أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حسان خالد شاتيلا - حوار مع جورج لابيكا...في العلم والتاريخ من أجل تغيير العالم















المزيد.....



حوار مع جورج لابيكا...في العلم والتاريخ من أجل تغيير العالم


حسان خالد شاتيلا

الحوار المتمدن-العدد: 6167 - 2019 / 3 / 8 - 23:25
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


حوار مع جورج لابيكا
في العلم والتاريخ من أجل تغيير العالم
الملحق الرابع عشر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جورج لابيكا: العرب، البورجوازي اللطيف والجدل
دراسة تحليلية لل"إيديولوجية العربية المعاصرة"
لمؤلِّفه عبد الله العروي
(ترجمة حسان خالد شاتيلا)

"كما أننا لا نَحكم على إنسان ما بناء على الفكرة التي يكوِّنها عن نفسه،
فإننا لا نستطيع أن نحكم على مرحلة من التقلُّبات بناء على وعيه لذاته".".
كارل ماركس

إن المقالات المتخصِّصة في دراسة الإيديولوجيات في العالم العربي لا تزال في عهدنا الحاضر قليلة للغاية (يعود تاريخ كتابة هذا المقال إلى العام 1967.المترجم). ولما كان الأمر على هذا النحو، فإن هذا الكتاب لمؤلِّفِه عبد الله العروي، والذي نُشر مؤخَّرا يحظى عن استحقاق بالاهتمام الضروريم (L idéologie arabe contemporaine, Essai critique, préface de Maxime Rodinson, Les textes à l appui, Paris 1967, 224 pp/ Editions Maspero). (هامش: ملاحظات نقدية حول عدد من مشكلات الإيديولوجيا. وكانت الدراسة الماثلة يين أيدي القارئ نُشرت في "المجلة الجزائرية للعلوم القانونية، الاقتصادية والسياسية"، العدد 4، 1967. ونحن هنا نتوجَّه بحرص منا بالشكر إليها لسماحها لنا بإعادة نشره.Revue Algérienne des Sciences juridiques, économiques et politiques.
انطلاقا من وضع خاص، وهو هنا حال المغرب اليوم، فإن الكاتب يترك جانيا التحليل السياسي أو الاجتماعي، والذي نال برأيه حظه من الدراسة، ليتفرَّغ عن عمد للبحث الثقافي، بحيث "يتحرى ثقافيا"، حسب ما يشير هو نفسه إليه،" الأحكام المسبقة" أو القبلية لدى الكُتَّاب العرب (هامش: ص 5). إنه يعرِّف النقد الإيديولوجي منذ المقدِّمة تعريفا يستند إلى مسارين اثنين غير تاريخيين حسب ما يكتبه. مسار تجريبي يقتصر على"الحقيقة الساذجة للشهادة"، وعلم الاجتماع. هذا المسار الأخير يبقى "خارج التحليل الوضعي"، من حيث هو"منهج معقول" (ص 7) ، تجريدي- ملموس يرمي إلى استنتاج ما يترتَّب عن "كبريات الأعمال" من مضامين جوهرية،"ليضعها من ثم أمام عينيه جنبا إلى جنب مع غيرها" (ص7 ). ثم يأتي بعد ذلك التعريف بالمفاهيم الأساس. هذه الأخيرة، وكلها ذات أصل ماركسي، هي موضع للنقد عبر المسار الممتد لعمل المؤلِّف.الأمر الذي يسلِّط الضوء على إشكالية هامة تتكشَّف في هذا العمل عبر مسائل يقترح هذا المؤلَّف أن يجد لها ما يفيد من أجوبة: "هل القاعدة المادية للثقافة هي التي تحدِّد بصورة حتمية ومباشرة هذه الثقافة؟ وهل المجتمع الذي تمارِس فيه الإيديولوجيا عملها، وهل الطبقة التي تَستخدمها، هو وحده الذي يكوِّنها بصورة حتمية؟ وبأية صورة يظهر به الاحتكاك بين ثقافتين؟" (ص ص 10-11) ).
إن الطموح العظيم الذي يُحْيِي هذا العمل لعبد الله العروي هو نفسه ما يبرر أهميته. هذه الأهمية التي تحظى بها "الإيديولوجية العربية المعاصرة" هي من الأهمية بمكان، ولنقل ذلك بدون تحفظ قبل أن نجازف في حكمنا على هذا البحث. هذه الأهمية تعود، ولنقر بذلك، إلى أن المكان لا يتسع فيها لأية نبوءة، وأي مذهب يقيني. فهي مجال رحب للتدقيق الثقافي، والشجاعة والوضوح حسب ما يشير إليه مكسيم رودنسون في مقدمته للكتاب.
بسيكولوجيا البورجوازي اللطيف
(هامش: عبارة "البورجوازي اللطيف" في نص الترجمة العربية لهذه الدراسة التحليلية بقلم جورج لابيكا «Les Arabes, M. Jourdan et la dialectique » هي ترجمة مختصرة تستعين فقط بالصفة التي تُعرِّف موسيو جوردان Monsieur Jourdan الذي يحتل في الأدبيات الفرنسية موقع "البورجوازي اللطيف". هذا الأخير، "مسيو جوردان"، شخصية مسرحية من أعمال الكاتب الفرنسي موليير، ويعود تاريخ تأليفها إلى العام 1670. موليير هنا يسخر من بورجوازي ثري يسعى دوما إلى تقليد "النبلاء" بما يرتدونه من ملابس، بالإضافة إلى غيرها من طبائع في فنون وعلوم الأسلحة، والرقص، والموسيقى، والفلسفة. ما هو أهم من هذا وذاك أن المسيو جوردان يتلقى دروسا في الفلسفة على أيدى معلِّم يخبره ذات مرة "أنه (المسيو جوردان) ينجح في مسعاه على غير علم منه"، فإذا بالتلميذ يجيبه بأن "كل ما يقوله منذ أربعين عاما يَصدر عنه على غير علم منه بمعناه". بالمحصلة، فإن المسيو جوردان عبارة عن شخص يمارس نشاطا ما دون أن يَعلم أن لهذا النشاط وجود. أو هو يمارس النثر ولا يَعرف أنه نثر.المترجم).
إن كتاب عبد الله العروي يُشكِّل، وهو يؤكد ذلك مرارا، دراسة لموضوع يُصنَّف من حيث هو "لبحث". فلنوضح ذلك كي لا نقع في حيِّز الخطأ لدى نقدنا له. إن من طبيعة كِتاب من هذا النوع (ص 11، 64، 137، 165، 212)، والكاتب يعرف ذلك أفضل من أيٍ آخر، أن ينتمي بإخلاص لعمله، وأن يُقْبِلَ عليه بعناية بالغة، دون أن يُحسِن القبض على أفكاره، وأن يقترح بقدر ما هو يفسِّر، وأن يعمِّم دون أن يؤسِّس بصورة مستديمة، وبتعبير آخر فإنه يحثُّ على المناقشة، ويدعو إلى المواجهة بين وجهات النظر. لذا، فإنني لا أسعى إذن إلى السيطرة من علٍ، إذ إن مثل هذه السيطرة تفوق إمكانياتي المتواضعة، ولا حتى أن أحصي ما بين أيدي هذا العمل من أدوات ثرية بصورة استثنائية، والتي تشكِّل أرضية هذا العمل. سأكتفي إذن بقراءتي له، من حيث أن دراستي التحليلية له عبارة عن مشاركة في النقاش، مقترحا سلسلتين اثنتين من الملاحظات، إحداها تتعلق بوجهات النظر النقدية، وثانيها تتعلق بالمنهج. ذلك أن صلة هذه الملاحظات بالموضوع، إذا هي توفَّرت بصورة ملائمة، فلأنها تدرِك بشكل صائب ما جاء في عمل الكاتب، وهي مدينة له بصوابها. أما إذا هي، على القيض من ذلك، فَقدت أي معنى لوجوبها، فإنني سأكون حينئذ وحدي المسؤول عن انعدام فهمي لعمل العروي.
العروي يطلب منا أن نجاريه باتفاقنا معه في ما يتعلق بأطروحتين اثنتين: الأولى تقول"إن كل البلدان العربية تشكِّل في ما بينها وحدة ثقافية." الثانية منهما تذهب إلى القول" إن الاحتلال الكولوينالي يشكل في تاريخ العرب حدَّ القطيعة على وجه الدقة ما بين العصور الوسطى والأزمنة الحديثة" (ص29 ). ثم إن هاتان الاطروحتان تضيء بدورها المعطى الأساس للمؤلَّف، معطى لا يكف عن الظهور مجددا ما أن يختفي: إن تعريف العرب اليوم متعذر، وهو غير قابل للتعريف، ما لم يرتبط بالغرب (ص ص 4، 6،15 إلخ). هذا هو مركز المنظور الذي يوحِّد مختلف وجهات النظر التي تتناول التحليل الأيديولوجي للعالم العربي، من الوعي الاجتماعي السياسي، إلى الأشكال الأدبية، مرورا بالتاريخ، واللغة وعلم المنهج.
وبوسعنا، على الأقل لأسباب تتعلق بالتحليل الميَّسَر، أن نصنِّف ضمن ملف "التحليل النفسي" بالمعنى الواسع للكلمة، المقاربات التي تسعى إلى توضيح جديد للمعاني المحتجبة. ولما كانت هذه المقاربات تمتنع في معرض الإضاءة النقدية عن مجاملة الأساطير، فإنها تهاجم بإقدام الأفكار المُسبقة، سواء كانت من إنتاج العرب، أو من نُتاج الغرب.
وعن المسألة من حيث أصلها تَنبثق أطروحة النقيض بين الأنا والآخر، وتسمح، من حيث جذريتها، بطرح مشكلة الأصالة العربية (هامش: يأتي الفصل الأول من الكتاب تحت عنوان "العرب والأصالة". (هامش: هذه المفردات مُقتبسة إلى حد كاف عن المستشرق الفرنسي جاك بيرك. غير أن مضمونها ليس مستعارا منه. ويبدو لي أن الكاتب، وإن كان لا يشير أبدا لجاك بيرك، إلا أنه يُصوِّب انتقاداته إليه). عن هذه المسالة وحولها يكشف التحليل، من خلال تبادل حقيقي ينعكس على صفحة المرآة، عن العلاقة بين الشرق والغرب، علاقة يفكر خلالها أحدهما بالآخر عبر صور تحتاج دوما للنظر إلى مدى التطابق بين الطرفين، كما تستدعي تفكيك معنى هذه الصور (هامش: الأمر الذي يحيلنا بالضرورة إلى جدلية سارتر بين الوجود والعدم، وهي هيغلية من حيث أصلها، فيما يرفض العروي الطريق الفينومينولوجي). فالظل المنعكس الذي يحظى بالاهتمام قبل غيره هو، بطبيعة الحال، ذاك الذي يكشف عن انتقال الحيِّز الغربي إلى الوعي العربي. إن هذا الظل المنعكس مَرجعٌ دائم يفيد الكاتب للحكم على أشكال هذا الوعي على كل المستويات، وهو الذي يؤثِّر برأيه فيها من حيث هو يَطمسها ويكشف عنها في آن واحد معا. ف/"كلما يُعطي كاتب عربي تشخيصه لمجتمعه، تشخيصٌ يضيء عيوب هذا المجتمع ونواقصه، فإن صورة ما عن الغرب تتورط في هذا التشخيص" (ص 17). إن المظهر الأول لهذا التشخيص مستمد من المواقف المجتمعية، وإن تعيينه يشكِّل نمطاً لثلاث شخصيات: "الإمام أو رجل الدين "الذي يحافظ على اختلاف الشرق عن الغرب في سياق الاختلاف ما بين المسيحية والإسلام" (ص 19). "السياسي" هو ثاني هذه الشخصيات. "السياسي" المُشبَع بعصر الأنوار. ثالثهم هو "التقني" الذي يُمَثِّل المدافع عن الحضارة الصناعية. هؤلاء الثلاثة يجيبون "بأشكال متباينة على سؤال واحد"، ألا وهو"ما الذي يعرِّف بصورة إيجابية الغرب، ويعرِّفنا بالتالي بصورة نقيضة له؟" (ص 33). ثلاثتهم يعبِّرون عن"معنى ما للطبقة"، حسب المصطلح الذي يتبناه الكاتب. إلا أن معنى الطبقة هنا يرجع، برأيه، إلى بعث الأشكال الماضية للوعي الغربي وما تسمح به، أكثر منه إلى بنية المجتمع العربي (ص 40). لذا، "فإن كل حكم على أعمال محمد عبده، لطفي السيد، وسلامه موسي، يجب أن يكون حكما على إحدى المراحل التاريخية للغرب نفسه" (ص 41).
إن "الدولة الوطنية" هي شكل التنظيم السياسي الذي يترجم أفضل من غيره عن الإشكالية موضع البحث. الدولة الوطنية التي تلي كلا من "الدولة الكولونيالية" و"الدولة الليبرالية"، تتميَّز بالخصائص التالية: هي من الناحية السياسية معادية للإمبريالية (ص 8) ، وهي أيضا المدافعة عن سياسة التقنية وإرادة التصنيع. ويرافق مرحلة الدولة الوطنية ظهور البورجوازية الصغيرة المنتصرة (51). وهي من الناحية الإيديولوجية "عالم سعيد يرافقه التقاسم بين التعايش والنخبوية" (ص 53). إن الدولة الوطنية تسترد الأصالة عبر عقيدة "الاشتراكية الوطنية" التي تَتوق إلى التوفيق بين "التقنية والأصالة" (ص 56)، "الأبدية والتاريخ" (ص57). بتعبير آخر، فإن" الدولة الوطنية ترفع وعي المجتمع العربي إلى مستوى كيانه"(ص 64).
ويطلب الكاتب من مفهوم "المستقبل المبني على الماضي "(ص ص 65-69)، "مستقبلٍ كان تحقق في حيِّز آخر من الزمان والمكان، مستقبل كان بدأ في حيِّز آخر، ونحن لا نملك حرية قبوله أو رفضه" (ص 66)، يَطلب الكاتب من هذا المستقبل من حيث مبني على الماضي أن يعرِّف بالحدِّ هذه القطيعة، وأن يؤسِّس لنقد الأصالة، أصالة غالبا ما أسيء فهمها سواء لدى العرب او لدى الغربيين.
إن تقصي حقيقة التاريخ في الفصل الثاني تحت عنوان"العرب والاستمرارية" يؤيِّد، على مستوى نتائجه، الفكرة القائلة "إن الدولة الوطنية تتأسَّس إذن وفق منطقين اثنين، أحدهما من أجل الفعل، والآخر من أجل الفكر، أو بصورة أدق أحدهما من أجل يغِّير العرب ما هو عليه كيانهم، والآخر من أجل أن يفهم العرب كيانهم. الدولة الوطنية تُطبِّق أحد هذين المنطقين على علاقاتها بالطبيعة، والآخر في علاقاتها مع ذاتها" (ص 114). والحال أن العالم العربي، على هذا المستوى أيضا، يعود مجددا، حسب العروي، إلى النماذج الغربية وما يُعهَد إليها من مهمة هي اقتراح المناهج التي تغذي منطقي الدولة الوطنية، الفعل والفكر، أو التغيير والفهم. عبد الله العروي، إذ هو يلجأ بجدارة إلى التمييز بين ثلاثة مسارات، وهي "الوضعية" و"الجدلية"، و"الماركسية"، فإنه ينتقل بنا إلى الشكل الثاني من الانعكاس المتبادل بين مفهومي الشرق والغرب، وهو، هنا، مفهوم الشرق بالمفهوم الغربي. هنا يتحدث العروي بطلاقة عن الاستشراق (ص(117-125 وتأويلاته لتي غاليا ما تتحول إلى أساطير. تفسيرات أهداها الغرب بنفسه للعرب، وذلك في ما يستمر انعكاس الصورة في المرايا. هذا الانعكاس الذي يجد لدى الكاتب توضيحا نموذجيا محكما: "إن المستشرق لا يستطيع، بدافع الشرف أو القرف من ثقافته، أو بدافعٍ من أي سبب آخر، لا يستطيع أن يَدرج المستقبل في رؤيته الخاصة به للحاضر، ولا يستطيع أيضا أن يرسم رؤيته بناء على ما يمكن أن يعنيه المستقبل؛ لاسيما وأن رؤية المستقبل من خلال الحاضر هي وجهة النظر الوحيدة التي تستطيع أن تدرك حالة الفوران المقيمة في المجتمع العربي" (ص 125).
وفي الدولة الوطنية يوجد في حيِّز الواقع "التداخل الكامل بين هذين المجتمعين"، (ص 130). هذا التداخل هو الذي يُفسح المجال أمام سيطرة الأنساق القياسية التي تقلِّص التشابه بين المجتمعين. فكأن، وهذا هو ما يَحدث بالفعل، البنية التي تُطابق المثال النموذجي معطاة بصورة مُسْبَقَة. ففي المغرب، على سبيل المثال، يُطَبَّق علم اجتماع مبني، من جهة، على تحليل الطبقات من أجل الكشف عن مجتمع لم تبلغ فيه بعد المفارقات، من جهة، حدَّ التماثل مع المفهوم الصحيح للطبقات، لأن التعريفات لما هو صحيح وغير صحيح مدينة، من جهة أخرى، للعوامل الثقافية أكثر مما هي مدينة للظروف الاقتصادية (ص ص 131-134).
