكون. انها الانوثة في تجلياتها الاروع وفي كسرها لقيود العادات والتقاليد المهيمنة). توزع الفيلم الى فقرات ، وكل فقرة من فقرات الفيلم تحمل اسما، كأنها قطعة من قطع لغز سوف ترسم لك الصورة كاملة في النهاية. في لوحة بعنوان "التوأمان" سوف نرى نقطة الانطلاق: نحن في كندا مع الفتاة جان (ميليسا ديسورمو بولان) والفتى سيمون (ماكسيم جوديت)، وهما ابنا سيدة تدعى نوال مروان، نعرف أنها هاجرت من موطنها إلى كندا، وأنها ماتت لتوها وتركت وصية مع صاحب العمل جين (ريمي جيرار)، يقرأها على الشابين المذهولين مما جاء فيها، فالأمر لا يقتصر على رغبتها في أن تدفن بطريقة تعلن فيها رفضها للعالم وازدرءها تجاهه، لكنها تريد أيضا من ابنيها مهمة لم يكونا يعلمان شيئا بصددها، إنها تخبرهما أن لهما أبا ما يزال على قيد الحياة، وشقيقا حيا يرزق، وتوصي أن توصل الابنة خطابا للأب، وأن يحمل الابن خطابا للشقيق، بما يعني البحث عنهما والعثور عليهما. وعندها سيرث جان و سيمون اموالها بالمناصفة، يرفض الشاب سيمون الفكرة ويصف والدته بالجنون، تسافر جان الى فلسطين للغوص في ذكريات والدتها، وفي نفس الوقت يعود بنا المخرج الكندي وبطريقة ( الفلاش بك) لبداية المأساة، إنها فتاة مسيحية (لبنانية) أحبت شابا مسلما (فلسطينيا)، ليلقى الحبيب – ابن المخيمات كما جاء في الفيلم - مصرعه على يد أخيها انتقاما لـ"شرف العائلة"، أو قل أيضا لشرف مزعوم لـ"وطن" يريدونه مقتصرا على أبناء دين دون آخر، أو لعرق دون آخر، أو ما شاءوا من تقسيمات غير إنسانية!!. تكون نوال حاملا وتضع حملها في السر بمساعدة الجدة، التي ترسم فوق "كعب" الوليد ثلاث نقاط ( وشما ) ،ولنتذكر أنه لابد الطفل الذي رأيناه في بداية الفيلم وهم يقصون شعره، أما ابنها من ”وهاب“ فاسمه نهاد وولد في شهر مايو ايار 1970 وحمل اسم ”نهاد مايو“ كلقب مؤقت والذي سوف نعرف لاحقا أنهم ضموه لاحدى المليشيات المسيحية (يمكنك أن ترى فيهم "الكتائب" اللبنانية) بعد أن أخذوه من الملجأ المسيحي الذي تركته الجدة فيه، كما سوف نرى كعبه شابا وهو "يصطاد" ببندقيته أطفالا يسيرون في الشارع، يستطيع التوأمان مقابلة "قابلة" السجن التي قامت بتوليد أمهما، لكنها تخبرهم أن نوال مروان أنجبت توأمين ولدًا وبنتًا، ليتضح لنا ولهم، أنهما "جان وسيمون" المولدين في الزنزانة، وبرغم هول الصدمة إلا أنها يحاولان اجتيازها حتى يستطيعا العثور على أخيهما، اللذان عرفا أنه ابن "ابن المخيمات" الذي قتله شقيق والدتهما. يلتقيان بشخص يدعى "ولاء شمس الدين"، هذا الشخص هو الذي قام بغارة على قرية كفر خوت، وقام ورفاقه بحرق الدار وأخذ الأطفال من قرية نوال المسيحية ودربهم حتى يقاتلوا معهم. يخبره سيمون أنه يبحث عن شقيق لهما يدعى"نهاد مايو "، فيخبره شمس الدين أنه درّبه منذ أن كان صغيرًا، وأن نهاد بحث طويلاً عن والدته، وعندما لم يجدها قرر أن يصبح شهيدًا حتى تتعرف عليه والدته من خلال "صورة الشهيد"، لكن شمس الدين رفض، فانفصل عنه نهاد بعدما أصبح مجنونًا بالقتل وآلة قتل حقيقية، وإبان الغزو الصهيوني، أخذوه لسجن "كفر ريات" وأعدوه ليكون جلادهم الخاص، وهناك عُرف بالجلاد المغتصب "أبو طارق". لقد أصبح هذا الطفل "وحشا"، فبرغم أن أباه ينتمي إلى الديانة الإسلامية فإن مصيره انتهى إلى أن يحارب في صف المسيحيين المتطرفين، بينما كانت الأم نوال – المسيحية بالولادة - قد اختارت أن تحارب في صف الذين لا يقسمون البشر على الهوية (يشير الفيلم إلى أنهم