أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - زهير صادق الحكاك - الضمير















المزيد.....

الضمير


زهير صادق الحكاك

الحوار المتمدن-العدد: 6143 - 2019 / 2 / 12 - 13:40
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


يقول بعض الفلاسفة وعلماء النفس أن الكثير من سلوكيات الإنسان محكومة بضميره فيما لو كان حيا أو ميتا، والذي بهذه الكينونة يقرر ذلك الإنسان الصالح والطالح منها، ولهذا نرى ، ومنذ فجر ظهور الإنسان ( العاقل) ( Homo Sapience ) قبل حوالي 300 ألف سنة على سطح هذه الكرة الأرضية، طوفانا من المصطلحات (العلمية والعامية) لتمييز العلاقات المختلفة بين الإنسان وأخيه، والأفعال والمشاعر والسلوكيات المختلفة التي يقوم بها الفرد الواحد مثل المودة والمحبة والتآخي والإيثار والتفهم والمسامحة وغيرها من ناحية والكراهية والحقد والاشمئزاز والتعالي وغيرها من ناحية أخرى. لذا يُرجع بعض الفلاسفة والحكماء إلى أن (ضمير الإنسان) هو المحرك الأساس لجميع هذه المشاعر والسلوكيات. وكما نعرف أن أول حادثة مات فيها ضمير إنسان هي تلك التي سجلتها جميع الكتب السماوية وصورتها بدقة متناهية كيف قتل إنسان أخيه الإنسان من أجل أشياء مادية تافهة لا ترقى أبدا إلى قيمة حياة الإنسان نفسه.
إن الدافع الذي حفزني للخوض في هذا المضمار حادثة صغيرة تناقلتها بعض القنوات الإخبارية، ملخصها أن أحد سواق التأكسي الأسود في لندن، وهو بالأصل من المهاجرين الأفارقة وأسمه أبوبكر لورغات، أستيقظ فجرا ذات يوم، وذهب إلى سيارته لإحماء ماكنتها قبل أن يغير ملابسه، فإذا به يجد ظرفا تحت ماسحات المطر فيه رسالة صغيرة مع مبلغ 250 باون. فتح الرسالة بيد مرتجفة ليقرأ فيها أجمل عبارات الاعتذار والتأسف من أحد اللصوص الذي سلبه تحت تهديد السلاح جميع محصول ذلك اليوم من العمل الشاق في التأكسي. بقي أن تعرف عزيزي القاريء أن حادث السرقة هذه قد حصلت قبل 12 سنة. والآن دعونا نناقش هذين العملين على ضوء موضوع المقال ونتساءل كيف مات ضمير اللص عندما سرق، وكيف عاد إلى النور والحياة عندما أعاد الميلغ لصاحبه بعد 12 سنة. نستنتج من هذا أن نفس الضمير قد يموت في زمن ما وقد يحيا في زمن آخر، ولكن يا ترى من يتحكم بهذا التغير بين الطرفين (الموت والحياة)، يا ترى هل هو العقل!؟.ويا ترى هل يستطيع الإنسان أن يجبر عقله في أن يجعل ضميره دائما حي ( أو دائما ميتا ).
خلال مجريات الحياة، يصادف الإنسان (أي إنسان) في حياته الطويلة أنواعا كثيرة ومختلفة من البشر في مقياس الضمير، فمنهم من ضميره الحي ملازمه في الصغيرة والكبيرة من منحنيات الحياة، ومنهم من هو عكس ذلك، ومنهم من له (ضميرين) (حي وميت) يختار منهما ما يحتاج حسب إيقاع ذلك المنحنى من الحياة على حياته وماله.
الضمير الحي
سأحكي لكم حكاية رجل تعايشت معه وصاحبته لسنوات طويلة، لم أجد منه سوى الضمير الحي، في كل صغيرة وكبيرة. بعد تخرجي ، تعينت في معهد البحوث النووية التابع إلى لجنة الطاقة الذرية العراقية كمساعد مختبر لأحد الباحثين العائدين حديثا من الإتحاد السوفيتي .عملت معه لأربع سنوات تعلمت منه فيها أشياء كثيرة أهمها الإخلاص في العمل، وقد بذلت كل جهدي في أن أرضيه لما لمست منه عمق التفكير وطيبة النفس والضمير الحي. بالإضافة إلى ما تعلمت منه في خفايا البحث العلمي، تعلمت منه الحرص والتفاني في خدمة بلدنا العراق، ليس هذا فقط فقد تعلمت منه طيبة القلب والتواضع خصوصا مع الناس البسطاء الذين كانوا يعملون في مهن بسيطة مثل المسؤولين على تنظيف المختبرات والأجهزة والزجاجيات، فلقد كان يجلس معهم على مائدة طعام الغذاء ، يتناول سندويجته المتواضعة ، ويدردش معهم عن أغلب أمور الحياة وعن قدراتهم المالية في مواكبة غلاء المعيشة المستمر بالارتفاع. وكذلك كان يحترم أولئك الذين كانوا يعينون بأجور يومية مثل الفلاحين الذين كانوا يعتنون بالحدائق المنتشرة في المركز، فقد كان يخرج إليهم في الأجواء الطيبة، يفرش منديله على الأرض ويجلس معهم يتناول سندويجته. كان عالما فذا في أختصاص الوراثة، متى ما دخلت عليه في المختبر تراه أما يقوم بتنفيذ تجربة ما مع أحد المساعدين أو منكبا على تحليل نتائج تجارب تامة، أو يطالع في أخر البحوث المنشورة في مجال عملنا. لقد كان عملا مثمرا فلقد ظهر أسمي (بعد أسم أستاذي) في أربعة بحوث قيمة تم نشرها في مجلات عالمية والقي بعضها في مؤتمرات متخصصة تعقدها وكالة الطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة. لقد كنت فخورا بهذه البحوث الأربعة حيث كنت ما زلت أحمل شهادة البكلوريوس، ولكن بفضلها تم قبولي في واحدة من أعرق جامعات بريطانيا ( جامعة أبردين / تأسست عام 1505م، وتأتي بالمرتبة الرابعة من ناحية القدم بعد سانت أندرو، كامبردج وأوكسفورد) للحصول على شهادة الدكتوراه.