في ضوء ما رأيناه للتو، فإن هذه المسألة تنطوي على أهمية من حيث هي تكشف في ضوء ثنائية الفكر والعمل، هذه الثنائية التي تفتقد دوما في الإيديولوجية العربية المعاصرة للتطابق مع موضوعها المادي افتقادا يرجع إلى إقامتها في حيِّز المثال النموذجي الفكري، تراها (هذه المسألة) تكشف عن ثنائية أكثر عمقا بين "سلسلتين اثنتين من التعريفات: تلك التي تَنتُج عن الواقع المرئي بصورة ملموسة، وتلك التي تَنتُج عن النموذج الفكري النظري. الأولى منها – يُتابع العروي- أطلقنا عليها تسمية الواقعية، والثانية أطلقنا عليها تسمية الموضوعية". ويضيف الكاتب: "إن هذه الثنائية تجعل من كل سوسيولوجيا وضعية، سواء كانت غربية أم مَحَلِّية، مسألة إشكالية. ذلك أنها تنظر أولا إلى واقع متغيِّر متن بنية مشتقرة. ولأنها، من ثم، غير معنية البتة بشاغل الممارسة الفاعلة، أو لأنها لا تبحث عن نموذج مُوَجِّه، أو لأنها غير واعية بالمسألة. إن ثنائية الفكر والعمل إذن، من وجهة نظر الوعي العربي، غير واقعية (ما دام الواقع يتجاوزها في كل لحظة)، وهي غير موضوعية (لأنها غير مرتبطة ببنية مجتمعية شاملة، وهي لا تَحْمِل بصورة فورية ومباشرة مبادئ للعمل)" (ص 136).
وعلى سبيل تحريفٍ لصيغة ذائعة الصيت، يمكنا أن نقول إن الوعي العربي، وفق ما يبلوره العروي، لا ينتظر ذوبان السكر، وإنما هو يعتبره ذائبا منذ البداية. إن الفكر والعمل يعملان وفق فرضية قلما يُصَرَّح بها علانية. فرضية مؤداها أن البنية قيد التكوُّن أصبحت بالفعل تلك التي كانت تتوفر لدينا القناعة بأنها ستتكوَّن، وهو الأمر الذي يبرِّر كل التبرير تطبيق نموذجها الفكري النظري عليها. وعلى هذا النحو، فإن الوعي العربي الواقع تحت التأثير المَشوِّش للبراديغمات التي تحجب عنه التعقيد الملموس للواقع، وترجح لديه التداخل ما بين النماذج الفكرية، هذا الوعي، يعيش مجددا حالة القلق التي كان سقراط الشاب يعاني منها. (براديغما: جملة من الأشكال المتنوعة لحالات من النماذج ينظر إليها باعتبارها نموذجا فكريا، أو قاعدة، أو جملة من الأشكال يحلّ، بوجه الإمكان، أحدها محل الآخر في سياق محدَّد. البراديغما من حيث هي نموذج فكري أو قالب صلب يقود نشاطا إنسانيا، ويعود إليه هذا النشاط من حيث هو مرجعا له، يختلف عما هو العمل النموذجي الموجود بالفعل. هي، لدى ليفيناس موضوع ملموس وقد تحرَّر من تاريخه.المترجم).
بخلاف المحِّلل الواضح واليساري الذي يدافع عن الفكرة القائلة "إن العمل السياسي لا يفرُّ من الخيار، فإما أن يكون خياره رجعيا، وإما أن يكون تقدميا"(ص135)، فإن الكاتب لا يتفق مع هذا الرأي. إنه يستعين بمفهوم "الماركسية الموضوعية"، والذي يأخذ حيِّزا مهما من الكتاب )ص 139-155)، كي يطرح فكرة مؤداها أن الأمل لا يزال كاملا بأن يستعيد العالم العربي الإمساك بمصيره. فالوعي العربي، على نحو ما يذهب بنا الكاتب إليه، يريد في الواقع من الماركسية أن تقوده إلى نجاح عن غير علم منه (ص 10)، شأنه شأن البورجوازي اللطيف (مسيو جوردان) الذي كان يدأب على الكتابة النثرية دون أن يُدرك أن ما يكتبه ليس أسلوبا آخر غير النثر نفسه. وسواء كان الأمر يتعلق برجل الدين، أو السياسي أو التقني، فإن الاشكاليات الإيديولوجية لكل منهم، وهي ذات الصلة بتفسّيرِ الإجماع، بانتقاد الرأسمالية، وبما يكنُّه هؤلاء من هوى للعلم والتقدم الصناعي، يَستدعي كل منها الماركسية ويَعتَبِرُها تتويجا لإشكاليته الإيديولوجية(ص 143). أضف إلى ذلك، أن الجميع يشتركون، بموجب مفهوم الإجماع، بالإيمان الراسخ ب/"وحدة التاريخ"، وهم مقتنعون بتبرير "الخصائص دون تمزيق الوحدة"، وبالحاجة الضرورية إلى "مستقبل ينجح بضربة واحدة بإعادة الوفاق للتاريخ" (ص 144).
عبد الله العروي يكتب ما يلي: "لا تكمن المسألة في معرفة ما إذا كانت الماركسية - حسب الفهم الذاتي لكل فرد منا لها - تجد أنصارا لها بين العرب، ومن هم هؤلاء الأنصار العرب. إنما المسألة تكمن في معرفة ما إذا كانت الماركسية حسب تفسير ما لها، هي المُوقِد الذي يُحيل ضمنيا أو علانية إلى كل ما يقوله الوعي العربي عن نفسه، أو معرفة ما إذا كانت الماركسية هي النظام الوحيد الذي يقدِّم الأجوبة المتماسكة لكل ما يَعْتَبِرُه الوعي العربي لنفسه ضروريا. فإذا ما قُرأت هذه الماركسية قراءة ما، فإن توضيحها، من حيث هي كذلك، هو الموضوع قيْدَ الإنجاز بخطوطه العريضة" (ص 146).
بعدما يتخلى العروي بعد ذلك عن المواقف الإيديولوجية، فإن التحليل عنده يأخذ موضوعا له كلا من المجالات الرئيسة للاقتصاد، وعلم الاجتماع، والإيديولوجيا، وهي تؤكد بدورها من جديد تبني الوعي العربي ل/"الماركسية الموضوعية" (ص ص 146-155).
فما هي إذن هذه الماركسية؟ يجيب العروي بأنها ماركسية "النظام النسقي"، وهي ليست أبدا"ماركسية المنهج"، وذلك على غرار ما كان العرب يفعلونه في الماضي البعيد بأرسطو. إنهم يَصهرون لأنفسهم ذاك الماركس الذي يتناسب مع مقاييسهم (ص 153).
فهل يتخلَّى العروي بصورة نهائية عن المنهج؟ ألا "يستبعد على هذا النحو كل معرفة موضوعية بالمجتمع العربي" (ص 157). هاهنا ايضا يأتي حكم العروي ملوَّناً بكثافة وقد اختار التفاؤل عندما يَطلب من التاريخ العربي، وهو من جديد موضعا لتساؤله، أن يَجد جوابا لمعرفة ما إذا كان ثمة "حظوظ من النجاح أمام الجدلية" (ص. ص. 157-165)، حتى ولو كان الجواب على ذلك يأتي "بشكل خدَّاع" لمنطق ممكن. بل وإنه يذهب إلى التوكيد – وهو يعود إلى هذه النقطة حينما يستعرض ما يتوصَّل إليه من نتائج عامة (ص 211-212) -التوكيد على أولوية الإيديولوجيا برأيه أمام العوامل الاجتماعية-الاقتصادية، في العالم العربي المعاصر، من حيث أن هذه الأولوية، وهي على حد قوله ثابتة، هي الطريق الوحيد لاستعادة جديدة ل/"الشمولية" في المستقبل. أو، وبتعبير آخر، هي الطريق أمام "عودة الوفاق بصورة بطيئة وصعبة بين الوعي العربي والإنسانية الجديدة" (ص 169).
هذه هي، حسب ما يبدو لي، الخطوط العريضة لأطروحة العروي (هامش: لقد تركت جانبا عن قصد الفصل الرابع الوارد تحت عنوان: "العرب والتعبير"، والذي يتناول بالبحث الأشكال الفولكلورية والأدبية العربية المعاصرة، ليس إهمالا مني له، فالبحث هذا محمَّل بصورة غنية بالرؤى الأصيلة التي تستحق فحصا دقيقا، وإنما لأنني، بالإضافة إلى افتقادي للكفاءة في هذا المجال، فإنه يبدو لي أن استبعادي لهذا الفصل من المؤلَّف ليس من شأنه أن يعدِّل رؤيتي في جملتها لما حدَّدته لنفسي من تثمين لكتاب عبد الله العروي).
مما لا شك فيه أن هذا أو ذاك من العروض المُبْسَطَة أمامنا يستدعي الملاحظات. وعلى سبيل المثال فإننا نتساءل لماذا ينال الاستشراق الأنجلو-ساكسوني والألماني نقدا قاسيا، في ما تنال المدرسة الفرنسية للاستشراق نقدا متحفِّظا وتلميحيا...(هامش: وهو في نفس الوقت قاسٍ حيال مستشرقين من أمثال غولدزيلهرGolzilher أو شاخت Schachtوفق ما يلاحظه مكسيم رودنسون في مقدمته لمؤلَّف العروي- ص 13). ومن جهة أخرى، فإن تنوع التيارات في مجال الاستشراق ليس موضع اهتمام العروي، علما أن الطريق الممتد من رينان Renan إلى و. م. وايت W.-M. Watt، فضلا عن المستشرقين السوفيات طويل. ثم إن التجديد المنهجي والتغيير الذي لحق بالمنظور،(والذي ينادي به العروي نفسه)، والذي يسجِّله، من جهة أخرى، كاتب مقدمة الكتاب مكسيم رودنسون بصورة نادرة، كان هذا التجديد والتغيير بدأ منذ فترة بعيدة، ،لكنه لم يلقى من العروي حتى على إشارة واحدة. وكان حريا بالكاتب أن يسحب من محاكمته العامة للاستشراق والمستشرقين طابعها السلبي ونبذه الصريح لهم بدون تمييز.
ويصطدم أيضا التقديم التأريخي بملاحظة مشابهة. ذلك أن من الخطأ أن يقال إن التأريخ العربي بكامله لم يكن سوى أيديولوجيا وحسب. ابن خلدون أفضل مثال على ذلك. فقد نال منه الكاتب بانتقاد مؤداه أنه يطمس المأساوي بالاقتصادي (ص 198). فضلا عن ذلك، فإن التأريخ العربي عَرف في الماضي تيارا علميا، وذلك حسب ما يشهد على ذلك بصورة كافية المستشرق ف. روزنتال (هامش: ف.روزينتال F. Rosenthal في كتاب لم يحظى من العروي على أية إشارة A. history of muslim historiography, E.-J. Brill, leiden, 1952. .الأمر الذي يحملنا على القول بأن النتائج التي يخلص إليها العروي سلبية أكثر من اللازم (ص 109). (هامش: A history of muslim historiography,E.-J. Brill,Leiden,1952 ).
هذه الملاحظات لا تلمس في الحقيقة سوى التفاصيل، في ما يبدو لي أن المنهج يستحق مناقشه مسهبة.

مشكلات الإيديولوجيا
فلنعد بادئ ذي بدء إلى الإشكالية.
يبدو لي أن بعض الملاحظات الأولية لا مفر منها، بالرغم من أنها عامة وغير مكتملة، ما دمنا نقف على عتبة مجال يكاد اعتبارا من الآن فقط أن يتكشَّف أمامنا.
إن دراسة الإيديولوجيات التي تَمنح اليوم للبحث العلمي مجالا واسعا أمام تقصي الواقع الحقيقي، شرط أن تلتقي العلوم في ما بينها، حسب ما يبدو، وبعدما يُلغى تقسيم العلوم كلا منها على حدة إلى، علم الاجتماع، الفلسفة، الاقتصاد والتاريخ. شرط أن تلتقي التخصُّصات التي أصبحت ضرورة لا مفر منها، حتى في ما يتعلق بالعلوم الإنسانية، أن تلتقي هذه العلوم، بعدما يلغى التقسيم ما بينها، ليحل محلها في نفس الوقت ما هو وثيق العلاقة بها، ألا وهو العمل التركيبي الذي، وإن كان يتصل بالتخصُّصات، فإن هذا التركيب هو الذي يَنقذنا من الوقوع أسرى الفسيفساء، حيثما نتوخى بوجه الدقة فهما شاملا. ذلك أن الأمر يستدعي في ما يتعلق بالإنسان المعاصر، يَستدعي منه أن يتملك ما يفهمه، أي أن يحاول تحديد وضعه الإيديولوجي في مواجهة الخيارات الملزَم لا محالة بتبنيها، والتي سترسم مصيره شاء ذلك أم أبى.
هذا، شرط أن تُدرك الإيديولوجيا من حيث هي "تركيب" يَجمع بشموليته بين التخصُّصات، فهي نظام، وبمعنى آخر كلٌ واحدٌ مكوناتُه متماسكة في ما بينها إلى هذا الحد أو ذاك، نظام لتصورات يمكن لها أن تنتقل من الرأي لسائد المتفشي إلى المفهوم، نظام ذو تكوين مزدوج يوحِّد بين النظرية والممارسة. انطلاقا من ذلك، ومن باب أمثلة تتوارد على قبيل الصدفة، فإن المسيحية، والمذهب الديكارتي أو البيرونية في الأرجنتين، هي بدورها إيديولوجيات من حيث هي حركات واسعة ثقافية ( في الفلسفة: المعرفة الشمولية للعالم)، ووجودية (أي ثمة إنسان فرد مسيحي، ديكارتي، بيروني). بتعبير آخر ثمة حدود مرسومة للعالم لدى كل فرد أو تيار على حدة. إن إعادة رسم المسار التاريخي لهذه الإيديولوجيات، لدحضها كإيديولوجيات فكرية مثالية تزيِّف التاريخ المادي، من حيث هي نتاج البورجوازية، ثقافتها ودولتها، أمر ممكن. (هامش: المعرفة الشمولية للعالم: أي التعريف الذاتي للرؤية الفلسفية للعالم لدى الفرد، التيار، أو الجماعة. وإذا كان هذا التعبير شائعا في الفلسفة الألمانية خلال مطلع القرن التاسع عشر، إلا أن معناه يمتد ويتسع ليصبح شائع الاستخدام لدى الناس عامة: بمعنى أن لدى كل إنسان فلسفته المثالية للعالم. أو مواقف من العالم تفتقد للمعرفة الواقعية. أي الفكر الشخصي أو الجماعي المطلق الذي يَستمد مضمونه ومعناه من الفكر ذاته. لدى ماركس: لم يعد الإنسان، على نقيض ما يذهب إليه هيغل، يُنتج الفكر من أجل الفكر، وإنما هو التاريخ قيد التنفيذ الفاعل من أجل الكائن الإنساني. ماركس يكتب: "إن النقد قد عرَّى الوردة المتخيَّلة التي كانت تغطي الشجرة، لا لكي يَحمل الإنسان شجرة معدمة السمو ومثيرة للأسف، وإنما كي يهز الشجرة ويقطف منها الوردة الحيَّة. إن نقد الدين يخَلِّص الإنسان من الأوهام كي يفكِّر، يفعل، ولكي يُكَوِّن الإنسان واقعه من حيث هو إنسان لا يشوبه وهم، وقد أصبح مدرِكا عاقلا، بحيث يتحرك حول الواقع، وكي يتحرك من ثم حول شمسه الحقيقية. فالدين ما هو سوى الشمس الوهمية التي تدور حول الإنسان طالما هو لا يدور حول ما يحيط به. ماركس، "إسهام في نقد فلسفة القانون لدى هيغل".المترجم).
وبطبيعة الحال، فإن هذا التاريخ الذي يعود تقصيه إلى وقت غابر مُلْزِمٌ لكل تقصٍ له بأن يجعل موضعا للإدراك والوعي كل فارق دقيق بين أمرين، وكل التنوعات المتعلقة بما سيأتي عبر الصيرورة، وهي معقدة تعقيدا ملازما للواقع المعاش من أناس يواجهون واقعهم، مُلزِمٌ، ليس من قبيل الاستتباع، بأن يحلِّل ليس فقط المبادئ المؤسِّسة التي تُعرِّف المسيحية والديكارتية أو البيرونية، فهذا التحليل هو المهمة الذاتية للفلسفة التقليدية وحدها دون غيرها. ذلك إن "النزاهة" الأصلية، حسب ما يُقال، ليست وحدها التي تستحق التقدير؛ فال"تلوُّث" نقيض النزاهة، والذي يكشف عن نفسه عبر الحركة الحيَّة، ويبيِّن من خلال هذه الحركة ما للعقائد من تأثير فعال ملموس، إنما يستحق هو الآخر، وليس أقل من الأول، كل التقدير. فبولص ما بعد المسيح، وبوشيزBouchez ولاموني Lamennais ما بعد ديكارت، ريجيوس Régius ولامارتي La Mettrie، على غرار أيفا بيرون، على غرار الكونفدرالية العامة للعمال في الأرجنتين: إن هذه السياقات من التناسق التي تلتقي في ما بينها وتتعاون طالما أن الناس، سواء عن طواعية منهم للظروف أو بالرغم عنهم، إن هذه السياقات هي التي تصنع أو تبرِّر علم توليد الأفكار، وهي التي لا تؤذي سوى الذين يشعرون بالحنين لسموات غير مفهومة والتي لم تثبت صحتها أبدا. الحال أن لا وجود لتاريخ فاسق غير نزيه. الحال أيضا أن لا وجود لذات لحقت بها اللعنة: إن علم الأخلاق هنا، والذي يُستشهد به كثيرا، لا مكان له؛ إذ إن الوعي المعقود على الوقائع هو الذي يُعْتَبَر العامل المحدِّد الحتمي.