يساريون)، لأن ما شهدته في حياتها علمها الكثير، وهي تريد أن تعلم "الوطنيين" بعضا مما تعلمت. إنها تشاهد "الحرائق" في كل مكان من حولها، وفي أحد أهم مشاهد الفيلم تسافر في رحلة طويلة من الجنوب إلى الشمال وبالعكس، باحثة عن ابنها في الملجأ الذي أكله الحريق، وتركب متنكرة حافلة للطائفة المسلمة كي تحملها معها في رحلتها، لكن فرقة من الكتائب يوقف أفرادها الحافلة ويمطرون من فيها بطلقات الرصاص، ثم يصبون عليها "البنزين" تمهيدا لحرقها، فتصرخ نوال بأنها مسيحية فيأمرونها بأن تترك السيارة، وتقرر هي في اللحظة الأخيرة أن تأخذ معها طفلة لتنقذها، تشدها من يد أمها لتأخذها في أحضانها، وتبتعد بها قليلا لكن الطفلة تعود باكية إلى الأم فيمطرها الجنود بالرصاص، بينما تندلع النيران في الحافلة لتحرق الجثث ومن بقى فيها على قيد الحياة، ويرتفع على شريط الصوت لحن جنائزي حزين مع صوت بشري كأنه قداس للإنسانية التي تضيع في حمى التعصب. كل ما في هذا المشهد مصنوع بحرفية بالغة الإتقان ويجعلك تصرخ من الألم بحق، ليست صرخة مفاجأة ودهشة كما يحدث في أفلام الرعب، ولكن صرخة من أن تشهد الإنسانية كل هذا العذاب لسبب واهٍ أو قل بلا سبب على الإطلاق؟؟. لقد كان ذلك الحدث في حياة نوال يمثل نقطة تحول، إذ قررت بعده أن تغتال رئيس الكتائب، ليقبضوا عليها وتسجن لخمسة عشر عاما، حيث عُرفت في الزنزانة باسم "المرأة التي تغني" (هذا هو اسم الفيلم في بعض البلدان التي وزع وعرض فيها)، فقد كانت تحاول أن تغطي على صرخات التعذيب بالغناء، وهو التعذيب الذي سوف تلقاه على يد أبو طارق (عبد الغفور العزيز)، ذلك الجندي الوحش الذي يغتصب النساء إمعانا في إذلالهن، وسوف يغتصب نوال مرات عديدة ، لتصبح حاملا منه فيما. يكتشفان ( التوأم ) ان والدتهما قد أعتقلت في السجن الرهيب بتهمة أغتيال رئيس الحزب المسيحي، و كانت تلقب بسجينة رقم ( 72 ) او (الأمرأة التي تغني), حيث كانت تغني أغنية ( نامي يا صغيري…) حينما تسمع صوت تعذيب السجينات في الزنزانات المجاورة.و لقد تعرضت نوال لأغتصاب من قبل الجلاد يدعى أبو طارق، و قد أكتشفا سيمون و جان ان الشخص المدعو بأبو طارق هو أخيهما الثالث و والدهما في نفس الوقت ويدعى نهاد و يعيش حاليا في كندا ، ويتمكن التؤام من العثور على "نهاد حرماني" في كندا ويسلمانه رسالتين إحداهما كابن تخبره أمه: ( أنا اتكلم الى إبني أنا لااتحدث الى الجلاد، مهما حدث ، فاني سوف أحبك دائما، عند الولادة يابني ، بحثت عنك كثيرا ، وكما وعدتك ياولدي سوف اعثر عليك, وقد وجدتك ، انت لاتستطيع التعرف علي، لكني إستطعت التعرف عليك بواسطة الوشم المرسوم على كعب قدمك اليمنى، لقد لمحت هذا الوشم وعرفتك, ووجدتك جميلا ، سوف اتذكرك بكل مافي العالم من حلاوة، ليس هناك اجمل من ان نكون معا، لقد ولدت من الحب ، امك نوال مروان السجينة رقم 72 ).. أما الرسالة الثانية كأب وهو الجلاد ( ابوطارق)، وتخبره نوال في الرسالة : ( يدي ترتعش و انا اكتب هذه الكلمات ، تعرفت ولكنك لم تعرفني ، إنها معجزة رائعة أنا السجينة رقم 72 ، سيتم تسليم هذه الرسالة من قبل أطفالنا، انت لن تتعرف عليهم ، لانهم جميلين، لكنهم يعرفون من انت، من خلالهم اريد ان اقول لك، انت لا زلت على قيد الحياة ، ولكن قريبا ستكون هادئ, لان الصمت هوكل شئ في الحقيقة، التوقيع عاهرة زنزانة 72،كان هو ينادي عليها عندما كانت سجينة). ويصاب بالصدمة حين يكتشف أن سيمون وجان هما أخواه وابناه في نفس الوقت.