ومرت الأشهر وأنا هناك ، غارقا بين العمل المختبري والمصادر، وفي يوم وصلني ظرف سميك من أستاذي في بغداد، فتحته متلهفا، لأجد فيه رسالة قصيرة يسألني فيها عن مسيرة بحثي، ويخبرني بأنه يرفق نسخا من ثلاث بحوث نشرها معتمدا على النتائج الكثيرة التي كنت قد حصلت عليها أثناء عملي معه وتركت له جداول أرقامها في سجلاتها الأولية. قرأت البحوث الثلاثة بلهفة ولكل جدول نتائج فيها أصيح داخل نفسي نعم أن هذه نتائج التجربة التي أعدتها 5 مرات، وتلك التي قررت المبيت في المختبر من أجل متابعتها ليلا. لقد صعقت أيها الأخوة، فلقد أصبح لي 7 بحوث منشورة وأنا ما زلت في أول درجة من سلم البحث العلمي، ولكن صعقتي كانت أعظم عندما تفطنت إلى عظمة ضمير هذا الإنسان الذي يجبره على الاعتراف بقيمة جهود الآخرين في أنجاز أي عمل!!؟ ولا يسرق تعب وجهود الآخرين نعم أنه الضمير الحي!
أكملت عملي وأطروحتي وعدت بدرجتي العالية وعينت من جديد بدرجة باحث علمي، ووجدت أستاذي الفاضل كان قد هيأ لي مختبرا جنب مختبره ،وفرغ إثنين من المساعدين ليعملا تحت إشرافي لحين تعيين جدد. وأنا بدوري ذهبت إلى مختبره وبكل تواضع وضعت على مكتبه أطروحتي طالبا منه قراءتها وتوظيف ما يراه مناسبا فيها في تطوير مشاريع بحوثنا (المشتركة) . فرح كثيرا ولكن بتردد حيث لمست في عينيه نظرة إستغراب من قولي، فقلت مؤكدا دكتور ستبقى أنت الأستاذ وأنا الطالب. وبالفعل عملنا سوية بكل همة وجهد لمدة 5 سنوات أنجزنا خلالها عدة مشاريع بحثية مختلفة خرجنا منها بحصيلة 14 بحثا منشورا في مجلات ومؤتمرات عالمية، وسجلنا عدد من الظواهر الطبيعية وأستحدثنا عدد من الطفرات الوراثية وحصل فريقنا البحثي على سمعة عالمية جيدة حيث هلت علينا الدعوات للزيارة وإلقاء المحاضرات في مراكز بحثية في أمريكا والبرازيل والنمسا وهنكاريا وغيرها..
في عام 1981 تم نقلي إلى مجلس البحث العلمي المتأسس حديثا، ولكني بقيت متعاونا مع أستاذي ونشرت معه 5 بحوث مشتركة اخرى حازت على درجة كبيرة من الإعجاب لعمق ما تحتويه من نتائج.
في عام 1992 غادرت العراق إلى ليبيا ومن ثم إلى نيوزلندة وبقيت أستشف أخبار أستاذي من هذا وذاك. في عام 2015 زرت العراق وبقيت في بغداد شهرين، قمنا بزيارته ( وفد من 5 باحثين وأساتذة جامعة ) ، كنا جميعا مساعدين له في الفترة المضيئة لمنظمة الطاقة الذرية، التي كان يعين ويعمل بها المتفوقون في كافة الاختصاص، وبغض النظر عن العرق والدين والمذهب وحتى الإنتماء السياسي، كان جل تفانيهم من أجل تطوير العلم والحياة في العراق ليس إلا. ولكننا تألمنا كثيرا عندما وجدناه فريسة مرض ألزهايمر حيث فقد الكثير من ذاكرته الفذة، ولكنه تذكرنا وأهدى كل واحد منا نسخة من كتابه الصغير الذي ألفه قبل سنوات تحت عنوان ( فصول في التطور). الذي وجدته غاية في العمق العلمي والفني والإنساني. ( قبل فترة وجيزة وصلني خبر وفاة هذا العالم الكبير في بغداد. رحمك الله استاذي الفاضل الدكتور محمد سعيد هاشم وأسكنك فسيح جنانه.
الضمير الميت
في مختبر آخر في معهد البحوث النووية، كان هناك أستاذا فاضلا آخر ومساعده الذي بذل جهدا كبيرا في تعليمه، بعد ثلاث سنوات من عملهم معا في مجال آخر نشرا خلالها بحثين وربما أكثر، جاءه مساعده في أحد الأيام مقدما طلبا للموافقة على منحه إجازة دراسية لمدة سنتين للدراسة خارج العراق للحصول على شهادة الماجستير. وبكل طيبة قلب وضمير حي، وافق أستاذه وأخذ الطلب بيده للدائرة العليا للحصول على موافقة مدير المعهد، وتمت الموافقة بشرط الكفالة المالية، تبرع الأستاذ أن يكون الكفيل المالي لمساعده. وبرسالة توصية فخمة منه حصل المساعد على القبول في إحدى جامعات بريطانيا. بعد مرور سنتين أستلم الأستاذ رسالة من مساعده يخبره بأن لديه نتائج كثيرة تؤهله لتحويل دراسته للدكتوراه، راجيا منه السعي في إدارة المعهد لتحويل إجازته الدراسية من سنتين إلى ثلاث. وبالفعل سعى الأستاذ بكل جهده وحصل لمساعده التمديد المطلوب مع زيادة مبلغ الكفالة المالية. ومرت السنة وتخرج المساعد، وعاد بشهادة الدكتوراه، ولكنه عاد بشخصية مختلفة مرعبة بنفخته وتكبره وهو يضع البايب في فمه ، بخرج منه بين حين وآخر غمامات من الدخان الأبيض، ينظر إلينا، نحن زملائه الشباب، الذين التففنا حوله مرحبين بعودته من الغربة بوجه معقود الحاجبين، راسما على وجهه إبتسامة ميتة ، يتكلم بلغة ممزوجه بقباحة بين العربية والإنجليزية، وكان أول تصريح له امامنا نحن الجيل الجديد من الباحثين بأن ( كل بحوث أستاذه خرط) ( أستاذه الذي علمه وأرسله وتكفله ) وأنه عاد ليعدل مسيرة البحوث في مختبر أستاذه. انفضضنا من حوله بقسوة لأننا رأيناه ميتا ما دام ضميره قد مات.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,563,708,161
- تباين السلوك بين الاغنياء
- من هو التكنوقراط؟
- حلاوة الذاكرة (قصة قصيرة)
- أسرار الدموع
- من هم العراقيون؟
- حقائق مثيرة عن الفراعنة
- لماذا وكيف يصل الانسان للعمر الثالث؟؟