إن مثل هذا المبدأ المنهجي الذي يبدو وكأنه مسلم به، ينطوي في هذه الأثناء على مجازفة مؤداها أن هذا المبدأ ليس أكثر من إعلان عن النوايا إذا ما كان المبدأ المنهجي نفسه المتقدِّم بيانه لا يُسلط الضوء على خطر مزدوج يهدِّد البحث من زاوية قطبين لأطروحتين متناقضين.
الخطر الأول يعود إلى خرافة المادة الخام، والتي ما تزال فلسفة تجريبية ما تبني بتصميم حتى غاية اليوم من هذه الخرافة إيماناً أشبه ما يكون بالعقيدة الدينية: إن الشاغل الذي يجهد في التسجيل الدقيق لكل ما هو حَدَثْ أيا كان النظام الذي يسيِّره، حتى عندما يجهد كي يعيد إليه استمراريته الزمانية، إنما هو يسوِّق بأسعار زهيدة للقاءات متسلسلة ما بين حدث وآخر (على سبيل المثال: ما بين وقائع سياسية وتاريخ الأفكار)، من جهة، ومع قضايا إيديولوجية، من جهة ثانية. قضايا إيديولوجية يُعَرِّف باسمها أشخاص فعالون أنفسهم بهذه الإيديولوجية، وهم في الواقع يزعمون ذلك (الروائي، الإنسان الحزبي، الفيلسوف أو المؤمن). حجر العثرة الثاني، وهو الذي يحاذي فلسفة نفعية ما، فإنه يقود بصاحبه المفكِّر إلى اعتقاد قوامه أنه يقبض على الحقيقة التي تراها ذاتيته الفلسفية في العلاقة المعيارية لأنماطه الفكرية الذاتية، وأن معاييره الذاتية (المعايير الذاتية للفرد أو الجماعة) هي نفسها أنماطه الواقعية المتجسِّدة في الممارسة. غير أن المنهج، على خلاف ما يذهب إليه الكاتب، يقوم في الواقع على تفسير لكليات تكونت من حيث هي كذلك، أي بصورة مستقلة عن أي ولوج كان لها في نسق معطى مسبقا. كما هو يقوم بناءً على محاولة لتحليل هذه التكوينات المستقلة، تحليل مقيمٍ حيث يوجد بوجه الدقة التلاقي بين الاتجاهات القصدية لهذه التكوينات، اتجاهات هي التي تمنح المعنى "عندما" نهمُّ" بإنجاز الدراسة. هذه الاتجاهات القصدية التي نمضي نحوها تعبِّر عن حالة التعقيد المنجزة بصورة ملموسة للأوضاع والنوايا، والتي لا يمكن تفكيك معناها إلا باللجوء إلى قراءة متبادلة لمكوناتها.
وعلى غرار ذلك أيضا، فإن المنهج جدلي، ومن غير الممكن أن يكون غير ذلك. هو جدلي ليس بالمعنى الخداع الذي يمارس لعبة ثقافية ما قوامها التقاط التضاد بين الأفكار، والتي غالبا ما تكون معزولة بعضها عن البعض الآخر. وإنما بمقتضى الأهمية التي تَستمد مشروعيتها من تناقضات بديهية، وذلك كلما تقدَّم التحليل خطوة على مسار البحث المنهجي،. بمعنى أن هذه التناقضات هي السبب أو المعنى لهذه الكثرة المعطاة تاريخيا، والتي تَقْبَل الامتحان.
فلنقل باختصار مع لويس ألتوسير "أن الإيديولوجيا موجودة بصورة جدِّية من حيث هي ممارسة"، وأن "هذا الاعتراف من حيث هو يَشْغَل حيِّز الأولوية المُسْبَقَة،" هو، حسب ما يبدو لنا، "الشرط الضروري لكل نظرية إيديولوجية" ("من أجل ماركس"، منشورات ماسبيرو، سلسلة "نظرية"، باريس، 1965، ص 168). الجدل من جهته هو "النظرية"، وهو وحده القادر على معاينة الممارسة بصورة عامة، والممارسة الإيديولوجية بصورة خاصة (م.س، ص 169).
وبالإمكان، من ناحية أخرى، أن نميِّز بين نمطين من الإيديولوجيا. الأول من هذين يسمَّى "صريحا"، وثانيهما يُدعى "ضمنياً". فالهيغيلبة خطاب إيديولوجي صريح. بمعنى أنه ذو تاريخ، مُعَرَف، ومُسَمَّى. وهو كذلك من جراء انتمائه إلى مسقط رأسه: هيغل. ثم إن صيرورة أعمال هيغل تأخذ أشكالا متنوعة: الهيغيلية الألمانية المحدثة، و نظيرتها لدى الإيطالي كروتشيه، إلخ. لذا، فإن من الممكن بصورة قبلية أن يُمسَك، بل وأن يُعثر على أشكالها الضمنية أو غير المُعْلَن عنها، لدى ماركسية لوكاش على سبيل المثال، أو عبر وجودية سارتر، لشرحها، والتي تجد مكانها لدى هؤلاء، وذلك من حيث معالجتها لبعض مفاهيم هيغل. لكن الأمر يختلف عندما يتعلق بإلإيديولوجية الضمنية. إذ إن هذه الأخيرة تُسْتَخْرَج من غلاف مشوش ومعقد من الوقائع والأفكار أو المواقف. إنها أبعد ما تكون عن إيديولوجيا متكوِّنة، حتى ولو كان هذا التكوين حيِّزا أكمداً ذي حدود غير مؤكَّدة. غير أنها بالرغم من ذلك تستدعي إنتاجها ك/"إيديولوجيا". هذا الإنتاج هو الذي يجعل المهمة في غاية الدقة: مهمة اختار بالضبط العروي في "الإيديولوجية العربية المعاصرة" أن يتمسك بها.
من حيث المبدأ، فإن هذين النمطين من الإيديولوجيا يتطلبان منهجا واحدا لا يختلف أحدهما عن الآخر. منهج ذو اتجاهان، ونحن نكتفي هنا بالإشارة إليهما: اتجاه لإيديولوجية داخلية تتضمن الشكل المنظَّم الخاص بنسقها (طبيعته، تماسكه، إلخ). واتجاه لإيديولوجية خارجية تتضمن عواملها المكوِّنَة من حيث أصلها، معناها، بالإضافة إلى العلاقة التي تربط هذا النمط من الإيديولوجية الخارجية بالزمن التاريخي المَخفي، علما، ومن غير إلحاح، أن الجهد الجوهري من الوجهة النظرية مقيم حيث يوجد الالتحام، فلنسمه الجدلية؛ جدلية هذا المنهج مزدوج الاتجاه في معالجته للإيديولوجيتين.
في ما يتعلق بالإيديولوجية الضمنية، فإن مقاربة هذه الإيديولوجية تصطدم بصعوبة على صعيد مقدِّمتها، ألا وهي "المرجعية" التي عنها تنشأ هذه الإيديولوجية. فإذا عادت بنا أدراجنا إلى الهيغيلية، ترانا، وعلى الأقل للوهلة الأولى، نجد "علم ظواهر الفكر"، و "علم المنطق"، بين غيرها من أعمال هيغل. أي أن نقاط انطلاق الإيديولوجية الضمنية لا تستوجب التبرير ما دامت هي غير متكوِّنة كإيديولوجيا خارجية. فتبريرها مستقى من مراجعها الفكرية الذاتية. أما في ما يتعلق بالإيديولوجية قيد الإنجاز عبر الممارسة من حيث هي إيديولوجيا خارجية، فإن المرجعية هي التي تَفرض نفسها.
السؤال هو: هل يأخذ العروي بهذه الاستهلالات؟
فلنستعد أجوبته. إننا أمام:
1-) الحيِّز الذي تظهر فيه الإيديولوجية العربية، هي: "الأعمال ذات الدلالات".
2-) حيِّز المصدر: الغرب.
من هنا تنبع، بصورة تكاد أن تكون رسما تبسيطيا، النتائج التالية:
3-) الافتقاد للتلاؤم والمطابقة، والذي يظهر بصورة شاملة: إن التعبيرات الظاهرة للفكر العربي، سواء في ما يتعلق بالأعمال الفكرية، أو بالأشكال النمطية للوعي، عاجزة عن بلوغ القاعدة المادية الناتجة عنها (أو في أية مناسبة هي نتجت).
4-) الاستلاب من حيث هو ظاهرة عامة: فالإيديولوجية العربية ما أن تعي ذاتها بشفافية حتى تَكتشف أن وجودها الذاتي مقيم خارج ذاتها: إنها إيديولوجية الاستعارة.
غير أن ذلك يستدعي طرح أسئلة ملزمٍة لابد منها:
5-) لماذا تظهر هذه الاستعارة؟ عبد الله العروي يشير هنا إلى ما يعاني منه العالم العربي من جمود تاريخي، فضلا عن الاستعمار. أما وأن الغرب يواصل طريقه، فإنه أصبح براديغما. (أي إن الوعي العربي أصبح اضطرابا متواترا بين عدد من النماذج الإيديولوجية المتنوعة التي تتبادل مواقعها في سياق تأثيرها بالإيديولوجية العربية المعاصرة.المترجم).
6-) ماهي طبيعة هذه الاستعارة؟ يبيِّن العروي أن الاستعارات حدثت على مستويات متباينة من العمق (من القرن الثامن عشر إلى القرن العشرين)، وفي فضاءات متنوعة من الإيديولوجيات (من الديمقراطية البورجوازية إلى فن القصة)، حدثت في خضم بنية التاريخ الغربي. الأمر الذي يَحمل العروي على الاعتقاد بأنه يستطيع أن يَستخلص من ذلك، في ما يتعلق بالمرحلة المعاصرة، وهي موضوع بحثه هنا، قاسما مشتركا لمجموع ما يتجلى له اليوم في ضوء عمله من مكوِّنات الإيديولوجية العربية. هذا القاسم المشترك هو "الماركسية الموضوعية". إنها تسمية عُثر،هكذا هو الأمر، عليها للإيديولوجية العربية. وهي تُعبِّر عن استعارة جوهرية عن الغرب، وتُتَرجم عن أعمق علاقته التضمينية بالغرب.
7-) ما هو المبرِّر، وكيف يكون ذلك؟ الجواب حسب ما يقول المؤلِّف كامن في مناهضة الإمبريالية من حيث أن هذه المناهضة هي إحدى طبائع العالم العربي في ما كان يتخلَّص من عهد الاستعمار. مناهضة ضرورية ملزٍمة له في ما هو فيه في حاضره من وضع. الأمر الذي يَحمل معه معاناة الرغبة التي تخالجه كي يَلحق بأسرع وقت ممكن بالدرجة العليا من التطور الذي يصل إليه الغرب. بتعبير آخر: أن يَصعد الى القطار في ما هو يسير دون أن يتوقف في المحطات التي تخطاها وراءه، ألا وإن هذه المحطات هي الرأسمالية بوجه خاص. على هذا النحو، وفي الوقت نفسه، فإن التخلي عن الرأسمالية في مؤلَّفه باعتبارها إحدى المحطَّات المرتبطة بالإمبريالية تغيِّر المقترحات التي كانت نقطة الانطلاق في معاينته للإمبريالية:
8-) إن ظاهرة الافتقاد للتلاؤم والتطابق تتغيَّر لتدلِّل على تلاؤم هو قيد الإنجاز، أي: "المستقبل المبني على الماضي". ها هنا تقترب اللحظة التي تختفي فيها، في المغرب على سبيل المثال، البنية الاجتماعية المغلقة للقصر الملكي ("المخزِن" في النص) مما يَمنح تحليل الطبقات كامل أهميته.
9-) لم تعد ظاهرة الاستلاب تمثِّل أمرا آخر سوى مرحلة انتقالية جرى تجاوزها بعدما أصبح الانتقال مفترقا للطرق يُعِدُّ العدِّة لبعث جديد في حياة شمولية يتوافق فيها أخيرا الوعي العربي والوعي الغربي. على هذا النحو، فإن البورجوازي اللطيف، وقد اكتشف أن ما يقوله لا يعدو كونه نثراً، فإنه يستعيد ماهيته ويتبنى خطابا معقولا. إذن، ها هي كل الفرص تتوفر أمام الجدلية.
10-) تتكشف أخيرا واعتبارا مما تقدَّم نتيجة عامة: إن "الإيديولوجية العربية المعاصرة" ذات خاصية بعيدة عن القاعدة والأسس التي تبني نفسها استنادا إليها (أو المناسبات التي تبنيها؟). هذه الإيديولوجية تميل إلى تحويل هذه القاعدة بالارتفاع بها إلى مستوى الإيديولوجية الغربية التي أنتجتها بصورة واقعية. "إن هذا الخطاب يستعيد حركة الوعي الغربي (...)، وهو، في الواقع، مستقل عن حركة المجتمع الغربي قيد التحليل والدراسة في هذا الخطاب" (ص 212).
على هذا النحو، فإن ما كان صدى للغرب في الوعي العربي وفق ما يبيِّن المؤلِّف آنفا، يصير صوتا. فالأثر الفعال للإيديولوجية العرية المعاصرة لا يتوقف عند هذا الحد: إن الكاتب يعزو إليها دورا، عندما يقتضي الأمر ذلك، قوامه أن تَدفع هذه الإيديولوجية بالغرب نفسه إلى السير قدما. هذا الغرب الذي كان بدوره، برأي الكاتب، ضحية للتوقف خلال لحظة ما عندما سَمح "للماركسية أن تصبح جدلية وتزدهر بشكل انثروبولوجيا حقيقية" (ص214).
المغامرة البغيضة للجدلية
مما لاشك فيه أن هذا التحليل مغرٍ لاعتبارات متعدِّدة. بيد أن تبني المؤلَّف، مع الأسف، للمذهب المثالي الذي يتناقض مع ما تذهب إليه نواياه المُعْلَنَة باعتباره غير مثالي، تَجعل من هذا التحليل ضالا.
فالتردُّد الماثل في المفاهيم يشكل العلامة الأكثر ظهورا: هذا التردّد يستعين بمصطلح مستعار من الماركسية (الماركسية الموضوعية) كي يُعَرِّف الحدَّ لإشكالية هي غريبة عن الماركسية، إشكالية هيغلية، أو للفيلسوف فيخته، وأحيانا فينومينولوجية (علم الظواهر).
وهذا ملاحظ، هنا وهناك، عبر التعبيرات التي غالبا ما تُستعاد من "وعي الذات"، من التعارض بين "الأنا" و "اللا أنا"، التعارض بين الخاص والشمولي، الاستلاب، الأصالة، والغيرية، وذلك بين أمور أخرى غيرها.
ثمة ما هو أهم بصورة أعظم من حيث معناه. فالجدلية التي تحتل "الخلفية" بأسرها في هذا العمل للعروي، ترتبط بصورة ضعيفة بأداة التحليل العلمي لدى ماركس. فالملتبس، والغمض أحيانا، حلاَّ محل التناقض. فلنأخذ، على سبيل المثال، أولى المفاهيم التي تُشكِّل بالضرورة "الأساس لكل محاكمة عقلية" ( ص ص 7-8). العروي يكتب ما يلي: "إن معنى مفهوم الطبقة يرجع في أغلب الأحيان إلى بقايا ما يحتفظ به مفهوم "البنية المجتمعية" الذي يُنتجها، ، وذلك عندما يلج في بنية هي تاريخيا غريبة عنه. ولا حاجة للقول أن هذا المفهوم ليس البتة وليد الصدفة بصورة تامة، وأن ما تعطيه الاستفادة منه من نتائج ملموسة ليس مجرد توافق". ولا يقل عن ذلك صوايا، حسب العروي "أن علاقات مفهوم الطبقة بالبنية الجديدة حيث تفعل وتتحرك لا تبلغ أبدا مرتبة البساطة، وهي ليست مباشرة. إن معنى الطبقة مُستقى، إن صحَّ القول، من البقايا التي كانت البنية الاجتماعية أنتجتها من بقايا" (المزدوجات من وضع ج. ل.). ما معنى ذلك؟ إنه لا يعني أمرا آخرا سوى أن "المفهوم" هو بالفعل ما نعتقد به، دون أن يكون في الوقت نفسه هذا الذي نعتقد به ، وأنه مفيد للاستعانة فعليا وعمليا به حيث هو مُعْدَمٌ من أي فائدة؟
هل أنا أبالغ؟ لكن هذه الصيغة ليست حالة واحدة فريدة من نوعها في النص. إننا نعثر عليها (ص 40) عندما يأتي استعراض العلاقة بين الإيديولوجيا والبنية ("إنها مفيدة بصورة قوية"..."دون أن تكون كذلك بالفعل"...، أو في الصفحة 45 حيث يأتي الحديث عن علال الفاسي، فالمذكور لا "يمثِّل"..."وهو يمثٍّل"...).