وجه أبو طارق، الجلاد الذي التقط من المخيمات يتيماً، وتمت تربيته على العنف والقتل، في نهاية الفيلم يظهر رجلاً مهزوماً ويعيش بعيداً ومنفياً، وحين يكتشف الحكاية التي كان هو محورها، تكون ملامحه قريبة جداً من خرائط الحرب.
الفيلم تم إنتاجه في عام 2010 وترشح الفيلم لجائزة الأوسكار كأفضل فيلم أجنبي، كما صنف ضمن قائمة أفضل 10 أفلام لذلك العام. الفيلم تتماهى فيه الحدود، وتهتز فيه المشاعر، وتُشّد فيه الحواس حتى آخر لقطة بحبكة ممتازة يصوّر لنا المخرج الكندي دينيس فيلنوف في عن صراع الطوائف والأحزاب في الشرق الأوسط . فيلم يشبه إلى حد ما التراجيديا الاغريقية بتجسيدها لعالم سوداوي خانق لاوجود للنهايات السعيدة فيه. كذلك بتجسيدها لرغبة الإنسان الدائمة في تحدي الأقدار تذكرنا بقصة أوديب أحد أشهر الميثولوجيا الأغريقية ، يحكي الفيلم عن ماخلفته الحرب الأهلية (في لبنان تحديداً) بسبب الدين الذي أصبح مبرر يُقتل من أجله الآخرين بدل أن يقوم بحماية أرواحهم، عن الخوف والدمار والألم الذي لاينحصر بوقت الحرب بل يمتد لأجيال تبحث في تاريخها، وأجيال تنبش رفات الماضي للوقوف على حقيقة الحدث وماخلفه من مآسي. ورغم أن الفيلم مبني على معادلة حسابية صعبة منذ البداية ويستعير من الحرب اللبنانية عددا من احداثها في بيروت والجنوب مثل حادث الحافلة التي ارخت لبداية الحرب او سجن الخيام او قصة سهى بشارة التي استعار من سيرتها حكاية المرأة التي تغني والتي هي في النهاية الام التي حملت بولدين احدهما قاتل. في حين نفى المخرج الكندي ان يكون شريطه «حرائق» الذي صور في الاردن يتكلم عن لبنان وحرب لبنان قائلا: (انه فيلم كندي)، وربما قصد المخرج الى ان الفيلم يتكلم عن مأساة عالمية هي مأساة الحرب وما تخلفه من تبعات على الانسان الذي يتحول مهما كانت الجهة التي وقف فيها الى ضحية لها ووقود لحرائقها. وبهذه الحكاية يكون فيلم حرائق فيلماً سينمائياً متمردأ على نيران الطائفية ودخان بنادق تجار الحروب وانتصاراً لحرية الإنسان من همجية العنف وصراعات الأديان على الوهم، مقدّماً بذلك عملاً متكاملاً بصورة سينمائية جمالية كاشفة لعين الحقيقة بإسقاطاتها الفنية باستخدام حوار واقعي بحرفية مرافقة لأداء تمثيلي ضابط لانفعالات جملة من الممثلين، متماهياً مع قساوة الحدث ذاته من اغتصاب واقتتال وصور للحرائق والتدمير والنهب، فليس في ذلك سوى إشارة واحدة، الحروب الأهلية تجعل من كل البشر هم الجلادون كما هم الضحايا. بطلة الفيلم الرئيسية هي (لبنى أزابال ) وهي ممثلة من أب مغربي وأم إسبانية، تعتبر في الوسط العربي كأفضل النساء المؤثرات، ومعظم أفلامها نالت جوائز وشهرة عالمية واسعة فهي كذلك بطلة فيلم "الجنة الآن" عام 2005 للمخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد، وهو فيلم ترشح للأوسكار كذلك كأفضل فيلم أجنبي في عامه. يشير هذا الفيلم( حرائق) الى عادات وتقاليد العرب بمصداقية مئة بالمئة لا تشوبه اية كذبة، كالكرم والضيافة ، و يتحدث عن وقائع الحرب في الفلسطين ونسبة البطالة الهائلة، فعلى سبيل المثال، في أحد المشاهد و في احدى القرى الفلسطينية عندما حاول المرشد العربي ايصال سيمون و جين الى احد أشخاص كي يدلهم الى نهاد، و بالصدفة التقى الشيوخ العرب بالمرشد، فقال له: كيف حالك؟ صار لي زمان ما شفتك، وين تشتغل؟ فقال المرشد انه انهى دراسة الهندسة و لم يجد وظيفة فأضطر ان يكون سائق التاكسي. ولم يتركهم هذا الشيخ يغادرون فدعاهم الى شرب الشاي رغم ان المرشد لم يوافق بسبب ضيق الوقت. نجح المخرج" دينيس فيلنوف " في تصوير الماضي بعين الحاضر، كما ويعيد مشاهد الماضي لإنتاجها في الحاضر وقد تغيرت الظروف، صحيح أن آثار تلك الحرب لم تنته بعد، لكن الأمل والحياة يستمران برغم ذلك، ولكي يحقق "دينيس فيلنوف" رؤيته، يقوم بتصوير الابنة في حافلة تسير على نفس الطريق الذي كانت الأم تستقل فيه حافلة حين واجهت أول مشاهد الحرب في حياتها، لكن الابنة كانت تتجه للبحث عن جذور والدتها، وتستمع للموسيقى، أما الأم فكانت تسير باتجاه مصير غامض، وفي أعماقها ضجيج حرب تقترب، نجح المخرج هنا في التنقل بين الماضي والحاضر والمقارنة بينهما في سهولة ورشاقة وأناقة. ويريد المخرج من خلال حكاية الأم التي تبحث عن ولدها الضائع فيصير أباً لتوأمها الذين يصيران ولديه وأخويه؛ يريد أن يشير إلى مفارقات شتى، منها مثلاً أن الكراهية التي تقابل الحب لا تنتج إلا كائناً بلا هوية حقيقية، وأن الحرب لا تؤدي في النهاية إلى اختلاط الحقائق، وتحول الجميع إلى ضحايا، حتى وإن كانوا جلادين وقساة وأقوياء ، فنوال مروان، الشخصية الرئيسية في الفيلم، التي تحرك الأحداث، بوصفها أم لشاب وصبية تدفعهما بعد موتها، وعبر وصيتها، للذهاب إلى لبنان واكتشاف قصتها التي أخفتها عنهم طوال سنين ، كانت تعاني من ضعف شديد في توصيل انفعالاتها عبر اللغة، لعدم قدرتها على النطق بها، من دون إغفال الحس التمثيلي الرائع الذي تميزت به على مستوى الانطباعات الانفعالية وحتى لحظات الصمت وتوصيل مشاهد صعبة مثل الاغتصاب والقتل والصدمة ، إعتمد " دينيس فيلنوف" في فيلم “حرائق” على جماليات الصورة وتوثيق المشاهد والحوادث والوقائع وهويات الأشخاص وأماكن وجودهم وحياتهم ودراساتهم وعبورهم، كما يلجأ إلى إنتاج القصة من خلال الحوار والجدل والنقاش، ويقوم بإيجاد تقارب إنساني داخل القصة من خلال هذا الحوار الذي يؤدي إلى إنتاج مفاهيم ورؤى جديدة تؤدي إلى الإفصاح عن مكنونات النفس البشرية، ورغباتها وطموحاتها في تجاوز كل الآثام والخطايا، فالابن الذي تاه عن أمه بسبب الطائفية والعنف، ظهر في لحظة أخرى لينتقم من أمه التي كانت تبحث عنه، ثم صار والد توأمها، ولم يكن أمامها إلا أن تحبه برغم فعلته، إنها ميلودراما عميقة، حيوية مرهقة في الآن نفسه، تصل بالمرء إلى لحظة الانهيار وعدم القدرة على ممارسة التخيل أكثر، فهو يضع المتابع أمام أسئلة صارمة وقوية، ولا مفر من مواجهة الألم، أو الاندماج فيه حتى وإن كان مستفزاً وقاسياً. في النهاية، أستطاع المخرج الكندي " دينيس فيلنوف " أن يرسم في فيلم (حرائق) خريطة للحرب الاهلية في لبنان تختلط فيها دماء الطوائف حتى يصير الضحية جلادا ويتحقق مستحيل يجعل من واحد زائد واحد يساوي واحدا مفردا لا اثنين كما تقول أي معادلة رياضية .