المزيد.....




- قرية مسكونة بإيران لم يبنها بشر.. استكشف هذه الهياكل الغريبة ...
- ظهور المصرية مي كساب بـ-مكياج- وغنائها وهي -حامل بالشهر 9- ي ...
- لأول مرة.. افتتاح فندق فاخر في أراضي قصر فرساي الأشهر في فرن ...
- بروكسل تهدد بالرد على الرسوم الأميركية
- تقنية -ينوت- الرادارية لصيد الدرونات
- قطة "مشاغبة" تتسبب باستدعاء زوجين من قبل قوى الأمن ...
- الشرطة المكسيكية تفرج عن نجل "بارون المخدرات" بعد ...
- قطة "مشاغبة" تتسبب باستدعاء زوجين من قبل قوى الأمن ...
- الشرطة المكسيكية تفرج عن نجل "بارون المخدرات" بعد ...
- ?الأغذية الجاهزة تضعف المناعة


المزيد.....

- مقترحات غير مسبوقة لحل أزمة التعليم بالمغرب / المصطفى حميمو
- معايير الامن والسلامة المهنية المتقدمة وأساليبها الحديثة / سفيان منذر صالح
- التربية على القيم في المدرسة / محمد الداهي
- أصول التربية : إضاءات نقدية معاصرة / د. علي أسعد وطفة
- التعليم والسلام -الدور الأساسي للنظام التربوي في احلال السلا ... / أمين اسكندر
- استراتيجيات التعلم النشط وتنمية عمليات العلم الأهمية والمعوق ... / ثناء محمد أحمد بن ياسين
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في السياقات العربية ، إشكا ... / زياد بوزيان
- احذر من الكفر الخفي / حسني البشبيشي
- دليل مواصفات المدققين وضوابط تسمية وإعداد وتكوين فرق التدقيق / حسين سالم مرجين
- خبرات شخصية بشأن ديمقراطية العملية التعليمية فى الجامعة / محمد رؤوف حامد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - زهير صادق الحكاك - الضمير