السبب وراء هذا الالتباس وغموض الإدراك في ما يتعلق بالطبقة وعلاقتها بالبنية يعود إلى أن الجدلية تفتقد بصورة دائمة إلى التعريف. هنا يُسنَد إلى الجدلية، على طريقة الفيلسوف الميتافيزيقي الفرنسي لويس لافيل ( (1983-1951 Louis Lavelle تشخيص الهتافات المؤقتة التي تعارض بصورة غريبة للغاية الماركسية (س 115). هنا أيضا، تغدو الجدلية حالة ضرورية مفروضة من جهة وضع ما، ثم لا تلبث أن تأخذ خاصٍيَّة، وهي "منطق الوعي العربي، وتجاوز لتناقضاته" (ص ص 164-165). ثم تظهر الجدلية في موقع آخر "بأشكال غير واعية، وغير نقيَّة" ضمن التاريخ العربي بفضل ملخَّص مفاجئ يقود إلى المدارس اللاهوتية اعتبارا من القرن الثاني الهجري" (ص ص 159-163). مكسيم رودنسون يجد، بالرغم من حماسه للمؤلَّف، هذه الإحالة "مثالية مبالغ فيها" (ص 13 من مقدمة رودنسون). هذا هو في الواقع أقل ما يقال. (في ما يتعلق بنقد المادية التاريخية لجدلية العروي: إن دفاع لينين عن المادية، في عمله "المادية والتجريبية النقدية"، والذي يدحض فيه الاشتراكيين الروس أتباع الفيلسوف الألماني كانط، والآخر البريطاني صاحب المذهب التجريبي باركلي، بين غيرهم في روسيا ما قبل الثورة ممن يَعتبرون أنفسهم مع ذلك ماديين، ليس مجرد مسالة فلسفية أو مبنى جديد لنظرية المعرفة (الإبستمولوجيا)، إنما هو دفاع سياسي ملتحم في كتلة واحدة بمسائل الفلسفة ونظرية المعرفة. فالمعرفة الموضوعية للعالم لدى لينين تشكِّل الشرط الضروري لتغيير العالم بفعالية، بحيث تَظهر الأسباب الواقعية للظواهر، وتتكشف القوى الواقعية المحرِّكة له وفيه، والتي تَعمل في الطبيعة والمجتمع، وبحيث لا تُخفى هذه الظواهر والقوى وراء واجهات الأعراف الاجتماعية والإيديولوجيات المسَيطِرَة والتي ما تنفك تتبدَّل وتُنَقَّح. الجدلية بدورها شأنها شأن الإيديولوجيا، على نقيض ما يذهب إليه العروي، ليست نظاما عقليا يطبَّق على الواقع، والمنهج بدوره ليس نسقا علميا من المقولات أو المبادئ حسب ما يذهب إليه الفلاسفة (ديكارت على سبيل المثال) لتحليل الموضوع قيد البحث إلى عناصره. الجدلية ليست، علاوة على ذلك، مجرد، مجرَّد بالتشديد، نظاما منطقيا للواقع المادي التاريخي. أو هي ليست فقط المنطق الجدلي الهيغلي بعدما وقف على قدميه، فحسب. جدلية المادية التاريخية حركة من النقائض والتحولات والنفي والتطور تحرِّك المجتمع وتتحرك به بالممارسة الثورية. هذه الممارسة الثورية هي نفسها جدلية المادية التاريخية ليس بالمعنى الفلسفي الإيديولوجي المادي أو المثالي، سواء بسواء، وإنما بالمعنى السياسي الفاعل للتغيير. الجدلية المادية التاريخية هي البرنامج السياسي الثوري للحزب الشيوعي الذي يحرِّك المكوِّنات المجتمعية ويتحرَّك معها. فالجدلية لدى ماركس لا تقتصر على قلب الجدل الهيغلي للفكر المثالي المطلق الذي أصبح مع ماركس يسير على قدمية بعدما كان يسير لدى هيغل على رأسه، وإنما تتضمن علاوة على ذلك الممارسة الثورية والتغيير: الجدلية المادية للتاريخ تَنتُج عن التناقضات بين الطبقات الاجتماعية، عن الصراع بين مصالحها المتضاربة، كما هي تَنتُج عن التناقضات ما بين تطور قوى الإنتاج والعلاقات الاجتماعية التي كانت ظهرت منذ الحالة التي كانت عليها قبل ذلك. فالجدلية لدى ماركس تتجاوز "الاشتراكية الطوباوية" لتنتقل إلى الاشتراكية أو الشيوعية لتُقِيم، من جهة، في الحركة الواقعية للتاريخ، وكي تلتحم، من جهة ثانية، بتطور قوى الإنتاج، أي أن الجدلية مندمجة بالإمكانيات الموضوعية للزمان التاريخي وعلاقات القوى الاجتماعية. إن "المادية الجدلية" أو "الجدلية المادية" مكوِّن مادي للتاريخ لم تظهر لدى ماركس، بل إنها من أعمال إنجلز في عمله "انتي دوهرينغ" (1877)، ولدى أنصاره، ومن ثم لدى لينين وغيره. ولما كانت المادية الجدلية تتجسد بوقائع ملموسة وهي نفسها المادية التاريخية، فإنها تتميَّز بالتالي عن المادية السابقة زمانيا عليها، ومنها بوجه خاص الجدلية لدى كل من كانط وهيغل، تتميَّز عنها من حيث هي ديناميكية وثورية تتجه نحو "تغيير العالم وتحويله"، أو كما يلاحظ لوكاش هي تتَّجه نحو أنسنة العالم (جورج لوكاش، مطلع الفصل الأول من مؤلَّفه "التاريخ والوعي الطبقي": "إن الخطأ الرئيس الذي كانت كل الماديات تقع فيه حتى غاية اليوم (بما في ذلك مادية فويرباخ) مؤداه أن إدراك الموضوع الخارجي، من حيث هو الواقع والملموس، لا يُدرَك لديها إلا من حيث هو موضوع الإدراك او إدراك حدسي، ولم يُدرك أبدا من حيث هو نشاط إنساني محسوس، من حيث هو ممارسة يمارسها فاعل". وتشير لدى ماركس أول الأطروحات التي تفنِّد مادية فويرباخ إلى أن "الجدلية من داخلها، بمفهوم أن الحيِّز الواقعي للأشياء موجودةٌ داخل الجدلية، تحتوي في وقت واحد على التلاؤم المعرفي مع فنائها بصورة لا مفر منها، وبدمارها الضروري، لأن الجدلية، لما كانت تدرك أن الحركة نفسها أيا كان شكل هذه الحركة ما هي سوى تَكَوُّن انتقالي، فإن فرض مسار آخر على تكونِّها، أيا كان هذا المفروض، يَلقى من تكونِّها النفي، لأن هذه الحركة هي جوهريا نقد وثورة". المترجم).
.هذا الالتباس والغموض يسري من جديد ليلحق ب/"مفهوم الإيديولوجيا" الذي يستدعي المزيد من التحفظات، وذلك منذ نقطة البدء (ص 8)، وحتى غاية بلوغ تشابك ما لمعنى الإيديولوجيا، الأمر الذي ينصب العقبات أمام إدراك معاني النص (بوجه خاص ما بين ص 167-169).
ثمة أمر آخر يستدعي المناقشة، وهو المنهج.
يتساءل العروي" " كيف ندرس الإيديولوجية العربية، ونستطرد بدراسة المجتمع الذي يُعتَبَر منبعا لها؟" (ص 157) (المزدوجتان من وضع لاببكا للتشديد) وذلك بعدما كان الكاتب يشير في مطلع الأمر، فيما هو يفكر من داخل الذاتية الإيديولوجية، إلى أن "الوعي العربي" المأخوذ ب/"الماركسية الموضوعية"، تراه يقول "نعم للنظام الفكري، ولا للمنهج" (ص 155). وهل تراه يقارب الموضوع على غرار "الوعي العربي"؟ أم تراه يبيِّن أن الماركسية - بالرغم من أنها وليدة لمصدر أجنبي (ليس أقل أو أكثر من الفيزياء النووية!) – مؤهلة حتى لتعليل تدهورها الإيديولوجي متن الوعي العربي؟ نعم، يخيل إلينا، خلال لحظة ما، من جراء اتباعه أسلوب التشويق والترغيب والترقب، أنه يتوخى ذلك ( ص ص 157-158). إلا أن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك: "إن الجواب النهائي (نعم للنظام الفكري، لا للمنهج) يبدو، بوجه الإمكان، مناقضا لموضوعه. بيد أن الجواب، هو وحده الذي يضمن للتدهور ذاك مخرجا ما" (ص 167 - المزدوجات للتشديد، وهي من وضع ج.ل.). إذن، فإننا لن نخرج من "الماركسية الموضوعية" والإيديولوجية الضمنية. بل وإننا نبقى على النقيض من ذلك أمام "الفكرة التي تُسَيِّر هذا البحث... والتي، فيما يتعلق بحالنا، تستدعي ربما من جهتنا أن نقلب رأسا على عقب النظام الذي يبدو في الظاهر منطقيا، بما في ذلك هذا النظام نفسه المتَّبَع عادةً في أوروبا، إذ ان مقولة "المستقبل من حيث هو الماضي" لا تعني أمرا آخر سوى أنها "تُعطي الأولوية التاريخية والمنطقية في آن واحد للإيديولوجيا أمام المجتمع" (ص 168-169 المزدوجات للتشديد، وهي من وضع ج.ل.). فهل يعيق، في هذه الأثناء، نشيدُ الوفاق النهائي القارئ عن إدراك أن هكذا حكم فكري يَفرض عليه التقهقر بفظاظة إلى التفاهات الرجعية لتباين غير متجانس وجذري بين "الفكر الشرقي" وبين "الفكر الغربي"؟ فلمَ كل هذا العناء إذا كان يودي بنا في خاتمة المطاف إلى مثل هذه النتيجة؟
قد يأخذون علي انتقاداتي الموجّهة لعبد الله العروي أنني أتظاهر من خلالها بامتناعي عن إدراكه، وأن الموضوع قيد الدراسة، من حيث طبيعة الموضوع قيد البحث، ومع الاعتراف بجدَّته، يَفرض برأي هذه الانتقادات الحيلولة دون مقاربته ما لم يُؤخذ بالمفارقات التي تلازم الموضوع، بالإضافة إلى الالتباسات التي ترافقه؟ هذا ما اعتبره مفهوما بصورة جيدة. لكن الموضوع يتعلق بإشكالية الإيديولوجيات من جهة، والماركسية من جهة أخرى. لذا، فإنني أجد من واجبي أن أُقر، شئت ذلك أم أبيت، بأن عبد الله العروي أقرب ما يكون إلى إهدائنا صورة كاريكاتورية.
فلنعد إلى الأطروحات الجوهرية.
1-) إنهم يقولون لنا إن "الأعمال المهمَّة" الغنيَّة بمعانيها قد اختيرت كمراجع بامتياز. فليكن. لنمتنع أيضا عن مناقشة "المهمَّة" كمعيار. فلنلاحظ أيضا أن الحيِّز الذي تظهر فيه الإيديولوجية العربية محدود دفعة واحدة بالإنتاج الثقافي الكتابي، أو بتعبير آخر هو يقف عند حد الطبقة المثقَفة. (هامش: يتطرق الكاتب إلى الفلكلور في الفصل الثاني من الكتاب – وكنت أشرت إلى ذلك – لكن يبدو لي أن ما يبسطه من اعتبارات، وهي مدينة إلى حد كبير لفرانز فانون، تفتقر إلى ما بين الأفكار من فروق تظلِّل وتلوِّن بعضها الآخر. إذ إن الفلكلور يحتاج بدوره إلى التحليل الجدلي، وذلك على غرار ذاك التحليل الجدلي للينين: راجع لينين: "في الأدب والفن"، باريس، المنشورات الاجتماعية، و ب.ميلاخ، B. Meïlakh"، "لينين ومشكلات الأدب الروسي"، باريس، المنشورات الاجتماعية). فإذا كانت الإيديولوجية العربية المعاصرة ذات خاصية ثقافية، فإن الكاتب، على هذا النحو، يؤثِر نمطا من النظام الإيديولوجي بين سواه من الأنماط: إن أكثر هذه الأنماط انسجاما هي تلك الإيديولوجيا التي أصبحت، بصورة بديهية، منتشرة أكثر فأكثر، وذلك بقدر ما نبتعد عن صيغ المفاهيم التي تكوِّنها كمفاهيم، والتي تعبِّر بها عن نفسها من حيث هي نٍتاج بحت إيديولوجي. إن طه حسين لا يفكر على غرار الفلاح على ضفاف النيل، إذ إن الشروط الحياتية لهؤلاء مختلفة عن شروط الأول من الاثنين بصورة بديهية أيضا. لذا، فإن نتيجتين تنبعان على الفور من هذا الخيار القبلي.
-) النتيجة الأولى تعود إلى إلقاء الضوء على واقعة لا يمكن إنكارها، وقوامها تشبُّع المثقفون العرب بالغرب بأشكال متنوعة. العروي يؤيِّد هذه الواقعة، وهو الذي تقصَّاها بعمق، بطيبة خاطر.
-) النتيجة الثانية ترتكز إلى إزاحة المناطق الأكثر ضمنية في الإيديولوجيا جانبا. هذه المناطق هي، في الواقع، الغالبية العظمى من الجماهير العربية.
فهل نستشهد، بدافع تبرير هكذا تفكير يطرد الجماهير، بمقولة مؤداها أن حالة التخلف هي ما عليه من تدهور متقدِّم، وأن الغموض أو اللُبس هو ما عليه من تضخم، حتى أن الجماهير العربية تُعْتَبَر، من جهة، كمية مهملة إيديولوجيا، وأن أدوات البحث والتنقيب المتوفرة لدينا حتى الآن في هذا المضمار، من جهة ثانية، غير كافية؟ إن هذه الحجج غير مقنِعة. فمن الخطأ أن تُعْتبر الأشكالَ "التلقائية" أو "العفوية" لإيديولوجية الجماهير خلوةً من أية فائدة، لا لشيء سوى لأنها صالحة لقياس درجة الركود: أو ليس مثل هذا الإهمال يُشكِّل الهدف-في-ذاته للسياسة المتَّبعة؟ إذ كيف لنا أن نستحضر "الدولة الوطنية" دون أن نولي اهتمامنا بأولئك الذين يُكوِّنوها، وبمؤسساتها المكتوبة أو غير المكتوبة، فضلا عن العقليات أو الذهنيات التي تُنسب إلى "الدولة الوطنية"؟ فإذا كان الركود، علاوة على ذلك، أو بالأحرى، لا يَصدر في كل مكان من تلقاء نفسه: أولم تدخل طبقة الفلاحين الجزائرية التاريخ المعاصر بفضل حرب التحرير، وهي التي تحمَّلَت وزنها الثقيل بالكامل؟ أولم تُرغِم، بكل معنى الكلمة، هذه الطبقة الفلاحية الشرائح القيادية وليدة البورجوازية الصغيرة أو البورجوازية المتوسطة على ترجمة تطلعاتها وآمالها التي كانت تطالب بتحويل ثوري للاقتصاد الريفي، وذلك بالرغم مما كان يخالجها أحيانا من تشويش؟ وهل نَنكر، من جهة أخرى، أن أعمالا في علم الاجتماع والإثنولوجيا، وإن لم َتكتمل بعد، مؤهلة في هذا المجال لإنجاز الأبحاث التي لم تجد طريقا لها في التحليل الفلسفي- الأدبي للأعمال - إيَّاها – المهمِّة والموَجَّهة لطبقة المثقفين؟
في إطار الإشكالية التي تستأثر هنا بعملنا، فإن الرهان ليس ضئيلا: فلنتساءل ما إذا كان العروي لاعبا يغامر بمهارة ويسدِّد ثمن رهانه بما يأتي به من حشو؟ فلنتساءل ما إذا كانت طبقة المثقفين قد طلَّقت الجماهير؟ فلنتساءل أيضا ما إذا كانت هذه الطبقة، إذ هي تزعم أنها الناطق باسم الجماهير، فإنها تخدعها كي تلبي أهدافها الخاصة بها، ولتمنح "الطبقات" القيادية ما تحتاج إليه من عربون إيديولوجي هي بحاجة إليه؟
هل ما جاء أعلاه مجرد فرضية؟ ألم ينحِّي الكاتب الجماهير؟ في جميع الأحوال، فإن العروي عاجز، من خلال خمسة أسطر أفردها للحديث عن عالم الفلاح المغربي، عن الإسهام في عالم الجماهير.