فيلم حرائق انتصار إنسانيّ برسالة سينمائية تمرّدية على نيران الطائفية وحروب العنف. فالفيلم مكتوب بلغة أصيلة، انه فيلم مأخوذ من الذاكرة اللبنانية، من حياة ومعاناة الناس وما تختزنه من تجارب عاشها اللبنانيون والعرب معهم، وحتى العالم المتحضر الذي رفض تشويه صورة الإنسان في صورة بانورامية جميلة تؤكد أن مشعلي الحرائق من الساسة هم المستفيدون الوحيدون من دخان البنادق والثكنات العسكرية وحواجز الطرق وفرز المواطنين على هوياتهم وأديانهم. ويعتبر فيلمه “حرائق” من أهم أفلامه التي يعتمد فيها على جماليات الصورة والجدل والحوار وفن المناقشة والتوثيق وعلى تباين الرؤى والأصوات لملامسة الهوية الإنسانية في اطار مفعم بالحركة والإيقاع السينمائي الذي يأخذ المتفرج في رحلة التفاصيل التي تشكل صرخة قوية في وجه تجار الحروب، كما يشجب الفيلم سياسة الاتجار بالبشر من خلال التطرف الذي لا يتوافق مع حرية الانسان في اختياراته سواء الفكرية أو العقائدية أو الدينية.

علي المسعود
المملكة المتحدة





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,286,401,404
- فيلم “سافرجت”، نابض بالحياة ويؤرخ لحق المرأة في التصويت .
- السينما الشعرية في فيلم المخرج الايراني الراحل عباس كياروستم ...
- فيلم ( حياة الاخرين) : كشف عن تأثير الرقابة البوليسية على ال ...
- -بلاد فارس - (( بيرسيبوليس )) فيلم رسوم متحركة يحكي قصة طفول ...
- محمد حمام --صوتك زى ابتسامة الطفل ف القلب اليسارى
- أطفال صغار يحملون هموم واثقال الكبار في الفيلم الكردي ( زمن ...
- (الاحتجاج الهادئ)، في افلام المخرج الكردي - بهمن قبادي-
- فيلم ( حرب خاصة ) قصة الصحفية ( ماري كولفين ) الجريئة والباح ...
- فيلم (على بوابة الخلود) يعيد الرسام -فنسيت فان كوخ من جديد . ...
- فيلم ( الزوجة ) يناقش فكرة: هل مازال الرجال منحازون بشكل أو ...
- نائب- فيلم أمريكي يعكس السياسية الامريكية وجهل مراكز القرار. ...
- إضاءة جديدة لفيلم ( الفراشة ) ألذي جسد قيم الحرية والاصرار و ...
- الفيلم السويدي -رجل يدعى أوفا-.. فيلم حافل بشتى أنواع المشاع ...
- فيلم ( الكتاب الاخضر) هل يشفي قرونًا من التميز العنصري؟؟
- دراما البقاء على قيد الحياة في فيلم -اثنا عشر عاما..ظلام ،-
- عمو بابا ملحمة اخرى من ملاحم وادي الرافدين تضاف الى ملحمة كل ...
- عندما تتغلب قوة الحب على حب القوة سيشهد العالم السلام .
- معاناة الصحفيين في سعيهم نحو الحقيقية في فيلم (( قلب عظيم ))
- الثائر ألاممي - جيفارا - يعود من خلال فيلم - يوميات الدراجة ...
- القراءة في تطهير الروح من ألاثام في فيلم ( القارئ)


المزيد.....




- بالفيديو... الممثلة السورية نسرين طافش تغني للجولان
- -أرطغرل- يودع الشاشة مع -قيامة عثمان-
- متحف قطر الوطني.. تحفة معمارية تروي قصة شعب
- بالفيديو..الجواهري الصغير.. طفل عراقي يحفظ أكثر من ألف بيت ش ...
- كيف تفاعل الفنانون اللبنانيون مع عملية قسطرة قلب الحريري؟!
- عائدات -كابتن مارفيل- تقترب من مليار دولار (فيديو)
- العثماني يبحث آفاق التعاون الصناعي مع المدير العام لمنظمة ال ...
- رئيس أركان الجيش الجزائري: المادة 102 المخرج الوحيد لأزمة ال ...
- جاستن بيبر يعتزل الغناء مؤقتا
- محمد بن راشد يغرد باللغة الأوزبكية ترحيبا برئيس أوزبكستان


المزيد.....

- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر
- المسرح الشعبي في الوطن العربي / فاضل خليل
- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي المسعود - الفيلم الكندي -حرائق - فيلماً سينمائياً متمردأ على نيران الطائفية ودخان بنادق تجار الحروب...؟؟