2-) إن ظاهرتي الافتقاد للمطابقة والاستلاب تتكشفان عبر المعنى الحصري المفروض على المرجعية الإيديولوجية: إننا نعود لنجد في النتائج ما كنا أشرنا إليها بادئ ذي بدء، أي الغرب من حيث هو حضور-غياب، وأصالة تفتقد للأصالة. فإذا كنت أمتنع هنا عن الإلحاح، فإنني أكتفي بشرح ملاحظتين اثنتين:
-) ليس ثمة، في ما يتعلق بالعالم العربي، ما هو خارق للمعتاد وما هو خصوصي، في ما يعيشه من تفاوت بين بنيته التحتية وما بحوزته من أدوات لإدراكها. هذه الظاهرة ثابتة ومعروفة بصورة جيدة. إنها الخاصية المُمَيِّزة لكل طبقة مثقفة عندما يتفكَّك نمطٌ للإنتاج (عبد الله العروي يستخدم تعبير "جَيَشان"). حينئذ تراها تُقنع نفسها بأن الوصفات المناسبة للتحولات في المستقبل بحوزتها. أما وان عَيني هذه الطبقة مصوَّبة نحو نماذج لبنى أُنجزت في مكان آخر، فإنها "تستعير" وتُنَظِّر النظريات بما يستجيب لمصالحها، وذلك وفق أنماط متنوعة. الحال، أنها، في ما هي تحاول استنباط المستقبل وكأنه تعويذة لطرد الأرواح الشريرة، وذلك على غرار الشعبويين الروس في نهاية القرن التاسع عشر عندما كانوا يؤكدون أن روسيا سوف تتحاشى الطريق الرأسمالي للتطور، أو في ما هي (الطبقة المثقفة) تزعم أن روسيا مقيمة مسبقا فيها، وذلك غلى غرار ما كان الماركسيون الشرعيون يعتقدون، فإن هذه الطبقة تشعر في أغلب الأحيان بأنها "تَسبق" الواقع (هامش: العروي يلمِّح إلى "ماركسية شرعية" ليبرالية (ص 141). في ما يتعلق بهذه المسائل لا يسعنا إلا أن نحيل إلى لينين، المجلد الأول والثاني ل/"أعمال لينين الكاملة" باللغة الفرنسية، وبوجه خاص "من هم أصدقاء الشعب"، "أيّ تراث يستحق منا نكرانه في تمييزنا للرومانسية الاقتصادية؟". أليست طبقة المثقفين في الواقع سابقة لزمانها من جراء رؤيتها رؤية ملازمة لوضعها الطبقي، رؤية أوسع لأسباب طبقية إدراكا من وعي الجماهير، تلك الرؤية التي تمدُّها على وجه التحديد بذاك الوعي الشهير للشمولية، وهي الفخورة به فخرا عظيما؟ الأمر الذي يحملنا إذن على القول بأن كل طبقة مثقفة هي طبقة مُستلبة. هذا الاستنتاج صائب في ما يتعلق بألمانيا واليابان وروسيا والصين. إنه صائب أيضا اليوم في ما يتعلق بكل قادة العالم الثالث: هؤلاء هم رجال القروض وضامني التبعية، ليس فقط في ما يتعلق بالإيديولوجيا، وإنما هو يتسع ليشمل أيضا... التقنيات والمال.
إن رجال الدين، العرب منهم، وهم آخر من يتوجَّه إلى بنوك القروض، ليسوا، في ما يتعلق بهذا الجانب، أكثر طرافة من الساموراي في الإمبراطورية اليابانية.
-) بالمقابل، فإن من الغريب أن نرى الكاتب يطرح بإلحاح شديد ما يلحق ب/"الوعي العربي" من طمس بأيدي "الغرب"، على حد قوله. فهل كان العرب هذه المرة الاستثناء الوحيد تاريخيا عندما أصبحوا ضحية لتفكيك شخصيتهم، حتى أن أيَّا من مكوِّنات ماضيهم لم تعد لتساعدهم على أن يصبحوا مجددا هم هم أنفسهم؟ ها هنا تكمن حربة الغرابة. فالمُتْعِب أن الكاتب لا يبسط أمامنا أي سند لإثبات هذه الفكرة. أيَّا كان مستوى التحليل لديه بارعا، إلا أن بيانه لا ينجح في إقناعنا بواقعية اللعنة التي لم تضرب حتى غاية اليوم أي شعب كان.
نحن أميَل إلى الاعتقاد بالنقيض، فليسمحوا لي بتلافي العودة إلى استعراض جديد لما بيَّنته مرارا وتكرارا في الصفحات السابقة. بل حتى وإن كان الكاتب يلح على مظهر هام من خصائص الإيديولوجية العربية، لا سيما وأن هذه السمة غالبا ما كانت مقيمة في طيَّ المجهول، فإن هذا الإلحاح لا يبرَّر الارتفاع بهذا المجهول إلى مستوى المطلق، وهو الذي يتناسى في الوقت نفسه عن عمد غير تلك من مكوِّنات الشخصية.
3-) سأُعرِّج على نحو سريع على الأسباب التي يستعرضها العروي بالاستناد إلى ما يرى فيها من خصائص، لاسيما وأن الكاتب لا يلح عليها مطولا.
إن الاستعمار حتى إذا هو اكتسى أشكالا خاصة، فإن هذه الظاهرة ليست من خصائص العرب وحدهم. فأكثرية شعوب العالم عَرفت الاستعمار.
وماذا عن مناهضة الإمبريالية؟ وهل نستطيع فعلا الاكتفاء كما يفعل العروي بتلميحين اثنين سريعين (ص 8 و ص 212) للارتفاع بمناهضة الإمبريالية إلى مستوى الكرامة التي تلازم الموقف العام والمشترك لكل العالم العربي حيالها؟ هذا، إلا إذا كان الاستثناء يحل محل القاعدة، وفي مثل هذه الحالة فإني أشك بأن العروي يستعرض مثال المغرب.
حول "الماركسية الموضوعية"
فلنتناول بالبحث موضوع "الماركسية الموضوعية". نحن نعلم أن الكاتب يريد من وراء استخدامه هذا المصلح الكشف عن الشكل الإيديولوجي الذي يميل نحو دمج مختلف التيارات التي تحرِّك اليوم العالم العربي. هذا الشكل الإيديولوجي ذات ميِّزة وهي، وإن كانت غير واعية بذاتها، فإنها تمثِّل مع ذلك الطريق الوحيد نحو إنقاذ العرب.
هذه الفكرة لا تخلو، مرة أخرى، من الإغراء. غير أن أسئلة كثيرة للغاية تطرح بشأنها، مع الأسف، مما يجعل من الصعب قبول هذه الأطروحة عن طيب خاطر.
سأترك جانبا الأدلة التي يسوقها العروي، والتي تبدو لي مفتقرة إلى الإقناع إلى حد بعيد، حتى أن الاستناد إليها يتيح أيضا تشييد "ماركسية موضوعية" مماثلة في المجتمعات الرأسمالية في الغرب. إذ إن ما أحرزته ثورة أكتوبر 1917 من حالات النجاح، بالإضافة إلى ما اكتسبه بوجه خاص اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية من حالات هامة من التقدُّم، ومنذ ذلك الوقت، فإن عددا كبيرا من المحرَّمات سقطت حينما لحقت "استعارات" كثيرة بالماركسية، ومنها كثرة ليست غير واعية: من القائد السياسي المصاب بوسواس "المسألة الاجتماعية"، إلى الاقتصادي الليبرالي المصاب بهوى التخطيط، أو عالم الاجتماع المُشْرَب بصراع الطبقات... بل وإن الجامعات بالذات، هذه الحصون العجوزة للإيديولوجية البورجوازية، ألم تفسح المجال أمام الشيوعيين لغزوها؟ ناهيكم و"كلب حراسة" الرجعية، ألم ينتحل، هذا أو ذاك من كلابها، المفردات الماركسية لجعلها مُلكية له؟ فما هو معنى ذلك؟ أنقول إن الجنس البشري بفضل البورجوازي اللطيف، يتماهى الآن بالأممية الشيوعية؟
إن مثل هذا التفكير، إن مثل هذا التفاؤل، كان بالإمكان أن يكون مشيِّدا في الواقع الملموس لو لم تقاومه الوقائع. الحال أن هذا الواقع يقاوم، ليس فقط في مجال الحالات الواقعية الاقتصادية والاجتماعية، والتي لا نستطيع استعراضها هنا، وإنما هو يقاوم أيضا، وبحصر المعنى، في المستوى الإيديولوجي بالذات.
العروي يكتب ما يلي: "إن الماركسية حاصل محصَّل من الغرب. هذا هو ما لم يكف الفكر العربي المعاصر عن البحث عنه على امتداد ثلاثة أرباع القرن... فالغرب قد يكون برغسونيا (نسبة للفيلسوف الفرنسي هنري برغسون) أو فينومينولوجيا، أما المشرق العربي فإنه غير مؤهل للقراءة الإيجابية ما لم تكن هذه القراءة مندرجة في السجل الهيغلي. فالعربي عندما يكون برغسونيا، فإنه لا يفكِّر بذاته العربية، بل وإنه يفكر كما يفكر الرجل الموجود بمحاذاة الحدود، أي أنه ملتفت كليا نحو الغرب" (ص 153). فياله من كلام جميل، لكنه يفتقد كليا لأسس يرتكز إليها. فإذا كانت الماركسية مصدرا لكل الأمور في العالم العربي المعاصر، تُرى لماذا لم "تُكلَّل الماركسية بالنجاح"؟ ولماذا كانت معاداة الشيوعية ولاتزال في غاية العنف في أغلبية البلدان العربية؟ فهل كانت حالات "التيه" التي كانت توجِّه المنظمات الشيوعية في الماضي، هل كانت هي وحدها المسؤولة عن هذا الفشل؟ ما يُقدِّمه عبد الله العروي ليس أكثر من لمس سطحي لهذه المسائل، وهو يتركنا في حيرة من أمرنا عندما يزعم "أن الماركسيين العرب حتى من كانوا من الواعين بأنفسهم كماركسيين، فإنهم يعودون إلى الماركسية الموضوعية"، "ما أن يعودوا إلى النضال" (ص 155). إن سلوك السيد البورجوازي اللطيف غير قابل، ما في ذلك شك، للتصحيح.
مع ذلك، فإن الكاتب، في إطار ما يُعَيِّنَه لنفسه من بحث، كان بوسعه أن يُقدِّم نقدا إيديولوجيا مفيدا للماركسية في البلدان العربية. فبالإضافة إلى الفائدة التي كان من الممكن لها أن تُرافق على الصعيد النظري مستويات متعدِّدة لظاهرة الالتقاء ما بين الماركسية (أو الماركسيات)، والسياق الوطني، فإنها كانت ستتيح بصورة حديثة جدا التعرُّف على الإشكالية التي ترافق حاليا "الممارسة الراهنة" في البلدان العربية الأكثر تقدُّما، والتي كانت تَشْغَل حيِّزا مركزيا في أعمال الحلقة الدراسية بالجزائر ل/"الاشتراكية العربية" (هامش: الجزائر، مصر وسورية، بموجب التصنيفات العربية الأكثر رسمية. وكانت هذه الحلقة الدراسية عُقدت ما بين 22 و 28 أيار/مايو 1967. وقد نُشرت أهم موضوعاتها في الصحيفة اليومية الجزائرية: "المجاهد").
اَلا يوجد في العالم العربي ماركسيون يستحقون عن جدارة هذه التسمية (المقصود: ماركسيون ليسوا "موضوعيين"؟ إن صمت العروي في هذا المجال غني بالمعنى. فباستثناء باحثين اثنين غربيين – وأقول ذلك على وجه السرعة –، ثمة آخرين، غير هذين الأخيرين، يُعنون بهذه المسائل(هامش: ج.مارتينيه، الهامش 19، ورودنسون، الهامش 20، ص 155). لكن العروي يمتنع عن ذكرهم. هذا، وإن فهرسة ظهرت في العام 1960 تُسجِّل لما لا يقل عن 140 مرجعا أكثر من نصفهم من العرب، تُعنى بالماركسية بوجه خاص. (هامش: يُضاف إلى القائمة المذكورة 189 مقالة؛ راجع جان بيير شارنيي Jean Pierre Charnay ، "الماركسية والإسلام، بحث في مجال الفهرست"، متن مجلة « Archives de sociologie des Religions » ، العدد 10، ص. ص. 133-146).
الثغرة هنا من الأهمية بمكان. إنها مثيرة للقلق طالما هي تعطب بعض الأحكام المعرفية. على هذا النحو، فإن البورجوازية الصغيرة الحاكمة بأمرها في "الدولة الوطنية" يُنسب إليها على سبيل السلفة، قبولها، في مطلع عهدها في الحكم، ببنية الطبقات، حتى وإن كانت تنكر ذلك... في مطلع حكمها في حاضره ومستقبله" (ص 20). أين يحدث ذلك؟ في المغرب وحده ودوما؟ من ذا الذي يجهل أن هذا الحكم العقلي هو، في الواقع، خاطئ، بما في ذلك في الجزائر، حيث لم تكف أبدا البورجوازية الصغيرة عن نفي فكرة الطبقات. (هامش: مع العلم أن النصوص الإيديولوجية الرسمية، برنامج طرابلس، وميثاق الجزائر، تمارس إلى حد كبير هذا النمط من التحليل، وإن كان ذلك يحدث بصورة غير معلنة). ثم إن الاشتراكية التي تحظى في البلدان العربية بالاهتمام منذ العديد من السنوات، ألا تستحق من الكاتب التحليل وصياغة إشكالية خاصة بها؟ مما لاشك فيه أن العروي يشير إلى بعض مميِّزاتها الأكثر ظهورا (ص 56)، غير أنه يفعل دون أن يتخلى عن الوصف السريع. ولماذا لم يعالج مسألة "الاشتراكية" و"الاشتراكية العربية" بعلاقتها مع الماركسية سواء كانت "موضوعية" أم لا؟ ألا يستلزم تميِّزه ل/"الطريق الوطني للاشتراكية" (توغلياتي)، والاشتراكية الاسمية في عدد كبير من الدول الإفريقية"، ما هو أكثر من مدونة صغيرة هي أشبه ما تكون بغمزة عين (ص 56). إذن، فلنتساءل فقط لماذا تحظى الاشتراكية بعدد كبير من إعلان النوايا من الرباط إلى عمان؟
ومن جهة أخرى، فإن ثمة مجال للتعجب حيال ما هو كامن ضمن أطروحته التي تتحدث عن أنظمة الاستعارات من الغرب ما دام العروي لا يعير أي اهتمام بهذا النموذج الأوروبي للاشتراكية أو الاشتراكيات. أليس هذا النموذج من الاشتراكية قديم قدم المرجعية إلى الإيديولوجية الديمقراطية؟ ألا يستوقفه أمر ما غير تلك المفاهيم، الشعب، العدالة الاجتماعية، والمساواة، وهي التي تحتل مكانة عزيزة للغاية في مفرداته، بحيث يتوقف عند ما كان سبقها من أشكال طوباوية ما قبل 1948. يبدو أن الكاتب لا يجد صعوبة بالاعتراف بذلك عندما يلاحظ أن مفهوم الطبقة لدى العرب "يأخذ بيسر معنى أخلاقيا للصراع من أجل الشرف والنزاهة" (ص 150)، أو عندما يعلن بصورة ذي معنى أعظم "أن الأزمنة الحديثة تتلخص بثلاثة تواريخ: 1688، 1789، 1848 " (ص 152). إن العام 1917 يبقى لديه في طي النسيان.
ما هي الفائدة، اعتبارا من ذلك، من وراء ابتكار مفهوم "الماركسية الموضوعية"؟ وماذا عن الوطنية، والإيديولوجية القومية، وهي الغريبة إلى حد كبير عن مصطلحات العروي، أليست، هذه وتلك من المفاهيم، صالحة من حيث قدرتها على تقديم أكبر الفوائد، صالحة لا لشيء إلا لأنها تسمح بقياس المسافة الواقعية ما بين الوضع الاقتصادي والاجتماعي، من جهة، وأنماط النظام الإيديولوجي، من جهة ثانية، وذلك من أجل الكشف عن المفاهيم التي تقيس بصورة حقيقية هذه المسافة؟ (هامش: في ما يتعلق بالمسافة ما بين الظروف الاقتصادية- الاجتماعية، والنظام الإيديولوجي: من المقاربات الحديثة لهذه المسألة في المجال التاريخي بأقل تقدير، راجع "الوطنيات المغاربية، Les nationalismes maghrébins, L.-j. Duclos, J. Leca, J. Duvignuaud, Fondation Nationale des Sciences Politiques, Centre d’Etudes des Relations Internationales, Etudes Maghrébines, n°7, juillet 1966 ، راجع أيضا: L. J. Duclos, Réflexions sur le nationalisme marocain ، وهذا المرجع الأخير يستحق اهتماما خاصا في ضوء وجهات نظر العروي). وإني، هنا، إذ أدرك أيضا بصورة كافية أن المفارقات تجر بعضها الآخر بما يؤدي من جرائها إلى تكوُّن حالة دينامية، إلا أنني اَعْتَبِرُ، وأنا حريص كل الحرص على ما أقوله، حتى لو أدَّى بي الأمر إلى اعتباري مناهضا للتجديد والتغيير، أَعْتَبِر، عن حرص مني، إذا لم تكن ملاحظاتي هراء لا فائدة منه، أن النزعة المنطقية الحديثة هي، والحالة هذه (أي "الماركسية الموضوعية"، المترجم)، وليدة بلبلة خطيرة للغاية.
وماهي العصى السحرية التي ستنجح أخيرا في نقل الماركسية العربية، حسب العروي، من الموضوعي إلى الذاتي، ومن الضمني إلى الصريح؟ هل ننتظر من "الدولة الوطنية "التي لم تقرِّر أن تأخذ بها علانية (ص154: لماذا؟ الكاتب ليس لدية جواب على السؤال) أن تغيِّر من خططها؟ ألا يُسْنِد، بالأحرى، إلى تقدُّم "الوعي الطبقي" (مصطلح آخر متجاهل) إمكانية إنجاز تحويل اقتصادي اجتماعي ما؟
وبالتالي، ماذا عن استنتاجات الكاتب التي تكرِّس لاستقلال الإيديولوجيا وتخصُّها بحيِّز الأولوية على البنية الاجتماعية؟ من الضروري أن أقول إن هذه الاستنتاجات مرفوضة. فلأُوضح على الفور بأي معنى هي مرفوضة كي لا تُلصق بي تهمة اليقينية التبسيطية التي تتبنى أطروحةً ترفض إسناد أية فعالية للعوامل الإيديولوجية، وتقلِّصها إلى مجرد انعكاسات للبنية التحتية. فضلا عن ذلك، فإن هذه الأطروحة – وقد أشرت إلى ذلك أعلاه – ليست ماركسية كما يخيَّل للعروي، وأنا لا أعتزم أن أنكر أن تبني العالم العربي لأولوية الإيديولوجيا على البنية الاجتماعية هي من خصوصيات هذه الإيديولوجية (ص 168) (أولوية الإيديولوجيا لدى أنور عبد الملك أيضا حسب ما جاء في نقد جورج لابيكا لعبد الملك.المترجم)، كما لا أعتزم أن أطعن بالإيديولوجيا العربية "بمجملها فأصفها بأنها ثرثرة محضة" (ص212). وبالمقابل، فإني أنكر أن يكون الكاتب قد انتهى إلى نتائج مقبولة، وأؤكد أن الماركسية، وفق ما هي عليه، وليس كما أتخّيَّل ( ص 146)، لا تزال كافية إلى حد كبير بحيث تجيب على ما يطرحه العروي من أسئلة. بل وإنها كانت أجابت عليها، وذلك في الغرب "أيضا" وغيره، ولدى ماركس وما بعده. وإني لا أكلِّف نفسي عبأ استعراض قائمة طويلة من الأسماء التي كانت أجابت على السؤال. سأكتفي هنا بمثال حديث العهد. فقبل عدد من السنوات كتب المؤرِّخ الإيطالي جيوليانو ماناكوردا Giuliano Manacorda (1910-2010 ، مؤرِّخ ماركسي للأدب الإيطالي)، في انتقاد له للخطة العامة التي كان بيدرو بابلو كوسزينسكي Pedro pablo Kuczynski قدَّمها (مولود في ليما عاصمة بيرو في العام 1938، رجل دولة، ورئيس لجمهورية البيرو ما بين 2016- 2018 ، أُرغم على الاستقالة من الرئاسة بتهمة الفساد، رجل أعمال ورب عمل، يميني وعنصري.المترجم) قدَّمها هذا الأخير: في إيطاليا "فإن الأفكار كانت جاءت قبل الآلات". وهو يرى في هذه الواقعة مميِّزة أصيلة للاشتراكية الإيطالية. فلنفسر ذلك: كانت الطبقة المثقَّفة الإيطالية "استعارت" هيجل عن طريق الفيلسوف الإيطالي بينيديتو كروتشه Benedetto Croce (1866- 1952)، (مؤرخ، فيلسوف مثالي هيجلي، كاتب ورجل سياسة، مؤسس الحزب الليبرالي الإيطالي ما بعد الحرب العالمية الثانية.المترجم)، كما هي استعارت ماركس قبل الأوان عبر أنطونيو لابريولا Antonio Labriola (1843-1904، صديق لفريدريك أنجلز، أستاذ جامعي للفلسفة، وهو الذي نشر الماركسية في إيطاليا عبر أعماله حول المفهوم المادي للتاريخ.المترجم). هكذا، فإن العربة الإيديولوجية وُضِعت قبل بقر البنية الاجتماعية. ها نحن نجد عن علم بالإيديولوجية بمفهوم العروي لها، وما دمنا نعرف ما سنقوله جيدا، ولنستعر المثال العامي القائل أن لا دخان بلا نار، نجد، عبر صياغة لكل اللوينات التي تظَلِّل بعضها الآخر في العلاقة ما بين الأفكار-و–الآلات، نجد عبر كل ذلك أننا لم نعثر على مفهوم آخر مخالف لمقولة: "المستقبل-الماضي".
هل تكمن المشكلة هنا، على هذا المستوى من التعميم، وهو من السعة حتى ان المشكلة تفقد كل معنى لها؟ ذلك أن الماركسية جاءت أيضا من جهة خارجية إلى روسيا لينين، وهذا هو أيضا حال الصين ما قبل "المسيرة العظيمة"، أو في كوبا ما بعد خوزيه مارتي José Marti(1853- 1895)، (من مواليد هافانا كوبا، سياسي، فيلسوف، مفكر، صحفي، وشاعر. مؤسِّس "الحزب الثوري الكوبي". يُعتبر في كوبا البطل الوطني، أعظم الشهداء، رسول النضال من أجل الاستقلال، ومرجع الثورة الشيوعية بقيادة فيدل كاسترو. ذو شهرة واسعة في أمريكا اللاتينية أسوة ب/بوليفار، وسوكر، وميراندا. يُنفى من بلاده إلى إسبانيا حيث يعقد علاقات مع الحركات العمالية الاشتراكية والفوضوية التي كانت تمر بحالة من الانتشار في أعقاب ثورة 1868 وكومونة باريس. دعا إلى تشكيل جيش الحرب الثورية من أجل تحرير كوبا، وشارك فيها إلى جانب الجنرال أنطونيو ماكاو. في 19 أيار/مايو 1895، وكان يبلغ من العمر 42 سنة، يَستشهد في معركة دي دوس ريُّوس في كوبا. من أقواله الشهيرة "السياسة هي الواقع المخفي".المترجم). غير أن الأمر ليس حصرا على الماركسية وحدها دون غيرها. فالفيلسوف الألماني كانط، والملك فريدريك الثاني، تشربا عصر الأنوار حتى غاية الارتواء، على غرار غاندي الذي شبع من التهامه لإيديولوجية جامعة أوكسفورد البريطانية، وذلك أسوة بغزاة الفار- ويست أثناء العهد الذهبي لأوروبا (فار-ويست مرحلة من تاريخ المنطقة الغربية للولايات المتحدة الأمريكية في القرن التاسع عشر، حيث كان يسود "القانون المنحاز إلى الأقوى" أو شريعة الغاب.المترجم). إلى ذلك، أين هي الخصوصية؟ طه حسين قرأ فولتير ورينان، أما الفلاح المصري فإنه لم يسمع بحياته باسميهما أكثر مما هو سمع باسم طه حسين نفسه، وباستثناء المثقفين الروس قراء تولستوي، مَن مِن الموجيك كان يعرف هذا الأخير الذي كان يعرف حق المعرفة الأديبين الفرنسيين راسين وبلزاك؟
ألا يجب بالأحرى أن يجري البحث عن مشكلة الإيديولوجيات وخصوصياتها عبر صيرورتها كإيديولوجيات، وضمن أشكال نظامها، ومتن عرسها مع مختلف ما تلتقيه من وقائع وطنية؟ أليس من الغريب حقا التسليم بأن التقنيات يمكن استعارتها بصورة مستقلة عن الإيديولوجيات التي ترافق هذه التقنيات، هذه الإيديولوجيات التي غالبا ما تكون إرشادات لها؟ ألا يجد، من حسن الحظ، العالم العربي نفسه ملزَما من أجل إدراك نفسه إيديولوجيا بابتكار منهج آخر غير ذلك الذي أثبت إمكاناته في مكان آخر، ولاسيما أن هذا الأخير استُخدِم أحيانا بصورة سيئة.
كان بوسع العروي أن يستفيد بصورة مشروعة من هذا المنهج ولاسيما أنه موجود بكامله تحت تصرفه. هذا، شرط أن يمتنع، عن طيب خاطر، عن المبالغة في "وضع بنية المجتمع ما بين قوسين " (ص 168)، وأن لا يُغفل بعض المفاهيم القيِّمة ذات الصلة بما يقوم به من تحليل. البنية العليا هي مثال على إغفاله لها طالما تراه يمنع نفسه منذ البداية عن مقاربة البنية الاجتماعية، وذلك حسب ما هو يُغفله في محاكمة عقلية لا تودي به إلى أي مكان، والتي تَظهر، في ما يلي، وعلى النحو التالي: "أما في ما يتعلق بمفهوم البنية العليا، فإنها إذ هي تخلط بين الدين، الفن، القانون، الفلسفة والأدب، فإنها تَمزج ضمن مكوِّنها موضوعات النشاط المجتمعي والوعي النقدي للمجتمع، كي تنتهي بالتالي إلى نتائج متضاربة في ما بينها بناءً على ما نمارسه من تطبيق لها على المجتمعات المغلقة طيَّ الماضي أو الحاضر الذي لا يكف عن التغيُّر. إن مفهوم البنية العليا غير صالح للتطبيق إلا في المجتمعات الهادئة، أو ما كان منها تطوره مجهولا بمنظور المستقبل" (ص 6). فهل نحن نهين القارئ إذا نحن أرسلناه إلى النص الشهير لمقدمة "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" الذي يوضِّح مطولا هذا المزج والهدوء، أو نحن نهينه إذا أرسلناه إلى رسائل إنجلز الموجَّهة إلى جوزيف بلوخ وكونراد شميث؟ (هامش: رسالة إلى جوزيف بلوخ بتاريخ 21 أيلول/سبتمبر 1890، ورسالة إنجلز إلى كونراد شميث بتاريخ 27 تشرين الأول/أكتوبر 1890. وقد أعيد إصدارها في "دراسات فلسفية"، المنشورات الاجتماعية، Etudes philosophiques, Editions sociales ، ونُشرت الثانية منهما بصورة أكثر اكتمالا في "رسائل حول رأس المال"، المنشورات الاجتماعية، Lettres sur le Capital ). لعل هذه الرسائل تستطيع أن تقدِّم للعروي بعض الخدمات ذات الصلة بما يأتي به من حالات التشخيص (راجع على سبيل المثال ص 34).
والعروي يذهب في نفس المذهب في ما يتعلق، على سبيل المثال، بنمط الإنتاج الذي يحظى بالاعتبار لدى كثرة من المعنيين به ممن – ربما عما هو نقيض الصواب؟ - يعطون في أيامنا هذه للبحث في هذا المضمار أولوية ملحوظة باعتبار أن نمط الإنتاج لا يخلو من فائدة، حتى إذا كان الهدف من وراء ذلك بلوغ الخصوصيات الإيديولوجية. (هامش: راجع إتيين باليبار، حول المفاهيم الأساس للمادية التاريخية، بوجه خاص الفصل الرابع، ص 277 Etienne Balibar, Sur les concepts fondamentaux du matérialisme historique ، راجع أيضا باليبار، "قراءة رأس المال"، الفصل الثاني، منشورات ماسبيرو، سلسلة "نظرية، باريس 1965، Lire le Capital, Maspero, coll. Théorie ناهيكم ونمط الإنتاج الآسيوي، راجع في هذا الصدد مجلة لابانسي La Pensée).
وهذا يقودنا بالتالي إلى التساؤل عن الفرضيات التي تشكِّل نقطة انطلاق في عمله. نقطة انطلاق حازت منا في البداية على تسليم بها. وكنت أشرت إلى إحداها، وهي ظاهرة الاستعمار. ثمة في ما بعد مصادرة تؤكِّد "أن البلدان العربية تشكِّل في ما بينها وحدة ثقافية". وإني أعود لأذكِّر ان التسليم يهذه المصادرة، واقتناع هذه البلدان بهذه الوحدة الثقافية، يتضمن شرطا لا بد منه، ، وهو ذات صلة بتكوُّن منطق ضمن الإيديولوجية العربية المعاصرة (ص 29). الأمر الذي يفيد اعتبارا من ذلك أن ثمة حلقة، حلقة مسحورة بالمثالية، وأن السيد البورجوازي اللطيف تحول إلى "الجميلة النائمة في الغابة" ( la Belle au Bois Dormant (قصة أسطورية يعود تاريخ ظهورها لأول مرة، قبل عودة الكتاب والموسيقيين إليها عبر الماضي والحاضر لتجديدها، إلى العام 1697. تحكي هذه الأسطورة الشعبية أن أميرة تفقد وعيها فتنام لمدة قرن واحد. فإذا استيقظت، فإنها لا تلبث، بعد مرور الوقت، أن تنام من جديد.المترجم). لذا، فإن عددا من الملاحظات يَفرض، في هذه الأثناء، علينا نفسه:
-) يأتي الحديث عن "الوحدة الثقافية" بصورة قبلية، فالنص يخلو من أي تعريف لها. يبدو أيضا أن الكاتب يترك للقارئ أن يَفهم هذه الوحدة الثقافية بنفسه كيفما يشاء. القارئ، على سبيل المثال، بوسعه أن يبحث عنها من جهة العرق، التاريخ، اللغة، الوضع التاريخي أو "الماركسية الموضوعية". حينئذ سيجد القارئ في هذا العمل للعروي العناصر التي تؤيِّد كلا من هذه المكوِّنات، وإني، من جهتي، أتمنى له، على غرار ما يقوله غيري، متعة غامرة (حاشية: لن أحصي هذه المعايير مكتفيا بالإشارة إلى تلميح ورد حول العرق حسب ما يلاحظه العروي في حديثه عن الأفغاني "أنه ليس عربيا" (ص 30). القارئ، بالمقابل، لن يجد أبدا أي شرح كافٍ في ما يتعلق بالدين لدى العرب، علما أن الدين يحيا، بلا شك، في فكر الأقل منهم مخالفة للقانون أمام القضاء. لذا، فإنه لا يسعنا هنا إلا أن نسجِّل هذا النسيان: الكاتب لا يأتي على ذكر للإسلام من وجهة نظر إيديولوجية إلا بمناسبة الحديث عن علم أنماط رجال الدين، فضلا (ودوما) عن علاقة الدين بالغرب (ص ص 19-22). وإني أكتفي بصورة بديهية بالإشارة إلى إيضاح أن من غير المسموح به، حسب ما يبدو لي، أن اُلِح بحذلقة مني على الأهمية القصوى التي تُصاحب حاليا إشكالية الدين في العالم العربي، ولاسيما في مواجهته للماركسية (هامش: كنت سجَّلت في هامش سابق قائمة بالمؤلَّفات التي تُعنى بالعلاقة ما بين الدين والماركسية في العالم العربي). مع ذلك، ألا تشكِّل هذه الإشكالية موضوعا يستحق التكريس له في دراسة للإيديولوجية العربية المعاصرة؟ لعل هذه الملاحظة تجد ما يؤيِّدها ما لم أكن جسما كاتما لصدمة المفارقات وقد أَغلَقت على نفسي في عالم الأفكار المُسبَقَة؟ في مثل هذه الحالة سأُجد لنفسي ما يعزِّيها في المقولة القائلة أني لست وحيدا في هذا الميدان.
-) وماذا يحدث الآن لو أن أحد أصحاب الفكر القارص تجرأ بشكل مغامِر فدعا إلى رفض فكرة "الوحدة الثقافية" من حيث هي فكرة بديهية؟ اعتراضه هذا لربما كان متأتيا من واقعة مؤدَّاها أنه لم يَعثر عليها في أي من المعايير المذكورة بقلم العروي الذي لا يقدِّم لها، كما نَعلم، أي اقتراح بمعيار؟ ألا يستطيع صاحب الفكر القارص، أن يُنَبِّهَ، بين ما يقدِّمه من أدِّلة، إلى أن المسافة ما بين المغرب والكويت مسافة طويلة لا تقتصر على القياس بالكيلومترات؟ وأن البورجوازية الصغيرة و"الدولة الوطنية" غير موجودة في كل أنحاء العالم العربي، وأنها لا تملك بيدها حتى ضمنيا بزمام الأمور من جراء مخلَّفات لأشكال إقطاعية، وبذور البورجوازيات، وتاريخ محمَّل أو غير محمَّل بالنضال من أجل التحرر الوطني، وأنظمة سياسية واجتماعية متباينة، والظروف الدولية أو الاستعمار الجديد، وغير ذلك كثرة مما أعرفه أو أجهله. ألا يجد صاحب الفكر القارص، حتى في يومنا هذا، حالات تؤكد تشاؤمه من خلال ما تبذله البلدان العربية من جهود مضنية من أجل تحديد خط عمل مشترك للرد على العدوان الإسرائيلي؟ (هامش: حالات التميِّيز بين بلدان عربية مصدِّرة للنفط، وأُخرى غير مصدِّرة له، ليست التميِّيز الوحيد. انظر أيضا إلى ما يطرحه العرب من أسئلة جديرة حيال أنفسهم في ما يتعلق بالحلم والواقع، وذلك في مصر، سورية والجزائر بوجه خاص (هامش: راجع في هذا الصدد فؤاد مرسي، "الصراع الاجتماعي والفكر الاشتراكي في مصر"، أيضا النسخة الفرنسية من هذه الدراسة، مجلة Démocratie Nouvelle, n°6, juin 1967, pp. 22-32. أضف إلى ذلك أن فكرة "الأمة العربية" التي تحتل بصورة مستديمة موقع المقدِّمة في الآونة الأخيرة قد تُعْتَبَر "اسطورة اجتماعية-سياسية" حسب المعنى الذي يجد مكانا له لدى مكسيم رودنسون (Cahiers Internationaux de Sociologie, juil-déc, 1962, pp.97-113 ). إن فكرة "الأمة العربية" قد تحتوي على فعل إيجابي أو سلبي، وذلك وفق ما تأخذه من وظيفة إيديولوجية). تُرى ألا يدعو العروي نفسه البلدان العربية إلى اعتماد سياسة مشتركة حيال العدوان الصهيوني عندما يشير إلى "الصعوبات" التي تنال من "واقع الوحدة الثقافية للبلدان العربية من جراء ما بين هذه البلدان من تفاوت في مجال التطور الاجتماعي"؟ (ص 32، ما بين المزدوجتين إضافة من ج.ل. للتشديد).
إلى هنا، فإن من المناسب إذن أن نعود مجددا وبصورة واسعة إلى فتح "الأقواس" في مراجعتنا لمفاهيمه عن البنى، وأن نستعيد المفاهيم المفقودة والمنهج الضائع...وبكلمة واحدة أن نعيد النظر بالخطة التي تُسيِّر بحثه كي تغيرها قبل أن نغيِّر نظام العالم لديه؛ هذا النظام المفترض بالقوة وبصورة قبلية منذ اعتماد الكاتب لمفهوم "الإيديولوجية العربية". فهذه الإيديولوجيا تُلزم بالضرورة منذ البداية، على غرار العلم لدى كانط، اعتماد فكرة "الكل" (الكل يُدَلُّ به على الذي يحوي جميع الأجزاء، وليس يوجد خارجا عنه شيء. وهو بالجملة مرادف لما يُدَلُ عليه اسم التمام بالوجه الأول من أوجه دلالته"، ابن رشد، راجع مصطلح "الكل"، الدكتور جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ص.ص. 233-234 ، الجزء الثاني، الطبعة الأولى 1973، بيروت، دار الكتاب اللبناني. المترجم). "الكل الذاتي" الذي يأخذ تعريفه من "الكل الآخر" من حيث أن هذا الآخر مرآة يجد الناظر إليها، من المحيط الأطلسي إلى الخليج الفارسي، يجد نفسه في سطحها. فالوجه هنا يلتمس مرآةً وافية بالمرام، وذلك بحيث إذ يجد فيها الناظر إليها صورة مطابقة له، فإنه يتحدَّث إلى صورته باعتبارها شريكه. الغرب كان موجودا في هذه المرآة لهذا الهدف. ومما لاشك فيه أن الكاتب يَعِرف ولا شك أن هذا الاسم، أي الغرب، "واسع ودقيق" في وقت واحد (ص 15). ونحن إذ نتفق معه إزاء هذا الوصف، إلا أن هكذا وصف يفتقد إلى معنى كاف، وهو يصرف النظر عن تعريف كافٍ للغرب. بيد أن عبد الله العروي راض به. ذلك أن طرح المشكلة، برأي الكاتب، كاف بحد ذاته للإحاطة بالمشكلة: مشكلة النقاش بين وعيين اثنين. هكذا إذن، وعلى أعلى مستوى ، فإن الكاتب يركن جانبا البنى بما في ذلك البنية التحتية، والتي تُعْتَبَر برأيه خصائص غير مفيدة، ويسوق المجتمع العربي إلى الحديث عن نفسه، وعن إيديولوجية هذا المجتمع (ص 157)، ويقوده إلى التوحيد بين الأنا ولا-أنا (ص 163)، وينتهي به إلى عودة الوفاق مع "إنسانية جديدة" (ص 169).
ها هو السيد البورجوازي اللطيف يجد في آخر المطاف فيلسوفه، وتَراه يكتشف بفضله أن حقيقته راقدة متن أنا هو أنا (بالألمانية في النص Ich bin Ich ).
إن ما نتوصل إليه من نتيجة بقراءتنا لمؤلَّف العروي كافٍ وحده لتبيان أن مسعى العروي في دراسته هذه يشيِّد لمثالية مخفية ترافق خطواته، بما في ذلك الإشكالية موضع الدراسة في عمله. إن المؤلَّف يفرض المصادرات، وحالات كثيرة من التعميم، وحالات كثيرة من التنافر الإيديولوجي، بالإضافة إلى حالات كثيرة من التلميحات التبسيطية. الأمر الذي يدعونا، بتعبير آخر، إلى أن نقلب رأسا على عقب، حسب ما يذهب إليه الكاتب، ما كان ماركس يسير به على قدميه، فنجعله من جديد يسير على رأسه : أي العودة إلى الجدلية الهيغلية العزيزة. المؤسف أن هذه الدراسة تنتهي إلى مثل هذه النتيجة، وأن العرب لا يستحقون مثل هذه النهاية. فالعروي بما يمارسه من نقد إيديولوجي، ويخصُّ به العرب، يعود بنا الى ما كان يسبق زمانيا تاريخ تأليف "الإيديولوجية الألمانية" لماركس وإنجلز. فإذا كان ثمة تشابه يكاد أحدهما أن يكون قريبا من الآخر بين هذين العملين، "الإيديولوجية العربية المعاصرة"، "الإيديولوجية الألمانية"، فإن هذا التشابه لا يجد لدى العروي أي اعتراف به، (هامش: العروي لا يشير ولو لمرة واحد إلى هذه الأخيرة)، إن الدروس الجوهرية التي كانت من حيث الممكن قابلة للاستخلاص من هذا النص الذي يبقى بالرغم من كل ذلك هيغليا، سواء في ما يتعلق بما كنت أطلقت عليه أعلاه اسم المرجعية التاريخية الموضوعية، أو "القاعدة المادية للإيديولوجيا"، وسواء أيضا بما بتعلق بهذه أو تلك من المقاربات لإيديولوجيا ما بعينها، أو بما يتعلق بالشروط التي ترافق كل مقاربة لأية إيديولوجيا أيا كانت، قد ضاعت. فلننظر ونقارن، وأقول هذا بجرأة دون أن أخشى ارتكاب أقوالا سوقية، إن العروي لو أنه أَخذ بالمرجعية التاريخية الموضوعية، أو ب/"القاعدة المادية للإيديولوجيا"، لما كان له أن يكتب ما يأتي: "يمكن في الواقع أن يُطعن ب/"الإيديولوجية العربية" بمجملها باعتبارها محض ثرثرة. لكن الجَنْسينية (مذهب جَنيسيوس المتعلق بالنعمة الإلهية والجبرية. مذهب أخلاقي مسيحي متشدِّد. المترجم) والرومانتيكية، بناءً على هذا، لا تخلو هي الأخرى، في هذا الصدد، الأولى كالثانية، من التفاهة، وليس بالإمكان على وجه الإطلاق أن نَستخلص منها نتائج بديهية كتلك التي يمكن للتاريخ الاقتصادي أن يقدِّمها لنا" (ص212). إنها مقارنة غير موَفقة لأنها أبعد ما تكون عن ملجئ يحتمي فيه. لذا فإنه يَستحق الإدانة من جراء هكذا مقارنة: إن الجَنسينية و"الإيديولوجية العربية" لا ينتميان إلى نفس الفضاء الإيديولوجي، ولا يخضعان لفحص مشابه. أما وأن الحال على ما هو عليه، فإننا نعود أدراجنا إلى نقطة البداية... وها هي الحلقة قد أُغلقت.
... إلى الماركسية بلا زيادة
هل يجب في خاتمة هذا المقال أن نضع حكما عقليا يتناول بصورة شاملة "|الإيديولوجية العربية المعاصرة"، ويزن كفاءة هذا العمل؟ نعم، أنا لا أستطيع التهرب من هذه المقاربة.
يبدو لي، من جهة أخرى، أن هذا العمل محض إيديولوجي، بمعنى أنه يشكِّل "خطابا إيديولوجيا" يتناول بالبحث الإيديولوجية العربية – الأمر الذي يُعٍتِبِر هنا تحصيل حاصل ما دمت عمَّدت قبل قليل ما هو إيديولوجي مصطلح "الإيديولوجية العربية" نفسه – وذلك مقابل "الخطاب العلمي" الذي يجد بصورة ضرورية وملِّحة طريقا له في العالم العربي من خلال التيارات الإيديولوجية التي تجتاز هذا العالم اليوم.
ويكاد ينازعني دافع يحملني على الحديث عن سيرة ذاتية ما دام العروي نفسه يقترح هذا التفسير (ص 212) دون أن يعطيه معنى قدحيا (ص 109، الهامش 26 من مؤٍّلفه). في مثل هذه الحالة، فإن المؤلَّف يمثل وثيقة نفيسة بمكان بما يقدِّمه من نظام يَحُول بالتوكيد دون أن يَزعم أيا كان من الناس أن هذا العمل يعبِّر عن فرد واحد، وإنما هو التحليل الذاتي الذي يتَّسع، بعد إلغاء كل الأحكام المسبقة، لعدد كبير من المثقفين العرب الذين يتعرَّفون فيه على ذواتهم، أو يتعرف هذا العمل عليهم.
هذا المؤلَّف، من جهة أخرى، بحثٌ يَعرف من حيث هو مؤلَّف، كيف يحدِّد لنفسه حدوده الخاصة به، وذلك على نحو ما قلته سابقا. غير أن شعورا ما بالحيرة يعتريني بوجه خاص وأنا أعيد قراءتي للمقدمة التي كان مكسيم رودنسون قدَّم بها للمؤلَّف وامتدحه فيها امتداحا عظيما: ألم أظلم مزايا الكاتب وكفاءاته، فارتكبت خطيئتين اثنتين، وهما الافتقاد للتواضع واليقينية؟ كلا، أنا في حقيقة الأمر لا أعتقد أنني وقَعْت أسيرا للتكبُّر واليقينية، وذلك لسببين اثنين:
أ-) لقد أشرت قبل قليل إلى الخطاب العلمي في المجال الإيديولوجي، وأوضح أنني لم أعتزم بلورة هذا الخطاب. وبتعبير آخر أن أُكَمِّل مشروع العروي. فأنا افتقد للمتسع من المكان والكفاءة لإنجاز هذا العمل.
غير أن مراعاة الأسس النظرية لمثل هذا البحث، تستدعي لزوما، وبالمقابل، العودة بالضرورة إلى الإشكالية، وتتطلب أيضا الإلحاح حسب ما يبدو لي، هنا وهناك، ما هو غير مقبول منهجيا، أو غير كافٍ. يجب، بناءً على ذلك، التمييز بوضوح في الماركسية نفسها بين الشروط التي تتيح المقاربة العلمية للإيديولوجيات، وبين البنى التاريخية (البنى التحتية والبنى العليا سواء بسواء) التي أَنتجت إيديولوجيا بعينها، أو بالأحرى التي أَنتجت إيديولوجيات متلائمة، إلى هذا الحد أو ذاك، مع السياقات الوطنية التي تستوجب دوما دراستها من حيث أشكالها المتباينة باعتبارها وليدة هذه السياقات الخصوصية. العروي، حسب ما يبدو لي، لم يتوصَّل أيا كان الأمر إلى السيطرة على هذا التمييز. مكسيم رودنسون بدوره لم يَمنح هذا التمييز حقه من الأهمية المطلوبة. العروي، لما كان يعتقد أن "الماركسية الموضوعية" ضرورة ملزمة في الحاضر الفوري، فإنه يَستًنتِج أن المنهج الماركسي في العالم العربي قد انتهى إلى الفشل. مكسيم رودنسون هو الآخر، لما كان يُعرِّف "الماركسية من حيث هي نظام مغلق ومنسجم يوحِّد من خلال علاقات ضرورية بين المفهوم، الإيديولوجيا، وحزمة من القيم والحلول الفلسفية، الأخلاق، علم الاجتماع، السياسة، النظرية الاقتصادية، وربما غير هذه وتلك من مكوِّنات" (ص 11 من مقدِّمته للمؤلَّف)، فإنه يجاري الأسباب التي تَمنحه بيسر ما يؤدي به إلى رفض هذا التمييز (هامش: هذا ما يذهب رودنسون إليه في هذه المقدِّمة على الاٌقل، ولعله يخالفها في موقع آخر من أعماله. ولما كنت أكن له تقديرا عظيما للغاية، فإن تقديري له على هذا النحو يمنعني من توجيه الملاحظة إليه). والحال، أن هاتين الحالتين، العروي ورودنسون، تتمسكان بنظام إيديولوجي لا يأخذ بهذا التمييز، وهما لا تتخطيان على هذا النحو الإيديولوجيا نفسها. إنهما تخلطان بالتالي بين موضوع النظرية والنظرية نفسها. النظرية من حيث هي عاجزة بصورة ماثلة للعيان.
وكانت الفرصة أتاحت لي أن أنصف عددا مما جاء من مضامين في هذا الكتاب. أما الآن، فقد آن الأوان كي أترك في هذا الوقت المناسب مجال التحليل لأنتقل، في ضوء ما انتهت إليه النتائج، إلى معاينة ما إذا كان بالإمكان التعرُّف على الخط الموجِّه للدراسة، ليصار إلى فحصه.
إلى ماذا ينتهي المؤلَّف؟ فلنسلِّم، والعروي أسهم بالتوكيد في ما ننتهي إليه، أننا أمام ظاهرة عامة بالمعنى "الأكثر تجريديةً"، لصدمة إيديولوجية منشؤها الغرب، تمتد لتشمل مجموع البلدان التي لم تبلغ المرحلة الرأسمالية للتطور. إن العالم العربي، وللتكرار نقول إن هذا العالم ليس حالة استثنائية.
في مؤَلَّف ماركس "مقدِّمة لنقد الاقتصاد السياسي" (1857) والمكرَّس للتعريف بالمنهج العلمي في الاقتصاد السياسي، يأتي ما يلي: "إن المجتمع البورجوازي يشكِّل المنظَّمة التاريخية للإنتاج الأكثر تطورا والأكثر تنوعا على الإطلاق. بالنظر إلى ذلك، فإن المقولات التي تعبِّر عن هذا المجتمع وتسمح بإدراك مستوعِبٍ لبنيته، تتيح في نفس الوقت أن نحلِّل بنية علاقات الإنتاج لكل أشكال المجتمع المتوارية، بما في ذلك الأنقاض والعلاقات التي كان المجتمع شيَّد نفسه بها، ومنها عددا ما من الأثار التي لم ينته تجاوزها جزئيا، وهي ما تزال ماثلة فيه، حيث لا يزال عدد من العلامات البسيطة موجودا، التي كانت أَخذت في تطورها كامل معانيها، إلخ". "إن تشريح الإنسان مفتاحٌ لتشريح القرد..." (المزدوجات من وضع الكاتب للتشديد)، (راجع: "إسهام لنقد الاقتصاد السياسي"، باريس، المنشورات الاجتماعية، 1957، ص 169).
إن ماركس يُعطي بناء على ما تقدَّم الجواب النظري الذي يتيح لنا أن نَعاين بدقة ميدان الإشكالية التي نحن بصددها: على غرار ذلك أيضا، وفي ما يتعلق بالبنية التحتية، فإن إلقاء الضوء من جديد على مقولات الاقتصاد البورجوازي، فإن هذه المقولات تَمنَح المفتاح (جوهر، عِلَّة) لتوضيح أشكال الاقتصاد السابقة؛ وتَمنَح هذه المقولات في نفس الوقت المفتاح (الجوهر، العلَّة)،على صعيد البنى العليا، لإلقاء الضوء من جديد على الأنماط التي تُنظِّم بفعل من الاقتصاد البورجوازي الإيديولوجيا، وهي تَمنح في نفس الوقت المفتاح (عِلَّة وماهية) لفهم الأدوات التي تنظِّم الإيديولوجيا السابقة. أيا كانت الإيديولوجيات، سواء كانت ضمنية أو علنية، وسواء كانت "أثارا" محفوظة، أو هي تكشف عن دينامية لها في الحاضر، فإنها ليست موضعا للإدراك الواعي الصحيح إلا انطلاقا من معرفة نظرية باتت ممكنة من جراء الدرجة العليا للتطور، تطورٌ إيديولوجي أسوة (لأنه) بالاقتصادي. لأن "التجريدات الأكثر عمومية، لا تنشأ، بالمحصلة، ما لم ينشأ معها التطور الملموس والأكثر غنىً، وذلك حيث تَظهر هنا خاصية مشتركة مع كثرة من الخاصيات، خاصية مشتركة مع جميع الخاصيات" (المرجع السابق).
إذا كنا نستطيع اليوم تحديد بنية أنماط الإنتاج ما قبل نمط الإنتاج الرأسمالي (أو نمط للإنتاج يجمع ما بين أنماط للإنتاج متعدِّدة دون أن يكون نمطا للإنتاج الرأسمالي)، بل، وإذا كنا نستطيع حتى أن نقارب أشكالا من التخلُّف لم تعد تكتفي بخاصية محض وصفية، وإنما تَعمل هذه الأشكال، على النقيض من ذلك، على تعيين خاصية الاندماج، في كل حالة إنتاجية على حدة، لمختلف أنماط للإنتاج قابلة لتعليل بنية اقتصادية-اجتماعية بعينها، فما ذلك إلا لأن "التطور الأكثر غنى" يمنحنا الوسائل النظرية لإنجاز هذه المقاربة" (هامش: في ما يتعلق بخصوصية الاندماج فلقد اخترت هذا العبارة بدافع السهولة. الاندماج ذات صلة بالإشكالية التي ما تزال محدثة لتوها والتي تَدرس "الأشكال الانتقالية" و"المرور" (راجع "قراءة رأس المال"، الفصل الثاني، نهاية ما جاء فيه بقلم كل من ألتوسير وباليبار، وهذا المرجع مذكور سابقا). إن المُسْتَعْمَر، حسب ما يقوله ويردِّدُه الآخرون بما فيه الكفاية، هو "دون الإنسان". ألم يكن بوسع العروي، في ما يتعلق ب/"المُسْتَعمَر دون الإنسان،" بدل أن يُشْغِل نفسه بخطابات أدبية، أو بدل أن يَستسلم لحالات من الهذيان الأخلاقي المهذّب، وبدل أن ينهل من المرض الإيديولوجي، حتى وإن كان سليم النية إلى حد كبير، (هامش: على غرار ما هو عليه الأمر في أغلب الأحيان في "معذبو الأرض" لفرانز فانون، أو في مقدمة سارتر له)، ألم يكن الأحرى بالعروي أن يأخذ بمعاني هذه الفكرة القائلة بأن ""تشريح الإنسان مفتاحٌ لتشريح القرد"؟ إن عِلم القردة ممتنع ما لم تتوفر الإناسة. وإن أحكام القيمة لا مكان هنا لها البتة.
إن الإيديولوجيا تستدعي لزوما محاكمة عقلية مشابهة.
الحال، أن ثمة اليوم في عصر "التحرر من الاستعمار"، عصر "طرق النمو"، وذلك بالتمشي مع ما تقوله الأغلبية، ثمة في سائر البلدان اللارأسمالية مناقشات متَّقٍدة حول مسائل الأصالة، الخصوصية، القيم الوطنية التقليدية منها أو الدينية، والمعاصرة (هامش: إشارة إلى أسئلة تَصدر عن العروي لتذهب من الفلكلور وكي تنتهي عند "العودة إلى الينابيع". الا يتحدث العروي نفسه عن "المجتمع العريق" للإسلام الصافي؟) (ص 5). ألا يجب البحث عن السبب وراء هذه المناقشات المتَّقِدة، في هذه الصدمة الآتية من الغرب وقواه الإيديولوجية، بالإضافة إلى الاقتصادية والعسكرية (أو لأنها اقتصادية وعسكرية)؟ إن ظواهر التفاوت، انعدام التكافؤ، الاستلاب، أو ما تحرزه طبقة المثقفين من سبق على غيرها من الطبقات، وأولوية الإيديولوجيا كما يدافع عنها العروي، ألا تجد هذه الظواهر أبسط تفسير لها عبر الصدمة الآتية من الغرب وقواه الإيديولوجية؟ إذن، ما هي الحاجة إلى "الخصوصية" عندما لا يتحمَّل المثقفون العرب (أسوة بغيرهم) أن يجدوا أنفسهم غير متوافقين تاريخيا مع الساعة الإيديولوجية الغربية؟ بل، وهل نستغرب أن تكون أنظار المثقفين العرب مصوبَّة بثبات نحو الغرب؟ هل ثمة ما يدعو للاستغراب حيال ما يأتون به من حيل للتلاعب بمقولاته وتدليسها، أو للجوئهم إيديولوجيا إلى ما ينتجه الغرب من إيديولوجيات؟ وهل ثمة ما يدعو للاستغراب، حيال كل ذلك، وبالنتيجة، أن ترى الغربيين أنفسهم لا يزالون يتمتعون حتى اليوم بسلطة ما؟
وما هي الأسباب التي تجعل من ابنتكم صمَّاء؟ إليكم هذه الأسباب.
نعم. ذلك أن ما يطرحه العروي من مسائل ليست جديدة، وهي كانت في حيِّز التداول سابقا. هي أسئلة تفتقد للموضوع. ولقد قلت لتوي أن ثمة صدمة منشؤها الغرب وقواه، الإيديولوجية، الاقتصادية، العسكرية، فهل آن الأوان كي أضيف: وماذا عن الصدمة العلمية، أو أين هي متن مؤلَّفه؟ في الصفحات المذكورة أعلاه من "مقدمة..." ماركس يكتب المزيد: "لم تكن الديانة المسيحية مؤهلة للمساعدة على فهم موضوعي للأساطير السابقة إلا بعدما أنجزت بالاعتماد على "قوة حركتها" مقدارا ما من نقدها لذاتها. وعلى غرار ذلك أيضا، فإن الاقتصاد السياسي البورجوازي لم يتوصَّل إلى فهم المجتمعات الإقطاعية القديمة منها والآسيوية إلى أن جاء اليوم الذي كان بدأ فيه النقد الذاتي للمجتمع البورجوازي". أما وأن، هذا النقد الذاتي قد باشر أعباءه، فإنه، إذ هو أصبح في "رأس المال" مكوِّنا مؤَهَلا لاستيفاء مقولات الاقتصاد البورجوازي في الحاضر، فإنه، إذن، مؤهل للتأسيس لإشكالية الدمغات الإيديولوجية. (هامش: في ما يتعلق بهذه المسألة، فإن ألتوسير يُسجِّل في "قراءة رأس المال"، الجزء الثاني، ص 106، ملاحظة تتعلق ب/"الانعكاس"). فلنتساءل في ضوء ذلك ما إذا كان هذا النقد الذاتي ليس هو نفسه الماركسية؟ إن مصطلح "الجدلية" الذي يجد لدى العروي اعتزازا عظيما به، أليس هو الذي يناسبه على أفضل وجه؟
على هذا النحو، فإن النظام العلمي، من وجهة نظر المنهج لا يقلُب فقط، حسب ماركس، النظام التاريخي، وإنما ينتقم من التفسيرات الإيديولوجية المثالية و"الأنظمة" الإيديولوجية، وما تسعى، بوجه السرعة، إليه هذه الأخيرة، باسم الخصوصيات لاختزال هذا النظام العلمي. أليس مما لا جدوى منه أن نذكِّر، بعد مرور مراجعات مفرطة من حيث عددها بشأن الماركسية، والتي كانت تأتي من الغرب، وكانت تجد، عبر ذاك الزمان، صدى طيبا لدى أصحابها حيال الماركسية، أن نذكِّر بما كانوا يستحضرونه حول ما تواجهه الماركسية من حالات كثيرة من الفشل "من جراء طبيعتها" نفسها، فشل للماركسية يصطدم بما يسمونه العالم الثالث؟ صحيح أن "الماركسية الموضوعية" أبعد ما تكون عن توكيد ذلك، حتى وإن كانت تَسمح بابتكار عدد ما من التيارات الإيديولوجية الضمنية، فإنها تؤدي، بالمقابل، إلى التدليل، بخلاف ما يذهب إليه العروي، بأن المعرفة وحدها التي سلَّطت الأضواء على مقولات الاقتصاد البورجوازي، هي وحدها التي تستطيع أن تُحلِّل كل حالات "المستقبل المبني على الماضي"، بما في ذلك العربي منها.
فهل هذا يعني أننا نتملك لهذا السبب العلم الموحى به، وأن الحلول وَجَدَت حلا لها؟ "بوسعنا أن نفهم الضريبة، العُشْر (عُشْر المحصول الزراعي المُستحق للكنسية ما قبل الثورة الفرنسية 1789, المترجم)، الخ، عندما نحوز على معرفة بالدخل العقاري. غير أن التماهي بين هذه وتلك من المكوِّنات الاقتصادية، وبين المعرفة بالدخل العقاري ليس صحيحا... إذن، إذا صَحَّ القول إن مقولات الاقتصاد البورجوازي تحوز على حقيقة صالحة لمجمل غيرها من أشكال المجتمع، فإن ذلك ليس مقبولا إلا من حيث هو بمثابة "الالتقاط بالملقط." (هامش: ملاحظة ل/لويس ألتوسير تتعلق ب/"الانعكاس" الإيديولوجي (قراءة رأس المال، الفصل الثاني، ص 106). "كالالتقاط بالملقط": هذا هو الجواب الضروري عوضا، منذ البدء، عن تشويش ولوي إشكالية، جريا على مسار العروي، لم يكن تحديد تعريفها مهمتنا الأكثر رقة. "كالالتقاط بالملقط": ملقط لينين بالأمس، وربما ملقط العرب اليوم (هامش: هذا يحيلني بوجه خاص إلى ما جاء من أقوال عدد من المشاركين في حلقة البحث التي كانت انعقدت في الجزائر (انظر ما جاء أعلاه بخصوص حلقة البحث هذه)، وكانت صحيفة "المجاهد" نقلت أعمالها؛ منها مداخلة لمحمد عودة من الجمهورية العربية المتحدة: "نحن نريد طرقا جديدة للاشتراكية كفيلة بتطبيقها في بلدنا، وذلك على غرار ما فعله لينين في روسيا وماو تسي تونغ في الصين". ومداخلة فؤاد نصار من الأردن: "إن التجارب الراهنة تؤكد أقوال ماركس ولينين". ومداخلات كل من سعيد ساهد من سورية، ونيقولا شاوي من لبنان، ومحمد إبراهيم من السودان، وعلي سلَّامي من جنوب اليمن، أو عبد الله ريماوي من الأردن، التي تتصدى كلها لمعاداة الشيوعية التي ما تزال منتشرة على حد قولهم في البلدان العربية). ويكفينا أننا استطعنا الاقتراح بأن الإيديولوجيا، وهذا هو موضوع بحثنا، لا تستدعي معالجة نظرية غير المَوْقِع الذي وجد طريقه لدى ماركس. موقع الإيديولوجيا المُفَنِّد للإيديولوجيات في المذاهب الفلسفية والسوسيولوجية، مثالية، تجريبية، منطقية، وغيرها من علوم معارف. ماركس الذي يبيِّن أن الإيديولوجيا ضرورية. ضرورة ليست نظرية فقط – ويعترينا الخجل أمام العودة إلى التذكير بالأمر– ضرورة من حيث أن الإيديولوجيا تكوِّن كلاً واحدا، في الممارسة، من حيث أن النظرية هي ممارسة وإحدى مكوِّنات الممارسة، طالما يتعلق الأمر، الآن وبالأمس، بتغيير العالم، وبالدعوة الموجَّهَة إلى من هم "دون الإنسان"، على غرار من هو إنسان، للانتقال من القديم إلى الحديث. إيديولوجيا هي لكل ما تقدَّم من أسباب، ولما كانت هذه الإيديولوجيا ممارسة تشكِّل النظرية إحدى مكوِّناتها، فإنها مبنية هذه المرة علميا، وهي، ما دامت تسيطر على نفسها كما هي تسيطر على الأرض، فإنها تَعمل بالضرورة عمل الأداة الفاعلة (هامش: "الإيديولوجيا العضوية" بالمعنى الغرامشي للمصطلح ، تَجد بلا شك موقعا جدِّيا لها في الإشكالية العامة للإيديولوجيات. غير أن المكان هنا لا يتسع أمامي كي أمضي قدما في تحليل "الإيديولوجية العضوية". سأكتفي بأن أردِّد مع ألتوسير (المرجع السابق، ص 89) أن الإيديولوجيا هنا مُكَوِّن جديد جدَّة مطلقة ما دامت تقف على أسس من علم، وهو أمر "ليس له مثيل في سابق التاريخ".
ب-) لا يفوتني أن أقول إن العديد من ملاحظاتي، في ما يتعلق منها على الأقل بالتفاصيل، ليس الهدف منها أن أضبط العروي في ما يقع فيه من أخطاء، وأن جوابه آتٍ (هامش: أرى في مقال للعروي منشور في العدد الخاص الصادر عن "الأزمنة الحديثة" Temps Modernes ، تحت عنوان "النزاع العربي الإسرائيلي" (الملف رقم253 مكرر، 1967)، جوابا. مقال العروي يحمل العنوان التالي: "مشكلة ذات صلة بالغرب" (ص ص 295-316). العروي، إذ هو يستعيد فيه عددا من أطروحاته الواردة في "الإيديولوجية العربية المعاصرة"، فإنه، حسب ما يبدو لي، ينظر هنا إلى المسائل بما بينها من ظلال ولوينات أكثر مما هو يتَّبعه في "الإيديولوجية..."، هذا، على الأقل ما يضيفه هنا، في ما يتعلق بعدد من الأحكام العقلية (على سبيل المثال في ما يتعلق بالماركسية ص 297، والقومية العربية ص 310، وحول التباينات الاقتصادية في العالم العربي ص 314). أيا كان الأمر، فإن ردَّه مطلوب بالضرورة، على الأقل من أجل الإسهام في نقاش أعظم يحتل مكانته بين المناقشات التي تظهر في زماننا، ومن أجل دحض عدد من المسلمات البديهية. لا يفوتني أيضا أن أشير إلى أنني لن أعود إلى ما أتاحت لي الفرصة أن أقوله في مطلع هذا التحليل للمؤَلَّف، ألا وهو مديحي للعروي. فالمديح، أيا كان شكله، لا يجد مكانا مناسبا له في حيِّز الكتابة. أنا مقتنع بأن "الإيديولوجية العربية المعاصرة" غنية جدا بما تعطيه: من حيث هي تعبِّر – وهذا أمر نادر – عن حكم عقلي نيِّر صادر عن عربي حيال العرب وتجاه الغرب. ومن حيث هي تلح لأسباب مبرَّرة على مكوِّن إيديولوجي هام، ألا وهو التأثير الأوروبي، وما يكتشفه العرب حياله من وحدة ما بينهم (هذه الوحدة التي تجد ترجمة عنها في عنوان المؤلَّف). وأنا مقتنع أيضا أن هذا المؤَلَّف يؤدِّي عمله بما يتضمَّنه من معايير معرفية متنوعة تقود إلى اكتشاف مقومات لا تَعدَم من الأسباب الموجبة للعودة إليها من جديد للاستفادة منها من أجل إنشاء التحليل في ضوئها. وأنا مقتنع أخيرا أن هذا المؤلَّف لعبد الله العروي يضع نفسه، من وجهة النظر الإيديولوجية، في خدمة قوى التقدم.
ولا بد لي أن أضيف متسائلا: وهل كانت لتتاح لنا إمكانية الرحيل بصورة ممتدة خلال مدة طويلة إلى أراضٍ هي من الاتساع بمكان، والتعرُّف عليها عن قرب، لولا أن هذه الدراسة لعبد الله العروي لم تقدِّم لنا دعوة لبقة للغاية للوقوف على حافة بحث دون أن نكون إبان تلبيتنا لدعوته زائدين عن اللزوم؟ غير أنني، إذ أُلِحُّ حيال هذه الدعوة إلحاحا مثقلا بالنقد، فإنني أشتقُ من هذا الإلحاح اعتذاري الوحيد الموجَّه إليه، لأن هذا الإلحاح بالنقد هو الذي يجعل منا أبعد ما نكون مجرَّدين من الأسلحة.
الجزائر، آب/أغسطس 1967





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,561,499,449
- مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة-
- مصر: الماركسية والخصوصية - حوار مع جورج لابيكا
- جورج لابيكا يُقدِّم لكرَّاس لينين: -الدفتر الأزرق-
- السمو بجسم المرأة العاري تحت أبصار الحداثة الجاهلية‏ في الأَ ...
- ممارسة السياسة من حيث هي مصدر المعرفة - جورج لابيكا - الملحق ...
- العنف الثوري أو الحقد الطبقي فَرْضٌ وحَقٌ - جورج لابيكا
- القطيعة الماركسية مع الفلسفة - جورج لابيكا، الوضع الماركسي ل ...
- الديمقراطية والثورة
- الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية - مقدمة جورج لابيكا لكتاب ...
- الماركسية اللينينية (أدلة من أجل النقد) - من أعمال جورج لابي ...
- الماركسية اللينينية (أدلَّة من أجل النقد) 2 - من أعمال جورج ...
- الماركسية اللينينية (أدلَّة من أجل النقد)‏
- -الماركسية- متن معجم الماركسية النقدي - من أعمال جورج لابيكا ...
- الماركسية متن الأنسكيلوبيديا الفلسفية الشاملة - من أعمال جور ...
- من أعمال جورج لابيكا - مدخل الماركسية في الإنسيكلوبيديا أُون ...
- في اللاعنف، الإرهاب، المقاومة والعنف الثوري - حوار مع جورج ل ...
- الأزمة في الماركسية وظيفة وأداة - حوار مع جورج لابيكا
- في تاريخ الماركسية - حوار مع جورج لابيكا
- الماركسية الثورية ليست هي نفسها الماركسية الأكاديمية - الفصل ...
- الماركسية هي الرد الوحيد لتغيير عالمنا اليوم - حوار مع جورج ...


المزيد.....




- يسقط حكم المصارف
- قطع الطرق التالية
- بيان صادر عن المكتب السياسي في الحزب الشيوعي اللبناني
- الأمن اللبناني يطلق الغاز المسيل للدموع ويشتبك مع المتظاهرين ...
- احتجاجات لبنان.. مرافقو وزير التربية يرهبون متظاهرين
- لبنان.. مسلحون يطلقون النار لتفريق محتجين
- النساء في الحراك الشّعبي الجزائري: حوارٌ مع مناضلة نسائيّة ج ...
- أسئلة حول تنظيم الحزب الثوري (2)
- ركاب يسحبون متظاهرين من أقدامهم من فوق مترو لندن
- -الحشد الشعبي- يرد على تقرير يتهمه بقنص المتظاهرين


المزيد.....

- راهنية التروتسكية / إرنست ماندل
- المادية التاريخية هي المقاربة العلمية لدراسة التاريخ / خليل اندراوس
- الشيوعية ليست من خيارات الإنسان بل من قوانين الطبيعة / فؤاد النمري
- دروس أكتوبر [1] (4 نوفمبر 1935) / ليون تروتسكي
- التشكيلة الاجتماعية العراقية وتغيرات بنيتها الطبقية / لطفي حاتم
- ما هي البرجوازية الصغيرة؟ / محمود حسين
- مقدمة كتاب أحزاب الله بقلم الشيخ علي حب الله / محمد علي مقلد
- ملخص لكتاب فريدريك انجلز-أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدو ... / عمر الماوي
- رأس المال: الفصل الثاني – عملية التبادل / كارل ماركس
- من تجلّيات تحريفية حزب العمّال التونسي و إصلاحيّته في كتاب ا ... / ناظم الماوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حسان خالد شاتيلا - حوار مع جورج لابيكا...في العلم والتاريخ من أجل تغيير العالم